رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 22 شوال 1421هـ الموافق 17 يناير 2001
العدد 1461

الاتجاهات حول الإنفاق على التعليم العالي والحوار المطلوب*(يتبع)

إضافة إلى ذلك أوضح (بوبطانة، 1991) عند تناوله لتمويل التعليم العالي العربي أن سبب مشكلات التعليم العالي المالية لا يرجع بشكل رئيسي لقلة أو تناقص الدعم الحكومي له فقط وإنما يرجع أيضاً إلى الاستخدام غير العقلاني وغير المرشد للموارد المتوفرة···، والتضخم الملحوظ من ميزانية المؤسسات للنواحي الإدارية بدلاً من النواحي الأكاديمية· كما نبه إلى عدم إمكانية إحداث تطور كمي ونوعي إذا استمر تقليص الموارد المالية·

وهنا لابد من التأكيد على ضرورة تحديد مفهوم التنمية لأنه مفهوم متغير· والمفهوم الأكثر حضوراً في أذهان الكثيرين هو المفهوم الغربي للتنمية (التصنيع) باعتبار المجتمعات الغربية نموذجاً يحتذى به· وضمن هذا المفهوم ينظر الفكر الغربي إلى التربية على أنها ضرورة اقتصادية لتوفير قوى بشرية تنهض بمتطلبات التنمية الاقتصادية، (البلاوي، 1993)· إن وضوح الرؤية حول التنمية المراد تحقيقها مسألة في غاية الأهمية لأن للكلمات مدلولات متباينة تعيق الفهم المشترك وتزيد من تعقيد المشكلة· وليس واضحاً ما إذا كان مفهوم التنمية في خطة التنمية الأولى هو نفس المفهوم في الخطط التنموية التي تلتها تباعاً· إلا أن الحوار الهادف والبناء حول المفاهيم وحول خطط التنمية نفسها يعد ضماناً لوضوح الرؤية وتعميق الفهم المشترك وتوحيد الهدف· إضافة إلى هذا يدعو (رضا، 1984) إلى تبسيط التوقعات التنموية من الجامعة وعدم الإسراف في التأكيد على المضمون الاقتصادي للتنمية· إذ بالإضافة إلى أهمية الجانب الاقتصادي للتنمية فإنه يلزم أن تصاحبه عمليات تنمية لجوانب الحياة المختلفة والجامعة يمكنها أن تساعد في ذلك ولكنها لا تصنعه بمفردها·

وننتقل الآن إلى مناقشة أحد معالم توجيه خطة التنمية السادسة ذلك المتعلق بزيادة الطاقة الاستيعابية للجامعات في التخصصات التي تتطلبها قطاعات الاقتصاد الوطني وتشجيع الطلبة على الالتحاق بالتخصصات العلمية· يعد هذا التوجه توجهاً إيجابياً طموحاً إلا أن إمكانية تحقيقه تحتاج إلى تمويل سخي من جانب الدولة خصوصاً أن تكلفة إعداد طالب الدراسات العلمية والتطبيقية تفوق بكثير تكلفة إعداد طالب الدراسات النظرية بسبب عدم حاجة الأخيرة إلى الكثير من التجهيزات والمعامل ونحوها· وفي الوقت الحاضر الذي تعاني فيه  جامعاتنا عجزاً في التمويل مع غلبة التخصصات النظرية فيها وارتفاع نسبة طالب إلى عضو هيئة تدريس، ونقص في أعداد أعضاء هيئة التدريس الذي تأثر بتباطؤ خطى برامج الابتعاث خلال التسعينيات نتوقع أن يكون الوضع أكثر صعوبة في حالة التحول نحو التخصصات التي تطالب بها خطة التنمية· كما أن إحداث هذا التحول يتطلب تغييرات جذرية في أهداف الجامعات الحالية ومنشآتها وهياكلها الإدارية والأكاديمية الذي يصعب تحقيقه في ظل التوجه نحو خفض الإنفاق·

وهذا ما يعود إلى الاعتقاد بوجود بعض التعارض بين الواقع والطموحات· فكثيراً من المعوقات التي تسعى خطى التنمية السادسة إلى معالجتها تعد إفرازات لخطط تنموية سابقة طموحة لم يتم التصدي لها في حينها أو تم قبولها كواقع معاش أو النظر إليها على أنها لا تعدو أن تكون مجرد تباين بين الطموح والواقع· ويصف (الجلال، 1416) وضعاً مشابهاً بقوله إن دول الخليج العربي تعي أهمية التخطيط الشامل والمتوازن إلا أن الملفت للنظر هو أنه على الرغم من هذا الوعي الواضح فإن الأمور تبدو على غير ما يراد ومن أسباب ذلك القصور في شمول الخطط وتوازنها أو الخلل في تنفيذها ومتابعتها· وأكثر ما يخشى الآن هو أن نواجه في المستقبل معوقات لخطة التنمية السادسة كما نواجه الآن معوقات خطط التنمية السابقة ومخرجاتها· إن هناك حاجة للنقد الذاتي لتقييم الأوضاع وتحديد مواطن القصور وأسبابه حتى لا تتكرر معوقات الماضي·

أما فيما يتعلق بمنح المكافآت والمنح الدراسية بصورة انتقائية وعلى أساس الحاجة والتفوق والجدارة ودراسة قصر تلك المكافآت على التخصصات العلمية التي يشتد عليها الطلب باستمرار فإن اعتماد الكفاءة والجدارة يعد توجهاً تكتنفه الكثير من المحاذير التي قد يعيها بعض المطالبين به وقد يتجاهلها آخرون· من المعلوم أن هناك جدلا قائما حول معايير الجدارة والكفاءة· إذ ينادي البعض باللجوء إلى الاختبارات لعدم موضوعيتها وانحيازها لفئات اجتماعية وتحيزها ضد فئات اجتماعية اخرى· وهي لذلك يمكن أن تتحول إلى أداة لاستمرار التفاوت والتمايز وإعادة إنتاجه (بدران، 1989)، (السهلاوي، 1993)· يضاف إلى هذا أن اعتماد الجدارة والكفاءة في الاختيار وقبول الطلاب لكي يتم تقبله من الجميع يجب أن يكون تطبيقاً عاماً في جميع المؤسسات من خلال كونه قيمة مجتمعية سائدة على مستوى الفكر ومستوى الممارسة·

وقبل أن ننهي هذا الجزء من الدراسة لابد من التوقف عند مسألة مساهمة القطاع الخاص في تمويل التعليم العالي وتشجيع القطاع الخاص على إنشاء كليات جامعية أهلية وكليات تقنية· من الملاحظ أن هناك اتجاهاً حكومياً عاماً نحو الخصخصة شمل الكثير من القطاعات الاقتصادية في المجتمع وقد بدأ هذا التوجه يعكس نفسه على المؤسسات التعليمية باعتبارها جزءاً من المجتمع الأشمل· إن هذا التوجه لا يخلو من بعض المخاطر إذا ما انتهج بدافع الرغبة في التخلص من الضغوطات التي تواجهها مؤسسات التعليم العالي المتمثلة في زيادة أعداد الطلبة وتقلص الموارد وتضاؤل الإنفاق وبالتالي ترك الأمور للقطاع الخاضع لقوى السوق المختلفة الذي رأى فيه (هلال، 1993) تعبيراً صريحاً عن فلسفة رأسمالية· وفي موقع آخر يرد (هلال، 1992) على من يرى أن إشراف الدولة على الجامعات الخاصة كافياً للحد من اتجاهها اتجاهاً مخالفاً للمصلحة الوطنية وتحقيق الوحدة الاجتماعية بين فئات المجتمع موضحاً أن الجامعات الخاصة تغرس قيماً ومفاهيم لا يمكن لإشراف الدولة التحكم فيها ضارباً مثلاً في ذلك بالجامعة الأمريكية في مصر التي رأى فيها نموذجاً للدولة داخل الدولة·

إن الاندفاع نحو الخصخصة  وكأنها العلاج الشافي لمشكلات التمويل، أو المنفذ من كل الأزمات التي تواجه التعليم العالي ما هو إلا تخلياً عن إحدى المسؤوليات الوطنية ليحددها القطاع الخاص، كما يمكن أن تنتج عنه مشكلات أخرى· وهذا ما أكده التقرير المقدم عن الندوة الإقليمية حول تعبئة موارد إضافية للتعليم العالي التي عقدت في بانكوك في أغسطس 1988 عندما ذكرت أن تجارب الحصول على التمويل من القطاع التجاري تشير إلى أن تحقيق النجاح والاستفادة من هذا التمويل يتطلب جهوداً مكثفة وتخطيطاً حكيماً· ومع هذا فإن المؤسسات التعليمية الخاصة قد تؤدي إلى ظهور مشكلات مثل الانخفاض المحتمل في نوعية المواد الدراسية أو قصر التعليم فيها على الفئات الغنية من المجتمع دون غيرها بسبب قدرتها على دفع تكاليف التعليم المرتفعة، (السرقبي، 1991)·

قد يرى البعض أن الواقعية في التفكير تفرض مجاراة التيار السائد نحو تحويل كل ما هو ملكية عامة إلى ملكية خاصة والاستجابة لقوانين السوق· إلا أن في هذه المجاراة تفويضاً لمبدأ تكافؤ الفرص وتضحية بكل ما تحقق من عدالة اجتماعية مكنت الكثيرين من معارضي الإنفاق العام الآن من الاستفادة من ذلك الإنفاق الذي يدينون له بالكثير· أما رجال الأعمال (القطاع الخاص) فيرون في التوجه نحو الخصخصة فرصة استثمارية واعدة، فالتعليم العالي في نظر بعضهم مجرد مشروع اقتصادي يمكن ان يجنوا من ورائه أرباحاً مجزية· وبهذا يتحول التعليم العالي إلى سلعة محتكرة لن يحصل عليها إلا من يستطيع دفع تكلفتها·

هذه أهم معالم خطة التنمية السادسة ذات العلاقة بالإنفاق على التعليم العالي التي حاولنا من خلال تناولها إبراز بعض الجوانب التي أمل في فتح الباب واسعا للتحاور بشأنها· ونظرا الى أن خطة التنمية السادسة قد تطرقت لبعض مصادر وأساليب تمويل التعليم العالي كالرسوم الدراسية والقروض الطلابية والتي تعد أساليب يمكن اللجوء إليها لمواجهة الضغوطات المالية فإننا سنخصص الجزء الأخير من هذه الدراسة لمناقشة هذه الأساليب من خلال استعراض تطبيقاتها في عدد من دول العالم بغية إلقاء الضوء على الجوانب الجدلية فيها من غير إغراق في تفاصيلها:

 

أولاً- الرسوم الدراسية

 

يعد نظام الرسوم الدراسية أحد الأساليب المتبعة في تمويل التعليم العالي التي تعد أكثر أشكال المشاركة الخاصة شيوعاً وأكثرها إثارة للجدل خصوصاً في الأقطار غير المعتادة على مثل هذه الرسوم إذ يثير إدخال هذا الأسلوب في دول اعتادت مجانية التعليم معارضة شديدة· وفي هذا الأسلوب يقوم الطالب أو ولي أمره بدفع رسوم دراسية مقابل التعليم الذي يتلقاه كوسيلة لاستعادة التكلفة المدفوعة للتعليم العالي· إن المنادين باتباع هذا الأسلوب يرون أنه يتصف بنوع من العدالة لأن المستفيد المباشر من التعليم هو الذي يقوم بدفع رسومه لاسيما أن الحصول على التعليم العالي يتبعه مكاسب اقتصادية واجتماعية تعود على الطالب· كما أن تلقي الطالب تعليماً مجانياً قد ينشأ عنه استخدام غير فعال للموارد وانخفاض في الحافز مقارنة بوضع آخر يدفع فيه الطالب مقابلاً للتعليم الذي يتلقاه (Tilak snd Varghese,)·

إلا أن هناك من يرى فيها عبئاً مالياً ثقيلاً على الطالب وأن تخليصه من هذا القلق المالي أثناء الدراسة سيمكنه من التركيز على عمله الأكاديمي وإنهاء دراسته في وقت أقصر· إضافة إلى أن هذه الرسوم يمكن أن تؤدي الى التسرب أو إنهاء الدراسة في وقت أطول أو إعاقة أبناء الفئات الققيرة في المجتمع عن الالتحاق بالتعليم العالي (Williams,)·

ويضيف (Williams, 1996) أنه على الرغم من هذا الاختلاف حول الرسوم الدراسية فإن كثيراً من دول العالم تشهد تحولاً تدريجياً في الموقف من مشاركة الطالب في تمويل التعليم العالي بحيث أًصبحت الأسئلة المطروحة هي كم يدفع الطالب؟ ومتى يدفع؟ وكيف يدفع؟ وما هو الأسلوب الفعال؟ فقيل لابد أن تكون هناك علاقة بين التكلفة والرسوم المفروضة وأن ترتبط الرسوم بالقدرة الاقتصادية بدلاً من أن تكون رسوماً موحدة على الجميع لكي يمكن تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية بين فئات المجتمع المختلفة· كما يجب أن يرتبط الرسم بنوع البرامج الدراسية والتخصصات لأن التكلفة والعائد تختلف باختلاق التخصص· ولهذا رأى (أبراهيم وآخرون، 1991) ضرورة إجراء دراسات مستفيضة لحساب التكلفة الحقيقية لطلاب الكليات النظرية والكليات العلمية عند إقرار الرسوم الدراسية· كما اقترحوا إعفاء الطلاب المتفوقين من الزيادة في الرسوم لدفعهم للتفوق الدراسي وكذلك أبناء غير القادرين·

أما في الأردن فإن الطلاب الراغبين في متابعة تعليمهم العالي يشاركون في تمويل هذا التعليم عن طريق دفع رسوم دراسية· إذ تشكل الرسوم الدراسية ما نسبته %34.7 تقريباً من مصادر الأموال الجامعية للعام 1989 (عبدالرحمن، 1991)· وعند مناقشته لمسألة تمويل التعليم العالي في باكستان أوضح (Khan, 1991)· أن البعض يرى أن الرسوم الدراسية من الممكن أن توفر مورداً لتمويل التعليم العالي ولكنهم يشككون في ضمانة أن تخصص الرسوم المحصلة من طلاب التعليم العالي في الصرف على النظام التعليمي نفسه·

وقد أظهرت بعض الدلائل أن الرسوم الدراسية قد ساعدت في تشجيع الطلاب على مواصلة وإنهاء دراستهم على الرغم من حدوث العكس في بعض الأحيان إذ قد يجد الطالب نفسه مجبراً على العمل أثناء الدراسة مما يؤدي إلى تأخره في إنهاء الدراسة· كما أن الرسوم الدراسية قد تؤدي إلى تنافس الجامعات من أجل الحصول على أكبر عدد من الطلاب حتى إن كان ذلك على حساب الجودة (Williams, 1996

وفي الولايات المتحدة الأمريكية أوضح (Honeyman and Others, 1996) أن الرسوم الدراسية تدفع الطالب إلى العمل أثناء الدراسة مما يطيل الفترة اللازمة لإنهاء الدراسة أو قد تضطره إلى الانقطاع عن الدراسة· كما لاحظ أن زيادة الرسوم الدراسية على الطالب لم يصاحبها تغيير ملحوظ في الخدمات المقدمة مما أدى إلى حالة من الشك لدى المواطنين تجاه أهداف التعليم العالي وكفاءة مؤسساته في تحقيق هذه الأهداف، مما أبرز مسألة جودة التعليم والمحاسبة الإدارية إلى السطح في ظل مطالبة الدولة والمواطنين لمؤسسات التعليم العالي بتقديم معلومات عن الجدوى الاقتصادية للتعلم العالي والكيفية التي تصرف بها هذه المؤسسات الأموال المخصصة لها·

 

ثانياً - القروض الدراسية

 

تعد القروض الدراسية واحدة من آليات استعادة تكاليف التعليم العالي لتحقيق عدالة أكبر بين المواطنين· ويرى (Tilak & Varghese, 1991) أن القروض الطلابية تعد وسيلة لدعم تكلفة التعليم العالي بواسطة الطالب· إذ يقوم الطالب بتمويل تعليمه العالي عن طريق دفع مؤجل ويتم استعادة القسط بطرق وأساليب تختلف باختلاف الدول التي تأخذ بهذا الأسلوب·

ويشير (Woodhall, 1991) إلى أن كثيراً من الدول قد اتجهت إلى تعديل أساليبها في تمويل التعليم العالي ومنها السويد والمانيا· فألمانيا قامت بإلغاء المنح عام 1982 ولكنها أعادتها عام 1990 لأن الاعتماد الكلي على القروض كان عاملاً غير محفز لكثير من الطلاب ذوي الدخول المنخفضة ويذكر هنا أن السويد وألمانيا تمنح قروضاً تغطي التكاليف المعيشية للطلاب فقط لأن الرسوم الدراسية مجانية كما هو الحال في معظم دول أوروبا· ففي بريطانيا مثلاً تحصل غالبية الطلبة على مجانية دراسية بالإضافة إلى قروض من دون فوائد لكل طالب متفرغ تفرغاً كلياً للدراسة بصرف النظر عن دخل أسرته· ويستخدم نظام القروض في اليابان وهونغ كونغ وماليزيا وسنغافورة والفلبين باعتباره وسيلة رئيسة لتمويل التعليم العالي، وللمحافظة على تكافؤ الفرص التعليمية·

ورأى (بوبطانة، 1991) في القروض الدراسية أسلوباً تمويلياً ثبتت فعاليته في كثير من الدول المتقدمة، إلا أنه أوضح أن هذا الأسلوب قد لا يكون له نفس الأثر في دول تعاني من معدلات نمو منخفضة ونسب بطالة مرتفعة، ولكنه ذكر إمكانية اعتماده بسهولة في الدول العربية المنتجة للنفط· وفي مصر اقترح (إبراهيم وآخرون، 1991) وجوب زيادة القروض التي يحصل عليها الطلاب لتغطي رسوم الدراسة ونفقات المعيشة لإتاحة الفرصة لذوي الدخول المحدودة لاستكمال تعليمهم الجامعي على أن تسدد هذه القروض بعد التخرج· وأكدوا على أنه من الأجدى إعطاء الطلاب قروضاً لاستكمال تعليمهم إذا كان من المسموح به إعطاء رجال الأعمال ملايين الجنيهات لاستكمال مشروعاتهم التي قد تفشل أحياناً·

أما في الهند فيتم استعادة القرض عن طريق أقساط شهرية بعد مرور سنة من تخرج الطلاب وحصوله على وظيفة أو بعد ثلاث سنوات من إنهاء دراسته· ويتم تدوير هذه القروض بعد سنوات عدة من استخدامها لكي يحقق هذا البرنامج تمويلاً ذاتياً بمعنى أن تمنح قروض من القروض المحصلة مما يخفف من الأعباء المالية عن كاهل الدولة· وقد واجه برنامج القروض هذا بعض المشكلات منها:

1 - عدم توافر سجلات رسمية دقيقة لدخول الأفراد وممتلكاهم·

2-  إن معظم طلاب التعليم قد تجاوزوا السن القانونية وأصبحوا مسؤولين قانونياً عن أنفسهم وبالتالي لا يمكن مطالبة أولياء الأمور بتحمل نفقات تعليم أبنائهم·

3 - إن الآباء والأبناء يرون أن الدولة هي المحتاجة إلى قوة عاملة مدربة ومتعلمة لهذا عليها تحمل النفقات·

ونتيجة لهذه الأسباب لجأت بتسوانا إلى نظام القروض الدراسية التي تغطي الرسوم الدراسية والسكن والنقل والكتب بالإضافة إلى مخصص مالي للمصروفات الشخصية· وتمنح هذه القروض لكل طالب مؤهل على أساس التحصيل الدراسي في اختبار الثانوية العامة بصرف النظر عن دخل الأسرة· وفي حالة قبول الطالب في هذا البرنامج فإنه يلزم نفسه بالتعيين في وظيفة حكومية أو في القطاع الخاص لفترة من الزمن تعادل مدة دراسته الجامعية يضاف لها سنة أخرى· ويوقع الطالب على تعهد (اتفاقية) تلزمه بالدفع للدولة نسبة من دخله بعد التوظيف تعادل %5 من إجمالي مرتبه ( Mokgwathi, 1992

ويضيف (Mokgwathi, 1992) أن المعايير الأساسية لتخصيص هذه القروض هو احتياجات البلاد من القوى العاملة ثم رغبة الطالب في حقل الدراسة· ويقوم قسم المنح والقروض بالاحتفاظ بسجلات كاملة عن كل طالب وتخصصه ومكان دراسته والسنة المتوقعة لتخرجه ثم يقوم هذا القسم بوضع المتخرجين في القطاعات التوظيفية المختلفة سواء كانت حكومية أو خاصة بعد أخذ رغبات الخريجين في الاعتبار· وبعد التعيين تتخذ الترتيبات اللازمة مع الجهات الموظفة لخصم النسبة المتفق عليها من راتبه الشهري· إلا أن هذا البرنامج يطرح مجموعة من التساؤلات كحجم القروض، وهل يجب أن يغطي القرض الرسوم الدراسية ومصاريف الإعاشة أم أحدهما؟ ولكي تشجع حكومة بتسوانا دخول البلاد إلى عالم التقنية الحديثة فلابد لها من دفع مخصصات عالية للطلاب الذين يدرسون التخصصات التقنية ولهذا تم اقتراح إعادة تنظيم برنامج القروض بحيث يحصل الطالب الذي يدرس في المجالات العلمية والتقنية على دعم أكبر، وتقدم المسؤولون بثلاث فئات من المواد والتخصصات·

1 - التخصصات الأساسية والمهمة لاقتصاد البلاد·

2 - تخصصات أخرى غير أساسية·

3 - تخصصات يرغبها الطالب نفسه·

فالطلاب في الفئة الأولى يحصلون على منح تغطي جميع التكاليف الدراسية بالإضافة إلى مخصصات أخرى· أما طلاب الفئة الثانية فإنهم يحصلون على منح ومخصصات أقل· في حين أن على طلاب الفئة الثالثة أن يعتمدوا على مواردهم الخاصة في تغطية مصاريف الإعاشة بينما يمكن أن لا يدفعوا رسوماً دراسية·

وبين (Kahubi, 1992) عند مناقشته لمسألة تمويل التعليم العالي في يوغندا أن الزيادة في تكلفة الإنفاق على التعليم والحاجة إلى ديمقراطية الحصول على التعليم جعل من الضروري إعادة النظر في وسائل تمويل التعليم العالي· لذا طالب البعض بأن يدفع الطالب جزءاً من تكلفة تعليمه· وقدمت حكومة يوغندا برنامج عمل للطلبة المحتاجين بحيث يتم تعيين الطلاب المحتاجين وغير القادرين على دفع نفقات تعليمهم في أعمال الجامعة لكسب بعض المال وتقوم الإدارة المحلية والمجتمع المحلي بتحديد هؤلاء الطلاب· ويخشى أن يرسخ هذا الإجراء الاعتقاد الخاطئ أن العمل هو للطالب المحتاج أو أن الإنسان لابد أن يكون محتاجاً ليعمل بدلاً من غرس قيم حب العمل والاعتماد على النفس في نفوس الطلاب جميعاً·

وقد شكلت الحكومة اليوغندية لجنة لمراجعة السياسة التعليمية وقدمت هذه اللجنة تقريراً توصلت فيه إلى أن تكلفة التعليم العالي يجب أن يشترك في تحملها الحكومة والمستفيدون من التعليم العالي· وللتخفيف على أولئك الطلبة الفقراء اقترحت اللجنة نظام قروض الطلبة وكذلك توفير فرص العمل الجزئي لهم ويمكن تلخيص توصيات اللجنة في الآتي:

1 - يجب أن يتحمل الطلبة وأولياء أمورهم مسؤولية كاملة لجميع التكاليف غير الدراسية مثل النقل والتغذية والإسكان والكتب·

2 - بالنسبة للطلبة الذين لا يستطيعون توفير الأموال المطلوبة تقوم الدولة بإنشاء برنامج للقروض تدفع بعد التخرج وحصول المتخرج على وظيفة·

3 - تقوم الجامعة والمؤسسات الأخرى في المجتمع بتوفير فرص عمل جزئي للطلبة غير القادرين على تحمل دراستهم·

4 - تكون مسؤولية الدولة تجاه الطلبة مقصورة على دفع الرسوم الدراسية والعناية الطبية·

5 - أن يتمتع الطلبة المحتاجون وأولئك الذين يدرسون تخصصات تحتاجها البلاد بأولوية في الحصول على القروض·

وأوضحت اللجنة أن هناك مجموعة من الصعوبات التي قد تواجه محاولات إصلاح نظام التعليم العالي ومنها:

1 - معارضة الطلبة وأولياء أمورهم لأية مقترحات تهدف إلى تحميلهم تكاليف التعليم·

2 - خشية الحكومة من معاداة الشباب لها·

3 - عدم قدرة الحكومة أو القطاع الخاص على توفير وظائف للطلبة المتخرجين ما سيعيق دفع القروض·

4 - مسألة من سيمنح هذه القروض، الدولة أم البنوك التجارية؟ وكيف سيتم التعامل مع قضية التضخم·

 

ثالثاً - ضرائب تشغيل الخريج

 

أحد مصادر تمويل التعليم العالي في بعض الدول ويتم بموجبه فرض ضرائب للصرف على التعليم العالي للسنوات المقبلة، (Tilak and Varghese, 1991

ويضيف (Tilak and Varghese, 1991) أن هذا الأسلوب لا يخلو من بعض السلبيات ومنها أنه قد يؤدي إلى تردد الجهات الموظفة أو امتناعها عن ووظيفة الخريجين الجامعيين مما قد يضاعف من بطالة الخريجين· ولكنهما يؤكدان على إمكانية التغلب على هذه السلبية إذا كانت العلاقة بين التعليم والإنتاجية علاقة مرتفعة جداً وكذلك العلاقة بين نوع التعليم الذي يتلقاه الطالب والعمل المستقبلي الذي سيمارسه بحيث يصعب على خريج تخصص معين القيام بعمل خريج آخر في تخصص آخر·

إن هناك الكثير من المصادر والبدائل لتمويل التعليم العالي ولكننا سنكتفي بهذه الأساليب التي حاولنا من خلال عرضها إبراز الجدل الدائر حولها والصعوبات التي يمكن أن تواجه تطبيقاتها ولهذا فإن تبني أي منها يحتاج إلى معرفة عميقة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة· كما أن اللجوء الى أي بديل لن يكون مجدياً أو مقنعاً لأحد ما لم يتم التصدي الحازم والقضاء النهائي على أسباب الهدر في التعليم العالي· عندئذ يكون البحث عن صيغ جديدة لتمويل التعليم العالي مبرراً وستكون فرص نجاح هذه الصيغ أكبر إذا كانت مبادئ المساواة  وتكافؤ الفرص التعليمية حاضرة حضوراً مؤكداً·

 

* المجلة التربوية - المجلد الرابع عشر - العدد 56·

** دكتوراه في الإدارة التربوية من جامعة ميتشغان 1987 - أستاذ مشارك في قسم الإدارة التعليمية - كلية التربية - جامعة الملك فيصل - المملكة العربية السعودية·

 

__________________________

للعودة

طباعة  

الاتجاهات حول الإنفاق على التعليم العالي والحوار المطلوب*