· سوف تزداد حدة المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها التعليم العالي في الوطن العربي مثل تضخم بطالة الخريجين خلال القرن الحادي والعشرين
· تعد مسألة الإنفاق على التعليم العالي وتمويله أهم القضايا في البلدان النامية وأكثرها إثارة للجدل وهي في حاجة دائمة للمناقشة والبحث
دكتور عبدالله السهلاوي**
تعد مسألة الإنفاق على التعليم العالي وتمويله من قضايا الساعة في البلدان النامية وأكثرها إثارة للجدل وهي لذلك في حاجة دائمة للمناقشة والبحث· وفي المملكة العربية السعودية أثر النمو السكاني المتسارع وانخفاض أسعار النفط في قدرة الدولة على الاستمرار في الإنفاق على التعليم العالي بنفس الوتيرة السابقة· وإزاء هذا الموضع طرحت رؤى مختلفة حول سبل الخروج من هذا المأزق برزت في اتجاهات رئيسية ثلاثة هي:
1 - إعادة النظر في مجانية التعليم العالي أو إلغائها وتحميل الطالب وأسرته نفقات تعليمية أو جزءاً منها، والحد من القبول وربط التعليم العالي باحتياجات سوق العمل والتوسع في فتح الجامعات الأهلية·
2 - الإبقاء على المجانية والتوسع في القبول وزيادة الموارد المالية مع ترشيد استخدامها تحقيقاً لمبدأ تكافؤ الفرص التعليمية وديمقراطية التعليم·
3 - انتهاج موقف وسط بين الاتجاهين السابقين، بالاعتماد على التمويل المختلط مع التأكيد على مسألة الجدارة والأهلية وعدم تجاهل مسألة العدالة الاجتماعية·
ونتيجة للنمو السكاني المتسارع وتطور الوعي الثقافي والاجتماعي والطموحات الفردية والأسرية شهد التعليم العالي في المملكة العربية السعودية زيادة كبيرة في أعداد الراغبين في الالتحاق به· وكانت الدولة قد اتجهت عند بدايات نشوء مؤسسات التعليم العالي إلى تعميم التعليم العالي والتوسع في توفيره مجاناً والإنفاق عليه بسخاء بسبب قلة أعداد الطلبة وتوافر ثروة ريعية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات حتى ذهبت الدولة إلى تقديم حوافز مالية لاجتذاب الطلاب من أجل توفير الكوادر الوطنية المؤهلة اللازمة لحاجات التنمية·
إلا أن هذا الوضع سرعان ما أخذ في التحول، بسبب عدم الاستقرار في أسواق النفط العالمية· وإزداد الأمر سوءاً بنشوب حرب الخليج الثانية، إذ تراجعت إيرادات المملكة وواجه اقتصادها صعوبات بالغة جعلتها غير قادرة على الاستمرار في الإنفاق على التعليم العالي بنفس الوتيرة السابقة· إضافة إلى ذلك فإن التوسع في التعليم العالي والجهود المبذولة للارتقاء به لم ترق إلى المستويات المأمولة ولم تحقق ما تحتاجه خطط التنمية من الكوادر ذات النوعية العالية، بل تكدست أعداد كبيرة من الخريجين في تخصصات غير مطلوبة فيما شهدت تخصصات أخرى عجزاً هائلاً فنشأت بطالة سافرة ومقنعة بين الخريجين،·
وأخذ البعض يحذر من قتامة المستقبل القريب، فالزيادة المتوقعة في عدد السكان تنذر بزيادة عدد الراغبين في الالتحاق بالتعليم العالي إلى حد قد لا تكون فيه الدولة مستعدة أو حتى قادرة على الإنفاق عليه لاسيما أن تكاليفه آخذة في الزيادة مما سيؤدي إلى تضاؤل الإنفاق وعجزه عن الاستجابة للاحتياجات التعليمية المتوقعة في المستقبل الذي ينعكس على المؤسسات التعليمية إما بالانكفاء على ذاتها أو الاكتفاء بتقديم موضعات ذات كلفة اقتصادية منخفضة وتكديس أعداد كبيرة من الطلاب في قاعات الدرس مما يشكل تهديداً للجودة النوعية، وهذا ما استخلصه (رحمة، 1994) الذي رأى أن حدة المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها التعليم العالي في العالم العربي سوف تزداد كمشكلات تضخم تكاليفه وشح نفقاته ووجود هدر في داخله وسوء استخدام الموارد وبطالة الخريجين وسوء الاستفادة منهم· وفي مواجهة هذا الوضع تعالت الأصوات وتضاربت الآراء حول سبل الخروج من هذا المأزق· وبرزت ثلاثة اتجاهات رئيسية·
فمن المؤكد أن الاتفاق حول هذه القضية هو نوع من الوهم، اذ من الطبيعي أن تتفاوت الرؤى حول هذه المسألة· وانطلاقاً من أن لكل اتجاه من الاتجاهات السالفة أسسها ومبررات يستند إليها فإن هذه الأسس لا يمكن تجاهلها عند مناقشة قضية الإنفاق على التعليم العالي· كما أن هذه القضية لا يمكن تناولها بمعزل عن التأمل في أهداف الجامعة· ولأن الحلول الجاهزة والتدابير العاجلة والجزئية من شأنها تعميق المأزق وتشتيت الجهود في وقت تشتد فيه الحاجة إلى اتخاذ قرارات حاسمة حول الإنفاق على التعليم العالي فإن الهدف الأساسي لهذه الدراسة هو استحضار الجوانب النظرية والأبعاد الفلسفية لهذه القضية ووضعها أمام متخذ القرار التعليمي في المملكة العربية بغية توفير المزيد من المعلومات والبيانات اللازمة لاتخاذ مثل هذه القرارات وسوف يتم تحقيق هذا الهدف من خلال:
1 - استعراض أهداف الجامعة ووظيفتها في المجتمعات المعاصرة، وأهم الاتجاهات السائدة حول الإنفاق على التعليم العالي متناولين الحجج والمبررات التي يقدمها كل اتجاه من أجل تأييد موقفه وتدعيمه·
2 - النظر في بنود وفقرات خطة التنمية السادسة في المملكة العربية السعودية المتعلقة بمسألة الإنفاق على التعليم العالي ومناقشتها في ضوء الاتجاهات الرئيسية الثلاثة·
3 - التطرق لبعض أساليب تمويل التعليم العالي الواردة في خطة التنمية السادسة·
وسيلجأ الباحث إلى أسلوب تحليل المحتوى في الأدبيات التي تناولت قضية الإنفاق على التعليم العالي في المملكة السعودية والأدبيات ذات الصلة في هذه القضية في الدول العربية والأجنبية·
أهداف الجامعة ووظائفها
نظراً للموقع المهم والمؤثر الذي تحتله الجامعة في المجتمعات المعاصرة فإنها غالباً ما تجد نفسها غير قادرة على التوفيق بين مطالب كثيرة متوقعة منها· فعلى الرغم من أن (هوسين، 1991) يرى أن البحث عن الحقيقة هو مسوغ وجود الجامعة، فقد لاحظ أننا نطلب الكثير من الجامعة في شكل أهداف غير متوائمة فيما بينها، إذ عليها أن تقوم بدورها في إعداد وتدريب الأطر في وقت يفترض بها تشجيع تكافؤ الفرص التعليمية، كما ينتظر منها أن تسهم في توسيع معرفة وخدمة الاقتصاد الوطني من خلال بحوث تنفع الصناعة والتجارة· أما (دويغر، 1993) فترى أن أهداف الجامعات العربية غالباً ما تكون مجموعة من الآمال والتطلعات العريضة··· التي لا تأتي معبرة عن الحاجات الحقيقية لأفراد المجتمع·
وبعد النقد الذي وجهه (نوفل، 1992) للجامعات العربية بسبب تحولها إلى مصنع إصدار الشهادات ومكان لاجترار المعرفة، رأى أن الوظيفة الأساسية للجامعة هي المحافظة على الخبرات والمعارف الموجودة ونقدها ونشرها واكتشاف آفاق جديدة للمعرفة· مضيفاً أن من بين أهداف الجامعة في البلاد العربية إعداد القوى البشرية المؤهلة ونشر الثقافة والقيام بالبحث العلمي وخدمة المجتمع· واستطرد موضحاً أن هناك فلسفتين رئيسيتين تتحدد في ضوئهما أهداف الجامعة ووظيفتها ودورها في المجتمع، هاتان الفلسفتان هما:
أ - فلسفة ترى أن وظيفة الجامعة الأساسية هي وظيفة علمية معرفية بحتة وأن العلم هدف في حد ذاته بحيث تصبح الجامعة المكان الذي تجرى فيه الدراسة والبحث العلمي·
ب - فلسفة أخرى ترى أن للجامعة وظيفة اجتماعية وسياسية هي توظيف الدراسة والبحث العلمي لمعالجة المشكلات الاجتماعية·
وقد لاحظ (رضا، 1984) أن الإجابات تتنوع حول السؤال التالي: ما هي الأهداف التي تحاول جامعات الخليج تحقيقها؟ وقدم أمثلة من تلك الإجابات على ألسنة بعض قادة الفكر في منطقة الخليج· فمنهم من يطالب الجامعة أن تكون أداة لإعادة اكتشاف الذات وتحرير الفرد الخليجي· ويذهب آخرون إلى المطالبة بأن تساعد جامعات الخليج طلابها على فهم واقع الخليج السياسي والاجتماعي والاقتصادي· بينما يرى مفكرون آخرون أن يرتبط هدف التعليم الجامعي بخدمة التجارة والصناعة· أما وكيل وزارة التعليم العالي السابق في المملكة فقد طالب الجامعة الخليجية بالعناية بتدريب الشباب على الحرف المهنية· وأكد رضا أن هذه المطالب ليست جزءاً من الميراث الجامعي العالمي، فالجامعات لم تكن وليست أماكن لتدريب الصناع، كما أنها لم توجد لتعمل في خدمة المؤسسات الصناعية، لأن مهمتها الأساسية هي نشر المعرفة العلمية وتطوير القدرات العقلية والروحية للأفراد·
وفي سياق حديث (التميمي، 1985) عن فلسفة التعليم الجامعي وأهدافه في منطقة الخليج العربي، وأوضح أن هناك فلسفتين للتعليم الجامعي فلسفة حقيقية - من وجهة نظر الإدارة الحكومية - هي تعليم الأجيال وتأهيلهم من أجل الحصول على وظيفة، وفلسفة معلنة في أدبيات وزارات التربية والتعليم والجامعات الخليجية وهي نصوص عامة منقولة من فلسفات وأهداف الجامعات الأخرى وتصلح لكل زمان ومكان·
وفي خضم هذا الجدل حول وظيفة الجامعة طرح (Williams, 1996) نظرتين مختلفتين لوظيفة الجامعة: إحداهما يطلق عليها النظرة الاجتماعية للتعليم، وتركز هذه النظرة على حاجات المجتمع ككل بدل الاهتمام بطموحات الأفراد، فمهمة الجامعة هي خدمة الدولة والدولة بدورها توفر التعليم العالي كخدمة عامة لتلبية حاجتها إلى مواطنين موالين وموظفين منتجين وفي هذه الحالة لا يكون هناك مكان للقطاع الخاص إذ تصبح الجامعة تحت السيطرة الكاملة للأيديولوجيا السائدة· أما النظرة الثانية التي نشأت كرد فعل لهيمنة الدولة فترى في التعليم سلعة قابلة للبيع وأن وظيفة الجامعة هي إيجاد المعرفة التي يرغب فيها المستهلكون المستعدون لدفع تكاليفها وفي هذه النظرة لا يوجد مكان للقطاع العام· فالمستهلكون يطالبون بوجود خدمات تعليمية معينة وبقاء الجامعة مرهون في تحقيق هذه المطالب· ويمكن للدولة الاحتفاظ بدور تنظيمي محدود للحد من التمادي في سلوكيات السوق· إلا أنه يرى صعوبة وجود هاتين النظرتين ويمكن لإحداهما أن تتغلب على الأخرى في جامعة ما· ولكن النظرة الثانية هي الأكثر بروزاً خلال التسعينيات·
يتضح من هذا العرض أن هناك تبايناً في تحديد وظيفة الجامعة وأهدافها مما يضاعف من صعوبة مسألة الإنفاق على التعليم العالي· إذ لا يمكن الحسم في هذه القضية إلا بالاتفاق على أهداف للتعليم العالي واضحة ومحدد بدقة· لذلك فقد انعكس هذا التباين على الآراء والاتجاهات حول قضية الإنفاق على التعليم العالي وهو ما سنتناوله في الجزء المقبل من هذه الدراسة·
الإنفاق علي التعليم العالي
يعد الإنفاق على التعليم العالي من أعقد المشكلات التي يواجهها التعليم العالي وأكثرها إثارة للجدل خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة· إذ إن هناك جدلا لا يتوقف بين أنصار الاتجاهات المختلفة حول هذا الموضوع· فالبعض يعالج هذه المسألة من منظور اقتصادي بحت داعياً إلى إلغاء المجانية، وتحميل الطالب وأسرته نفقات تعليمية، وربط التعليم العالي باحتياجات سوق العمل ومتطلبات الصناعة والتجارة، والتوسع في فتح الجامعات الخاصة· وبعضها الآخر ينطلق منطلقاً اجتماعياً منادياً بالإنفاق العام والتوسع في القبول لتحقيق ديمقراطية التعليم وتكافؤ الفرص· وثالث يغلب النواحي المعرفية والأكاديمية مؤكداً الجدارة والأهلية في القبول والتمويل المختلط في الإنفاق· وفي الجزء التالي سنستعرض هذه الاتجاهات الثلاثة موردين أهم الحجج والمبررات التي يستند إليها كل اتجاه·
الاتجاه الأول
يرى هذا الاتجاه أن التعليم العالي مشروع استثماري ولابد أن يكون له مردود اقتصادي· كما أن وجود فائض في أعداد الخريجين الذين لا تحتاج إليهم خطط التنمية يمثل عبئاً على هذه الخطط للتكلفة الاقتصادية التي تقتضيها متطلبات إعدادهم· وإذا كانت هذه الممارسات مقبولة في السابق (بوبطانة، 1988) يرى أنه من غير المحتمل أن تتمكن غالبية الدول العربية من رفع نسب الإنفاق لمواجهة الزيادة المتوقعة في الطلب الاجتماعي على التعليم الجامعي· وقد طلب (البدر والسيف، 1987) بترشيد الحوافز التي تقدمها الدولة للطلبة لأن تقديمها في السابق كان مرتبطاً بالحاجة إلى اجتذاب الطلاب إلى التعليم العالي إلا أن هذه الحاجة قد انتفت ويجب توجيه هذه الأموال لدعم النوعية في التعليم العالي·
وفي الاتجاه نفسه طالب (الثبيتي والريح، 1990) بإلغاء المكافآت أو حصرها في الفئة المتميزة· وذهب آخرون أبعد من ذلك عندما رأوا أن على الدولة أن تعلم الناس القراءة والكتابة لا أن تصل بهم إلى المراحل العليا من أجل المتعة والرفاهية الفكرية لأن الإنفاق الذي يبذله المجتمع لابد أن يكون له عائد، (العبيد، 1987)·
وإذا كانت هذه الدعوات قد طرحت في الندوة الفكرية الثانية لرؤساء ومديري الجامعات في دول الخليج العربي التي عقدت عام 1985، وفي المؤتمر العام السادس لاتحاد الجامعات العربية الذي عقد عام 1988 فإنها الآن تتكرر بشكل أكثر إلحاحاً· ففي ندوة (التعليم العالي ـــ رؤى مستقبلية) المنعقدة في الرياض في فبراير1998 برزت دعوات مشابهة طالبت بإعادة النظر في مجانية التعليم والحد من القبول· واتصفت هذه الدعوات بجدية أكبر لصدورها من مسؤولين كبار في المملكة العربية السعودية· إذ أكد وزير الصحة السعودي على أهمية النظر في مجانية التعليم واقترح ان تعطى المكافأة لمن يستحقها اجتماعياً وعلمياً لتشجيع الطلاب على بذل المزيد· كما تحدث وكيل الرئيس العام لتعليم البنات عن مجانية التعليم قائلاً إنه يجب الحد منها ليكون ذلك دافعاً للمتميزين·
وجاء ضمن توصيات أحد البحوث التي قدمت إلى الندوة ذاتها توصية بأهمية إعادة تشكيل حضارة الجامعات السعودية - التي كانت تعتمد على ميزانية الدولة - لتعبئة الالتزام بالرؤية الجديدة وتطبيق مفاهيم السوق والأسس والتحررية، (صوفي، 1988)· ويربط هذا الاتجاه بين المجانية وتدني نوعية التعليم معتبراً أن إلغاءها سيؤدي إلى تحسين نوعية التعليم، وذلك لأن المجانية حالت دون مشاركة الآباء في مسؤولية تعليم أبنائهم وبالتالي عدم اجتهاد هؤلاء الأبناء في التحصيل الدراسي ولتصحيح هذا الوضع يجب تحميلهم الأعباء المالية اللازمة، (محمد، 1988)· ويضيف (ساها، 1991) بعداً آخر لهذا التوجه عندما أوضح أن تكلفة التعليم العالي تفوق بكثير تكلفة التعليم الابتدائي إذا كان هذا التعليم يعود بالنفع على الأفراد أكثر مما ينفع المجتمع؟ ولهذا فإن على المتنفع أن يتحمل نفقات تعليمه·
ويطرح المعارضون للتمويل العام مجموعة من المبررات الداعمة للتمويل الخاص منها:
- إن الإنسان يميل إلى ازدراد ما لا يدفع ثمنه وأن المجانية تحفز على الاستهلاك العشوائي·
- إن التعليم العالي سيعود على الطالب وأسرته بمنافع خاصة كالدخل الأعلى والمكانة الاجتماعية وعليهم أن يدفعوا قيمة هذه المنافع·
- إن المصادر الإضافية يمكن أن تساعد مؤسسات التعليم العالي على الحفاظ على النوعية·
- إن المؤسسات الإنتاجية تستفيد من مخرجات التعليم العالي إذ يوفر عليها الكثير من التدريب والتأهيل فلماذا لا تساهم هذه المؤسسات في نفقات التعليم؟ (إبشر وشوفاليه، 1991)·
هذا واحد من جوانب الاتجاه الأول إلا أن لهذا الاتجاه جوانب أخرى تتصل ببطالة الخريجين والحاجة إلى ربط التعليم بسوق العمل والوقوف في وجه سياسة الباب المفتوح في القبول· إذ يرى هذا الاتجاه أن ما تخرجه مدارس التعليم العام يفوق قدرة الجامعات على استيعابه وأن هناك تكدساً في تخصصات معينة وندرة في تخصصات أخرى، وأن مرد ذلك عائد إلى سياسات القبول الحالية التي أدت إلى بطالة المثقفين· لذلك أوصت إحدى الدراسات المقدمة إلى ندوة (التعليم العالي - رؤى مستقبلية) بضرورة توزيع الطلاب بين التخصصات حسب متطلبات سوق العمل، وأخذ حاجة السوق في الاعتبار عند تحديد أعداد المقبولين في الكليات والأقسام، (القحطاني، 1998)· ويأتي هذا منسجماً مع طرح (التركستاني، 1998) الذي يرى أن توجه التخصصات الجامعية نحو احتياجات سوق العمل يعبر عن ضرورات العملية التعليمية في الوقت الراهن·
وفي قضية الأسبوع حول التعليم العالي وسوق العمل التي أجرتها مجلة "اليمامة السعودية" بتاريخ 1418/10/24 هـ التي تزامنت مع ندوة (التعليم العالي - رؤى مستقبلية) المشار إليها سابقاً طالب أحد المشاركين بإعادة النظر في دور الجامعات وأنها ليست مجرد مؤسسات تعليمية تقوم بضخ الخريجين وتكديسهم على عواتق المجتمع· وأضاف مشارك آخر أن التعليم الجامعي ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة لإعداد القوى العاملة عالية التأهيل والكفاءة لحياة العمل والإنتاج ولهذا فإن الرؤية بشأن توظيف الخريجين ومستقبل حياتهم ودورهم في المجتمع يجب أن يكون محور الاهتمام في التخطيط الجامعي وتطويره مما يتطلب رصداً مستمراً لاحتاجات المجتمع وسوق العمل· ومن الملاحظ هنا الربط بين حاجات المجتمع وسوق العمل وكأن ما يحتاجه سوق العمل هو بالضرورة ما يحتاجه المجتمع وفي هذا اختزال لأهداف التعليم الجامعي في الإعداد لسوق العمل·
وتبين (جمال الدين، 1994) بعداً آخر لهذا الجانب بقولها إن التوسع في القبول قاد إلى بطالة الخريجين وزيادة العرض على الطلب مما أدى إلى توالي الانتقادات والضغوط على واضعي السياسة الجامعية من أجل مراجعة المسار والحد من التوسع في قبول المزيد من الطلبة· واعتقد المنتقدون أن أحد المخارج من هذه الأزمة يكمن في التوسع في التعليم الفني لتخفيف الضغوط على الجامعات· أما (Perkins 1973) فإنه يرد على الداعين إلى سياسة الباب المفتوح في القبول الذين يرون أن الاختلاف في المواهب والقدرات يعود إلى اختلاف في الظروف الاجتماعية للطلاب، أنهم نتيجة لاندفاعهم العاطفي لتحقيق العدالة الاجتماعية قد أخفوا الحقيقة العلمية القائلة إنه "لا توجد علاقة سببية مباشرة بين اللامساواة الاجتماعية والاختلافات في المواهب الإنسانية"·
مما سبق يتضح أن لهذا الاتجاه أسساً يستند إليها وحججاً لها القدرة على الإقناع وإن كانت السمة الغالبة عليها هي استجابتها لظروف آنية فرضتها سيادة الفكر الرأسمالي وتفرده في العالم وسعيه لبسط شعار اقتصاديات السوق، إلا أن هذه الهيمنة لا يمكنها أن تلغي فكر الآخر واتجاهاته حول قضية الإنفاق على التعليم التي سنتناولها في الجزء التالي·
الاتجاه الثاني
يرى هذا الاتجاه أن التعليم - بما فيه التعليم العالي - حق لكل مواطن وأن المجانية تجسيد لهذا الحق وتحقيق لديمقراطية التعليم وتكافؤ الفرص التعليمية، وأن إلغاءها سيخلف تمايزاً طبقياً أساسه الموقع الاقتصادي والاجتماعي للفرد مما يكرس الفوارق ويهدد أمن المجتمع· ويمكننا التعرف على جوانب هذا الاتجاه من موقف أنصاره إزاء مسألة إلغاء المجانية، وتخفيض الإنفاق، والحد من القبول، وربط التعليم العالي بسوق العمل، والتوسع في فتح الجامعات الخاصة·
يصور أنصار هذا الاتجاه الدعوة إلى إلغاء المجانية على أهداف أيديولوجية خفية الهدف منها قصر التعليم على النخبة في المجتمع· فالوظائف المتاحة قليلة وأعداد الخريجين آخذة في التزايد مما يعني أن هذه النخبة ستحظى بالتعليم والوظائف المرموقة اجتماعياً، في حين ستحرم الكثرة غير القادرة مادياً من التعليم والعمل أيضاً، (جمال الدين، 1988)· كما يرى (محمد، 1988) أن لدى بعض دعاة إلغاء المجانية أسبابا طبقية وراء دعوتهم بترشيد المجانية أو إلغائها· إن إلغاءها سيجعل من العامل المادي محوراً أساسياً للتمايز بين أبناء المجتمع مما يعزز التمايز الطبقي ويكرس الفوارق بين الطبقات ويهدد مبدأ تكافؤ الفرص·
وتضيف (جمال الدين 1993) واصفة الدعوة إلى الترشيد وما يتبعها من إلغاء المجانية بأنها تحمل عدم وضوح في الرؤية لكثير من القضايا المجتمعية· خصوصاً أن أبرز دعاتها يحتلون مواقع ذات تأثير في القرار السياسي·· وقد يخفى على هؤلاء أن التفوق الدراسي ليس نتاج عوامل ذاتية بحتة· فالعوامل البيئية الأخرى مثل المسكن والتغذية والمواصلات المريحة والبيئة المنزلية والمستوى العلمي للوالدين تعد محددات أساسية للتفوق الدراسي· ولهذه العوامل ارتباط بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسرة· يضاف إلى هذا البيئة المدرسية التي تتفاوت كثيراً من مدرسة إلى أخرى في المنطقة الواحدة·
وفي هذا السياق يجب التأكيد أن المؤثرات الخارجية - كالاختلاف في موارد الأسرة الذي يؤثر بدوره في مستوى الإعداد الذي يتلقاه الطالب في مراحل التعليم العام - سوف تنعكس لاحقاً على فرص الالتحاق بالتعليم العالي وكذلك على طموحات الطالب وتوقعاته المستقبلية· إن الخبرات التعليمية السابقة للطالب من حيث الكم والكيف تتدخل في أهلية الطالب للقبول في التعليم العالي والاستمرار فيه· لهذا فإن الحديث عن تمويل التعليم العالي والإنفاق عليه لا يمكن أن يتم بمعزل عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والتربوية في المجتمع·
ويصف (السعود، 1994) في دراسة حديثة الأوضاع التربوية في العالم العربي· وإذا كشف عن أن هناك غياباً في العدالة التربوية أسماها قضية الغبن الخفي أو اللامساواة والتباين في الحقوق التربوية بين أبناء الأمة ويتبلور ذلك في الآتي:
1 - التمييز بين أبناء الريف وأبناء الحضر لصالح الحضر في كم الفرص التعليمية وكيفها·
2 - التمييز بين الأغنياء والفقراء لصالح الأغنياء إذ يصبح التعليم في النهاية تكريساً لامتيازات الأغنياء الاجتماعية والسياسية وتكريساً للأمر الواقع وسقفاً على الحراك الاجتماعي·
3 - التمييز بين أبناء الأمة في الجودة التعليمية (مدارس متميزة غير مكتظة وأخرى سيئة ومكتظة بالطلبة) ثم المساواة بينهم في قياس نتائج التحصيل المدرسي من خلال الاختبارات التي تحدد مصيرهم التعليمي في المستقبل·
كذلك يتذرع دعاة إلغاء المجانية بأنها مسؤولة عن بطالة المتعلمين وتدهور نوعية التعليم العالي وأن المستفيد من التعليم يجب أن يتحمل نفقاته خصوصاً أن نفقات التعليم العالي قد تجاوزت قدرة الدولة على تحملها· وهنا يرد (محمد، 1988) في تناوله لهذه المسألة في مصر أن تزايد عدد الخريجين بقدر فاق احتياجات التنمية لا يعني بالضرورة وجود خلل في النظام التعليمي بقدر ما يعني خللاً في عملية التنمية نفسها· تلك التنمية القائمة على الاستهلاك المفتقرة إلى قاعدة إنتاجية· كما أن عدم قدرة خطط التنمية على فتح مجالات عمل تستوعب هذه الأعداد هو قصور في التفكير في المستقبل والتهيئة له·
وينظر (الخويت، 1993) إلى البطالة باعتبارها مشكلة اقتصادية واجتماعية وسياسية لأن النظام التعليمي لا يعمل بمعزل عن الأنظمة الأخرى وقد انعكست هذه المشكلة على السياسة التعليمية التي فشلت في المواءمة بين أعداد الخريجين ونوعايتهم وفرص العمل المتاحة· وبافتراض وجود زيادة في أعداد الخريجين وبطالة بين المتعلمين وتدني في مستوى التعليم فإن التساؤلات التي طرحها (محمد، 1988) مناسبة أن تطرح هنا وهي هل يتحمل النظام التعليمي مسؤولية هذه المشكلات؟ هل المجانية هي التي تضع خطط التنمية أو ترسم السياسة التعليمية؟
أما لغة الأرقام فإنها تدعم هذا الاتجاه إذ بينت أن نسبة الالتحاق بالتعليم العالي في المملكة مازالت منخفضة مقارنة ببعض الدول العربية والخليجية· فقد أوضحت إحصاءات مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية المنشورة عام 1995 أن المملكة تحتل المرتبة 11 بين الدول العربية· إذ بلغ عدد الملتحقين بالتعليم العالي من كل مئة ألف من السكان 1035 فرداً في حين جاءت لبنان في رأس القائمة بـ 3071 فرداً· وعند مقارنة المملكة بدول مجلس التعاون فإنها تأتي في المرتبة الرابعة بعد قطر (1559 فرداً) والبحرين (1365 فرداً) والكويت (1135 فرداً)· أما على المستوى العالمي فإن كندا تحتل المرتبة الأولى بـ 6903 أفراد، تليها الولايات المتحدة الأمريكية بـ 5486 فرداً·
كم أن التنمية الشاملة تستلزم أضعاف الأعداد التي تخرجها الجامعات الحالية· ولهذا رأى (البازعي، 1998) وجوب الاستثمار في البشر وألا يكون لضغوط الميزانية العامة دور في إضعاف هذا الاستثمار· خصوصاً إذا أدركنا أن أعلى نصيب للتعليم العالي من الدخل القومي في الدول العربية لا يتجاوز 2%، وأن هذا النصيب ينخفض إلى 1% في بعض هذه الدول، (رحمة، 1994)·
أما في المملكة فإن الميزانية المخصصة للتعليم العالي بلغت 1.3% من جملة الناتج المحلي خلال الفترة من 1415/14 - 1411/10· كما أن نسبة الميزانية المخصصة للتعليم العالي الى جملة الإنفاق الحكومي قد بلغت 2,9% في عام 13/1414، وارتفعت الى 3,2% في عام 14/1415· واعتبر (كامل، 1998) أن هذه المعدلات متواضعة عند مقارنتها بالدول الأخرى، مضيفاً أنها نسب متدنية للغاية إذا أخذنا في الاعتبار الدور الملقى على الجامعات في البحوث والتطوير·
وفي هذا السياق يتساءل (داود، 1993) كيف نخفض الإنفاق على التعليم العالي في وقت نتطلع فيه إلى التقدم في علوم المستقبل؟ ويضيف أن علينا النظر إلى التربية على أنها عملية استثمارية لها مردود وعائد يفوق في أحوال كثيرة العائد من الصناعات التحويلية والثقيلة، ولهذا فإن عملية تمويل التعليم لا تعد مكلفة لميزانية الدولة لأن ذلك التمويل هو استثمار اقتصادي واجتماعي سيعود بفوائد جمة على الوطن· ويؤكد (نوفل، 1992) أن التعليم العالي لا يجب أن يكون تعليماً للقلة وعليه أن يشبع الطلب الاجتماعي المتزايد ويحقق ديمقراطية التعليم·
أما بالنسبة لتدهور التعليم وعلاقته بالمجانية، وعدم قدرة الدولة على الإنفاق على التعليم· فإن أنصار هذا الاتجاه يرون أنه على العكس من ذلك فإن الإنفاق العام يحافظ على نوعية التعليم لأن الإنفاق الخاص يسعى إلى زيادة الأرباح ولو كان ذلك على حساب النوعية· وأن المجانية ليست سبب التدهور وإنما خفض الإنفاق يمكن أن يودي الى ذلك· وهذا ما بينه (1993 - Tilka) بقوله إن نوعية التعليم يكن أن يتهددها الخطر إذا أعطي دور أكبر للمؤسسات غير الحكومية في تمويل التعليم· إذ إن النوعية سيضحى بها في حالة الضغوطات المالية ولهذا فإن أي تمويل غير حكومي (تجاري) يجب أن يربط بنوع من تقويم الفعالية·
ويرى (محمد، 1988) أن علاج القصور في الميزانية لا يتحقق بفرض المصروفات على التعليم أو إلغاء المجانية وإنما بتخليص الميزانية من النفقات غير الضرورية واللجوء إلى المحاسبة الإدارية· ويتفق معه في هذا (عمار، 1994) الذي يرى أن هناك حاجة إلى توفير المزيد من الموارد للتعليم العالي مع استمرار ترشيد إنفاقها وتوجيه بعض الموارد إلى التعليم بدل الإنفاق على قطاعات أخرى أقل أهمية· ويستمر موضحاً أن قصور الموارد ليس العامل الرئيسي في تخلف التعليم العالي ولا يمكن الادعاء بعدم وجود حاجة إلى المزيد منها ولكن هناك حاجة إلى الترشيد لأن هناك هدراً في استخدام الموارد·
وبيّن (رحمة، 1994) أن الهدر يشمل المبالغة في توفير الموارد البشرية والمادية وكذلك التقتير فيها وقدم عددا من المؤشرات على سوء استخدام الموارد منها:
- عمومية الأهداف·
- المبالغة في توسيع الهياكل الإدارية وفي عدد الموظفين، وتخلف تقنيات الإدارة والإبقاء على الأساليب التقليدية·
- الازدواجية في الأقسام والتخصصات والاستمرار في تدريس تخصصات لم تعد الحاجة إليها قائمة·
- زيادة الوقت الذي يستغرقه إنجاز البحث (رسالة الماجستير أو الدكتوراة) أو اتجاه البحوث إلى دراسة مشكلات بعيدة عن الاحتياجات الحقيقية للمجتمع ومشكلاته·
- الهدر في الأبنية والمخابر والمعامل والمراكز الصحية والمزارع والمكتبات سواء بتوفيرها بكميات تزيد على الحاجة الفعلية أو توفيرها بكميات تقل عن الحاجة وكذلك سوء استخدامها·
- المبالغة في الصرف على أمور غير جوهرية، والتقتير في الإنفاق على الأمور الأساسية، (رحمة، 1944: 24 - 15)·
ولهذا يرى هذا الاتجاه أنه من الأولى بدل الدعوة إلى إلغاء مجانية التعليم البحث في الأسباب التي أدت بجامعاتنا إلى مواجهة أزمات حادة على الرغم من قصر عمرها حتى وصفت بأنها "شاخت زمن الميلاد"، (رضا، 1984)· تلك الأسباب التي أشار إليها (التميمي، 1985) قبل ثلاثة عشر عاماً التي ماتزال قائمة حتى اللحظة، عندما أوضح أن الجامعات الخليجية تشكو من أزمة حقيقية·· وأن لهذه الأزمة أسبابا أدت بالتعليم الجامعي إلى ما هو عليه، وهذا - في نظره - لا يعني أن التعليم الجامعي في منطقة الخليج كان جيداً وتردت أوضاعه ولكنه منذ ولادته يحمل أمراضاً شلت قدرته على تأدية دوره في تنمية الموارد البشرية تنمية حقيقية·
ولأنصار الاتجاه الثاني رأي في مسألة القبول على أساس الجدارة والأهلية وربط التعليم باحتياجات سوق العمل وتوجيه الطلاب إلى المسارات المهنية· إن المنادين بديمقراطية التعليم وتكافؤ الفرص التعليمية يرون في التركيز على مسألة الجدارة محاولة لتكريس التفاوت وإعادة إنتاجه· وأن القضاء على التفاوت ومظاهر عدم المساواة يكمن في تمكين أكبر عدد من قطاعات المجتمع من الالتحاق بالتعليم العالي لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية (بوبطانة، 1983)· كما أن المنادين بالاعتماد على الاختبارات والدرجات في القبول يتناسون إمكانية انحياز تلك الاختبارات طبقيا وثقافيا لواضعيها (بدران، 1989، السهلاوي، 1993)·
أما فيما يتعلق بربط التعليم العالي بحاجات سوق العمل وتوجيه الطلاب إلى التخصصات التي يتطلبها سوق العمل، فإن أصحاب هذا الاتجاه يتساءلون فيما إذا كان هذا التوجيه والانتقاء سوف يسري على جميع الطلاب من دون تمييز، فسياسة الانتقاء يمكن أن تطبق بالإكراه ومن المتوقع أن ينتهي الحال بأبناء الذين لا حظ لهم من القوة الاقتصادية والاجتماعية إلى الأعمال الحرفية والمهنية، (رضا، 1984)· وفي هذا الصدد ينبه (زكريا، 1989) إلى ضرورة التفريق بين تشجيع التعليم الفني والمهني وبين إجبار أبناء الفقراء على هذا النوع من التعليم· إذ من المتوقع أن يلجأ أبناء القادرين إلى كل الوسائل لتجنب هذا النوع من التعليم خصوصاً في الدولة النامية التي تسود مجتمعاتها المحاباة والوساطة وازدراء العمل اليدوي· ومن جانب آخر ترى (جمال الدين، 1994) أن الاهتمام بإعداد وتخريج الفنيين بما يتلاءم ومتطلبات سوق العمل لا يمكن القبول به كهدف وحيد للتعليم الجامعي وذلك لصعوبة تطبيق هذا الهدف نتيجة للتغير السريع في طبيعة المهن وسرعة تقادم الكفاءات والمهارات·
ومن ناحية موقف أنصار هذا الاتجاه من الجامعة الخاصة والتمويل الخاص للتعليم العالي فإنه يتجسد فيما ذكرته (جمال الدين، 1993) من أن توفير التعليم لأبناء المجتمع بصورة متكافئة يعد أحد أهم الملامح الأساسية المميزة للديمقراطية· وأن المقصود بالتعليم هنا ليس الحصول على شهادة تؤهل صاحبها للعمل ولكنه ضرورة حياة للإنسان وضرورة بقاء وأمن المجتمع ولهذا يجب أن لا يترك التعليم خارج سيطرة الدولة بل يجب دمجه ضمن الاستراتيجية العليا للدولة فكما لا تترك شؤون الدفاع للهواة والباحثين عن الربح فكذلك ينبغي النظر إلى التعليم باعتباره مسؤولية وطنية لا يجب تركها للقطاع الخاص·
كما يصور أنصار هذا الاتجاه الدعوة إلى الجامعات الخاصة واعتبار التعليم مشروعاً استثمارياً اقتصاديا على أنها دعوة لرسملة كل شيء ومن ضمنه النظام التعليمي لأن هناك ارتباطا لا يخفى بين الجامعة الخاصة وأيديولوجيا الاقتصاد الحر الذي يهدف إلى تقليص دور الدولة في تعليم جميع المواطنين وشيئاً فشيئاً تتجه الدولة إلى رفع يدها عن التعليم وتحويل كل ما هو عام إلى القطاع الخاص استجابة لقوانين اقتصاد السوق، (هلال، 1993)· ولهذا فقد حذر (رضا، 1984) من أن ترك أهداف التعليم لتتخذ من قبل القطاع الخاص سيؤدي إلى التضحية بأهداف المجتمع، كما يعد تأكيداً مسرفاً للمضمون الاقتصادي للتنمية وتجاهلاً لجوانبها الاجتماعية والثقافية والمعرفية·
ويضيف (عبدالحميد، 1989) أن خفض الإنفاق العام والاعتماد على التمويل الخاص والنظر إلى التعليم الجامعي باعتباره مسألة يحلها الإحسان والتبرعات يعد منافياً لأبسط قواعد التخطيط المستقبلي للتعليم· ويكشف (ساها، 1991) بعداً آخر لمخاطر الخصخصة بتأكيده أن النظام الجامعي الذي يتعهده القطاع الخاص قد يميل إلى الخضوع لقوى السوق أكثر من ميله إلى مصلحة المجتمع، إلا إذا اعتبرنا أن قوى السوق ومصلحة المجتمع هما شيء واحد· كما أن الحصول على التمويل الخارجي يصاحبه تدخلات ممن له صلة بالتمويل وهذا سيقود إلى التدخل الخارجي في شؤون الجامعة من أناس لا يستطيعون فهم البيئة الجامعية· ورأى (Tilak, 1993) أن دعم التعليم العالي من قوى السوق له محاذيره إذ سيقود ذلك إلى نمو غير متوازن في التخصصات والمواضيع العلمية (مجالات البحث) لأن المجالات التي تحظى بقيمة سوقية أكبر ستنمو أسرع في حين يتم تجميد أو استبعاد أو إلغاء مجالات أخرى لا تحظى بنفس القدر من القيمة·
وهكذا يتأكد لنا أن لأنصار هذا الاتجاه حججاً ومبررات لا تقل إقناعاً عن حجج ومبررات الاتجاه الأول، إذ انطلقوا منطلقاً اجتماعياً قائماً على فهم أكثر عمقاً لوظيفة التربية في تحقيق المساواة والعدالة داخل المجتمع· وعلى الرغم من هذا فإن الوضع الاقتصادي الراهن يفرض على أصحاب هذا الاتجاه المبادرة إلى طرح حلول عملية للتعامل مع هذا الوضع· وفي الجزء المقبل سنتناول اتجاهاً ثالثاً أخذ موقفاً وسطاً بين الاتجاهين السابقين·
الاتجاه الثالث
نظراً إلى أن لكل من التمويل العام والتمويل الخاص محاذيره ومساوئه ولتلافي الجدل القائم بين أنصار الاتجاهين السابقين برز اتجاه ثالث ينحو منحى وسطاً بين الاتجاهين السابقين ينادي بالتمويل المختلط· ويرى هذا الاتجاه ضرورة مساهمة القطاعين العام والخاص من خلال الاعتماد على الإنفاق الحكومي والإنفاق الخاص والرسوم الدراسية· ويؤكد هذا الاتجاه على حق المواطن في التعليم شريطة التوفيق بين حاجات الفرد وحاجيات المجتمع من خلال ربط التعليم باحتياجات التنمية والأخذ بمبدأ الجدارة والأهلية· وسوف نتناول في الجزء التالي بعض آراء المنادين بهذا الاتجاه·
يتضح هذا الاتجاه فيما ذهب إليه (البدر والسيف، 1987) من أن للتعليم الجامعي كلفة اجتماعية واقتصادية ولابد من وجود عائد منه في المدى القصير والمدى الطويل· ففي المدى القصير لابد من ان تساهم مخرجات التعليم في خطط التنمية مساهمة إيجابية، وعلى المدى الطويل يجب أن يسعى التعليم إلى خلق المواطن الصالح· ويضيفان أن هناك ما يشبه الإمبراطوريات الأكاديمية التي يجب تحجيمها وفق احتياجات التنمية خصوصاً في الظروف الراهنة· كما لا يجب إغفال حق الفرد في التعليم الجامعي وحقه في تنمية معارفه إذا كان قادراً على مواصلة مسيرة المعرفة وراغباً فيها من خلال بدائل أخرى وعلى أن لا تكون الدولة ملزمة بإيجاد الوظائف للخريجين·
ويرى (الألوسي، 1987) ضرورة ضمان مبدأ شعبية التعليم الجامعي وإعداد خريجين مؤهلين علمياً وفنياً لسد احتياجات خطط التنمية· وأن نسب القيد في التعليم العالي إلى المقيدين في التعليم الثانوي ماتزال قليلة مما يعني أن هناك حاجة إلى التوسع فيه لاستيعاب أكبر عدد ممكن من خريجي الثانوية العامة وسد احتياجات خطط التنمية شريطة أن يكون التوسع نوعياً· أما (النجفي، 1988) فيبرز جانباً آخر في هذا الاتجاه بقوله إن مجانية التعليم مطلب لتحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية للفئات المحتاجة إلا أن فرض رسوم تعليمية منخفضة سوف تشعر الفرد بأهمية ما يقدم له· إن مجانية التعليم مطلب لتحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية للفئات المحتاجة إلا أن فرض رسوم تعليمية منخفضة سوف تشعر الفرد بأمية ما يقدم له· ويمكن لهذه الرسوم أن تستخدم لدعم موارد الجامعة وتوسيع الاستثمارات التعليمية· في حين يوصي (كامل، 1988) بأن يقتصر تقديم المكافآت على المتفوقين والقادرين علمياً وذهنياً وذوي الكفاءة والذين ينهون دراستهم في المدة المقررة مساعدة الطلبة غير القادرين مادياً من خلال نظام الضمان الاجتماعي·
وفيما يتعلق بالقبول فإن (نوفل، 1990) يبرز لنا أحد جوانب هذا الاتجاه موضحاً أن أصحاب هذا الاتجاه يحاولون أن يحلوا الإشكال القائم بين الاتجاهين السابقين من خلال المطالبة بتمكين المتفوقين من أبناء غير القادرين من الالتحاق بالتعليم العالي وأن لا يحرموا بسبب الضعاف دراسياً من أبناء الفئات المقتدرة· وربما لهذا السبب طالب (عمار، 1994) أن تتكافأ فرص الالتحاق في الجامعة على أساس القدرات العقلية والاستعدادات الخاصة وأن لا يكون الاختيار مبنياً على أساس القدرة المالية أو النفوذ الاجتماعي· وهنا يطرح (أبو شقرا، 1991) أننا يجب أن لا نختار بين تقييد فرص الالتحاق بالتعليم العالي أو فتح أبوابه دون رقابة، ولكن أن نوجه الطلاب حسب قدراتهم الذهنية نحو تخصصات تناسبهم وتكون نافعة للمجتمع·
وبالنسبة للإنفاق على التعليم يرى (كيفينن ورين، 1991) أن تطبيق قوانين السوق على التعليم العالي يجعل إنتاج الجامعات غير مرتبط بقرارات وعمليات تخطيطية مركزية· ثم يتساءلان فيما إذا كان لدى الدولة الاستعداد للتنازل عن سلطتها لصالح سوق الطلب على التعليم والصراع على المكانة والشهرة بين جامعات تنافس بعضها؟ لذلك يقترحان التخلي عن مبدأ التمويل الكامل لصالح عملية تفاوضية مستمرة بين الجامعات والدولة حول الميزانية قائمة على تحقيق أهداف محددة وبمتابعة النتائج·
ورأت منظمة اليونسكو أهمية الإنفاق المختلط من خلال:
1 - الاعتراف بالتعليم العالي بوصفه استثمارا اجتماعيا يتطلب تخصيص الاعتمادات اللازمة له من الأموال العامة·
2 - البحث الجاد عن موارد جديدة للتمويل تقوم على مشاركة جميع الذين يجنون فائدة من التعليم العالي بما في ذلك القطاع الاقتصادي والمجتمعات المحلية والآباء والطلبة·
3 - ضرورة زيادة فعالية مؤسسات التعليم العالي وكفاءتها في ترشيد استخدام الموارد المتاحة·
وينظر للقضية من زاوية أخرى إذ يرى أن التعليم العالي سلعة أو خدمة شبيهة بالسلعة العامة فهي لا تصل في عموميتها الى مستوى الخدمات العامة كالدفاع والماء والبيئة النظيفة والهواء النقي الذي يستفيد منها جميع المواطنين بمستوى متكافئ· وفي الوقت نفسه فإن التعليم العالي ليس سلعة أو خدمة خاصة كالطعام والملبس التي تعود منفعتها على مستهلكها فقط، وفي هذه الحالة فإن الأفراد راغبون في دفع قيمتها لأن لها فوائد خاصة ولكن العائد لا يقتصر على أولئك الأفراد فقط إذ من غير الممكن استبعاد الأقل تعلما من الاستفادة من المخرجات الكثيرة التي تتولد عن التعليم العالي، فالمجتمع بكامله يستفيد من الاستثمار في التربية· وبناء على هذا فإن الإنفاق المختلط هو الواجب اتباعه· فالدولة والطالب وأولياء الأمور والمستفيدين من القوى المتعلمة عليهم تحمل نفقات التعليم العالي·
ويؤكد (Woodhall, 1991) أن جميع دول العالم من دون استثناء تواجه مشكلة تمويل التعليم العالي وتحاول إيجاد حل لهذه المشكلة· وبصرف النظر عن نوع النظام والمجتمع فإن تكاليف التعليم العالي يجب المشاركة في تحملها من قبل الآباء والطلبة والمؤسسات الخاصة مع الأخذ في الاعتبار تكافؤ الفرص والاستخدام الأمثل للموارد العامة والعدل في توزيع النفقات والعوائد·
وفي الحين الذي اتفق فيه أنصار هذا الاتجاه على ضرورة الإنفاق المختلط فقد أقروا بوجود صعوبة في تحديد حجم مساهمة كل من القطاعين العام والخاص في تمويل التعليم العالي فنرى أن "إبشر وشوفاليه، 1991" يؤكدان على أن يكون هناك إنفاق مختلط يساهم فيه كل فريق بقدر فائدته أو بقدر المنافع التي يجنيها إلا أن تحديد حجم المنفعة يعد أمرا في غاية الصعوبة· ورأت "السبيعي، 1994" أن تكون مساهمة القطاع العام والقطاع الخاص متناسبة مع المنافع التي يجنيها المجتمع من التعليم· ومع اعترافها بصعوبة قياس هذه المنافع فهي ترى أن تحديد نسبة مساهمة هذين القطاعين في تمويل التعليم الجامعي تتوقف على ظروف كل مجتمع وأوضاعه الاقتصادية والسياسية السائدة·
بهذا نكون قد قمنا برصد أهم الاتجاهات السائدة حول الإنفاق على التعليم العالي وتمويله والأسس التي استندت إليها· وبالتأمل في حجج كل اتجاه ومبرراته يتضح مدى تعدد الرؤى من قضية الإنفاق على التعليم العالي وتباينها مما يؤكد ضرورة استحضارها جميعا عند صياغة السياسات التعليمية واتخاذ القرارات التمويلية· ونسعى في الجزء المقبل من الدراسة الى التعرف على توجه خطة التنمية السادسة نحو مسألة الإنفاق على التعليم العالي ومناقشته آخذين في الاعتبار ما ورد في الاتجاهات الثلاثة السابقة·وسوف نبدأ بتدوين أهم البنود والفقرات التي تضمنتها الخطة ذات الصلة الوثيقة بموضوع الدراسة·
خطة التنمية السادسة والإنفاق على التعليم العالي
ورد في الفصل الثالث الذي حدد الأهداف العامة للخطة أن من بين أهداف الخطة: "تنمية القوى البشرية والتأكد المستمر من زيادة عرضها، ورفع كفاءتها لتلبية متطلبات الاقتصاد الوطني، وإحلال القوة السعودية الملائمة محل غير السعودية"·
وعند الحديث عن الظروف التي أعدت فيها خطة التنمية السادسة، وردت العبارة التالية:
"أعدت خطة التنمية السادسة في ظروف غير عادية نتيجة لحرب الخليج والانخفاض الكبير الذي حدث في أسعار النفط في السنوات الأخيرة من خطة التنمية الخامسة"·
وقد صنفت الخطة تلك الظروف الى ظروف محلية وظروف دولية· وجاء ضمن الظروف المحلية الآتي:
1 - النمو السكاني المتصاعد·
2 - انخفاض موارد الدولة المالية··· إعداد خطة التنمية السادسة تحت ظروف جديدة صعبة نسبيا"·
1 - استمرار عدم الاستقرار في أسواق النفط وتذبذب الأسعار"·
بعد ذلك انتقلت الخطة الى ذكر المحاور الرئيسية لهذه الخطة، وجاء في مقدمتها:
"تنمية القوى البشرية السعودية وزيادة توظيفها··· وأهمية الإسراع في تعليم وتدريب المواطنين وتأهيلهم··· لتحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي والتنظيمي المطلوب في المستقبل· وخلال الخطة التنموية التي نفذتها المملكة أرسيت القواعد الأساسية للاقتصاد الحديث على نطاق واسع من خلال الاستثمارات الحكومية الضخمة في التجهيزات والصناعات الأساسية· والآن، وبعد مرور خمسة وعشرين عاما من التخطيط التنموي الناجح أصبح الوقت ملائما للتركيز وبشكل كبير على العوامل البشرية والتنظيمية وما يتصل بها من جوانب تتعلق بالإنتاجية والتقنية"·
واستمرت الخطة موضحة سبل معالجة المعوقات التي تواجه تنمية القوى البشرية ومنها:
1 - زيادة الطاقة الاستيعابية للجامعات في التخصصات التي تتطلبها قطاعات الاقتصاد الوطني"·
2 - التركيز على النوعية في التعليم العام والجامعي والتدريب بأنواعه·
3 - التركيز في التعليم والتدريب على التخصصات التي تتلاءم ومتطلبات القطاع الخاص· وأكدت
خطة التنمية السادسة على قرار مجلس الوزراء القاضي بالعمل على:
"ترشيد الإنفاق الحكومي" و"رفع الكفاءة الإدارية والإنتاجية في الأجهزة الحكومية بما يؤدي الى خفض الإنفاق الحكومي دون التأثير على مستوى الخدمات وتوفرها"·
ومن أجل تحقيق الكفاءة الاقتصادية دعت الخطة الى إعادة النظر في أسلوب تقديم خدمات التعليم والصحة· كما تضمنت مجموعة من السياسات التي ستنفذ وفق عدد من البدائل منها:
"دراسة إمكانية منح المكافآت والمنح الدراسية بصورة أكثر انتقائية وعلى أساس الحاجة والتفوق والجدارة مع منح القروض الدراسية على المستوى الجامعي والتعليم العالي"·
وبينت خطة التنمية السادسة أن "نصف سكان المملكة تقريبا أقل من 15 سنة"· وفي هذا السياق تحدثت الخطة عن مخرجات نظم التعليم والتدريب فذكرت:
"من حيث المبدأ هناك نقص مؤكد في أعداد الخريجين السعوديين لسد احتياجات التنمية الحالية والمستقبلية··· وتزايد الإقبال على التخصصات النظرية بنسب كبيرة دون أن تقابله زيادة تناسبية في أعداد الملتحقين بالتخصصات العلمية والتقنية"·
وفيما يتعلق بالتعليم الجامعي فقد ورد في خطة التنمية ما يلي:
"إعادة النظر في سياسة القبول الحالية بالجامعات عن طريق وضع معايير محددة تنفق عليها الجامعات"·
كما نصت الخطة على:
"تشجيع الطلاب على الالتحاق بالتخصصات العلمية التي يشتد عليها الطلب باستمرار، ومن ذلك على وجه الخصوص تخصصات الطب، وطب الأسنان، والعلوم الطبية المساعدة، والتخصصات الهندسية، وعلوم الكمبيوتر والالكترونيات والفيزياء والكيمياء· ومن الوسائل الممكن استخدامها في هذا الشأن توجيه سياسات القبول في الجامعات بما يتفق ومتطلبات التنمية مع دراسة قصر المكافآت التي تمنح للطلاب على تلك التخصصات··· كما سيتم تشجيع القطاع الخاص على إنشاء كليات ومعاهد تركز بصفة رئيسية على التخصصات العلمية والتقنية·
وعن الفرص المتاحة للقطاع الخاص نصت الخطة على أن الحكومة ستتيح عددا من الفرص لزيادة إسهام القطاع الخاص ومنها:
"فتح كليات جامعية أهلية وكليات تقنية"·
وضمن استراتيجية التنمية للتعليم العالي نصت خطة التنمية السادسة على الآتي:
"تأمين فرص التعليم الجامعي للمواطن ذي الكفاءة والقادر علميا وذهنيا والراغب في مواصلة دراسته·
2 - تفاعل نشاط مؤسسات التعليم العالي مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية·
3 - زيادة الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي لتتواكب مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية·
4 - توسيع قاعدة التعليم وتنوع برامجه من أجل خدمة قضايا التنمية·
5 ــــ توفير المرافق الجامعية وصيانتها وتشغيلها بأقل تكلفة مع المحافظة على جودة النوعية وحسن الأداء·
إذا أمعنا النظر في البنود والفقرات محاولين استخلاص أهم معالم توجه خطة التنمية السادسة نحو مسألة الإنفاق على التعليم العالي أدركنا أنها تتمحور حول صعوبة الظروف الاقتصادية التي تمر بها المملكة لأسباب محلية ودولية عكست نفسها على هذه الخطة· ولكن على الرغم من هذه الظروف أكدت الخطة على تنمية القوى البشرية السعودية وزيادة توظيفها، وحددت الخطة سبلاً لمعالجة معوقات تحقيق تنمية القوى البشرية السعودية أبرزها زيادة الطاقة الاستيعابية للجامعات والتركيز على النوعية وربط التعليم العالي باحتياجات التنمية، واللجوء إلى ترشيد الإنفاق بما يؤدي إلى خفض الإنفاق الحكومي، واعتماد مبدأ الكفاءة والجدارة في القبول ومنح المكافآت، وفي منح القروض الدراسية بما يؤدي إلى خفض الإنفاق الحكومي· كما أقرت الخطة بوجود نقص في عدد الخريجين السعوديين لسد احتياجات التنمية الحالية والمستقبلية ورأت ضرورة تشجيع الطلاب على الالتحاق بالتخصصات العلمية والتقنية وتشجيع القطاع الخاص على فتح كليات جامعية أهلية وكليات تقنية·
هذه أهم معالم خطة التنمية السادسة المتعلقة بمسألة الإنفاق على التعليم العالي، وقراءتها بتعمق توحي بوجود نوع من التحول في نمط الإنفاق على التعليم العالي من الإنفاق العام إلى الإنفاق المختلط· وهذا ما استنتجه (صوفي، 1998)، من ملاحظته لبعض السياسات الواردة في خطة التنمية السادسة، إذ رأى وجود مؤشرات على تحول تدريجي في نمط مصادر تمويل التعليم العالي في المملكة العربية السعودية من النمط العام إلى النمط المختلط·
وسوف نقوم بوصف مظاهر هذا التوجه والكشف عن الصعوبات التي قد تواجهه مستندين على ما جاء في الاتجاهات الثلاثة السائدة حول الإنفاق على التعليم العالي التي استعرضناها سابقاً وخصوصاً الاتجاه الثاني لأن هناك الكثير من الدراسات والبحوث التي عبرت عن الاتجاهين الأول والثالث ومنها تلك الدراسات والبحوث التي طرحت في ندوة (التعليم العالي ــــ رؤى مستقبلية) التي عقدت في الرياض في فبراير 1998·
إن صعوبة الوضع الاقتصادي العالمي والمحلي ونقص موارد الدولة المالية أمر لا يمكن تجاهله، إلا أن تأكيد خطة التنمية السادسة على تنمية القوى البشرية قد لا يتفق نحو خفض الإنفاق على التعليم العالي أو تخلي الدولة عن بعض مسؤولياتها للقطاع الخاص لأن ذلك قد لا يؤدي في نهاية الأمر إلى تحقيق هدف الخطة وهو تنمية الإنسان في المملكة· فالإنسان هو هدف التنمية والقوة الدافعة لها، لذلك فإن منح التعليم العام والعالي حصة كبيرة وكبيرة جداً من الميزانية العامة يمكن أن يزيد من قدرة الدولة على توفير الأموال المطلوبة إذا تم تحديد الأولويات وتخليص الميزانية من أية نفقات غير ضرورية وانتهاج الرقابة الصارمة والمحاسبة الإدارية وترشيد الإنفاق على ألا يعني الترشيد خفض الميزانيات سيما أن خطة التنمية السادسة قد أشارت إلى أن المملكة قد أرست القواعد الأساسية للاقتصاد الحديث وأنهت مرحلة تأسيس البنية الأساسية·
______________________
يتبع