بدأت فعاليات الاحتفال بتتويج الكويت كعاصمة للثقافة العربية لعام 2001 بافتتاح أنشطة مهرجان القرين السابع الذي بدأ أولى ندواته بعنوان الترجمة والثقافة العربية، كانت الجلسة الأولى منها بعنوان: "دور الأيديولوجيات في قتل الترجمة" قدم ورقة البحث د· جورج طرابيشي وعقبت عليها د· معصومة المبارك، أدار الندوة د· غانم النجار·
الولادة بأيديولوجيات متضخمة
وقال د· طرابيشي في بداية بحثه: الواقع أن مصائر الترجمة في الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية تبدو معاكسة لمصائرها في الثقافة العربية الحديثة لا في ساعة الممات فحسب، بل كذلك في ساعة الميلاد·
فعلى حين أن اعتبارات أيديولوجية خالصة - ومتضخمة أحيانا - كانت وراء مولد حركة الترجمة، وتطورها في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، فإن اعتبارات عملية حصرية كانت وراء مولد حركة الترجمة في الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية·
فأول مترجم في الإسلام كان زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي الذي تقول المراجع التاريخية أنه كان "يكتب الى الملوك ويجيب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان يترجم للنبي صلى الله عليه وسلم بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن"·
وكانت أول حركة ترجمة في الإسلام حركة نقل الدواوين وتعريبها في القرن الأول في عهد بني أمية، وبمبادرة من الحجاج بالنسبة الى الديوان المكتوب بالفارسية، ومن هشام بن عبدالملك بالنسبة الى الديوان المكتوب بالرومية·
وكان أول من أمر بالترجمة من أمراء الإسلام خالد بن يزيد بن معاوية الملقب بـ "حكيم آل مروان"· وعلى ما يفيدنا ابن النديم، فقد كان "فاضلا في نفسه، وله همة ومحبة للعلوم، خطرت بباله الصنعة، فأمر بإحضار جماعة من الفلاسفة اليونانيين ممن كانوا ينزلون مدينة مصر، وقد تفصح بالعربية وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي الى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة الى لغة"·
الإسلام احتضن الترجمة
وأضاف طرابيشي: ويبدو أن أول كتاب ترجم في الإسلام كان "الخلاصة الطبية" (الكناش بالسريانية) الذي وضعه طبيب اسكندراني من القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح يدعى أهرن القس· وكان هذا الكتاب قد اكتسب في أوساط السريان شهرة واسعة· وقد تولى نقله الى العربية في عهد عبدالملك بن مروان بن الحكم الطبيب اليهودي ماسرجويه·
أما أول خليفة في الإسلام فاحتضن الترجمة ورعاها ومولها فهو ثامن خلفاء بني أمية هشام بن عبدالملك بن مروان· ومع أنه كان يصدر هو الآخر عن اعتبارات عملية خالصة، فإن اهتمامه الأول لم يتجه الى علوم الطب والكيمياء، كشأن من تقدمه في هذا المجال من رعاة الترجمة من الأمويين، بل الى علم السياسة وفن تدبير الملك· وهكذا يذكر ابن النديم- دوما - أن سالما، المكنى أبا العلاء، كاتب هشام بن عبدالملك، ونقل له "رسائل ارسطاليس الى الاسكندر"· كما يذكر المسعودي أن كتاب "سياسات الفرس" - وهو "كتاب عظيم يشتمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم" - "نقل لهشام بن عبدالملك بن مروان من الفارسية الى العربية"·
ولئن كانت عملية الترجمة قد نشطت في أيام الأمويين "بالمفرق"، فقد كان لا بد من انتظار قيام دولة بني العباس حتى تنشط "بالجملة"· فالمراجع التاريخية تجمع على أن المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، هو "أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم، وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية بالعربية، ككتاب كليلة ودمنة وإقليدس"·
وتابع: وتؤكد رواية أخرى، روى ابن أبي أصيبعة تفاصيلها في "طبقات الأدباء"، أن اهتمام المنصور بالترجمة كان يعود الى اعتبار عملي صرف ومتعلق بشخصه· فقد أصيب المنصور بمرض في معدته، فنصحه أطباؤه باستقدام جورجس ابي بختيشوع "وفي رواية أخرى ابن بختيشوع" السرياني النسطوري، رئيس أطباء جندياسابور، لمعالجته، فاستقدمه، فشفاه، فاستبقاه في بغداد، واسترأسه ليقود حركة نشيطة في تأليف الكتب الطبية وترجمتها· ولكن ابن خلدون، الذي لا نتردد في أن نصفه بأنه المحاسب الموسوعي للحضارة العربية الإسلامية، يرفض ضمنيا مثل هذا التفسير الفردي و"الصدفوي" ليؤكد على العكس أن نهضة حركة الترجمة في زمن المنصور فصاعدا إنما جاءت تعبيرا عن تطور حضاري جمعي وتلبية لحاجة الحضارة العربية الإسلامية، في لحظة تجاوزها لذاتها ولسائر الحضارات التي تقدمتها، الى هضم تراث هذه الحضارات في عملية انفتاح على الآخر يقل نظيرها - من حيث الاتساع - في التاريخ الحضاري ما قبل الحديث·
تعقيب: التجربة الشخصية
وقد عقبت على الندوة د· معصومة المبارك التي أشارت الى بعض الملاحظات والنقاط حول بحث الدكتور طرابيشي وقالت: الدكتور طرابيشي بدأ بداية منسجمة مع العنوان حيث أكد على ظهور جيل في العالم العربي هو "الجيل المؤدلج" خلال فترة الاستقطاب الدولي وتسيد الأيديولوجيا على المجتمع الدولي وعلى الفكر والثقافة، ولكن سرعان ما تأثر الباحث باهتماماته الفكرية· وقد كنا نتوقع أن نجد بين طيات هذا البحث جانبا من التجربة الشخصية للطرابيشي وهو الباحث المتعمق في الترجمة - وخاصة كتب الأيديولوجيا السياسية - في أن يحلل ويوضح العلاقة بين الأيديولوجيا التي يعتقد بها كباحث مفكر وبين الترجمات القيمة التي أغنى بها المكتبة العربية·
الجلسة الثانية: اللغة والثقافة المهيمنة
الجلسة الثانية من مؤتمر الترجمة كانت بعنوان: اللغة العربية واللغات الأخرى قدم ورقة البحث د· بسام بركة وعقب عليها د· محمود فهمي حجازي وأدار الجلسة د· مرسل العجمي·
وقال د· بركة في بداية حديثه:
لقد بات واضحا أن العالم يسير بخطى سريعة نحو نظام جديد يقوم على الشمولية، وهيمنة ثقافة على أخرى، واستعمال آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا الحديثة من وسائل التواصل وتقنيات النقل المتطورة· إن انتشار هذا النظام الجديد، وهو ما يسمى كذلك بالعولمة،يدفعنا الى التساؤل عن مستقبل "الاختلاف" بين الثقافات، وعن مصير هوية كل شعب من شعوب العالم، وهو ما يدفعنا على الأخص الى التفكر في وضع اللغات التي لا تنتمي الى الثقافات أو بالأحرى "الثقافة المهيمنة"، ومن بين هذه اللغات لغتنا العربية· أين أصبحت في هذه المعمعة؟ وأي مصير ينتظرها؟ وما فرص بقائها بعد انتشار الثقافة الواحدة في اللغة الواحدة؟ وهل فيها من المقومات ما يتيح لها الوقوف في وجه ذلك التيار العارم والبقاء حية·
وأضاف قبل الإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من التأكيد على أن الوقوف في وجه هذه الموجة لا يكون بإدارة ظهرنا لها، فهي محتمة لا مهرب منها بالنسبة لمن يريد أن يكون "حيا" وفاعلا في العصور القادمة، بل بالعمل على تجنب آثارها السيئة، وذلك بطريقة وحيدة هي الترجمة، أي القيام بعملية نقل واسعة وشاملة لكل ما ينتجه العالم المعاصر الى اللغة العربية، لا لنشر مفاهيم العولمة ومبادئها، بل لرفد اللغة العربية والثقافة العربية بما يساعدهما علي الوقوف في وجه الاستلاب الخارجي· فدراسة العلوم الحديثة، وفهم محتويات الفكر العالمي، واستيعاب أهداف العولمة ومخططاتها، في اللغة العربية ومن خلالها، كل ذلك يؤدي الى درء أخطار الثقافة الغربية الواحدة·
تعقيب: منطلقات البحث
وعقب د· محمود حجازي الذي تحدث عن منطلقات البحث الذي قدمه د· بركة وقال: هذا البحث له أهميته في دراسة قضية اللغة العربية في سياقها المعاصر، وهناك مصطلحات أساسية تعد منطلقات مهمة لرؤية الباحث، وتوضيح موقفه من قضايا الواقع، وتتمثل في الاتجاهات "الشمولية" تجاه الحضارات المتنوعة، ومحاولات "هيمنة" ثقافة محددة على العالم كله، ومشكلات ما يسمى بـ "العولمة" وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من "استلاب" لذاتية الشعوب، وفي الوقت نفسه فهناك أهمية الإفادة من "العلوم الحديثة" و"الفكر العالمي"·
وتحدث عن الفروق بين أبنية اللغات ودوافع الترجمة باللغة العربية وقضية اللغة العربية بين اللغات العالمية المعاصرة·