· على الرغم من أن فداحة الأضرار المترتبة على تفشي الاضطرابات السلوكية بين الأطفال، فإن التصدي لهذه الظاهرة جاء متأخراً
· 3.5 % من الأطفال الذين يعيشون في أسر محدودة الدخل يعانون من اضطرابات سلوكية
· الطفل المضطرب سلوكيا يربك العملية التعليمية في الفصول من خلال المشاغبة والتمرد ومخالفة وتجاهل التعليمات والاعتداء على زملائه
· الفقر له تأثيرات سلبية على الصحة النفسية للطفل ويسبب الاضطرابات السلوكية على وجه التحديد
· الجدال والكذب والسرقة والاعتداء على الآخرين وتهديدهم وإتلاف الممتلكات العامة وإشعال الحرائق والهروب من المنزل وتعاطي المخدرات.. أكثر أمثلة اضطرابات السلوك
حامد نهار المطيري **
تركز هذه الدراسة على موضوع الاضطرابات السلوكية لدى الأطفال الذين يعيشون في بيئات فقيرة في دولة الكويت، وتسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف منها تحديد معدلات الاضطرابات السلوكية الظاهرة بين الأطفال الذين يعيشون في كنف أسر محدودة الدخل، وتحديد الفروق بين الذكور والإناث فيما يتعلق بحدة الاضطرابات السلوكية، وتحديد علاقة الاضطرابات السلوكية الظاهرة بمتغيرات مختارة· ولتحقيق هذه الأهداف اعتمد الباحث على استبانة تتضمن عدة مقاييس يقوم الوالدان بالإجابة عنها· وقد تم تطبيق هذه الاستبانة على 291 مفردة تمثل المستفيدين من برنامج المساعدات الاجتماعية المقدم من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في دولة الكويت· ومن أبرز النتائج التي كشفت عنها الدراسة: ان %3.5 من الأطفال الذين يعيشون في أسر محدودة الدخل يعانون اضطرابات سلوكية ظاهرة عند مستويات إكلينيكية، لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الذكور والاناث في الاضطرابات السلوكية الظاهرة، توجد ارتباطات جوهرية بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة من جهة والضغوط الاجتماعية- الاقتصادية، والرقابة الوالدية، والاستجابة الوالدية، والاكتئاب عند أحد الوالدين·
وعلى الرغم من فداحة الأضرار المترتبة على تفشي الاضطرابات السلوكية بين الأطفال، فإن التصدي لمثل هذه الظاهرة جاء متأخراً بعض الشيء، ولقد استخدم المنظرون والباحثون مصطلحات متعددة للإشارة إلى هذا النوع من الاضطرابات، مثل العدوانية والسلوك المضاد للمجتمع والانحراف السلوكي والاضطراب السلوكي الظاهر غير أنهم يكادون يتفقون على تعريف الاضطرابات السلوكية على أنها نمط من السلوك غير الاجتماعي، يظهر خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة ويتصف بالاستمرارية وانتهاك حقوق الآخرين مع تجاهل المعايير الاجتماعية المناسبة للعمر· ومن أمثلة السلوكيات التي تندرج تحت هذا المسمى الجدال والكذب والسرقة وتهديد الآخرين والاعتداء عليهم وإتلاف الممتلكات العامة وإشعال الحرائق والهروب من المنزل وتعاطي المواد المخدرة·
كما تزخر هذه الدائرة البحثية بالأدبيات التي تظهر الثمن الباهظ الذي يدفعه المجتمع بجميع مؤسساته جراء تفشي الاضطرابات السلوكية· وللتدليل على هذه الحقيقة يمكن ايراد بعض الآثار التي وثقتها بعض الدراسات· فعلى سبيل المثال، يؤكد والكر كلفن ورامسي على أن الطفل المضطرب سلوكياً يربك العملية التعليمية في الفصل الدراسي من خلال المشاغبة وروح التمرد ومخالفة التعليمات أو تجاهلها إلى جانب الاعتداء على بقية الطلبة أو تهديدهم· وتشير دراسة روبنز إلى أن الأشخاص الذين يتعرضون لاضطرابات سلوكية حادة في الصغر ولا يتلقون العلاج في سن مبكرة، هم أكثر عرضة لتطوير مشكلات في سن الرشد، مثل الطلاق المتكرر والفشل في المحافظة على العمل والبقاء في المهنة· وفضلاً عما تقدم، تأكد أن الأطفال المضطربين سلوكياً يتعرضون للنبذ من قبل الأقران بسبب ما يعانونه من عجز مهاري في العلاقات الاجتماعية، وأنهم لا يستجيبون للتدخلات العلاجية على نحو مرض·
وبالنظر إلى الدراسات التي أجريت حول مشكلات الطفولة، يمكن القول بأن الاضطرابات السلوكية نالت النصيب الأوفر من الاهتمام· لكن يؤخذ على هذه الدراسات- برغم كثرتها- عدم إعطاء الأطفال الذين يعيشون في بيئات فقيرة قدراً مماثلاً من الاهتمام؛ الأمر الذي دفع ببعض الباحثين إلى الدعوة لإجراء دراسات خاصة بهذه الفئة بغرض تعرُّف معدلات انتشار الاضطرابات السلوكية لديها، والوقوف على علاقة بعض المتعلقات بالاضطرابات السلوكية، ومن ثم تقرير وجه الشبه والاختلاف بين الأطفال الفقراء وغير الفقراء فيما يتعلق بمعدلات انتشار الاضطرابات السلوكية وعلاقة اضطراباتهم ببعض المتعلقات· وتنبثق أهمية هذه الدراسة من كونها- فيما نعلم- أول محاولة ميدانية تهدف إلى الكشف عن معدلات انتشار الاضطرابات السلوكية لدى الأطفال الذين يعيشون في كنف أسر محدودة الدخل في دولة الكويت، وعلاقة بعض المتغيرات بهذه الاضطرابات·
إن اقتصار هذه الدراسة على الأطفال الذين ينتمون لأسر فقيرة له ما يبرره، فالدراسات الوبائية التي أجريت في كثير من الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا، تؤكد حقيقة أن أعداد الأطفال الذين ينسحب عليهم مفهوم الفقر في تزايد مستمر، وأن الفقر يعد من أقوى المتغيرات التي تنذر بإصابة الأطفال بالاضطرابات السلوكية·
أما عن واقع هذه الفئة من الأطفال، فتؤكد الدراسات أنهم يحتاجون إلى خدمات أكثر من نظرائهم من الأطفال الذين يعيشون في بيئات أفضل اقتصادياً بسبب ظروف الفقر التي تحيط بهم، إلى جانب استحواذهم على النصيب الأكبر من خدمات الصحة العقلية· كما تشير بعض الدراسات إلى أن معدلات انتشار الاضطرابات السلوكية في البيئات الفقيرة تفوق المعدلات القومية بأربعة أضعاف وتتراوح بين %24 و%40· وتأسيساً على الربط السابق بين الفقر واضطرابات السلوك، يتعين ذكر بعض التفسيرات لهذا النوع من العلاقة قبل استعراض الدراسات السابقة·
انقسم المنظرون فيما بينهم حول طبيعة الآلية التي يؤثر الفقر من خلالها في الاضطرابات السلوكية عند الأطفال؛ فهناك فريق يرى أن الفقر يحمل تأثيراً مستقلاً- أي مباشراً- على الأطفال سواء تدخلت متغيرات أخرى أو لم تتدخل، وآراء هذا الفريق لا تجد قبولاً واسعاً لدى الباحثين لانها لا توضح كيفية التأثير· أما الفريق الآخر فإنه يتبنى المنظور الايكولوجي، ويؤكد أن تأثير الفقر يتحقق من خلال شبكة من التأثيرات، وأن تأثير أي متغير على الاضطرابات السلوكية ما هو إلا نتاج لمنظومة من العلاقات التي تجمع بين هذا المتغير ومتغيرات أخرى· والأمر الأكثر تحديداً أن كتابات هذا الفريق تعول على الدور الوسائطي الذي تؤديه بعض المتغيرات في تحديد العلاقة بين الفقر والاضطرابات السلوكية عند الأطفال· فعلى سبيل المثال، تشير بعض الدراسات إلى الميل الواضح لدى الوالدين في الأسر الفقيرة إلى الإفراط في استخدام العقاب البدني، والصرامة في تنفيذ التعليمات، وكثرة النقد الموجه إلى الطفل، ودور ذلك في تفاقم هذا النوع من المشكلات لدى هذه الفئة· هذا إلى جانب تعرض الأسر الفقيرة إلى الحوادث الحياتية الضاغطة بمعدلات عالية، وما يصاحب ذلك من خلافات الزوجين واكتئاب أحدهما أو كليهما، الأمر الذي يربك عمليات التنشئة وحرمان الطفل من الدفء العاطفي والإحساس بالقبول، ومن ثم ظهور الاضطرابات السلوكية·
ندرة الدراسات
هناك صعوبتان تجعلان من عرض الدراسات السابقة مهمة شاقة؛ أولاً، إن الدراسات التي اعتنت بموضوع الأطفال الذين يعيشون في بيئات فقيرة- برغم ندرتها- اعتمدت على معايير مختلفة في تعريف الفقر، فبعضها اكتفى بالطبقة الاجتماعية، في حين لجأت مجموعة أخرى من الباحثين إلى اختيار المنطقة السكنية أو تلقي المساعدة الاجتماعية أو الوجبات المجانية في المدارس كمؤشر دال على الفقر، مما يترتب عليه تباين بين الباحثين ونتائج الدراسات· ثانياً، اعتماد الدراسات المتوفرة على طرق قياس مختلفة في تحديد حجم ظاهرة الاضطرابات السلوكية أدى إلى الحصول على أرقام متباينة· ففي الوقت الذي استخدمت فيه بعض الدراسات أسلوب المقابلة في جمع البيانات، لجأ فريق آخر إلى استخدام قوائم التقرير الذاتي ومنهج الملاحظة· كما أن الدراسات التي اعتمدت على قوائم التقرير الذاتي لم تلتزم بنقاط قطع متقاربة للتفريق بين المضطربين وغير المضطربين، فقد اعتمد بعضها على درجة تائية عند الستين، في حين عين بعضها الآخر الدرجة التائية البالغة سبعين كنقطة القطع·· وهكذا·
ونظراً لندرة الدراسات الإمبيريقية المتعلقة بهذا الموضوع، فليس من الصواب في هذا المجال الاقتصار على الدراسات التي تتشابه في اختيار المعيار الدال على الفقر أو أداة قياس الاضطرابات السلوكية واستبعاد بقية الدراسات· ولأغراض تنظيمية سوف يتم تقسيم الدراسات السابقة إلى ثلاثة أقسام هي: معدلات الانتشار، والعوامل الخاصة بالطفل، والعوامل الخاصة بالأسرة والبيئة·
وإلى جانب ندرة الدراسات المسحية التي تكشف عن معدلات انتشار الاضطرابات السلوكية بين الأطفال الذين يعيشون في أسر فقيرة، نجد أن الدراسات المتاحة مطبقة على عينات أمريكية فقط· وحتى يسهل عقد مقارنة بين معدلات الانتشار التي كشفت عنها هذه الدراسات وهذه الدراسة فقد تقرر أن يتم استعراض الدراسات التي اعتمدت على قائمة سلوك الطفل المعروفة بـ CBCL والتي أعدها Achenbach (1991)، وهي القائمة نفسها التي اعتمد عليها الباحث في هذه الدراسة· ففي دراسة قامت بها وازيرمان على عينة من الأطفال الذكور قوامها 126 طفلاً ممن تراوح أعمارهم بين 6 و10 سنوات، ظهر أن معدلات الاضطرابات السلوكية كانت %22 خلال السنة الأولى وارتفعت خلال السنة التالية إلى %27· وفي دراسة أخرى هدفت إلى اجراء مسح خاص بالاضطرابات السلوكية على جمهور غير عادي من الأطفال الذين يعيشون في بيئات فقيرة، استخدمت رادال وزملاؤها قائمة سلوك الطفل مع 890 طفلاً تتراوح أعمارهم بين الخامسة والحادية عشرة· وأظهرت الدراسة أن %25 من الأطفال يعانون اضطرابات سلوكية· وفي مجموعها تشير هذه الدراسات إلى أن الأطفال الذين يترعرعون في بيئات فقيرة يعانون خطر تطوير اضطرابات سلوكية ظاهرة بمعدلات تفوق المعدلات القومية بقدر مضاعف، كما كشفت دراسةجورا وآخرين.
ومن بين الأمور التي ركزت عليها بعض الدراسات المعقودة في هذا المجال، موضوع العلاقة بين الفقر وعاملي الجنس والعمر المرتبطين بالطفل· بعبارة أخرى، هل هناك فروق بين الذكور والاناث في الاضطرابات السلوكية؟ وما طبيعة العلاقة بين الاضطرابات السلوكية وعمر الطفل؟ ففيما يتعلق بمتغير العمر، أجرت ليبمان دراسة تتبعية تضمنت 3294 طفلاً تراوحت أعمارهم بين أربع وست عشرة سنة تمت مقابلتهم في عامي 1983 و1987· واتضح ان الأطفال الأقل عمراً (11-4) أظهروا معدلات أعلى في الاضطرابات السلوكية مقارنة بالأطفال الأكبر سناً (16-12)· وعلى العكس من ذلك، أكدت دراسة جورا التي أجريت على 1935 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 6 و12 سنة، أن الاضطرابات السلوكية تتفاقم مع تقدم عمر الطفل· أما عن متغير الجنس، فنجد أن الدراسات التتبعية التي أجريت على 585 طفلاً تراوحت أعمارهم بين 4 و9 سنوات، أكدت أنه لا توجد فروق بين الذكور والاناث في حدة الاضطرابات السلوكية· في حين تؤكد دراسة جورا وزملائها أن الذكور أكثر اضطراباً من الإناث في البيئات الفقيرة·
وحاولت بعض الدراسات الحديثة أن تكشف عن مدى تأثير بقاء الأسرة في الفقر على سلوك الطفل المضطرب· وتشير الدراسات في مجموعها إلى الطبيعة التراكمية للفقر، بمعنى أنه كلما امتد بقاء الأسرة في الفقر ازدادت حدة الاضطرابات السلوكية عند الطفل· فعلى سبيل المثال، في دراسة طولية امتدت خمسة أعوام، هدفت إلى تحديد تأثير استمرار الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها الأسرة على سلوك الطفل، قسم الباحث وزملاؤه العينة التي بلغ عدد مفرداتها 5296 إلى قسمين: أسر فقيرة، وأسر غير فقيرة· وكشفت الدراسة عن ان معدلات الاضطرابات السلوكية لدى الأطفال في الأسر الفقيرة بلغت %12 في حين لم تتجاوز %9 في الأسر غير الفقيرة· والنتيجة الأخرى الجديرة بالملاحظة هي أن الاضطرابات السلوكية ارتفعت بين أطفال الأسر الفقيرة إلى %14 بعد مضي خمسة أعوام في حين انها انخفضت إلى %8.9 بين أطفال الأسر غير الفقيرة· وفي دراسة أخرى حول الموضوع نفسه، قام ماكلود وشانهان باختبار العلاقة بين منحنى الفقر، الذي تم قياسه من خلال مدة البقاء في الفقر، ومنحنى الصحة النفسية عند الطفل في الأسرة الفقيرة، الذي تم قياسه من خلال الزيادة أو النقص في الأعراض السلوكية مع مرور الزمن، على عينة قوامها 907 أطفال تم تتبعهم على ثلاث مراحل: في عام 1986 عندما كانت أعمارهم 5-4 سنوات، وفي عام 1988 عندما كانت أعمارهم 7-6 سنوات، وأخيراً في عام 1990 عندما كانت أعمارهم 9-8 سنوات· ومن أبرز نتائج هذه الدراسة أن الأطفال الذين مكثوا فترات أطول في الفقر تفاقمت اضطراباتهم السلوكية بصورة ملحوظة· وعند مقارنة الأطفال الذين خبروا الفقر المزمن، خمس سنوات متتالية ضمن دائرة الفقر حسب تعريف الدراسة، بالأطفال الذين خبروا الفقر العابر، تبين أن الفئة الأولى هي الأكثر تضرراً· وهذا ما تؤكده دراسة دانكان التي بينت نتائجها أن تأثير الفقر المزمن على الأطفال يكاد يبلغ ضعف تأثير الفقر العابر·
وسعى بعض الباحثين إلى توضيح العمليات المصاحبة لحالة الفقر والتي تجعل الطفل أكثر عرضة للاصابة بالاضطرابات السلوكية· ومن أبرز هذه العمليات ما يختص بدور الفقر وما يصاحبه من ضغوط اجتماعية- اقتصادية، في ارباك الأسرة عن تأدية وظائفها الاجتماعية وفشل الوالدين في القيام بأدوارهما التي حددها المجتمع· بعبارة أخرى، يمكن القول بأن تأثير الفقر السلبي على تكيف الطفل يتم من خلال إضعاف قدرات الوالدين والتسبب أحياناً في حرمانهما من الموارد المطلوبة· وللتأكيد على الدور الوسائطي الذي تقوم به عمليات التنشئة في العلاقة بين الفقر والاضطرابات السلوكية عند الأطفال أظهرت نتائج دراسة دودج وآخرين أن الوضع الاجتماعي- الاقتصادي المنخفض ارتبط بقسوة المعاملة مع الطفل، واتجاهات الوالدين المؤيدة لاستخدام العنف، وغياب الدفء العاطفي في معاملة الطفل· أما دراسة وازرمان وآخرين فقد كشفت عن العلاقة السلبية بين الرقابة الوالدية، متمثلة في تحديد أمكنة وجود الابن ونوع الأصدقاء إلى جانب متابعة الأداء المدرسي، والاضطرابات السلوكية· إذ أكدت هذه الدراسة أن ضعف الرقابة الأسرية يكون مصحوباً بزيادة في الاضطرابات السلوكية·
وفي دراسة أجريت على 90 طفلاً تراوحت أعمارهم بين التاسعة والثانية عشرة، وجد بروداي وآخرون أن هناك ارتباطاً موجباً بين اكتئاب أحد الوالدين والاضطرابات السلوكية عند الطفل· ووجدت الدراسة نفسها أن هناك علاقة بين الضغوط الاقتصادية التي يعانيها الوالد والاكتئاب، متمثلة في ازدياد أعراض الاكتئاب عند الوالد مع تضاؤل الموارد الاقتصادية، وكشفت كذلك عن وجود ارتباط سلبي بين المساندة الاجتماعية التي يتلقاها الوالد من الآخرين والاضطرابات السلوكية عند الطفل· فكلما انخفضت المساندة الاجتماعية، بصورتيها العاطفية والمادية، ازدادت حدة الاضطرابات السلوكية عند الطفل·
ومن الدراسات العربية القليلة التي تناولت هذا الموضوع، دراسة كورا التي أجرتها بهدف تعرُّف دور برنامج الرعاية الصحية الأولية بمدينة الاسكندرية في قياس الانحرافات السلوكية عند أطفال المدارس الابتدائية، مستخدمة عينة شملت 682 طالباً وطالبة· وباستخدام قائمة سلوك الطفل، بينت الدراسة أن معدل انتشار الاضطرابات السلوكية بلغ %4.7، لكنها لم تكشف عن وجود فروق جوهرية بين الأطفال الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، فضلاً عن غياب الفروق الجوهرية بين الذكور والإناث على قائمة سلوك الطفل·
ويفيد العرض المتقدم للدراسات السابقة بأن للفقر تأثيرات سلبية على الصحة النفسية الخاصة بالطفل والاضطرابات السلوكية على وجه التحديد· إذ تؤكد هذه الدراسات تفشي الاضطرابات السلوكية بين الأطفال الذين يعيشون في بيئات فقيرة بمعدلات تفوق النسب الوطنية، وأن الفقر يدفع الوالدين إلى استخدام أساليب تنشئة خاطئة تؤدي إلى تفاقم الاضطرابات السلوكية مثل القسوة وعدم الاستجابة لحاجات الطفل وضعف الرقابة، ناهيك عن تعرض الوالدين لأعراض اكتئابية، والفشل في الحصول على المساندة الاجتماعية المطلوبة لتجاوز الضغوط النفسية والاجتماعية· ونظراً لندرة الدراسات المتعلقة بخصائص الطفل الذي يعيش في بيئة فقيرة على مستوى الوطن العربي بشكل عام، وانعدامها على مستوى الخليج العربي بشكل خاص، فقد أجري هذا البحث بهدف تعرُّف حجم الاضطرابات السلوكية الظاهرة لدى الأطفال الذين يعيشون في كنف أسر فقيرة في البيئة الكويتية، والوقوف على طبيعة علاقتها بمجموعة من المتغيرات التي أشارت إليها الدراسات السابقة· وعندما يتم تحقيق ذلك يمكن أن نحدد وجه الشبه أو الاختلاف بين البيئة الكويتية والبيئات الأخرى من حيث حجم الظاهرة وعلاقتها ببعض المتغيرات، ومن ثم تمكين ممارسي الخدمة الاجتماعية مع الأطفال في البيئات الفقيرة من الاستفادة من نتائج هذه الدراسة في تصميم التدخلات العلاجية المناسبة·
وتتلخص أهداف هذه الدراسة في التساؤلات التالية:
1- ما معدلات انتشار الاضطرابات السلوكية الظاهرة بين أطفال الأسر المستفيدة من المساعدات الاجتماعية في دولة الكويت؟
2- هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين الذكور والاناث في الاضطرابات السلوكية الظاهرة؟
3- هل توجد علاقة بين مدة تلقي المساعدة الاجتماعية والاضطرابات السلوكية الظاهرة عند الطفل؟
4- هل توجد علاقة بين بعض المتغيرات الأسرية (الاستجابة السلوكية، الحرمان من الامتيازات الاجتماعية- الاقتصادية، الرقابة الوالدية، الاكتئاب، المساندة الاجتماعية) والاضطرابات السلوكية الظاهرة عند الطفل؟
5- ما المتغيرات الأكثر قوة في تفسير التباين في الاضطرابات السلوكية الظاهرة عند الطفل؟
فروض الدراسة:
على ضوء ما تم استعراضه من دراسات سابقة، صيغت الفروض التالية:
1- توجد فروق جوهرية بين الذكور والاناث في الاضطرابات السلوكية الظاهرة·
2- يوجد ارتباط جوهري موجب بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة وعمر الطفل·
3- يوجد ارتباط جوهري موجب بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة والحرمان من الامتيازات الاجتماعية- الاقتصادية.
4 - يوجد ارتباط جوهري موجب بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة والاكتئاب عند الوالد·
5- يوجد ارتباط جوهري موجب بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة وعدد سنوات تلقي المساعدة الاجتماعية·
6- يوجد ارتباط جوهري سالب بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة والاستجابة الوالدية·
7- يوجد ارتباط جوهري سالب بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة والرقابة الوالدية·
8- يوجد ارتباط جوهري سالب بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة والمساندة الاجتماعية التي يتلقاها الوالد·
مصطلحات الدراسة:
الاضطرابات السلوكية الظاهرة: تشير إلى نمط مستمر من السلوك يتضمن خرقاً صريحاً لحقوق الآخرين أو تجاهلاً لقواعد متفق عليها حول السلوك في المنزل والمدرسة والمجتمع، من صورها سلوكيات السرقة والكذب والهروب من المنزل واشعال الحرائق·
الحرمان من الامتيازات الاجتماعية- الاقتصادية: تشير إلى حرمان من الموارد المادية والمساندة الاجتماعية، يكون مصحوباً بانخفاض في مستوى التعليم وكبر في حجم الأسرة يؤدي في النهاية إلى اضعاف قدرة الفرد على تحقيق المواجهة الفعالة·
الاستجابة الوالدية: تشير إلى قدرة الوالد على تعيين حاجات الطفل ومن ثم الاستجابة لها، سواء كانت متعلقة بحاجته إلى الحماية أو الاهتمام أو التقدير أو الترفيه·
الرقابة الوالدية: تشير إلى قدرة الوالد على تحديد أمكنة وجود الابن ونوع الأصدقاء ومتابعة أدائه المدرسي·
الاكتئاب: يشير إلى خبرة وجدانية تظهر على شكل أعراض أهمها الحزن والتشاؤم والشعور بالفشل والإحساس بعدم الرضا وفقدان الشهية·
المساندة الاجتماعية: تشير إلى إحساس الفرد بوجود أشخاص مقربين يمكن أن يقدموا الدعم المعنوي والأدائي والمعلوماتي عندما تدعو الحاجة إلى ذلك·
المنهج:
تعد هذه الدراسة دراسة استطلاعية استهدفت الأسر التي تعاني صعوبات اقتصادية، والتي يمكن أن نطلق عليها تجاوزاً الأسر محدودة الدخل· ونظراً لاهتمام الباحث بهذه الشريحة وغياب خط فقر معتمد من قبل الجهات الرسمية في دولة الكويت، فقد قرر الباحث الاستعانة بالوحدات الاجتماعية التابعة لإدارة الرعاية الأسرية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهي الجهة المعنية بتقديم المساعدة المادية للأسرة الكويتية المحتاجة· وللباحث سلف في استخدام هذا المعيار لتحديد الأسر محدودة الدخل، إذ قام مونشير بإدخال دراسته· وعلى هذا يلفت الباحث انتباه القارئ إلى أن نتائج هذه الدراسة لا يمكن تعميمها على من هم خارج نطاق الوحدات الاجتماعية·
العينة:
تم اختيار ثماني وحدات اجتماعية، وهي المكان الذي يتقدم اليه الفرد بطلب المساعدة الاجتماعية، بصورة عشوائية (السرة، والجهراء، وخيطان، والسالمية، والعارضية، وكيفان، والصليبخات، وهدية)، تمثل محافظات الكويت الخمس· بعد ذلك، طلب من الوحدات المختارة أن تعد قائمة بالأسر التي يوجد بها طفل واحد على الأقل يتراوح عمره بين السادسة والثانية عشرة، التابعة لها· وبعد الانتهاء من إعداد هذه القائمة تم سحب 500 مفردة باستخدام العينة الطبقية النسبية لمراعاة تباين الأعداد التابعة للوحدات الاجتماعية· ولقد وافقت 231 مفردة على المشاركة في الدراسة، مشكلة معدل استجابة قدره 43%، وهو معدل قريب من المعدلات التي كشفت عنها الدراسة المعقودة في البيئات الفقيرة، كما هي الحال بالنسبة لدراسة وازرمان التي لم يزد معدل الاستجابة فيها على 39%·
وبالنظر إلى خصائص العينة المكونة من 231 مفردة، نجد معظم المستجيبين من الإناث (196)، وهو ما يمكن تبريره جزئياً بأن شريحة كبيرة من المستفيدين من المساعدات الاجتماعية هم من المطلقات والأرامل وزوجات المسجونين، الأمر الذي حال دون تحقيق التوازن العددي بين الذكور والإناث· وعن المستوى التعليمي عند الوالدين، تبين أن 45% من مفردات العينة هم من حملة الشهادة الثانوية وما فوق، في حين أن نسبة حملة الشهادة الابتدائية لم يتجاوز %29، وأن نسبة حملة الشهادة المتوسطة بلغت 26%· كما لم يزد حجم الأسرة عند نحو 73% من المشاركين على ستة أفراد· أما عن الحالة الاجتماعية، فقد تبين أن النصف تقريباً من المتزوجين (49%)، وأن نسبة المطلقات والأرامل كانت 43% و8% على التوالي· أما نوع الفئات المستفيدة، فنجد أنها موزعة على النحو التالي: طلاق %27، ترمل %6، أسر طلبة %3، المرض 6%، أزمة مالية %32، أسر مسجونين 9%، إعاقة 2%· وبالنسبة للأطفال، اشتملت الدراسة على 127 ذكراً و102 أنثى، متوسط أعمارهم 8 سنوات·
أدوات الدراسة:
للإجابة عن أسئلة الدراسة، استعان الباحث باستبانة مكونة من قسمين· احتوى القسم الأول منها على صحيفة البيانات الاجتماعية الخاصة بالمستجيبين، والتي اشتملت على معلومات خاصة بجنس الأطفال، وجنس المستجيب، وعمر الطفل، وعمر المستجيب، والمستوى التعليمي الخاص بالمستجيب، والحالة الاجتماعية، وعدد سنوات تلقي المساعدة، أما القسم الثاني من الاستبانة فقد تضمن مجموعة من المقاييس· وفيما يلي عرض موجز لها:
1- قائمة سلوك الطفل:
هو مقياس ثلاثي يندرج ضمن أساليب التقرير الذاتي، قام اشنبلتش بتطويره ليقرر من خلاله الآباء والأمهات مدى انطباق 113 عرضاً سلوكياً على أطفالهم ويصلح للاستخدام مع الذكور والإناث ممن تتراوح أعمارهم بين 4 و18 سنة· وتشكل عبارات القائمة مقياسين أحدهما خاص بالاضطرابات الوجدانية، والآخر يتعلق بالاضطرابات السلوكية الظاهرة، ويتضمن 33 عبارة· وأمام كل منها يختار الوالد الرقم (0) اذا لم تنطبق العبارة على الطفل، والرقم (1) اذا انطبقت العبارة على الطفل أحياناً، أو الرقم (2) اذا انطبقت غالباً على الطفل خلال الستة أشهر الأخيرة· ومن أمثلة العبارات التي احتواها المقياس "يجادل كثيراً"، "يتلف أو يكسر الأشياء"، "عنيد"، "يكذب"، "يسرق"، "يهدد الآخرين"، وتميز هذا المقياس بمعامل ثبات مرتفع حيث بلغ معامل ألفا من وضع كرونباخ 0.89·
2- مؤشر الحرمان من الامتيازات الاجتماعية- الاقتصادية:
لقد طور هذا المؤشر من قبل دوماس ووالمير وقام الباحث بتعريبه مع إدخال التعديل على بعض عباراته ليكون متوافقاً مع البيئة الكويتية· فعلى وجه التحديد، عدَّل الباحث المحك الخاص بعدد الأبناء ليكون 7 أطفال بدلاً من طفلين، كما استبدل بالمحك الخاص بالتحويل من المدرسة أو المؤسسة ليكون التقدم إلى الوحدة الاجتماعية بطلب المساعدة المادية· ومن خلال الاجابة عن خمس عبارات تمثل محكات الحرمان من الامتيازات (تلقي المساعدة الاجتماعية، والحالة الاجتماعية، وعدد الأبناء، والمستوى التعليمي، ودخل الأسرة لا يتجاوز 645 ديناراً)، نستطيع الحصول على مجموع درجات يشير إلى ارتفاع أو انخفاض الضيق المنبعث من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ويختار المستجيب الرقم (0) في حال عدم انطباق المحك عليه والرقم (1) في حال انطباقه· وعلى الرغم من أهمية هذا المتغير فإن معامل كرونباخ: ألفا الخاص به لم يتجاوز 0.53، مما يعني أن معامل الثبات الخاص بهذا المؤشر من النوع المتوسط·
3- مقياس الاستجابة الوالدية
قام الباحث بتطوير هذا المقياس الذي يتكون من 11 عبارة يجيب عنها المستجيب وفق مقياس خماسي (من (1) = أبدا إلى (5) = دائماً)· ويهدف هذا المقياس إلى التعرف إلى ايجابية العلاقة بين الطفل والوالد· ومن أمثلة العبارات الواردة في المقياس: "امتدح أداء طفلي" و"احتضن طفلي" و"أقبل طفلي" و"أشارك طفلي في اللعب" و"أشرك طفلي في قرارات المنزل" و"أظهر الحماس تجاه إنجازاته"· وقد كشف هذا المقياس عن معامل ثبات متوسط، إذ بلغ معامل كرونباخ: ألفا 0.51·
4- الرقابة الوالدية
لقد قام الباحث بتطوير مقياس يحدد مقدار متابعة الوالد للأنشطة التي يمارسها الطفل، وتحديد ساعات الخروج والعودة من المنزل، واختيار الأصدقاء، ودرجة الانخراط في الأنشطة المدرسية الخاصة بالابن· ويتكون هذا المقياس الخماسي من عشر عبارات أظهرت في مجموعها معامل ثبات مرتفعاً، إذ بلغ معامل كرونباخ ألفا 0.86·
5- قائمة بيك للاكتئاب
تتكون هذه القائمة من 21 مجموعة من العبارات تتعلق كل منها بعرض من أعراض الاكتئاب بين (0) و(3) درجات· ويضع المستجيب دائرة حول الدرجة الموضوعة للعبارة التي يرى أنها تنطبق عليه· ومن أمثلة الخبرات الوجدانية التي تعكسها العبارات: الحزن، والتشاؤم، والشعور بالفشل، والشعور بالذنب، والتعب، وفقدان الشهية· وتميزت القائمة بمعامل ثبات مرتفع، إذ بلغ معامل كرونباخ ألفا 0.90·
6- المساندة الاجتماعية
قام زيميت باعداد قائمة تتكون من 12 عبارة خماسية التقدير (1= غير موافق و5= موافق تماماً) تندرج ضمن أساليب التقرير الذاتي بغرض قياس إدراك المبحوثين الخاص بمدى ملاءمة المساندة الاجتماعية المتوافرة من قبل الأهل والأصدقاء· ومن أمثلة عبارات المقياس: "أفراد أسرتي يحاولون مساعدتي" و"أستطيع التحدث إلى الأصدقاء عن مشكلاتي الخاصة"· وبعد تعريب القائمة من قبل الباحث، دل الاختبار على تمتع الأداة بمعامل ثبات مرتفع، إذ بلغ معامل كرونباخ ألفا 0.93·
إجراءات الدراسة:
تم توزيع الاستبانة على مفردات العينة في الوحدات الاجتماعية التي يتبعونها، واستغرقت عملية التطبيق قرابة أربعة أشهر، بدأت من شهر سبتمبر 1997 وانتهت في شهر يناير 1998· وقد قامت مساعدة الباحث بتدريب الاخصائيات الاجتماعيات العاملات في الوحدات الاجتماعية المختارة على إجراءات التطبيق المتمثلة باعطاء المستجيب نسخة من الاستبانة، وتوضيح أن المشاركة طوعية ومن حق المستجيب الانسحاب من الدراسة في أي وقت· بعد ذلك طُلب من المستجيب ملء الاستبانة والبقاء معه لتوضيح ما قد يعتري عباراتها من غموض· وفي حال تعذر الاجابة ذاتياً بسبب الأمية (42 حالة) كانت الاخصائية الاجتماعية تقوم بقراءة الأسئلة أو العبارات ثم تدوين الاجابة·
الأساليب الاحصائية:
اعتمد في عمليات المعالجة الاحصائية على المتوسطات والانحرافات المعيارية واختبار "ت" ومعامل الارتباط البسيط "بيرسون" وتحليل الانحدار المتعدد·
النتائج
سوف يتم عرض نتائج الدراسة على النحو التالي:
1- معدلات انتشار الاضطرابات السلوكية الظاهرة لدى أطفال الأسر المستفيدة من المساعدات الاجتماعية·
2- دلالة الفروق بين الذكور والاناث في الاضطرابات السلوكية الظاهرة·
3- العلاقة بين متغيرات الدراسة والاضطرابات السلوكية الظاهرة مع تحديد القوة التنبؤية لمتغيرات الدراسة·
لقد تم تحديد معدلات الانتشار الخاصة بالاضطرابات السلوكية الظاهرة لدى الأطفال الذين يعيشون في بيئات فقيرة عن طريق النسبة المئوية لأعداد الأطفال الحاصلين على 90 درجة مئينية وما فوق، أو ما يعادل درجة تائية من السبعين وما فوق· وحصول الطفل على المئين 90 يفيد أنه حصل على درجة تفوق ما حصل عليه %90 من أفراد عينة التقنين، وأنه يصنف ضمن الحالات التي تعاني اضطراباً سلوكياً واضحاً· وتأسيساً على ما تقدم يتضح أن %3.5 من المفردات يعانون اضطرابات سلوكية ظاهرة على مقياس الاضطرابات الظاهرة·
حاول الفرض الأول من فروض الدراسة التحقق من دلالة الفروق بين الذكور والاناث في الاضطرابات السلوكية الظاهرة·
وتعلق الفرض الثاني من فروض الدراسة بالارتباط الموجب بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة ومتغيرات عمر الطفل وسنوات تلقي المساعدة الاجتماعية والحرمان من الامتيازات الاجتماعية- الاقتصادية والاكتئاب عند والد الطفل· وقد ارتبط الاكتئاب بالاضطرابات السلوكية الظاهرة وكان دالاً احصائياً· أما الحرمان من الامتيازات الاجتماعية- الاقتصادية فقد ارتبط كذلك بالاضطرابات السلوكية الظاهرة، غير أنه كان على العكس من الاتجاه المتوقع· ولم يكن لارتباط عمر الطفل وسنوات تلقي المساعدة الاجتماعية دلالة إحصائية·
أما الفرض الثالث من فروض الدراسة فقد نص على وجود ارتباطات جوهرية سالبة بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة ومتغيرات الاستجابة الوالدية والرقابة الوالدية والمساندة الاجتماعية المدركة· وقد سارت الارتباطات في الاتجاه المتوقع فيما عدا متغير المساندة الاجتماعية المدركة الذي لم يكن لارتباطه أي دلالة إحصائية·
وحتى يمكن التعرف إلى أقوى المتغيرات في تفسير التباين الذي طرأ على متغير الاضطرابات السلوكية الظاهرة استخدم تحليل الانحدار المتعدد· وبعد إدخال جميع المتغيرات، تمكن متغير الاكتئاب من تفسير %13 من التباين في الاضطرابات السلوكية الظاهرة، كما أسهم متغير الرقابة الوالدية في تفسير %7 من التباين في نفس المتغير، ولم تفلح بقية المتغيرات في اضافة نسب أخرى من التباين· ومن ثم يكون مجموع ما يمكن تفسيره من التباين من خلال متغيرات الدراسة هو 20%·
المناقشة
لقد كان الهدف الرئىسي من هذه الدراسة تحديد معدلات انتشار الاضطرابات السلوكية الظاهرة لدى الأطفال الذين يعيشون في أسر فقيرة، كما سعت الدراسة إلى الكشف عن دلالة الفروق بين الذكور والاناث في الاضطرابات السلوكية، وأخيراً حاولت الدراسة الوقوف على طبيعة العلاقة بين مجموعة من المتغيرات (عمر الطفل، وسنوات تلقي المساعدة الاجتماعية، والحرمان من الامتيازات الاجتماعية- الاقتصادية، والرقابة الوالدية، والاستجابة الوالدية، والاكتئاب عند الوالد، والمساندة الاجتماعية المدركة من قبل الوالد) والاضطرابات السلوكية الظاهرة عند هذه المجموعة من الأطفال·
اعتمد الباحث على قائمة سلوك الطفل التي طورها اشينيبتش في تحديد معدلات انتشار الاضطرابات السلوكية الظاهرة لدى أطفال الأسر الفقيرة في دولة الكويت· وهذه الأداة استخدمت في عدد كبير من الدراسات بغرض فرز الحالات إلى مضطربة وغير مضطربة، وأظهرت قدرة عالية من التفريق بين الحالات العيادية وغير العيادية، وباستخدام هذه الأداة، بلغت معدلات الانتشار 3.5% لدى الأطفال الكويتيين الذين يعيشون في أسر فقيرة· وعند مقارنة هذه النسبة بالنسب الواردة في الدراسات الغربية المتعلقة بالموضوع نفسه، يتجلى أن التباين شديد ويحتاج إلى تفسير· ويمكن عزو انخفاض الاضطرابات السلوكية في العينة الكويتية إلى حقيقة أن الدراسات المتاحة التي استشهد بها هي دراسات أمريكية، ومعظمها يأخذ بخط الفقر كمؤشر يقسم الأسر إلى فقيرة وغير فقيرة· ولتوضيح ذلك فإن خط الفقر يتم تحديده من خلال تقدير كلفة الطعام ومضاعفة هذه الكلفة ثلاث مرات مع تعديلها بمقتضى حجم الأسرة ومعدلات التضخم· وبما أنه لا يوجد إجراء مماثل في دولة الكويت، فإنه من المتوقع وجود اختلاف ملحوظ في خصائص الشريحتين وظروف المعيشة· فيغلب على الأسر الأمريكية الفقيرة- معظمهم من الأمريكيين السود والأسبان- العيش في أحياء تنقصها الخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية، ويتفشى فيها العنف وتعاطي المخدرات· أما اذا نظرنا إلى واقع الأسر الفقيرة في الكويت فنجد أن الوضع مغاير تماماً، فالطفل لا يعيش في أحياء معزولة ويستفيد من نطاق واسع من الخدمات الصحية والتعليمية والأمنية والنفسية، ناهيك عن الدعم الموجود للمواد الغذائية· إن توفر هذه الخدمات يحول دون التأثيرات المباشرة للفقر أو يقلل منه، وهو ما يطلق عليه Costello، وآخرون يطلقون عليه (1997) شبكة السلامة·
وفيما يتعلق بالجانب الخاص بالطفل، لم يتحقق فرض الفروق بين الذكور والاناث في الاضطرابات السلوكية· وتتفق هذه النتيجة مع نتائج دراسة دودج ودراسة كورا، ولكنها غير متسقة مع ما انتهى إليه جورا وآخرون من أن الذكور أكثر اضطراباً من الاناث· ومن المحتمل أن الذكور والاناث في العينة الكويتية يظهرون المنحنى التطوري نفسه في الاضطرابات السلوكية، على خلاف ما تؤكده الدراسات من أن الاناث يتأخرن في تطوير هذا النمط من السلوك· كما يحتمل أن اعتماد الدراسة على نموذج الوالد من قائمة سلوك الطفل قد لا يكشف عن بعض أنواع السلوك الخفي مثل التدخين والسلوك المرتبط بالمدرسة، وهي جوانب قد تبرز بعض الاختلاف بين الذكور والإناث·
أما الفرض الآخر المرتبط بالطفل فتعلق بالارتباط الموجب بين عمر الطفل والاضطرابات السلوكية، ولم يتحقق هذا الفرض· إذ لم تكن هناك زيادة في الاضطرابات السلوكية مع تزايد عمر الطفل، على خلاف ما توصلت اليه دراسةجورا من وجود ارتباط طردي بين المتغيرين· ويمكن تفسير هذه النتيجة بالرجوع إلى الأدبيات التي عالجت موضوع المنحنى التطوري الخاص بالاضطرابات السلوكية· وتكاد آراء المنظرين مثل ( داماس ولوبير تجمع على تقسيم الأطفال المضطربين سلوكياً إلى فئتين: فئة تتكون من الأطفال الذين تظهر عليهم الاضطرابات السلوكية في سن مبكرة (قبل سن العاشرة وتنتشر بينهم سلوكيات مثل العناد والجدال والشجار والتخريب، والفئة الثانية تتكون من الأطفال الذين تظهر عليهم الاضطرابات السلوكية في مرحلة الطفولة المتأخرة وتنتشر بينهم سلوكيات مثل السرقة والهروب من المنزل وتعاطي المخدرات· وانطلاقاً من هذا التقسيم، يحتمل أن تكون الاضطرابات السلوكية لدى الأطفال الكويتيين الذين يعيشون في أسر فقيرة من النوع المتأخر، ومن ثم لم تكن هناك دلالة إحصائية للارتباط بين المتغيرين· ويعزز هذا الاحتمال حقيقة أن %74 من الأطفال في هذه الدراسة لم تتجاوز أعمارهم العاشرة·
وفيما يتعلق بفروض الدراسة التي توقعت وجود ارتباط ايجابي دال احصائياً بين الاضطرابات السلوكية الظاهرة واكتئاب أحد الوالدين وسنوات تلقي المساعدة الاجتماعية والضغوط الاجتماعية- الاقتصادية، لم يتحقق منها سوى الفرض المرتبط بالاكتئاب· فكانت الزيادة في أعراض الاكتئاب عند الوالد مصحوبة بزيادة الاضطرابات السلوكية عند الطفل، وهو ما أظهرته نتائج الدراسات السابقة· وهذه النتيجة غير مستغربة، فقد أشارت الأدبيات المتعلقة بهذا الموضوع إلى أن الوالد المصاب بأعراض اكتئابية يغلب عليه الابتعاد وجدانياً عن الطفل، ويسرف في استخدام القسوة والتوبيخ والنقد مع الطفل إلى جانب عدم الاتساق في المعاملة، الأمر الذي يجعل الطفل عرضة للاصابة بالاضطرابات السلوكية أما عن المتغيرين الآخرين، فلم يرتبط متغير سنوات تلقي المساعدة الاجتماعية بالاضطرابات السلوكية عند الطفل، على خلاف الدراسات السابقة التي أكدت أن معاناة الطفل النفسية تتفاقم بازدياد مدة بقاء الأسرة في دائرة الفقر· ويمكن ارجاع عدم اتفاق هذه النتيجة مع النتائج السابقة إلى احتمال تأثير المنهج المتبع في إجراء الدراسة؛ إذ استخدم الباحث في الدراسة الحالية الطريقة المستعرضة في حين لجأت الدراسات السابقة إلى المنهج الطولي الذي يسمح بدراسة تأثير كل من الفقر العابر والفقر المزمن كما كانت النتيجة الخاصة بمتغير الحرمان من الامتيازات الاجتماعية- الاقتصادية دالة إحصائياً ولكن في اتجاه مغاير لما افترضته الدراسة، ففي حين أشارت الدراسات السابقة إلى ازدياد الاضطرابات السلوكية عند الأطفال مع تزايد الضغوط الاجتماعية الاقتصادية عند الوالد، أظهرت الدراسة الحالية أن ازدياد الحرمان من الامتيازات الاجتماعية- الاقتصادية كان مصحوباً بانخفاض في الاضطرابات السلوكية عند الأطفال، إلا أنه يمكن تفسير هذا النمط غير المتوقع من العلاقة بين المتغيرين من خلال ما كشفت عنه هذه الدراسة من ارتباط إيجابي (29 = r) بين هذا المتغير ومتغير المساندة الاجتماعية المدركة ودور الأخير الوسائطي المتمثل في تعزيز قدرات المواجهة عند الوالد·
أما عن الافتراضات المتعلقة بالارتباط السلبي مع الاضطرابات السلوكية الظاهرة فقد تحقق الفرضان الخاصان بالاستجابة الوالدية والرقابة الوالدية، ولم يتحقق الفرض الخاص بالمساندة الاجتماعية المدركة· وتبين من نتائج الدراسة أن نقص الاستجابة الوالدية كان مصحوباً بزيادة في الاضطرابات السلوكية· ووافقت هذه النتيجة ما توصل اليه واوتون وآخرون (1997)· فمن غير مشاركة الوالد للطفل في أنشطته وإظهار الحب والاهتمام، لا يمكن أن يتقوى الرابط العاطفي بين الاثنين وتكون المحصلة أعراضاً سلوكية مضطربة، كما يؤكد فريك· وتحقق الفرض الخاص بالرقابة الوالدية، واتسقت نتيجة الدراسة مع ما ذهب إليه mhnblhk من أن جهل الوالد بنشاط الابن المدرسي وما يرتبط بذلك من مشكلات مدرسية، وكذلك الأمر بالنسبة لنوعية الأصدقاء ونوع النشاط الذي يمارسونه، يسهم في تفاقم الاضطرابات السلوكية· ويمكن تفسير الارتباط بين المتغيرين بأن ضعف الرقابة الوالدية قد يخلق إحساساً عند الطفل بأنه لا يوجد من يهتم به ويرعاه، كما أن متابعة سلوك الطفل ومراقبته تجعلان الطفل يدرك طبيعة الدور المتوقع منه، لذلك نجد أن فيك يصنف هذا المتغير ضمن المتغيرات الأساسية في عملية التنشئة، ويؤكد تعاظم أهميته في البيئات الفقيرة· أما عن سر عدم ارتباط متغير المساندة الاجتماعية بالاضطرابات السلوكية، فإنه من المحتمل أن يكون تأثيره من النوع غير المباشر· ويدعم هذا الاحتمال ارتباطه الجوهري بجميع متغيرات الدراسة، فيما عدا الاكتئاب وسنوات تلقي المساعدة الاجتماعية·
وبعد أن تمت مناقشة نتائج هذه الدراسة ضمن اطار يعتمد على مقارنتها بنتائج الدراسات السابقة، يبدو أن الوقت مناسب لاثارة بعض الأمور التي من شأنها أن ترتقي بممارسة الخدمة الاجتماعية ضمن برنامج المساعدات الاجتماعية، والتي أثارتها نتائج هذه الدراسة·
ينبغي ألا نقلل من حجم الظاهرة في المجتمع الكويتي، فالنسبة المحدودة التي كشفت عنها الدراسة الحالية، والتي تشير إلى أن 3.5% من الأطفال الذين يعيشون في أسر فقيرة يعانون اضطرابات سلوكية حادة عند مستويات عيادية، لا يمكن تجاهلها لكون الأطفال من هذه الفئة غالباً ما يمتد سلوكهم السلبي إلى البيت والمدرسة والمجتمع، من خلال سلوك السرقة وتخريب الممتلكات العامة واشعال الحرائق وتعاطي المخدرات والاعتداء على الآخرين أو تهديدهم· الأمر الآخر الذي ينبغي أن يسترعي الاخصائيين الاجتماعيين هو أن هناك شريحة لا يستهان بها من الأطفال الذين يعيشون في أسر فقيرة يعانون اضطرابات سلوكية حدية، بمعنى أنهم يعانون اضطرابات سلوكية ولكنها لم تصل إلى مستويات عيادية، إذ بلغت نسبتهم في الدراسة الحالية %18 من هنا يمكن القول إن هناك حاجة ماسة إلى الالتفات إلى هذه الفئة من الأطفال واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحيلولة دون تدهورها إلى مستويات عيادية·
كما يستشف من نتائج هذه الدراسة أن الأسر المستفيدة من المساعدات الاجتماعية هي في حاجة إلى خدمات أخرى إلى جانب المساعدة المادية، كان من المفترض أن تسهم الوحدات الاجتماعية في تقديمها· فالطفل المضطرب سلوكياً يعاني مشكلات كثيرة مثل التأخر الدراسي والتسرب من التعليم العام والتورط في أعمال مخالفة للقانون· مما يعني أنه في حاجة ماسة إلى خدمات تساعد على منع تسربه من التعليم ووقوعه تحت طائلة القانون· والوالدان كذلك هما في حاجة إلى تدخلات تتناسب مع طبيعة المشكلات التي تبرز في البيئات الفقيرة، مثل الأعراض الاكتئابية والضعف في مهارات إدارة سلوك الطفل والعجز عن مراقبة سلوكه·
ويطلق على الطريقة التي يمكن أن يعمد الاخصائي الاجتماعي إلى استخدامها من أجل إشباع حاجات الطفل والأسرة من جهة، واخراجهم من دائرة الاعتماد على المساعدة الاجتماعية إلى دائرة الاعتماد على الذات من جهة أخرى، طريقة إدارة الحالة ويمكن تعريف هذه الطريقة بأنها عملية ابتكارية- تنسيقية تتطلب مهارات عالية في تحديد الاحتياجات والتخطيط وتصميم التدخلات بغرض الوصول إلى أفضل أداء اجتماعي عند العملاء، كما تتميز هذه العملية بالتدعيم والفاعلية والتوفير· فمن خلالها يقوم الاخصائي الاجتماعي بتقديم الدعم والمساندة لجميع أفراد الأسرة، ويحاول ربطهم بالجهات التي تقدم خدمات اضافية تمكن الأسرة من مواجهة الأعباء والضغوط، ومن ثم الاستغناء عن المساعدة الاجتماعية في أقصر وقت ممكن·
وأخيراً يود الباحث أن يسترعي انتباه القارئ إلى صعوبة تعميم نتائج هذه الدراسة إلى وحدات خارج نطاق المستفيدين من الوحدات الاجتماعية، كما يؤكد ضرورة إجراء مزيد من الدراسات حول الموضوع نفسه مع الاعتماد على عينات أكبر حجماً، واستخدام مصادر متعددة للمعلومات مثل الأم والأب والمدرس، وتنويع طرق القياس مثل المقابلة وصحائف الملاحظة والتقرير الذاتي· هذا اضافة إلى الاعتماد على نماذج نظرية تستوعب الدرجة العالية من التعقيد التي يتميز بها السلوك الإنساني- خصوصاً الاضطراب السلوكي- وتمكن من استخدام أساليب إحصائية متقدمة مثل تحليل المسار ونموذج المعادلة البنائية· ومن أمثلة ذلك النموذج الحيوي الاجتماعي الذي اقترحه مكلنتوك فيليب لدراسة الاضطرابات السلوكية وفهمها، والذي يتضمن قدراً كبيراً من المتغيرات البيولوجية والأسرية والبيئية وصورة التفاعل بين هذه المتغيرات· ولا يفوت الباحث أن يدعو الباحثين إلى تسليط ضوء أكبر على المتغيرات أو العوامل الواقية التي تحول دون نشوء الاضطرابات السلوكية أو تقلل من تفاقمها، مثل درجة التدين عند الوالدين وخصائص المرونة عند الطفل·
* تم تمويل هذا البحث من إدارة الأبحاث- جامعة الكويت- مشروع رقم AS020·
** مدرس مساعد بقسم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت·