في السنة التي تنقضي أيامها الأخيرة، تلامس ولاية الرئيس الإيراني محمد خاتمي نهايتها· وللمرة الأولى، تجري الانتخابات الرئاسية، المحددة في الثامن من يونيو للسنة 2001، في مناخ من التمرد غير عادي انضم إليه شخصيا الرئيس الإيراني· ففي اعتراف علني يشبه عجزه، طرح الرجل الذي حمله الناس الى الرئاسة في مايو من عام 1997 بانتصار كاسح، مشكلة حدود السلطة الرئاسية· هذه المسلَّمة التي كانت تفصح عنها بهذا القدر أو ذاك من الوضوح دوائر الغالبية الرئاسية، تؤكد اضطراب أداء المؤسسات في الجمهورية الإسلامية·
لقد اعترف خاتمي بصعوبات حكمه في مناسبتين، السادس والعشرين من نوفمبر ثم في السادس من ديسمبر· وكان الاعتراف التالي هو الأقوى: "بعد نيف وثلاث سنوات من الرئاسة، لا أملك الصلاحيات الكافية لتطبيق الدستور الذي هو واحد من أهم مسؤولياتي· وفي الواقع، يعجز الرئيس عن المطالبة بتطبيقه"· وإذا كان الرئيس الإيراني مضطرا الى التمسك ببعض التحفظ فمرد ذلك "تجنب التوترات" فهو كان وعد أن يقيم بحلول نهاية ولايته تناسبا بين الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية للأمة"· وبانتظار ذلك، أضاف خاتمي أنه كانت ثمة ضرورة لتبديد الغموض من أجل أن يستطيع الرئيس أن يضطلع بأعماله بصلاحيات كاملة"·
يستحق الرئيس الإيراني فضيلة تعيين المشكلات الرئيسية التي تواجه الجمهورية الإسلامية سواء كانت غايته ترشيح نفسه لخلافة نفسه، كما أعلن في يوليو الماضي، أو التخلي عن المهمة· والمشكلات هي التناقضات المتأصلة في بنية السلطة، فهي لم تكن المرة الأولى تبرز هذه المشكلة في 21 سنة هي عمر الجمهورية الإسلامية، بل إن الصراع في أعلى هرمية النظام كان تتم تسويته (قبل خاتمي) في داخل الاجتماعات السرية لرجال قمة الدولة· وفي نيف وثلاث سنوات من رئاسته توجب على خاتمي أيضا أن يمر بمثل هذه الاجتماعات· أما الإيرانيون الـ 30 مليونا الذين أعطوه الثقة في عام 1997، وما زالت غالبيتهم موالية له كما أظهرت الانتخابات البلدية والتشريعية، فيتنظرون منه تفسيرات· ففي غالب الأحيان، كان يصعب عليهم أن يفهموا سبب صمته حين كان أصدقاؤه وبرامجه الإصلاحية يتعرضون لسوء المعاملة·
عندما جاء الى السلطة، جعل خاتمي من احترام القانون والدستور مبدأ ثابتا له، ومن إقامة دولة القانون غايته الأولى· وقد توجب عليه أن يتعاطى مع حقيقة ذات وجهين: فمن جهة، تبين أن القوانين هي على قدر من الغموض يكفي لنشوء تفسيرات من كل لون، ومن جهة ثانية، كانت الصلاحيات الرئاسية مطوقة بصلاحيات الأجهزة الأخرى الرسمية أو الموازية، لا سيما سلطة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي، وفي هذه الظروف، اتجه التعايش بين المحافظين والإصلاحيين في الجمهورية الإسلامية نحو معركة منظمة كانت تنتهي بانتظام بانتصار للمحافظين، باستثناء متى كان الشعب حكما أي بمناسبة الانتخابات·
كان الحصار متوقعا منذ كان الرئيس ومرشد الثورة يبث كل منهما على موجة مختلفة، ولما كان خاتمي وهو سيد القصر الرئاسي قد حدد غايته بإصلاح النظام لا بإطاحته· فالمرشد يحوز سلطات القائد الأعلى للقوات المسلحة والقوات شبه النظامية، وهو يعين نصف أعضاء مجلس الأوصياء على الثورة - أشبه بمجلس دستوري - ناهيك عن تعيين رئيس السلطة القضائية ومدير الإذاعة والتلفزيون· وهو يعطي القول الفصل في نزاعات الأجهزة حين تعجز هيئات التحكيم عن تسويتها· وهو يرسم في النهاية السياسة العامة للدولة، في حين أن ممثليه يتمتعون بصلاحيات عملية موازية لجميع أجهزة اتخاذ القرار، ومذ ذاك، ضاق هامش المناورة لدى الرئيس الإيراني بقدر صار يجعل رؤاه لا تصطدم برؤى الشخصية الأولى في الدولة· وهكذا صار معيار التطابق مع الإسلام، وهو مفهوم يتيح جميع أنواع التفسيرات ليسوغ جميع أنواع الحصار: تعويق المرشحين في جميع أنواع الانتخابات حتى إن صادق على ترشيحاتهم البرلمان، ورفض اختيار هذا الوزير أو ذاك، وانتهاك الحريات وعقد سلسلة لا تنتهي من المحاكمات· والأمثلة هي على سبيل المثال لا الحصر، ناهيك عن تدخل ما يسميه الإيرانيون "جماعات الضغط" التي لا تعرف غير لغة القوة وما زالت تعيث فسادا· والنمو الاقتصادي أثقلته فأبطأته أسباب بينها الأجهزة شبه الحكومية وهي المؤسسات الشهيرة التي تملك غالبية عجلات الاقتصاد، وتدخل تشريعات عفا عليها الزمن تفرض على الاستثمارات الأجنبية·
لكن الرئيس الإيراني استطاع مع أنصاره أن يكسر بعض المحرمات: فحرية الكلمة في إيران لم تكن أعظم مما هي الآن، حتى في داخل أروقة المحاكم حيث ارتفعت أصوات المثقفين ورجال السياسة برغم الثمن الباهظ تدين النظام ورجاله الذين عينتهم أجهزة السلطة· ويصعب القول إن هؤلاء ربما أدوا خدمة للرئيس أو ربما عبروا عن أكبر مما يلزمه، والإيرانيون يعبرون أكثر فأكثر عما يضمرون، وقد اكتشفوا أن لهم "حقوقا" لا "واجبات" فحسب على نحو ما ذكرهم خاتمي منذ بدء ولايته·
يبدو خاتمي الآن وكأنه اقتنع بأن المعركة بين المحافظين والإصلاحيين طالت كثيرا، فقد خسر فيها أصدقاءه الأشد كفاءة والأقوى تصميما وهم مساقون الى قاعات المحاكم أو قابعون في السجون أو يواجهون استفزازات هي بقدر جعل بعضهم يتخلى عن منصبه مثل وزير الثقافة المحبوب عطاء الله مهاجراني· خلال السنوات الثلاث ونصف السنة لم يفكر خاتمي بالطعن في "ولاية الفقيه"، نقيضا لبعض مناصريه، ولم يفكر بأي إصلاحات دستورية· فما كان يريده هو إصلاحات تشريعية فحسب· وهذا لا يكون ممكنا إلا إذا قرر مرشد الثورة عدم الاعتراض مباشرة أو من خلال مجلس الأوصياء الذي تعتبر مصادقته مرسوما يتيح لأي تشريع يقرره البرلمان أن يدخل حيز التنفيذ· إن مهمة خاتمي باختصار هي رابع المستحيلات·
(لوموند)