من يصرخ أولاً من أطراف عملية السلام في الشرق الأوسط؟ وفي أي ظروف يجري اجتماع بيل كلينتون وياسر عرفات؟
الرئيس الأمريكي يغادر منصبه في 20 يناير الجاري· هو يحتاج إلى نجاح في عملية السلام لضرورتين غير ملحتين الآن: تحقيق إنجاز تاريخي وإثبات صحة سياسته المتصلة بالشرق الأوسط· لكنه يبقى مغادراً في أي حال·
رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك عينه على السادس من فبراير موعد المعركة الانتخابية على رئاسة الوزراء· ذلك أن استطلاعات الرأي تضعه بعيداً خلف زعيم الليكود أرييل شارون· وأي اتفاق سلام سيكون سلاحه في المعركة التي يريدها لانتزاع ثقة مفقودة فيه منذ وقت طويل·
لكن دون باراك مصاعب· فالمستشار القانوني للحكومة إلياكيم روبنشتاين شكك في امتلاك باراك الشرعية الدستورية، باعتباره مستقيلاً، لإبرام اتفاق ذي آثار بعيدة المدى في مستقبل الدولة العبرية· ولولا خوف مختلف قياديي حزب العمل من خطر الليكود، سواء من شارون أو بنيامين نتانياهو، لظهر منافس أقوى لباراك داخل الحزب نفسه غير شيمون بيريس·
وهناك عرفات· فهو يواجه ما يعتبره البعض أصعب مهمة في حياته: فإذا رفض مقترحات كلينتون فقد تنقلب عليه غضبة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي· وإذا وافق عليها، ترتد عليه الانتفاضة حتى من داخل حركة "فتح" التي يتزعمها·
أليس السقف الأعلى للقرارات الدولية 242 و338 و194 هو ما تطالب به السلطة الفلسطينية؟
عرفات لم يرفض المقترحات الأمريكية صراحة، ولم يقبلها· إنما طالب بما يسمى "استيضاحات"· وإلى حين سفره إلى الولايات المتحدة أمس، كان يتشاور مع العرب لاسيما مصر، (مباشرة) والأردن (عبر موفدين) والموقف العربي معروف: تطبيق القرارات الدولية وفق منطق مؤتمر مدريد الذي رعته إدارة جورج بوش الأب· فهل يفضل العرب حقاً انتظار الابن حتى يعاودوا التفاوض من جديد؟
بعد قمة كامب ديفيد الثانية، اشتعلت الانتفاضة فاستطاعت أن تطيح حكومة باراك· لكن ماذا يمكن أن يحدث الآن لو أعلن الفشل النهائي لمقترحات كلينتون؟ تصعيد مرجح للانتفاضة وتعاظم دور القادة الميدانيين لحركة "فتح" وعمليات المنظمات الرافضة لعملية السلام، وبالمقابل تشديد القمع الإسرائيلي وحصار المناطق الفلسطينية·
ثمة مشكلة جوهرية في عملية السلام وهي أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تصمم في أي يوم على إنهاء عملية السلام وفق منطق مدريد· فهي سكتت طويلاً عن النشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية باعتباره من وجهة نظرها شكلاً من أشكال الدفاع عن النفس تمارسه الدولة العبرية، في حين أن هذا الاستيطان كان ذا طابع قومي عنصري ديني من جانب المستوطنين· بل إن مقترحات كلينتون لا تنطوي على إزالة لجميع المستوطنات، إنما التخلي عن تلك التي يصعب الدفاع عنها، مع المحافظة على التجمعات الكبيرة التي تضم 80 في المئة من المستوطنين وضمها إلى إسرائيل·
كانت مقترحات كلينتون خطوة متقدمة، رسمياً، بالنسبة إلى ما عرضه باراك في قمة كامب ديفيد، لكنها تبقى أقل بكثير مما يقترب من "مبدأ الأرض مقابل السلام"· فالقدس القديمة لن تذهب كلها إلى الفلسطينيين· والمسجد الأقصى تبقي فيه المقترحات سيادة جزئية لإسرائيل على الحائط الغربي (حائط البراق أو المبكى) وما تحت المسجد· وإذا أخذنا بالاعتبار ما تعطيه المقترحات لإسرائيل من القدس القديمة والتكتلات الاستيطانية الكبيرة (برغم التعويض في جنوب صحراء النقب) يبقى أن ما تسترجعه السلطة الفلسطينية من الضفة الغربية هو أقل بكثير من %95 كما تنص المقترحات·
وهناك عقدة اللاجئين التي يقال أنها صارت الأصعب الآن· ذلك أن القرار الدولي 194 يعطيهم حق العودة إلى الأراضي التي تم تهجيرهم منها، في حين أن مقترحات كلينتون تدعو أساساً إلى تعويضهم حيث هم الآن، أو نقل بعضهم إلى أراضي الحكم الذاتي، وعدد محدود تستقبله الدولة العبرية·
صحيح أن باراك، صاحب اللاءات الخمس المشهورة، ومنها "لا لتقسيم القدس" و"لا للعودة إلى حدود 1967" تراجع نسبياً عما كان يعلن، لكن ذلك أقل بكثير مما يمكن الفلسطينيين أن يقبلوا به· بل إن باراك الذي تسوّد آفاق إعادة انتخابه أخذ يرد بأسلوب الاغتيالات وباتخاذ إجراءات للفصل بين إسرائيل والحكم الذاتي من جانب واحد في محاولة لاستعادة ثقة صارت مفقودة·
كان يفترض أن ينتظر عرفات اجتماع لجنة المتابعة العربية حتى يعلن موقفه النهائي من مقترحات كلينتون· غير أن مكالمة أجراها مع الأخير عندما كان عرفات في القاهرة كانت كفيلة بالاتفاق على الالتقاء في واشنطن· لكن كيف يمكن أن تحقق "قمة اللحظة الأخيرة" ما عجزت عنه كامب ديفيد وجميع الوساطات والاجتماعات السابقة منذ اتفاق أوسلو عام 1993 حتى الآن؟
إذا انهارت الجهود الأخيرة يحدث ما يلي: تحمل إسرائيل السلطة الفلسطينية مسؤولية فشل وساطة كلينتون· وقد بدأ باراك حملة علاقات عامة في روسيا وأوروبا كلف بها وزير الخارجية بالوكالة شلومو بن عامي· وإلى حين بدء انتخابات رئاسة الوزراء في السادس من فبراير، يحاول باراك قتل أكبر عدد ممكن من المسؤولين في "فتح" وغيرها·
في الجانب الفلسطيني والعربي عموماً ينبغي انتظار الإدارة الأمريكية الجديدة التي سبق أن أعلنت أن جورج بوش الابن لن يورط نفسه شخصياً في مفاوضات مباشرة، ولن يشغل بها المكتب البيضاوي· وهذه الإدارة لن تستأنف جهودها إلا بعد دراسة للملفات ورسم سياسة الوساطة·
وبانتظار ذلك، يتولى السلطة في إسرائيل على الأرجح إرييل شارون صاحب السجل الأسود في لبنان والمسؤول الأول عن توسيع الاستيطان· وقد يبدو ذلك مخيفاً لكن شارون لن يستطيع أن يحكم جيداً بوجود كنيست لا يحوز فيه الغالبية إنما 58 صوتاً فقط (الغالبية 61)· وهذا ما يعرفه بنيامين نتانياهو جيداً· فهو تراجع عن الترشيح لرفض الكنيست حل نفسه، وفضل انتظار فرصة أفضل·
حتى الآن، وافق باراك على المقترحات الأمريكية بشرط أن يقبلها عرفات بلا أي تعديل· فماذا يفعل إذا حدث ذلك؟ الوضع الداخلي لا يسمح له بذلك، وليس من المرجح أن يوافق على ما يقضم المزيد من شعبيته·