اختتمت قمة المنامة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي أعمالها في البحرين يوم الأحد الماضي دون أن يلمس المواطن الخليجي - من قرارات القمة - أي تقدم ملموس تجاه ما يحيط بالمنطقة من ظروف وتطورات من جهة، وتجاه احتياجات شعوب المجلس من جهة أخرى·
صحيح أن البيان الختامي لم يخلُ من إيجابيات فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لدول المجلس كالمواقف من تعنت العراق في تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة بغزوه الكويت، وتدعيم حق دولة الإمارات في امتلاكها للجزر المحتلة من إيران، وكذلك الموقف المبدئي الداعم لنضال شعبنا في الأراضي المحتلة·
إلا أنه على صعيد الأوضاع الداخلية لدول المجلس وأوضاع شعوبها فإن الإحباط قد أصاب الجميع·
فبعد ما يقارب العشرين عاما على إنشاء مجلس التعاون الخليجي، أصبح الحديث عن توحيد التعرفة الجمركية حلما، وإذا ما تحقق الحلم فإنه يكون من إنجازات السقف العالي للمجلس· أي أننا لا نتأمل - وربما لا نحلم - بأن نشهد اتحادا اقتصاديا يجمع الدول الأعضاء في المجلس، وهي فقط ست تتشابه في مواردها واقتصادياتها الى حد الاستنساخ· والأغرب أن يعلن البيان الختامي للقمة اتفاق الدول الأعضاء على تثبيت سعر صرف العملات الخليجية مرتبطة بالدولار الأمريكي وهو الأمر الجاري منذ سنوات·
وتبقى مشكلة المشاكل قائمة دون تحريك·· فإن لم يكن هناك وعي بأن عملية الإصلاح الاقتصادي تتطلب أولا - وقبل كل شيء - إصلاحا سياسيا فإن كل الجهود والنوايا الحسنة تذهب أدراج الرياح، فالإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يبدأ خطواته الأولى ما لم تأت هذه الخطوة على أرضية مشاركة الشعوب في إدارة بلدانها، وهنا لب الإصلاح السياسي، فدول يغلب عليها طابع الانفراد في الحكم، وشعوبها - في أحسن الأحوال - شبه مغيبة عن القرار الذي يمسها، لا يمكن أن تنهض اقتصاديا· وهو أمر على خطورته لم يبحث رغم شوق شعوب المجلس وحنينها الى تحقيق مبدأ المشاركة السياسية، وهذا الشوق والحنين لم تعد السياسات الشمولية لدول المجلس قادرة على إخفائه في عالم الإنترنت والفضائيات التي أصبحت تبوح بما لا يمكن الهمس به من قبل·
والأدهى أن الفقرة التي تحدثت عن الهيئة الاستشارية التي شكلت من شخصيات خليجية غير رسمية، جاءت مبهمة وغامضة حيث أحاط البيان الختامي الجميع بالعلم "أن المجلس الأعلى اطلع على مرئيات الهيئات الاستشارية وتقييمها لمسيرة التعاون الاقتصادي بين دول المجلس·· وقرر المجلس إحالتها الى اللجان المختصة·· ورفع مرئياتها الى المجلس الأعلى" مرة أخرى·
أما الحديث عن إقرار اتفاقية الدفاع المشترك، فالكل يعلم أن متطلبات الأمن في إقليم الخليج لن تساعد على ترسيخها وتوازنها قوة دفاعية يبلغ قوامها - في أحسن الظروف - 20 ألف جندي، وهذه القوة لا تمثل - اليوم - أكثر من 5% من تعداد الجيش العراقي وهو يعيش أسوأ حالاته، وما يوم الثاني من أغسطس 1990 ببعيد، فما زالت المأساة محفورة في الأذهان تذكرنا بالتقاعس·
ربما يكون كل ما تقدم حديثا قاسيا في تقييم مسيرة مجلس التعاون الخليجي، بل هو كذلك بالفعل، ولكن عزاءنا في ذلك أن الصراحة، وإن كانت مؤلمة للمريض، إلا أنه لا غنى له عنها حتى يستوعب تشخيص مرضه ويساعد نفسه على العلاج، كما أننا مطالبون- هنا - بالجهر بقول الحق وسط الاحتفاء الذي حُفّت به قرارات القمة وفعالياتها في كل وسائل الإعلام تقريبا·