· قائمة "الزوراء" تصنف المثقفين وفق ولائهم للنظام
· المسرح بين "بكائيات".. وعروض الرقص الخلاعي التجاري
· المثقفون العراقيون يبيعون مكتباتهم الخاصة في شارع المتنبي!
· حشود شعراء "المربد" العرب في امتداح الطاغية
كنا قد نشرنا على صفحات "الطليعة" قائمة بأسماء مثقفين وأدباء وشعراء عراقيين مغضوب عليهم من قبل النظام العراقي، تم تصنيفهم إلى ثلاث فئات "مرتدين"، و"وسط" و"باحثين عن العمل"، قامت صحيفة "الزوراء" بنشرها بعد أن أحس النظام في بغداد خطورة دورهم في بلاد المهجر، وعلو صوتهم الذي بدأ في فضح جرائم النظام وأشكال القمع التي يمارسها على شعبه، عن طريق إصداراتهم وكتاباتهم في مجلات ودوريات وصحف عربية في الغرب·
ومازالت تتوالى هذه الكتابات الفاضحة لممارسات النظام القمعي، وتكشف زيف ادعاءاته، إلا أن بعض الوفود الثقافية العربية مازالت تتسابق على زيارات بغداد فاتحة للنظام منافذ لكسر الحصار وكأنها بزياراتها هذه تبرر أعماله وجرائمه من دون التفات إلى صوت "الشعب" العراقي في الخارج وقد قارب الأربعة ملايين منفي، ومهجر، وهارب، من جحيم القمع، هؤلاء الذين مازالوا يكشفون ألاعيب الزمرة الحاكمة، وما يدار في بغداد، وهم أدرى بشعابها من تلك الوفود المدعية نصرة الشعب العراقي·
هذا الصوت العراقي في الخارج يكشف مقدار انتهازية تلك الوفود ونواياها، في التعيّش على أزماتهم وهمومهم، وازدواجية أحكامهم، ليعلنوا انهم أيضاً من شعب العراق، بل أصبحوا شعباً كاملا في الغربة!
الشعراء تجار الشنطة الشعرية في مهرجان "المربد"، وفنانو أفلام المقاولات، وروابط واتحادات الكتاب والمثقفين، وعزمهم على عقد المؤتمر المقبل للأدباء والكتّاب العرب في بغداد، وإحيائهم لليالي مهرجان "المربد" طمعاً فيما تبقى في صندوق مسؤوله المالي·· لجميع هؤلاء ننشر نموذجاً من نماذج الاعتراض العراقي نفسه، بقلم (علي عبدالأمير) نشر في صحيفة "الحياة" العدد 13796 بتاريخ 19 ديسمبر 2000:
شكلت هجرة المثقفين العراقيين هاجسا لدى المؤسسة الثقافية العراقية الرسمية طوال العام الماضي، فجاء قرار وزارة الثقافة والإعلام تقسيم الأدباء والكتاب في العراق الى ثلاث فئات يتقاضى بموجبها المشمولون رواتب شهرية في سعي لإقناع المثقفين بالبقاء داخل الوطن بعد هجرة شبه جماعية بدأت إثر حرب الخليج الثانية لتطاول معظم أجيال الثقافة العراقية·
وإذا كانت الرواتب بوصفها "ثمنا" ممكنا للسكوت عن حال غياب الرأي الحر الذي يعيشه العراق وثقافته منذ ربع قرن تقريبا، عكست شكلا لاهتمام المؤسسة الثقافية بهجرة الأدباء والكتاب، فإن شكلا آخر برز أيضا خلال عام 2000 وتعاطى مع الهجرة باعتبارها نوعا من الاحتجاج فأصدرت صحيفة "الزوراء" الأسبوعية الناطقة باسم "نقابة الصحافيين العراقيين" ويرأسها عدي النجل الأكبر للرئيس العراقي صدام حسين "قائمة أولية" في شهر مارس تضمنت عددا من الكتاب "المرتدين" أعقبتها "قائمة موسعة" في شهر يوليو تضمنت ثلاثة تصنيفات للمثقفين العراقيين في الخارج فكانوا "مرتدين" و"وسط" و"باحثين عن العمل"·
وبحسب المؤسسة الثقافية الرسمية فإن قائمة "الزوراء" مرتبكة وسريعة وغير دقيقة في مصادر معلوماتها، ما دفعها إلى تشكيل لجنة برئاسة وكيل وزارة الثقافة والإعلام الشاعر حميد سعيد في شهر نوفمبر تهدف إلى "قراءة موسعة ودقيقة" لهجرة المثقفين العراقيين وتحديد مواقفهم قياسا إلى قربهم أو ابتعادهم من السلطة· وستحدد اللجنة إصدار قرارات للتعاطي مع "المثقفين الناشطين" في تبني مواقف تراها مضادة للسلطة، كشفت مصادر موثوق بها أن من بينها مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة وإسقاط الجنسية العراقية عمن نالوا جنسيات أخرى في بلدان المنفى·
انتظمت الدوريات الثقافية العراقية: "آفاق عربية"، "الأقلام"، "الموقف الثقافي"، "الطليعة الأدبية" "المورد"، "التراث الشعبي"، في الصدور، غير أن خطابا واحدا جمعها، قائما على تعزيز "الولاء" للقيادة السياسية للحزب والدولة ليصبح القوس الذي تمر من تحته الأشكال الأدبية وإن كانت غير عراقية كما هو الحال في مجلة "الثقافة الأجنبية" على رغم حرص رئاسة تحريرها على الخروج من أطر ذلك الخطاب "التعبوي" الذي لا يناسب خطاب الآخر المتعدد·
وبينما سيطر الخطاب الفكري والسياسي على "آفاق عربية" حاولت "الأقلام" استعادة بعض أثرها الذي كان عربيا لافتا إضافة الى عراقيته، فنشرت مقالات ونصوصا عربية نقلا عن دوريات وشهريات ثقافية· وبعد عددين تطابقا في موادهما المنشورة ونصوصهما مع الإيحاء الدال على اسمها، تراجعت مجلة "الطليعة الأدبية" التي عاودت الصدور عام 1999 بعد توقف دام نحو تسع سنوات، وراحت لمسات المؤازرة للتجارب الجديدة والمغايرة· في الأدب العراقي تنسحب لمصلحة قراءة تستمد منهجها مباشرة من أيديولوجية "البعث الحاكم" بحسب رئيس تحريرها القيادي البعثي البارز والشاعر محمد راضي جعفر·
إذا كان "شارع المتنبي" طوال سنوات مضت، شارع المطابع والقرطاسية وتجارة الورق، فإنه في التسعينيات شهد حركة ونزوحا من المثقفين العراقيين نحوه، فهو مكان بيع مكتباتهم لضمان لقمة العيش ومقايضة نادر مقتنياتهم من الكتب بالجديد الغالي الثمن والذي تتحول نسخته الواحدة الى مئات عن طريق الاستنساخ "التصوير"· وعبر هذه الطريقة خرجت مجموعات شعرية وقصصية وبيانات ثقافية ومذكرات من دون المرور بالرقابة فجاءت "حرة" في خطابها وفي تأويلاتها للكارثة العراقية بأبعادها، قبل أن تدرك المؤسسة "الرسمية" النواة التي بات يشكلها شارع المتنبي، فقررت تشغيل مطابعها المشغولة طوال السنوات الماضية بطبع الأعمال الكاملة للرئيس صدام حسين وبطبع الأوراق النقدية، فظهرت كتب في النقد والرواية والشعر والفكر كما ظهرت سلسلة "ضد الحصار" للأدب الجديد وعاودت "الموسوعة الصغيرة" ظهورها وإن في شكل غير منتظم الصدور كما في الثمانينيات·
وعلى رغم هذا "الانفتاح" الرسمي على شارع المتنبي إلا أن المثير فيه و"المرغوب" أيضا ظل بعيدا عن قدرة المؤسسة الرسمية على انتزاعه، فالشارع هو المكان الذي تصل إليه الكتب الممنوعة أما من طريق الأردن وسورية، أو من طريق كردستان حيث الانفتاح على المطبوعات العربية الوفيرة· كما أصبح الشارع المكان المولد لكتب ومراجع في الفكر الشيعي الذي ترسخ حضوره كخيار حياتي وثقافي في العراق عززته ظاهرة المرجع البارز محمد صادق الصدر الذي اغتيل في فبراير 1999· ولفرادته في كونه مصدر الثقافة "الممنوعة" فغالبا ما يتعرض الشارع، وبالذات في أيام الجمعة، الى مداهمات تطاول مجموعات الكتب المعروضة للبيع وذلك للتنقيب عن الكتب الممنوعة·
قاعتان جديدتان أضيفتا هذا العام لتصبح بغداد تضم نحو 12 قاعة عرض فني خاصة إضافة الى قاعات "مركز صدام للفنون"· وتأتي هذه الزيادة في عدد القاعات لتستوعب النتاج المتصاعد في الرسم والنحت والخزف الذي بات يتوجه أساسا الى التسويق في خارج العراق مما جعل المستوى الفني للأعمال التشكيلية يتسم بتراجع بات يعترف به نقاد تشكيليون، مثل عادل كامل وعاصم عبدالأمير·
ثنائية عجيبة ميزت العروض المسرحية العراقية خلال العام 2000 وإن كانت امتدادا لما تميزت به عروض السنوات الماضية، فالمسرح "الجاد" لم يكن غير "بكائيات" أيام الحصار كما في مسرحيتي "الجنة تفتح أبوابها متأخرة" و"أكتب باسم ربك" حيث الكم الهائل من الحواريات الفجائعية التي تقدم الجوع واليأس والعزلة والحرمانات من دون نقل ذلك الى مصائر إنسانية متحركة، فتستعير الخشبة أشكال الندب والنواح بينما يتراجع المسرح العراقي بفنونه التي حاولت تأصيل الحداثة وإعطائها ملامح محلية·
وحال المسرح "التجاري" الأكثر حضورا وتأثيرا بين قطاعات الجمهور ازدادت سوءا لجهة استعارة المسرح الخاص والحكومي أيضا في عروضه "التجارية" تقاليد الملاهي والنوادي الليلية في الرقص والقفشات المحملة بالإيحاءات الجنسية في رغبة واضحة من رموز هذا المسرح في محاكاة المسرح المصري التجاري· ولا غرابة في سيادة هذين النموذجين: "بكائيات" الحصار ومسرح الرقص وغناء الغجر، وفي أن يكون "عرابها" واحدا وهو المخرج محسن العلي، فهو مخرج عرضي "الجنة··"· و"أكتب باسم ربك" مثلما هو مخرج عروض الغناء والرقص!
الشعراء العرب (المجهولو الأسماء) الذين اعتادوا المشاركة في مهرجان "المربد" منذ ثلاث سنوات اعتمادا على مبدأ "الحشود" وليس مبدأ الجدارة الفنية، كانوا يشعرون كأنهم في صف دراسي يردد مع المعلم نشيدا واحدا ونصا واحدا، هو نص المديح للعراق وللرئيس صدام حسين تحديدا، فيصبح المثال، البطل، المنقذ، المخلص، العبقري، الفذ ولتختصر صورته العراق وليصبح أسطورة تسحق حكايات العذاب العراقي·
وفي هذا العام فن الانتظام الجماعي في نص المديح شاركت أسماء شعرية عربية معروفة كالشاعر محمد القيسي والشاعر خالد أبو خالد، حاولت أن تقرأ شيئا مختلفا عما قرأه - بما يليق بالمنبر - شعراء مثل: مصطفى سند واية يوسف وقيع الله ومجذوب عيدروس ومحمد آدم وأبو عاقلة أدريس وعبدالسلام كامل (السودان) وأحمد الحمصي وحسن نور الدين وعبدالكريم شمس الدين (لبنان) وإبراهيم عباس وفاضل صفوان (سورية) وحبيب الزيودي ونزيه القسوس وشهلة الكيالي وعيد النسور وأحمد المصلح وحكمت النوايسة ونضال برقان (الأردن) وغيرهم من الجزائر وتونس والبحرين وسلطنة عمان والذين قالت الصحف العراقية عنهم "هتف الشعراء حبا لبغداد والقائد الحبيب" وأنهم حين انتقلوا إلى منطقة "المربد" في البصرة حيث كانوا شعراء العرب يلتقون قديما لمنافسات القول الشعري، لاقتهم "المضائف والسرادق التي أقامها شيوخ العشائر حيث تتجلى الضيافة العربية الأصيلة"· ومع تلاقيات "المعنى": الشعر مع شيوخ العشائر من أجل نشيد المديح يصبح تعليق صحيفة "الجمهورية" البغدادية على شعراء المربد "إنهم أبلوا بلاء عظيما" توصيفا عن لحظة شعرية تتكثف فيها علامات التراجع الفني والغرابة إنها تتم على أرض احتضنت خطوات التجديد المؤثرة في الشعر العربي، خطوات السياب الذي بدا غريبا وشعراء المديح يحيطون بتمثاله الواقع على ضفة "شط العرب"·
ما ميز النتاج الثقافي العراقي خلال العام، هو الحضور اللافت لـ "دار الحكمة" المرتبطة بديوان الرئاسة والتي يديرها حامد يوسف حمادي السكرتير الشخصي لصدام حسين طوال نحو عشر سنوات والوزير الأسبق للثقافة والإعلام· ومع ست مجلات شهرية وعشرات الكتب في الفكر والسياسة والعلوم والتراث والأدب والتاريخ والفلسفة أقصت "دار الحكمة" المكانة التي كانت تحتلها منشورات وزارة الثقافة والإعلام باعتبارها الأولى والوحيدة في العراق، وباتت تستقطب باحثين وأكاديميين وأدباء وكتابا في حلقات دراسية وبحوث موجهة وتمنح مكافآت لا تمنحها عادة للوزارة العتيدة، حتى أن مثقفين عراقين لم يخفوا أن تكون الدار "مسنودة" من جهات متنفذة في السلطة أكثر من قيادات "مكتب الثقافة والإعلام القومي" التابع لحزب البعث الحاكم الذي يسيطر على شؤون الثقافة والإعلام في العراق·
علي عبدالأمير