بصرف النظر عما يجري الآن من تحركات سياسية داخل إسرائيل من الاستعداد للانتخابات والقتل المنظم للفلسطينيين وقياداتهم الميدانية والإعلان عن الاستعداد لدخول حرب ضد سوريا وخوض جولة أخيرة من المفاوضات مع الفلسطينيين علها تنقذ باراك في اللحظة الأخيرة، فإن هناك قناعة قد تشكلت لدى مختلف الأطراف داخل الكيان الصهيوني وسلم بها اليمين المتشدد بأن حلم قيام دولة إسرائيل العظمى قد انتهى، وأن إسرائيل يجب أن تبادر لفصل نفسها عن الفلسطينيين وإقامة أسوار مادية متينة تعطي الأمن للإسرائيليين لكي يمارسوا حياتهم الطبيعية·
ومثلما استنتج تحليل المحرر السياسي لـ"الطليعة" قبل شهرين من أن الانتفاضة الفلسطينية الباسلة قد وأدت الحلم الصهيوني قال "دان شلوفان" وهو زميل باحث في مركز دراسات الأمن القومي وجامعة حيفا بأن حتى غلاة اليمين قد تخلوا في قناعاتهم عن ذلك الحلم· فلم يعد هناك إسرائيلي واحد يفكر في العودة الى غزة أو نابلس"·
ويقول شلوفان في مقال بعثه لصحيفة "واشنطن بوست" بأنه بصرف النظر عن نتائج الانتخابات فإن إسرائيل تتجه الى الفصل أحادي الجانب عن الفلسطينيين "مما يؤكد أن الحكومات تلجأ للقرار الصحيح عندما تستنفد كل البدائل الأخرى"· وذلك لملء الفراغ الناتج عن انهيار "استراتيجيتي السلام" اللتين جربتهما منذ احتلال الضفة والقطاع عام 1967": الأولى كانت بدعم من اليمين وتهدف لدمج "الكيان الفلسطيني" بإطار مسيطر عليه من قبل إسرائيل وتلك أسقطتها الانتفاضة الأولى في أواخر الثمانينيات·
أما الثانية، فقد دُعمت من اليسار والوسط حيث ولدت في أوسلو، وهي تهدف الى المشاركة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية كأساس لفصل متفق عليه بين إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة مسالمة· وهذه أنهتها الانتفاضة الحالية·
ويقول شلوفان أن هناك اتفاقا بين اليهود إن قدر الإسرائيليين والفلسطينيين أن يعيشوا جنبا إلى جنب، ولكن حيث إن تسوية متفاوض عليها لا يمكن التوصل إليها بالظروف الحالية، فإن حلا منفردا أصبح مغريا للغالبية العظمى من الإسرائيليين·
ويقوم الفصل كما يراه الإسرائيليون على عمودين: الأول هو إقامة أسوار تشكل حاجزا ماديا صعبا مثلما هـو قائم بين الأردن وإسرائيل مما يجعل تحرك الأفراد والبضائع بين الجانبين خاضعا لنقاط تفتيش وجوازات بـ "فيزا" صالحة· أما الثاني فهو تحجيم العمالة الفلسطينية تدريجيا لتقترب من الصفر·
والسؤال الآن ليس فيما إذا كان الفصل أحادي الجانب سيحدث، وإنما السؤال هو فيما إذا كان باستطاعة إسرائيل أن تباشر سياسة تعظيم مكاسبها وتقلل خسارتها أو تساق نتيجة لذعر مواطنيها حال انفجار عنف متصاعد لاتخاذ قرارات شبيهة بما تفعله الآن تضخم خسائرها وتقلل مكاسبها·