كتب محرر الشؤون الخارجية:
برزت في الآونة الأخيرة إشارات متناقضة متعددة المصادر بشأن الانتفاضة الفلسطينية· وهذه الاشارات على رغم تناقضها تفيد بأن هناك عملاً حثيثاً لاستئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، لا سيما مع بدء الكنيست الإسرائيلي مناقشات لمشروعات قرار بسحب الثقة من حكومة ايهود باراك أو حل الكنيست نفسه·
والاشارات هي التالية حسب تسلسلها: ما أوردته صحيفة أردنية أمس عن نية لعقد قمة مصرية- أردنية- فلسطينية في الأيام القليلة المقبلة· اجتماع لوزيري الخارجية المصري والأردني وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس (أبومازن)· اتصال رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بايهود باراك من موسكو (متعهداً حسب المصادر الإسرائيلية بتهدئة الأوضاع) بوساطة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين· اللقاءات الفلسطينية- الإسرائيلية التي سبقت ذلك على المستويين السياسي (مثل لقاء عرفات وشيمون بيريس قبل فترة وجيزة) والأمني (لقاء رئيس جهاز الأمن الوقائي في غزة محمد دحلان ومسؤول في الشين بيت)·
وربما كانت الأوضاع الداخلية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية هي التي حتمت اتخاذ هذه الخطوات من جميع الأطراف· وربما كانت تهديدات حكومة باراك بالسقوط هي التي جعلت بعض العرب ممن يسمَّون المعتدلين يعيد النظر في الأوضاع الحالية التي قد ترتد على الأوضاع الداخلية في بعض دول الطوق، لا سيما لجهة الخوف من عودة اليمين الاسرائىلي بأطيافه المختلفة إلى السلطة، أو من انتخابات مبكرة في إسرائىل تؤدي إلى مزيد من التفكك لدى الأحزاب الأخيرة وتحديداً كتلة "إسرائىل واحدة الحاكمة·
حسب صحيفة "هآرتس، سلم شيمون بيريس الأسبوع الماضي إلى مستشار رئيس الحكومة داني ياتوم (الرئىس السابق للموساد) رسالة آتية من ياسر عرفات عبر وسيط غير محدد، وفيها يتعهد عرفات باتخاذ خطوات نحو التهدئة واستئناف المحادثات· واستناداً إلى مصادر الصحيفة اعتبر عرفات أن بيريس هو أفضل مفاوض له في أي محادثات أولية تعقب التهدئة مباشرة·
في الجانب الإسرائيلي أيضاً، برز تطور خطير في النهج الاسرائيلي: فبدلاً من الاعتماد على القصف المكثف للأحياء السكنية والمواقع الرسمية الفلسطينية (الذي فقد فعاليته حسب ضابط اسرائيلي) اتبع الإسرائيليون سياسة القصف بالطوافات أو العبوات الناسفة أو الكمائن: وكانت النتيجة أخيراً هي اغتيال أحد مسؤولي "حماس في الضفة بعبوة في سيارته، وخمسة آخرين قرب قلقيلية في كمين· وهذا النهج كان نتيجة لتفويض منحته حكومة الأقلية لباراك لتوجيه ضربات محدودة مؤثرة من دون توريط الجيش في مستنقع خطير·
وعلى الحدود الشمالية، أحجمت إسرائيل عن القيام بأي مغامرة كبيرة بالرغم من تعرض قواتها لعمليتين في مزارع شبعا كانت نتيجة الثانية مقتل جندي وجرح اثنين·
في الجانب الفلسطيني، حدث تراجع نسبي للعمليات رغم استمرارها· لكن الخسائر الكبيرة في الأرواح والاقتصاد جعلت كثيراً من المراقبين يتساءلون عن الطريقة الفضلى لاستمرار الانتفاضة: شعبية أم عسكرية· لكن الملاحظ هنا أن السلطة الفلسطينية اتبعت كثيراً من التكتيكات والممارسات المعروفة في لبنان التي لا تجدي كثيراً في ظل سيطرة إسرائيلية مطلقة، وتقطيع لأوصال الحكم الذاتي·
ربما كانت الاشارات المتناقضة المنطلقة من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي هي الأهم: ذلك أن باراك الذي رضي بالإحجام عن شن عمليات واسعة النطاق لم يتورع من أجل إرضاء الشارع الإسرائيلي عن تنفيذ عمليات دموية بحق شبان فلسطينيين لم يثبت انتماؤهم إلى أي تشكيل عسكري· أما الجانب الفلسطيني الذي ترك الانتفاضة تأخذ مداها حتى يجبر باراك على العودة إلى التفاوض فيخشى أن تطيح أي انتخابات مبكرة باراك لتأتي بزعيم مثل ارييل شارون أو بنيامين نتانياهو·
بل إن السلطة الفلسطينية تخشى أن تتدخل أطراف أخرى مثل حزب الله ومن ورائه سورية وإيران، فتكون المنطقة عرضة للدخول في وضع مظلم· والحقيقة أن التنسيق الرسمي الفلسطيني منذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر الماضي، انحصر مع مصر أولاً والأردن ثانياً·
في أي حال، يبقى كثير من الأشياء معلقاً على ما تؤول إليه حكومة باراك· فمشروع حكومة الطوارئ (للوحدة الوطنية) الذي اقترحه باراك على تكتل ليكود كشف مقدار تفكك الأحزاب الإسرائيلية حتى داخل كل منها· فحزب "سيُنوي العلماني الذي يتوسط زعيمه يوسف لابيد بين باراك وشارون له ستة نواب يؤدون دوراً حاسماً في بقاء الحكومة الحالية أو سقوطها· لكن اثنين من نوابه يعارضان باراك·
أما رفض شارون تشكيل مثل هذه الحكومة فربما كان عائداً في معظمه إلى معارضة نواب ليكوديين أكثر منه إلى عدم كفاية التنازلات التي قدمها باراك، (ومنها التراجع عن تنازلات قدمها للفلسطينيين في كامب ديفيد بشأن القدس الشرقية) أما النواب العرب فقسم سيمتنع عن التصويت، وقسم سيؤيد اسقاط الحكومة احتجاجاً على مواقف باراك· أما حزب "شاس فمعروف بأنه لا يعطي إلا بثمن مالي كبير لدعم مؤسساته·
ما كان لافتاً أمس الأول أن باراك اقترح على نواب حزبه ابرام اتفاق دائم- مرحلي على الفلسطينيين· وفي هذا تراجع نهائي عن تمسكه باتفاق نهائي حاسم أو لا شيء· وهو كان رفض أيام اسحق رابين اتفاق أوسلو· ثم عارض اتفاق الخليل واتفاق واي بلانتيشن اللذين أبرمهما نتانياهو· لكن ماذا يعني جنوح باراك فجأة نحو اتفاق دائم- تدريجي؟
- إنه يرضي شارون شكلياً بالتراجع عن التنازلات المقدمة بشأن القدس·
- إنه يقدم إلى عرفات تنازلات بسيطة مثل إعادة تزويد الحكم الذاتي بالامدادات وفتح الطرق أمام المدنيين والسماح بمجيء مراقبين دوليين إنما بعد توقف الانتفاضة·
- إن باراك يظهر للعرب "المعتدلين بأنه مازال يمسك مفتاح حل النزاع الفلسطيني- الإسرائىلي، فيقول لهم إما أنا وإما الطوفان· وهنا لا ينبغي استبعاد الصلة بين المواقف العربية الثلاثية (مصر والأردن وإسرائيل) والوضع الداخلي الإسرائيي·