بقلم: أحمد يوسف النفيسي
إذا كان إصلاح السلطة التنفيذية هو الأساس في إحداث عملية الإصلاح الشامل في البلاد فهي لأنها تهيمن على الاقتصاد والمال وسبل تصريفه، وتمسك بزمام إدارة البلاد وتناط بها مسؤولية تطبيق القانون· فإذا كان هذا التصريف في غير محله وكان بغياب أو تجاهل القانون وكانت الإدارة فاسدة فإن الحصيلة هي أن تتبدد الثروة وتتبعثر من دون مردود وتضيع حتى الجهود الخيرة دون تأثير يذكر، وتضيع من وراء ذلك كله البلاد·
ولقد تمادت بعض أطراف السلطة التنفيذية في البلاد فجاهرت بالعداء للدستور سواء بتعطيله أو بتعديله أو بالمحاولة المستمرة لتفريغه من محتواه، وحاولت باستمرار ولأغراضها الخاصة تخريب مجرى العدالة وعرقلة تطبيق القانون· واعتبرت وعلى مدى سنين طويلة بأن الهيمنة على ثروة البلاد بصفتها التنفيذية تعطيها الحق في نهب تلك الثروة، والتنازع فيما بينها عليها عبر الاستئثار بصفقات السلاح والصفقات النفطية وعمليات التثمين المشبوهة للأراضي وعبر كل باب متاح مثل مقاضاة الحكومة أمام المحاكم بمبالغ فلكية والانتصار عليها لغياب الدفاع القانوني "الضليع" وربما بتدبير مدبر·
إلا أن من أسوأ ما ألحقته بعض تلك الأطراف في محاولاتها المستمرة للاستئثار بالسلطة ، وفي صراعها على الثروة هو إحداث التدمير البليغ في السلطة التشريعية·
فلقد أذكيت نعرات التعصب القبلي والطائفي عبر الانتخابات الفرعية وعبر ترسيخ مسألة أن القبيلة أو الطائفة هما الوسيلة لقضاء حاجات الناس ومنافعهم في المجتمع، وغذيت الأحزاب المتأسلمة - المعادية في أعماقها للدستور وللديمقراطية والحريات العامة والشخصية - بالمال والنفوذ ودفع إلى المجلس بنواب كانت وسيلتهم للوصول الى كرسي النيابة الرشوة سواء كانت بالمال أو بالخدمات·
وفي التنازع عليها (على السلطة التشريعية) اشتد الصراع على كسب الاتباع فأوغلت بعض أطراف السلطة في الامتناع عن تطبيق القوانين جهارا مثلما حدث في الامتناع عن تطبيق القانون على فروع الجمعيات الخيرية غير المرخصة ومنع أجهزة الدولة من تطبيق القوانين رغم فداحة المخالفات القانونية والاعتداءات على أملاك الدولة مثل منع الهيئة العامة للزراعة من إزالة التعديات على أراضي الدولة في "وفرة" ومنع البلدية من إزالة مخالفات "جليب الشيوخ" وأخيرا بتوجيه رئيس المجلس البلدي صراحة بعدم تطبيق نص القانون والاكتفاء بـ(روحه)·· وفسر ما شئت هذه الروح·
ولقد أفرزت روحية الاستئثار والصراع، التكالب على تجميع الاتباع بمختلف الأساليب للاصطفاف خلف القوى المتنازعة· وفي ظل امتهان لهيبة القانون أفرزت نمطا جديدا من الأعضاء في مجلس الأمة همهم الأساسي البحث عن مصالحهم الخاصة وهي مصالح لا يمكن تلبيتها إلا بالتمادي في تجاوز القوانين أو إشهار العصا بوجه من يحاول من الوزراء أو الأجهزة عدم الانصياع لهم، الى الدرجة التي أصبحت فيها مصالح الوطن والمواطنين ضائعة تماما بين وزراء يهدرون أموال الدولة بالانفاق الموجه للمصالح الخاصة والتعيينات والترقيات العشوائية المخربة للنظام العام وبين نواب منتفعين ومبتزين يعيشون على هذا الفساد والإفساد بل يستثمرونه ويبنون بطولاتهم عليه حيث أصبح بعضهم بمثابة "قطاع طرق" متخصصين لسلب ضعاف الوزراء ما يخصص لوزاراتهم من وظائف وترقيات وما يتوفر من مصالح، وبانتهاك سافر لمبادئ العدالة وتكافؤ الفرص التي يفترض أن توفرها الدولة للمواطنين جميعا·
***
إذا كانت عملية إصلاح السلطة التنفيذية وهي الأساس، خاضعة لعاملين أساسيين هما القرار من أعلى وهو معطَّل ومعطِّل وليس في أيدي المواطنين، فإن إصلاح مجلس الأمة وتقويمه وكبح الشطط فيه هي من المسؤولية المباشرة للمواطنين وضمن قدرتهم· وإذا كانت بعض الأطراف المعادية للديمقراطية تحرص على تخريب هذه المؤسسة فإن مسؤولية المواطنين جميعا خوض معركة حقيقية وقاسية على جميع المستويات لتصحيح مسار مجلس الأمة وتنقية تركيبته، فهذه المؤسسة هي التي نمتلكها كمواطنين، وهي أملنا في أن تنهض الكويت، وإصلاح هذه المؤسسة التشريعية وحسن أدائها لمهامها هو أمانة في أعناقنا للوطن ولأجيالنا القادمة·
وفي الكويت خير، وفي الكويت إمكانات هائلة نستطيع بحسن إدارتها أن نستعيد تلك الكويت المزدهرة التي يشيع في أفقها الأمل·
***
بعد عشرة أيام سيتوجه ناخبوا الدائرة العاشرة (العديلية - السرة - الجابرية) لصناديق الاقتراع لينتخبوا نائبا للمقعد الذي شغر بوفاة أخي سامي المنيس·· لقد كان سامي يمثل ذلك الكفاح·· وذلك الأمل· فهل سيتقدم الناخبون ليصوتوا لتطلع الوطن نحو الإصلاح·· نأمل ذلك·