رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء03-09رمضان 1421هـ الموافق29نوفمبر - 5 ديسمبر 2000
العدد 1455

تعقيب
"اللغة والصورة في شعر الأمير عبدالقادر الجزائري"

د· سالم عباس خداده

استكمالا لموضوع البحث الذي نشر في عددنا الماضي بعنوان: "اللغة والصورة في شعر الأمير عبدالقادر الجزائري" والذي شارك فيه الدكتور وهب روميه خلال فعاليات الدورة السابعة لمؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري التي أقيمت في الجزائر تحت عنوان دورة "أبو فراس الحمداني"، ننشر هنا تعقيباً للدكتور سالم عباس خداده على تلك الدراسة:

يدور هذا البحث حول "التشكيل اللغوي" في شعر الأمير عبدالقادر الجزائري، فيبدأ ببيان بعض جوانب الأفق الراهن وما يحويه من مفاهيم في النقد عامة وفي نقد الشعر خاصة، مركزاً على النواحي الإيجابية للحداثة وما أحرزته في ميدان نقد الشعر·

ويذكرنا الباحث أنه سيعول في دراسته لشعر الأمير عبدالقادر على البلاغة والبنيوية وعلم الأسلوب، وهو تذكير ينم عن حرصه على الإشارة إلى مصادره أكثر من تحديد المنهج الذي اعتمده في قراءته· ولهذا كان دقيقاً عندما صرح بأنه حين جمع بين البلاغة والبنيوية وعلم الأسلوب لم يكن جمع حاطب ليل، ولكنه جمع بصير وقت ارتفاع النهار·· ونستطيع أن نقرر من دون مراوغة أن منهج الباحث يعتمد البلاغة العربية ــــ عبدالقاهر الجرجاني تحديداً ــــ أصالة، وبعض مقولات البنيوية والأسلوبية تبعاً، وهي مقولات رجع إليها من خلال بعض ما كتبه لوتمان وكوهين ثم شكري عياد·

ولكن مرجعيات الباحث لم تكن كافية وحدها في وصول بحثه إلى ما وصل إليه من توفيق لولا الخبرة الطويلة في مصاحبة النصوص، والرهافة العالية في تذوقها، فهذان أمران إذا ما اجتمعا لناقد مع ما اكتسبه من أدوات ــــ قديمة وجديدة ــــ كفيلة بتحقيق قراءة متميزة للنص الشعري، وأظن أن الباحث من القلائل الذين يمتعونك حين تقرأ لهم نقداً في الشعر، بسبب ما توافر لديه من الخبرة والرهافة والأدوات المناسبة، ومن ثم راح يكرر الإشارة إلى الخبرة والذوق في أكثر من موضع، وتعامل مع شعر الأمير عبدالقادر من هذا المنطلق بعيدا عن التشدق بالمنهجية كما يفعل بعض النقاد، وكأني به يلمزهم بقوله: "فليس يملك المنهج ــــ مهما تكن كفايته ــــ أن يتغلغل في شعاب الشعر المرجانية، وأن يصل إلى جوهرة إذا لم يكن الناقد نفسه خبيراً مدرباً وذواقة كأنما نبعة الشعر بين جوانحه، وإلا فما أيسر أن ينقلب المنهج إلى منهج رجيم يفتك بالشعر، ويذبحه من الوريد إلى الوريد···"، فهذا وضوح نقدره للباحث، فلم يتعسف في انتهاج مقولات نقدية، ولم يتفيهق بإيراد أقوال الفرنجة من دون داع، وبخاصة أن شعر الأمير عبدالقادر الجزائري لا يحتمل تعسفاً في التحليل، ولا تفيهقاً في إيراد المصادر الأجنبية إذا ما أردنا الكشف عن الجوانب الدلالية والجمالية·

وقد يكون من المناسب الآن النظر في هذا الجهد الطيب لتجلية بعض الأمور من منطلق المشاكسة اللطيفة لهذا الصديق الذي طالما أفدت من علمه وأدبه·· ولا يعدو ما أقوله إلا وجهات نظر قابلة للأخذ أو الرد حسب السياق الذي ترد فيه ( وما هذه الملحوظات التي سأبديها إلا كلاماً على كلام، أو حاشية على متن، وأين أصحاب الحواشي من أصحاب المتون؟ وربما كانت معظم الحواشي التي سعدت بذلك المتن الجميل ناشئة من التزام الصديق بخطة البحث كما وردت في كتاب التكليف، وقد يكون السبب ضيق الوقت أو انشغاله بأمور أخرى·· فهو لهذا معذور إلى حد ما، وحتى هذه الـ "ما" معذور فيها أيضاً، لأن ميدان العلوم الإنسانية ميدان يتسع فيه مجال القول، ولا ينقطع فيه التسويغ والتعليل والتأويل··)·

 

أولاً:

يبدو أن انحياز الباحث إلى البلاغة العربية على حساب بعض منجزات النقد الحديث التي لا أظنه غافلاً عنها، ربما كان له شيء من التأثير على ترابط الصورة العامة لعناصر الدراسة في القسم الأول· وأنا هنا لا أقصد فرز الظواهر الأسلوبية من نصوص الشاعر وتحليلها التحليل البلاغي العالي الذي أعجبني من دون ريب، وإنما أقصد أمراً آخر يتعلق المنهج الذي وزع على أساسه عناصر البحث، ففصل بين ظاهرة التكرار والموسيقا·· كنت أتمنى لو وضع التكرار وبعض الفنون البلاغية التي ذكرها بما فيها الجناس والمقابلة وكذلك الموسيقا تحت ما يسمى بالبنية الصوتية أو المستوى الصوتي·· ولكن هذا لم يحدث مما جعل القراءة تبدأ بالبنية الصوتية ثم تنتقل للبنية التركيبية ـ النحوية ـ ثم تعود مرة أخرى إلى البنية الصوتية من خلال قراءة الموسيقا في بعض نصوص الشاعر· ولو نظر الصديق العزيز إلى بعض الدراسات الحديثة التي تنظم مثل هذا التقسيم لأحكم الأمر أكثر·

ثانياً:

تركز القول في بداية القسم الأول من البحث على ظاهرة "التكرار" وهي ـ وفق الباحث ـ أول ما يلفت النظر في شعر عبدالقادر الجزائري، بمعنى أنها ظاهرة أسلوبية تهيمن على كثير من نصوصه، وهذا التفات ذكي من الباحث، حيث قدم الحديث عن أهم عنصر في الشعر، فالمستوى الصوتي في الشعر يأتي في مقدمة المستويات الأخرى·

وقد قسم الباحث هذه الظاهرة ـ التكرار ـ إلى تكرار صيغة مفردة، وتكرار نسق·· على أنه كان يستطيع أن يوسع من مفهوم التكرار ما دام رآه لافتا في نصوص الشاعر، وذلك بتبني مفهوم "التوازي" حسب ما أفرزته الدراسات الحديثة في هذا المجال حتى يضفي على لغة النقد جدة، وعلى المعالجة تنوعاً، وعلى المنهج إحكاماً· وأيا كان الأمر، فلا مشاحة في الاصطلاح كما يقولون وبخاصة إذا وسعنا من مفهوم التكرار (أو التكرير) فهو مفهوم تراثي يميل إليه الباحث، ويستخدمه استخداماً موفقاً في تحليل النصوص·· غير أن هناك قدراً من عدم الوضوح يحيط بمفهوم كل من تكرار الصيغة المفردة وتكرار النسق، فعند النظر في نمط التكرار الذي جاء على الصيغة المفردة نجد معظم النماذج التي ساقها الباحث تبدو غير  خالصة لهذا النمط من التكرار، وبخاصة النموذجان الثاني والثالث، إذ يمكن إدراجهما ـ أو إدراج بعضهما إذا شئنا الدقة ـ تحت تكرار النسق نظراً لما نلحظه من تكرار صيغ أخرى متصلة أو مجاورة للصيغة التي حددها الباحث، ففي مثل قول الشاعر:

      كم نافسوا، كم سارعوا، كم سابقوا

                  من سابق لفضائل وتفضل

            كم حاربوا، كم ضاربوا، كم غالبوا

                  أقوى العداة بكثرة وتمول

      كم صابروا، كم كابروا، كم غادروا

                  أعتى أعاديهم كعصف مؤكل

      كم جاهدوا، كم طاردوا، وتجلدوا

                  للنائبات بصارم وبمقول

      كم قاتلوا، كم طاولوا، كم ما حلوا

                  من جيش كفر باقتحام الجحفل

      كم أولجوا، كم أزعجوا، كم أسرجوا

                  بتسارع للموت لا بتمهل

نجد أن البيتين الثاني والثالث هنا قد بدأ الشطر الثاني في كل منهما بمفعول على وزن أفعل معمول للفعل في صيغة التكثير التي حددها الباحث، على حين تعود الأبيات بعدئذ إلى ما كانت عليه في البيت الأول، حيث نجد الأشطر الثواني تبدأ بجار ومجرور لاحقين لصيغة التكثير· ولعل ما يؤكد نسقية هذا النموذج أن صيغة التكثير الثالثة في كل بيت تحديداً هي التي تدخل في ضروب من التكرار مع ما يتلوها···

ويمكن أن نقرأ مثل هذا في النموذج الثالث، وذلك في قول الشاعر:

      هذا المرام قد كنت تأمله

            فطب مآلا يلقياه وطب حالا

      وعش هنيئا فأنت اليوم آمن من

            حمام مكة إحراماً وإحلالا

      وته دلالا وهز العطف من طرب

            وغن وارقص وجر الذيل مختالا

      أمنت من كل مكروه ومظلمة

            فبح بما شئت تفصيلاً وإجمالا

فهذه الأبيات التي أدرجت تحت تكرار الصيغة المفردة، يمكن أن تتضمن تكرار نسق أيضاً يتشكل من: فعل أمر + فاعل ضمير مستتر وجوباً دال على المخاطب + اسم منصوب (تمييز أو حال ـــــ عدا الحال في "من طرب"···) مع ملاحظة بعض وجوه التشابه بين التمييز والحال هنا، ذلك التشابه الذي يعرفه النحاة، والذي يدفع حضوره إلى بروز التكرار على هذه الصورة··· ومما يجدر ذكره أن ما قاله الباحث موجود في النص، ولكن النص قد سمح لنا بما أبديناه·· ومما يحسب للصديق العزيز هنا خاصة وفي البحث عامة أنه لم يقف حيال النموذج التي يختارها كما يفعل بعض النقاد المتألسنين الذين يعمدون إلى الخطاطات والجداول والإحصاءات الباهتة التي تضلل أكثر مما تهدي، فلقد كان وقوفه عند النصوص التي هيمن عليها التكرار بنوعية وقوفاً ربط فيه الظاهرة بالدلالة المستقاة من بروزها على هذا النحو وصولاً إلى تحقيق غاية جوهرية في نقده وهي أن الشعر (بنية لغوية معرفية جمالية)···

ثالثاً:

توقف الباحث عند "التضمين" وذكر أن سمعته في نقدنا القديم لم تكن طيبة··· وأخشى أن يفهم من هذا أن موقف النقد العربي القديم موقف سلبي تجاه التضمين فيضعه دائماً في دائرة العيب· وهذا قول يحتاج إلى مراجعة حتى نجلي هذه العبارة الجميلة للباحث والتي دفع المجاز فيها إلى ضرب من الإىهام المؤدي إلى خشيتنا  من سوء الفهم···

صحيح أن ابن رشيق في "العمدة" وضع التضمين في دائرة عيوب الشعر، ولكنه ذكر أيضاً أنه "ربما حالت بين بيتي التضمين أبيات كثيرة بقدر ما يتسع الكلام وينبسط الشاعر في المعاني، ولا يضيره ذلك إذا أجاد"··· فالمحك الجودة···

أما ابن الأثير في "المثل السائر" فقد كان أكثر القدماء إحاطة بالتضمين، حيث قسمه إلى نوعين: أحدهما هو ما أشار إليه الباحث، والآخر سنأتي على ذكره بعد قليل· يقول عن النوع الأول الذي نحن صدد الحديث عنه: "وأما المعيب عند قوم فهو تضمين الإسناد، وذلك يقع في بيتين من الشعر أو فصلين من الكلام المنثور، على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثاني، فلا يقوم الأول منهما بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني، وهذا هو المعدود من عيوب الشعر، وهو عندي غير معيب···"· ولقد اعجبني من الباحث الاحتكام إلى السياق في تقويم التضمين، ولكني كنت أتمنى أن يلتفت إلى بعض الدراسات المهمة في هذا المجال، حيث توقف بعض الباحثين عند مفهوم التضمين ووسعوا من دائرته، وتحدثوا عن علاقته بالشعرية، ولعل دراسة الدكتور محمد العمري" تحليل الخطاب الشعري··· البنية الصوتية في الشعر···" هي من أهم ما قرأت في هذا الميدان···

هذا بالنسبة للنوع الأول من التضمين، أما النوع الآخر ـــــ كما ذكر ابن الأثير ــــ فهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاماً آخر لغيره···والواقع أن هذا النوع منتشر في شعر عبدالقادر الجزائري إما ضمناً على نحو ما بين الباحث من دخوله في تناص مع بعض الشعراء فتتردد أصواتهم في نصوصه، وإما صراحة وهو ما ورد واضحاً من كلام الآخرين في شعره بحيث يشير إليه أو بنص عليه أحياناً من خلال علامتي التنصيص·· ولعل هذا التضمين الصريح هو المقصود بالنوع الآخر عند ابن الأثير·· وأرى ان ثقة الباحث بالمتلقي كانت سببا لإهمال ما أهمله المحقق ــــ ممدوح حقي ــــ من معلومات قد تكون لها فائدة ما لدى بعض المتلقين·· وأنا هنا لا أطالب الباحث بتحقيق الديوان، فهذا مما كلف به آخرون فيما أظن، ولكن ورود بعض نصوص الشاعر في البحث مع احتوائها على تضمين صريح أو شبه صريح كان يحتاج ولو إلى إشارة عابرة تحدد المصدر الذي سيكون في تحديده إضاءة ما للقراءة···

فعلى سبيل المثال ضمن الشاعر إحدى قصائده قول المعري:

      فالحسن يظهر في شيئين رونقه

            بيت من الشعر أو بيت من الشعر

والمحقق لم يشر إلى المعري، والباحث ذكر شعراء ترددت أصواتهم في نص الشاعر الذي تضمن هذا البيت من دون أن يلتفت إلى هذا البيت من قريب أو بعيد ربما لوضوح نسبته لديه أو لثقته في المتلقي كما ألمحنا··· والبيت المذكور للمعري جاء ضمن قصيدة عبدالقادر "ما في البداوة من عيب"وصلته ليست بإيقاع القصيدة وزناً وقافية، وإنما بعنوانها وبعموم دلالتها· ومن الطريف أن نذكر أن المعري يقول في بيت من قصيدته:

      الموقد بنجد نار بادية

            لا يحضرون وفقد العز في الحضر

وهو ما تعالق معه الجزائري في أكثر من موضع حين راح يمتدح الحياة في البادية ويذم الحياة في الحاضرة·· ولا نريد أن نطيل الوقوف عند هذا النوع من التضمين وأثره في الإيقاع والدلالة، فشعر الجزائري يمكن أن يكون نموذجاً جيداً لدراسته، ولكن نود التذكير في هذه العجالة بهذين البيتين ومصدرهما وذلك لورودهما في البحث لعل في ذلك فائدة···

فقوله:

      "أريد حياتها وتريد قتلي"

            بهجر أو بصد أو بعاد

      فيه تضمين لقول عمرو بن معد يكرب:

            أريد حياته ويريد قتلي

      عذيرك من خليلك من مراد

            وله رواية مشهورة هي:

      أريد حباءه ويريد قتلي

            عذيرك من خليلك من مراد

      والبيت الآخر هو قوله:

            أنا حق أنا خلق

      أنا رب أنا عبد

            وفيه تضمين لقول ابن عربي:

      العبد رب والرب عبد

            يا ليت شعري من المكلف؟

 

رابعاً:

قد أختلف مع الباحث في قراءته لبعض النصوص التي أوردها، وهو اختلاف مشروع، وذلك لاختلاف الزاوية التي ينظر منها كل منا، وفي هذا تنوع القراءة، ويثري الحوار· وسأقف الآن عند ثلاثة نماذج على النحو الآتي:

1 ـ قول الشاعر:

      صلى عليه الله ما سح الحيا

            والآل، ما سيف سطا في الجحفل

فقد ذهب الباحث مذهباً بعيداً فيما أرى، لأنه لم يوسع دائرة النظر إلى بقية أجزاء البيت،وحصر جهده في قراءة نموذج لسوء الربط أو عدم الاتساق من خلال ما خاله من عدم توفيق الشاعر في الوصل بين كلمتين، إذ جاء العطف لديه بين متباعدين (الحيا والآل)، وهذا ما توهم به عبارة الشاعر عند النظرة العجلى، وأحسب أن الشاعر راوغ متلقيه بهذا العطف بين الحيا والآل، ذلك أن الحقيقة تتضح حين نوسع دائرة النظر فندرك أن (الآل) حقها الجر عطفاً على الضمير في (عليه) وليس العطف على (الحيا)، ومن ثم فمعنى الآل هو الأهل أي آل الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس السراب كما توهم القراءة التي لا تتجاوز عبارة: الحيا والآل···

2 ـ قول الشاعر:

      أو جلت في روضة قد راق منظرها

                  بكل لون جميل شيق عطر

ذهب الباحث إلى وصف هذه الصورة بأنها بديعة، ولن أجادله في هذا الوصف، ولكن تعليله لم يكن موفقاً فيما أحسب، وذلك حين عد سر الجمال في تراسل الحواس من خلال وصف الشاعر اللون بأنه عطر··· أقول: لا أرى في النص تراسلاً بين الحواس، لأن السياق منذ الشطر الأول يشير إلى أن اللون المقصود بقوله (بكل لون) هو الأزهار، والأزهار جميلة وعطرة أيضاً··· وربما يكون من المناسب أن نقرأ النص من زاوية أخرى غير تراسل الحواس، ألا وهي زاوية الحذف، إذ عبارة الشاعر تشير إلى ضرب من الحذف يقوم به الشاعر لدلالة الكلام السابق على المحذوف، وفي هذا إيجاز تتطلبه اللغة الشعرية·· ومن المعلوم أن الحذف لدى البلاغيين يأتي على ضربين: ضرب يظهر فيه المحذوف عند الإعراب، وضرب لا يظهر بالإعراب، وإنما تعلم مكانه إذا تصفحت المعنى،  والباحث وقف عند هذين النوعين في قراءته ــــ من دون أن يشير ــــ وقوفاً متميزاً···

3 ـ قول الشاعر:

      فلو حملت رضوى من الشوق بعض ما

            حملت لذاب الصخر من شدة الوجد

تمنى الباحث "لو أن الشاعر قال: (من ثقل الوجد) بدلا من قوله: (من شدة الوجد) ولو فعل لالتأم شطرا البيت التئاماً بديعا"·

وأرى أن (شدة الوجد) أكثر تعبيراً من (ثقل الوجد) لأن الشدة تناسب المضاف إليه ــــ الوجد ــــ وتناسب ما قبله في الشطر الأول، ذلك أن الحمل لا ينبغي صرف دلالته إلى ما يحمل من كتائف مادية، فالحمل قد يكون لأمور معنوية، وهذا مشهور في دلالة الكلمة كما تشير المعاجم··· وأمر آخر هو أن الشاعر عبدالقادر الجزائري إنما يمتح مثل هذه العبارات ــــ إن لم يكن هذا البيت مضمناً أو فيه تضمين ــــ من التراث الشعري، وهو تراث لا أعتقد ميله إلى (شدة الوجد)·· وعلى سبيل المثال نذكر قول الشاعر الأموي شبيب بن البرصاء الذي أورده أبو تمام في ديوان الحماسة:

      تبسم كرهاً واستنبت الذي به

            من الحزن البادي ومن شدة الوجد

 

خامساً:

أود أن أضيف شيئاً عن الإيقاع، ذلك أن الأخ العزيز في حديثه عن الإىقاع اكتفى بالقافية وما يتعلق بها من قضية التضمين لما في ذلك من دلائل ظاهرة في اللغة الشعرية، ويبدو أن ضيق الوقت لم يسعفه بالوقوف عند الأوزان والنظر فيها، مع يقيني بخبرته في هذا المجال·· والآن لننظر في الأوزان الشعرية عند الشاعر، ونقرأ حضورها من خلال مقارنتها لدى شعراء آخرين سابقين أو لاحقين أو معاصرين···

عند النظر في نسبة شيوع الأوزان عبر العصور حسب رصد إبراهيم أنيس في كتابه "موسيقا الشعر" نلاحظ أن شاعراً مثل ابن معتوق (1676 - 1616) من شعراء العصر العثماني قد تقدم لديه الكامل على الطويل، فالكامل نسبته في ديوانه 38%، على حسين جاء الطويل بنسبة %19·· ويبدو أن الأمر بدأ يستقر لتقدم الكامل على سواء، وهذا ما نلمحه في أحد معاصري عبدالقادر الجزائري وهو الشاعر خليل اليازجي (1889 - 1856) الذي تكفي نظرة في ديوانه "نسمات الأوراق" لنعرف أن الكامل متقدم على الطويل··· ولكن حين نقرأ نسب الأوزان في شعر محمود سامي البارودي (1904 - 1839) نجدها ـ وفق إبراهيم أنيس ـ على النحو الآتي:

الطويل %39، الكامل 20 %، البسيط 15 % إلخ···

ولهذا دلالته على عودة البارودي بقوة وحب إلى الشعر العربي القديم الذي شاع فيه إيقاع الطويل، وإن لم يغفل عن إيقاع العصر الذي أخذ يغلب عليه الكامل، البحر الذي أخذ إيقاعه يتصاعد مع مرور الزمن،حيث تقدم على الطويل تقدماً لافتاً عند معظم الشعراء، وهذا ما يلحظه المرء عند النظر في شعر أحمد شوقي وحافظ إبراهيم من خلال النسب التي أوردها إبراهيم أنيس···

وحين ننظر في ديوان الأمير عبدالقادر الجزائري المؤلف من خمس وستين قصيدة نجد الأوزان بالنسبة للقصائد على النحو الآتي:

الطويل 31 قصيدة، البسيط 10، الكامل 9، الوافر 8، المتقارب، 2، الرمل 2، مجزوء الرمل 3···

أي أن نسبة شيوع الأوزان لدى الشاعر هي:

الطويل 48%، البسيط 15%، الكامل 14%، الوافر 12%، المتقارب 3%، الرمل 3%، مجزوء الرمل 5%·

وقد يقول قائل إن نسبة شيوع الأوزان التي قام بها إبراهيم أنيس لا تعتمد في حسابها على عدد قصائد الشاعر، وإنما على عدد الأبيات في الديوان كله، ثم يتم استخراج نسبة البحر من هذا المجموع الكلي للأبيات·· نقول وهذه قمنا بها أيضاً تحرياً لدقة الموازنة مع من نريد ممن رصد إبراهيم أنيس الأوزان في دواوينهم، فمن مجموع 843 بيتاً تقريباً في ديوان الجزائري وصلنا إلى النسب الآتية:

الطويل 47%، البسيط 23%، الكامل 15%، الوافر 9%، الرمل 3%، المتقارب 2%، مجزوء الرمل 1···

صحيح أن بعض النسب قد تغير وفق هذه الطريقة إلا أن الترتيب العام للبحور لم يتغير كثيراً، فالطويل والبسيط والكامل والوافر ظلت محتفظة بترتيبها·· وما يهمنا هنا أن تقدم الطويل قد يسمح لنا أن نقول: إن هذا الفارس الشاعر قد حمل شعوراً وفكراً حمل مثلهما البارودي الشاعر الفارس، وإن كانت شاعرية البارودي مما تشرئب لها الأعناق، مما يعني في المحصلة أن هذا التوافق في تقديم الطويل  لدى كل من الجزائري والبارودي قد يكون له ما يسوغه من الارتباط الوجداني القوي في العصور الأولى، وهي عصور كان إيقاع الطويل مسيطرا عليها سيطرة تامة، ومن ثم لم يكن حظ الأوزان القصيرة أو المجزوءات إلا النزر اليسير في ديوان الجزائري كما هو ملحوظ من الإحصائية أو النسب التي أوردناها·· وبالنظر أيضاً إلى الأغراض الشعرية التي توزعت تحتها قصائد الديوان نلحظ أن الفخر مثلا حظي بخمس قصائد على الطويل من سبع، وهذا يؤكد رسوخ إيقاع الطويل في ذاكرة الشاعر رسوخا ناشئاً ربما بسبب حفظ كثير من شعر تلك الفترة التي مثل الطويل فيها أهم الأوزان القومية، بل هو الوزن القومي من دون منازع، ولذلك لم يكن اعتماد الأمير الشاعر عبدالقادر الجزائري عليه إلا انسجاماً مع نفسه التي تجاهلت إلى حد ما حركة الإيقاع في أيامه، وطمحت إلى استعادة الإيقاع القوي لذلك المجد الغابر··

سادساً:

دخل الباحث إلى موضوعه مباشرة، وهذا مما يحسب له، ولكن الأمر حين يخص شخصية مثل الأمير عبدالقادر الجزائري فإنه كان في حاجة لشيء من التعريف ولو في سطور قليلة قبل الدخول إلى المعالجة النقدية· والباحث الكريم حدد فقط الفترة التي عاشها هذا الرجل العظيم من خلال بيان تاريخي ميلاده ووفاته (1883 - 1807)··· ونحن ندرك حرصه على التخلص من أي زيادة تكون عبئاً على البحث، أو لا تضيف له شيئاً ذا قيمة، غير أننا على يقين من أن الباحث يدرك أهمية بعض المعارف التي تمنح المتلقي إضاءات قد تسهم في قراءة أفضل للنصوص··· ونذكر هنا أن الأمير عبدالقادر ــــ اعتماداً على الزركلي ــــ هو عبدالقادر بن محيي الدين بن مصطفى الحسني الجزائري، أمير مجاهد من العلماء الشعراء البسلاء· ولد في القيطنة ( 1222 هـ ــــ 1807 م) وتعلم في وهران، وحج مع أبيه سنة (1241 هـ ) فزار المدينة ودمشق وبغداد·· ولما دخل الفرنسيون الجزائر بايعه الجزائريون وولوه القيام بأمر الجهاد، فقاتل الفرنسيين خمسة عشر عاماً، ضرب في أثنائها نقوداً سماها "المحمدية" وأنشأ معامل للأسلحة وملابس الجند، وكان في معاركه يتقدم جيشه ببسالة عجيبة·· ولما ضعف أمره بسبب هدنة سلطان المغرب للفرنسيين، استسلم سنة (1263 هـ 1847م) ونفي إلى طولون ومنها إلى أنبواز ثم سرحه نابليون مشترطاً ألا يعود إلى الجزائر، فزار باريس والأستانة، واستقر في دمشق (1271 هـ) وتوفي فيها (1300 هـ، 1883م)· من آثاره العلمية: "ذكرى العاقل" وهو رسالة في العلوم والأخلاق، و"المواقف" في التصرف، وديوان شعر···

سابعاً:

ربما يكون صحيحاً أن المنهج الذي اعتمده الباحث سبب في الوقوف عند أشتات من النصوص، فحال بذلك من قراءة نص متكامل للشاعر، ولكني حين رجعت إلى النصوص التي اقتطع منها نماذجه وجدتها لا تستقيم على حال من الجودة إلى نهايتها، وهذا ما دفع الباحث الكريم فيما يبدو إلى مثل هذه المعالجة التي جاءت متوائمة أيضاً مع طريقته في القراءة، ومتوافقة مع الهدف الرئيس وهو تقدير هذا الأمير الفارس الشاعر وإلى تقدير الجزائر بلد الجهاد والمجاهدين·· ولعل الناقد المرهف كان يشعر بهذا، ولذا كان في معظم الأحيان يتجاوز عما يراه من خروج الشعر إلى النظم معبراً عن موقفه بكلمات تكشف عن خلق رفيع، وكأنه يقول بين السطور: إن السياق قد يقتضي أن يتحول الباحث من نقد الأدب إلى أدب النقد، وحسبه هذا فضيلة وفضلاً···

وبعد، فهذه ملاحظات مشاكسات، لا تقلل البتة من جماليات القراءة التي نهض بها صديقي وأخي وهب روميه نهوضاً رائعاً، بل إنني أقولها بكل صدق استناداً إلى ما أوردت من كلامه في البداية، إنني لو خيرت بين قراءة خبير ذواقه وبين صاحب منهج يفتك بالشعر ويذبحه من الوريد إلى الوريد فسأكون من دون ريب مع صاحبي الخبير الذواقة الذي أميل معه حيث يميل···

طباعة  

ليلة لا تشبه الليل
 
تكريم جيـل الـرواد فـي معــرض الكتاب
 
البيان: الظهور الإعلامي على حساب العمل الثقافي!
 
مستقبل الثقافة العراقية في "عيون"··
 
وتد
 
أجيال