رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء03-09رمضان 1421هـ الموافق29نوفمبر - 5 ديسمبر 2000
العدد 1455

رمضان بعيون معاصريه
"إلى روح المرحوم سامي المنيس"
الإسراف سيد الموقف بلا منازع في رمضان

بقلم: د· أحمد البغدادي

أذكر في مقابلة إذاعية قديمة أن سأل المذيع أحد كبار السن عن شعوره في رمضان، وهو سؤال تقليدي· أجاب ذلك الرجل بذكاء لماّح: لقد كان رمضان شهراً بين الشهور وأصبح الآن، شهراً من الشهور· وبذلك لخص هذا الرجل بتجربته بمعايشة الوضعية الخاصة لشهر رمضان خلال سنوات حياته، فبعد أن كان شهراً مميزاً بشكل خاص من (بين) الشهور، أصبح شهراً عادياً (من) الشهور· ولا شك أن رمضان له "طعم" خاص، على مستوى ممارسة الحياة اليومية الكسلى بطبيعتها ورتابتها في الفترة التي تسبق شهر رمضان· ويأتي رمضان الذي يسميه الكويتيون (الشهر الفظيل) حيث يضعون (الظاء) مكان (الضاد)، كما هو حالنا مع حرفي (القاف) و(الغين)··· وهو شهر (فضيل) ولا شك·

في رمضان تتغير الحياة وتنقلب رأساً على عقب، حيث الحياة في الليل، وحيث الخمول في النهار· وحيث يتجه الإنسان المسلم إلى ربه طالباً المغفرة وتقبل الصيام، ويتمنى عليه سبحانه أن يبقيه إلى رمضان المقبل· وبرغم ذلك يمزح الكويتيون مع رمضان عند اقتراب نهايته (فراقه··· عيد) ولم يكذبوا بذلك، فنهاية رمضان تأتي مع عيد الفطر، حيث يلتزم المسلم بشيء من الأكل صباح العيد قبل الذهاب إلى صلاة العيد اقتداء بسّنة المصطفى عليه الصلاة والسلام·

وفي شهر رمضان تظهر للعيان ظواهر وممارسات عجيبة وكأن المسلمين قد اختصّوا بها دون سائر البشر· ومن اللطيف أن تظهر لأنها تدل على البُعد البشري في الشخصية المسلمة، وهي ليست معيبة في حقهم، ولكن نذكرها حتى نتعرف على ذواتنا البشرية·

أول الظواهر: طلب الفتوى

الإنسان المسلم يبحث دائماً وأبداً عن الفتوى الجاهزة، لماذا صداع الرأس بالقراءة؟ وفي رمضان تكثر الأسئلة· والعجيب أنها نفس الأسئلة التي نسمعها كل عام، وكأن المسلمين يتوارثون الأسئلة، "وكله كوم"·· وأسئلة المواقعة قبيل الآذان·· "كوم"! على المستوى الشخصي أستمع إلى الأسئلة للضحك فقط لا أقل ولا أكثر، وأعجب، كيف يمكن لشعب مسلم يزداد فيه حملة الشهادات كل عام، في حين تظل نفس الأسئلة تدور في حلقة مفرغة، وأتعجب أكثر من حماس رجل الدين وهو يجيب عليها· ماذا على المسلم لو قرر أن يقضي رمضان في قراءة بعض كتب الفقه المبسطة؟ ماذا لو تمهل في قراءة القرآن تبصراً وفهماً لآيات الله، بدلاً من الحرص على الختمة؟ لو يعلم المسلمون كم في القرآن من فوائد لغوية، وكونه أداة لتحسين أسلوب القراءة والكتابة والتزود بمفردات لغة جديدة، لأصابوا خيراً عظيماً، وأعتقد أن علاقة المسلم بالفتوى تعتمد على المثل السائر (حطها في بطن عالم واطلع سالم)·· أسلوب جديد أو اختراع إسلامي لإلقاء المسؤولية على الغير؟ ربما! وعلى الرغم من أن استعمال معجون الأسنان بعقلانية، أي دون مبالغة أمر محمود وطيب، إلا أن هناك من الناس من لا يزال يسأل عن مشروعية استعماله·· وهل يُفطر أم لا؟ وصنف آخر (يفتخر) برائحة فمه ويبتعد عن استعمال المعجون احترازاً حتى لا يُفسد تلك الرائحة بتطييبها!!

ثاني الظواهر: الليل ليس كالنهار

جميع مدرسي الجامعة يلاحظون اختفاء المكياج في رمضان من وجوه بناتنا الطالبات، وهو أمر محمود، لأن المكياج يخفي شخصية المرأة من تعابير وجهها، ومع اختفاء المكياج تظهر بعض "الحقائق"، و"يضيق خلق" بعض الطالبات·· أذكر مرة أنني لم أتعرف على إحدى طالباتي·· حتى الشعر تغير! ونسيت تماماً أننا في أول يوم رمضان، وسألتها: عسى ما شر؟ خشية أن يكون أحد أقاربها قد توفي لا قدر الله، حتى لا أسألها باعتبار أن الظروف قد منعتها عن المذاكرة! قالت: "الله يهداك دكتور"·· رمضان! وهدانا الله، ولم نكرر السؤال··· متى الشباب يصيرون (أعقل)·· وما هي إلا سويعات حين تهجع الشمس في سكون آخر اليوم، وينتهي الافطار·· الناس غير الناس، بعضهم يعطي نفسه مهلة حتى صلاة التراويح، بعدها، الكل يفلت من رباط الصيام، بل من الملاحظ أن الوضع الديني تخف حدته بعض الشيء بعد صلاة ليلة القدر كما يعتقد المسلمون··· أذكر صديقاً تزوج ونسي أن رمضان على الأبواب، حيث حل الشهر الكريم بعد زواجه بعشرة أيام··· وصارت حالته حالة·· كان يود لو يطول الليل أكثر·· وأطلقت عليه لقب (الغبي) لأنه حصل على شهر العسل بالتقسيط المريح! وكنت أذكره بذلك في كل أمر يقدم عليه قائلاً: "لا تصير غبي مثل المرة اللي فاتت"·· لذلك يمتلك المتزوجون منذ مدة طويلة (حصانة) طبيعية· كما أنني كثيراً ما أسمع أسئلة جنسية سخيفة تدل على عدم الحياء مع الله قبل الإنسان في برامج الفتاوى·· وأذكر أن خطيب صلاة العيد قال مرة مخاطباً المصلين: يا جماعة تذكروا أن رب رمضان·· هو رب الفطر!!!

ثالث الظواهر: عبادة فوق العادة

من لا يصلي في الفطر، تجده يصلي في رمضان·· أمر جميل ومحبب· مرة تمنيت لأحدهم أن يقبض الله روحه في رمضان من كثرة صلاته في هذا الشهر المبارك· وقلت له معلقاً: الظاهر أنك تصلي لما فاتك قبل رمضان، ولما سيفوتك بعد رمضان! ضحك وقال: الله الهادي·· قلت: اللهم آمين·· حتى الذين يصلون، يكثرون من الذهاب إلى المساجد في رمضان، وهو أمر محمود· وتدل هذه الممارسات على طيبة نفس المسلم باعتقادي· بل ومن الملاحظ أن أي إنسان ومهما يكن دينه يحضره شعور خاص حين يتعلق الأمر بمكان ديني أو موضع ديني· المسلم في هذا الشهر يتذكر تقصيره في الأيام الماضية وكأنه يريد أن يتدارك هذا التقصير وكأنه يعتذر من الخالق سبحانه على هذا التقصير· والمسلم يهجر الأثام بشكل عام· ولدي طبع غير محبب وهو مراقبة هذه الظاهرة والتعليق عليها لدى من أحبهم واحترمهم، وهو مزاح مشروع مادامت النية صافية والقلب نظيفاً، لأنها تعبر أصدق تعبير عن ظاهرة الازدواجية التي تعم حياتنا· وبصراحة، ليس من المحبب القيام بذلك في رمضان، ثم تركه أو التهاون فيه بعد رمضان· ولذلك يُكثر الخطباء من التذكير بأهمية المداومة بالقول: قليل دائم خير من كثير منقطع· ومن اللطيف رؤية البعض وهو يشطب أيام رمضان من الروزنامة، في حين أن منهم تسمعه يقول بعد مرور أسبوع واحد فقط لا غير من الشهر: خلص·· الله يشرفه! وتعرف كم هم شطار المسلمين في اختصار الزمن··· وخلافاً للرأي الشعبي السائد حول سهولة الصيام، سمعت محدثاً وكان عاقلاً فعلاً يقول: الصيام تكليف·· والتكليف شاق على النفس·· نسأل الله العون··

رابع الظواهر: الوزن اللامفقود

"النصحاء" بدنياً، يمنّون النفس باختفاء بعض الشحوم المتراكمة، لكن العجيب أنه مهما خفف الإنسان من الأكل في رمضان، فإنه لا يفقد وزناً معتبراً مقارنة بالصيام· سألني أحد الأصدقاء: ألا تنوي "الريجيم" في رمضان، فرصة لتخفيف الوزن، قلت: الدنيا برد·· وقلة أكل؟ أنت مجنون؟ واعلم أن البرد يحتاج إلى الأكل مثلما تحتاج إلى الماء في الصيف·· وأهل الكويت يقولون: "البرد·· يووكل" (أي يجعلك تأكل حتى تشعر بالدفء)· وأذكر مرة أن رمضان صادفنا في بلاد الغربة أيام الدراسة وكان أحد الأصدقاء سميناً بعض الشيء مقارنة بوزننا، وسألته: صايم أو··؟ قال مداعباً: أو··· سألته: لماذا؟ قال: من البرد في منطقتنا، بل أن الناس يسألونه كيف له القدرة على تحمل البرد بدون شرب الكحوليات؟ قال لهم: المعين الله·· وتريدني أن أصوم فوق ذلك؟ قلت له: "فرصة علشان الوزن ينزل"· قال: ثبت بالتجربة أن الوزن يزيد في رمضان··· ورأيته في رمضان آخر في الكويت! نظر إلي وقال: هذي ديرة أوادم، الواحد يقدر يصوم على راحته·· ومدّ لسانه ليثبت أنه صائم·· وتذكرنا أيام المراهقة حيث الاثبات على اللسان بالصوم للدلالة على عدم الأكل··· ماذا عن بقية الجوارح؟ يعين الله···! ولعلنا بحاجة إلى سؤال طبيب حول السر لعدم فقدان الوزن في رمضان· قد يقول البعض: إن الأكل الكثير بعد الفطار هو السبب·· لكن ما يؤكل لا يعادل ما يؤكل أيام الفطر··· لعلها رحمة من الله بعباده حتى تتحمل أجسامهم تكاليف الصوم والعبادة·· ربما·· ومن الملاحظ أن شعور الإنسان بالجوع يبدأ بعد مرور أيام عدة من رمضان·· وليس في أوله!

ويبقى رمضان شهر الطيب والود بين الناس بما يتهادونه من أكلات شعبية·· وشهر العبادة، وشهر الرحمة، لولا ما يكتنفه من مبالغة غير محمودة على المستوى الديني لدى رجال الدين من جهة والمسلسلات الدينية وكذلك البرامج الدينية من جهة أخرى· وبصراحة ان الله قد أنعم عليّ بعدم مشاهدة أي برنامج عربي سواء ديني أو مسلسل تلفزيوني على وزن (خسئت يا عكرمة···) حيث الابتذال في التدين واللغة الدينية··· وأقصد بذلك الإفراط في الأحاديث الدينية والفتاوى وسيادة اللغة الدينية إلى حد الابتذال، بل وإلى حد إهانة الدين باستخدام مثل هذه اللغة، بدليل اختفاء هذه الظاهرة بعد رمضان· كذلك الافراط في البرامج والمسلسلات الدينية، بل لقد أصبح قدراً محتوماً مشاهدة أهل اللحى، حتى الذين لم تنبت لحاهم كلها، يعرضون بضاعتهم المستهلكة على شاشة التلفاز·· وكل هذا دليل قاطع على أن المسلمين يقضون معظم وقتهم أمام التلفاز· وأعتقد أن المسلمين بحاجة للعقلانية في هذا الأمر، حيث من الممكن تخصيص ربع المبلغ الذي يُصرف على هذه البرامج والمسلسلات على الجوعى والعراة من المسلمين في افريقيا وآسيا، وهذا ثوابه وأجره عند الله أفضل· ولو كانت البرامج الدينية مجاناً لوجه الله فلا بأس، لكن أن يقبض بعض رجال الدين أجراً على أحاديثه الدينية، فهذا أجر تدخله شبهة الحرام، لأنه من باب أولئك الذين يتاجرون بكلام الله· علماً بأن ما يقولوه يعلمه كل مسلم عاقل لديه شيء من الثقافة الدينية·· لكن رمضان مناسبة لمثل هذه التصرفات اللادينية في رأيي·

وفي رمضان يتأذى المدخنون أذى شديداً، فتراهم قبل الآذان يمسكون السيجارة بيد والتمرة باليد الأخرى، ومنهم من يدخن فيما بين ركعات صلاة القيام· ولقد تعمدت عدم ذكر آذان المغرب تحديداً، لأن آذان المغرب هو الوحيد الذي ينتظره المسلمون على أحر من الجمر!

رمضان الكريم جزء من حياة بشر يُعرفون بالمسلمين، ولذلك من الطبيعي أن تتغير ظروفه مع تغير ظروف الحياة، لكن لا يزال الإسراف سيد الموقف وبلا منازع، علي الرغم من أن الله سبحانه وتعالى لا يحب المسرفين، إلا أننا لا نعدم من يذكرنا "وأما بنعمة ربك فحدث"!! وصدق علي بن أبي طالب حين قال: القرآن حماّل ذو أوجه، حيث يجد كل من يريد تبريراً لفعله المشروع·

يوم يفارقنا رمضان بحلول العيد تختفي كل مظاهر الاحتفال الديني الصاخب وكأنك أطفأت جهاز التلفاز، وتتذكر دعوة الأطفال أثناء القرقيعان (وعساكم تعودونه، كل سنة وتصومونه) وبعد أن يأخذوا قرقيعاناً نظيفاً معلّباً في أكياس لامعة، وتتحسر على فترة طفولتك حين كنا نحصل على قرقيعان يابس··· وبدون مصاحبة خادمة تحمل عنك كيس القرقيعان···

وبحلول شهر رمضان (الفظيل)، نتمنى للجميع صوماً مقبولاً وعمراً مديداً وصحة ورخاء والأجر في الآخرة إن شاء الله·

طباعة  

من الفقه الجعفري
في رحاب العترة الطاهرة

 
مؤسسات من بلدي
المسيرة التاريخية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

 
مساعدات كويتية بمليون ونصف دولار لصيانة مساجد فلسطين
 
الملامح العمرانية للقدس في محاضرة في لندن
 
أخطاء في العقيدة والتوحيد
 
فتاوى شرعية
 
رمضان وصحة الجسم
الصيام يريح أجهزة الجسم ويفيد في التخلص من السموم المتراكمة