رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء03-09رمضان 1421هـ الموافق29نوفمبر - 5 ديسمبر 2000
العدد 1455

من الفقه الجعفري
في رحاب العترة الطاهرة

بقلم: مصطفى سيد حسن الزلزلة

ها نحن بحمد الله تعالى ننعم في شهر الله تعالى المقبل علينا بالبركة والرحمة والمغفرة، حيث تحيط نعم كثيرة لا حد لها ولا حصر بالإنسان (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، تتجلى هذه النعم في مدة يعبر عنها القرآن الكريم ناطقاً (أياماً معدودات) يضم سلسلة هذه الأيام شهر خصه الله تعالى من بين الشهور بالذكر اسماً في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن··)، أي شيء هذا الذي أنزل في هذا الشهر هذا هو النور والبرهان والتبصرة والفرقان إنه القرآن، كتاب مبارك في شهر مبارك في ليلة مباركة على نبي مبارك، نعم هنا تثبت كما قيل قاعدة وجوب المناسبة بين الظرف والمظروف فعن الإمام علي بن موسى الرضا عليه ـ عليه السلام ـ عن آبائه عن أمير المؤمنين علي ــ عليه السلام ــ قال: خطبنا رسول الله ص وآله وسلم ــ ذات يوم فقال: أيها الناس إنه قد أقبل شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله أنفسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجاب··) فما أحلى هذا الشهر شهر الصبر والصيام الذي يحوي خير الليالي والأيام وأنزل فيه خير الكلام على قلب سيد ـ الأنام عليه وآله السلام ـ وكما قال سيد محمد جمال الهاشمي:

 

رمضان يا شهر الصيام تحية        من واله قد شفه الهيمان

شهر العبادة والعبادة مدرج      يسمو به لكماله الانسان

شهر الصيام وللصيام حلاوة        يهفو إلى لذاته الوجدان

شهر تنزلت الملائكة خشعاً          لجلاله وتنزل القرآن

شهر على العاصين ينشر ظله        عطراً يموج بنشره الغفران

 

في شهر رمضان ندرك معنى حياة القلوب وإشراق النفوس وصفاء الأرواح، حيث مصب الفوائد بأبعادها، ومطب الفرائد بأمجادها نصل إلى معنى الحديث النبوي: (صوموا تصحوا)، وماذا بعد ذلك؟ إنها الثمرة المجتناة من شجرة هذه الطاعة وشرط قبول الأعمال ومفتاح حسن خاتمة في آية الأحوال إنها التقوى (لعلكم تتقون) بمعنى أن لا يجدك أيها الإنسان ربك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، هنيئاً للنفوس الصائمة الحائزة على أفضل جائزة، جائزة (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر)، هذا مقام السابقين المقربين مقام الشهداء والصديقين مقام (أحياء عند ربهم) فالله تعالى يتولى أمورهم إذ الشهر شهره والعالم محضره وهذه العبادة أعني الصوم عبادة امتناع وكتمان وليست عبادة إعلان، كالصلاة والحج والجهاد·· التي يراها الناس فلا أحد مطلع على ما يضمره الصائم سواه تعالى، فأي إخلاص هذا الذي يساوق التقوى التي تثبت دعامته وتبين فلسفته الدرة الباهرة والبضعة الطاهرة فاطمة الزهراء ــــ عليها السلام ــــ : (وجعل الصيام تثبيتاً للإخلاص)، إذ هو مفردة من مفردات العبادة المتوجة بالإخلاص المأمور بإيجاده المتعبدين (ان اعبدوا الله مخلصين الدين) ليتحقق بعد ذلك سر الحديث القدسي: (الصوم لي وأنا أجزي به)·

فهذا الشهر شهر ربيع القرآن كما ورد في الحديث: (إن لكل شيء ربيعاً وربيع القرآن شهر رمضان)، شهر يثمر بالتكليف الواجب فيه المتمثل بالصوم التقوى، إلا أنه علينا أن ندرك إذا كان ربيع القرآن شهر رمضان فقط من بين الشهور على النحو الزماني، فهناك ربيع للقرآن على الدوام خارج عن نطاق الزمان والمكان ألا وهو قلب المتقي على النحو الجناني، (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)·

ولا يفوت طالب الكمال والجمال في هذا الشهر ضيافة الله الضيافة الزمانية الكبرى ظهور الفوائد الاجتماعية والتربوية والنفسية والصحية وغيرها، فهذه نفحات إلهية منزلة ليزين الإنسان بها عقله وروحه وبدنه، وبالجملة يصاغ بأنوار القداسة ففي الحديث النبوي: (إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ولا تعرضوا عنها)، فهذا علي بن أبي طالب الذي يصفه حفيده علي بن الحسين زين العابدين ــــ عليهما السلام ــــ بقوله (مطلوب كل طالب)، يسأل رسول الله ص يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله وهو معنى "لعلكم تتقون" فقال مجيباً: يا أبا الحسن تكليف الصيام، ولا شك أن الفاضل يطلب الأفضل في سلوكه القولي والفعلي والحالي ليحققه من فضاء القوة والوجود العلمي إلى ساحة الفعل والتطبيق العملي لذا كان بحق أمير المؤمنين وإمام المتقين وكما قيل في حقه:

هذه من علاه إحـدى المعالي وعلى هـذه فقس مـا سواها

هذا، وإن من فوائد الصيام أن يستوي الغني والفقير كما ورد في الرواية أن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبدالله جعفر بن محمد الصادق ــــ عليه السلام ــــ عن علة الصيام، قال: (العلة في الصيام ليستوي به الفقير والغني وذلك لأن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير لأن الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه فأراد الله أن يسوي بين خلقه وأن يذيق الغني مس الجوع والألم ليرق على الضعيف ويرحم الجائع)· تأمل في كلام الإمام الصادق ــــ عليه السلام ــــ في بيان العلة ولو أنها علة من علل كثيرة أحدها ما ذكر ليحس الغني بالفقير، والشبعان بالجائع والمرتوي بالعطشان، إذ يشترك الاثنان بالصبر (الإمساك) عن الأكل والشرب وغيرهما، وهذه فائدة ننطلق من خلالها لننظر إلى المسلمين المنتظرين مديد العون من إخوانهم المسلمين، ونقصد بالعون كل جهاته وحيثياته، وبقدر ما يستطيع المسلم المنعم عليه من إرسال النعم إلى إخوانه في جميع أنحاء المعمورة، فهذه محنة المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث المسجدين الحرام والنبوي ومسرى الحبيب المصطفى ص نعم محنة القدس محنة فلسطين المسلمة أرض المقدسات أرض التضحية والنضال والبطولات والشهادة، نتجه إليها من واقع القلوب المنكسرة والدموع المنهمرة حزناً وحسرة عليها في هذا الشهر المبارك علي ما يفعله الكيان الصهيوني العدو المحتل ــــ خذلهم الله ــــ من أعمال عنف وهجوم بربري وجرائم وحشية، الأمر الذي يدفعنا إلى التحرك نحو هذه القضية، والوقوف صفاً واحداً بوجه الطغاة ومن يساندهم ويقوي شوكتهم ويقيم شأفتهم بكل الوسائل حكاماً وشعوباً على الصعيد الإسلامي والعربي والعالمي، فنصرة هؤلاء المنتفضين نصرة للإسلام (ولينصرن الله من ينصره) وصفة التقوى المتوقع حصولها من امتثال تكليف الصيام في هذا الشهر الفضيل تدفعنا إلى تفعيل الحديث النبوي (من بات ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم)، فيا أيها المسلمون يا أيها العرب حكاماً وشعوبا حافظوا على مبادئكم وقيمكم فالله أعلى شأنكم بالإيمان فأعدوا للكفار والباغين ما استطعتم من قوة وخلصوا إخوانكم المسلمين في فلسطين المحتلة من قوات الاحتلال وبراثن اليهود وقفوا في وجه من يدعم هذا الكيان الصهيوني الجائر، ولله در القائل:

 

ولي كل يوم موقف ومقالة          إلى ليوث العرب ويحكم هبوا

فإما حياة تبعثُ الشرقَ ناهضاً     وإمَّا ممات وهو ما يرقبُ الغَرْبُ

 

الله اجعل صيامنا في شهرك هذا صيام الصائمين وقيامنا فيه قيام القائمين ونبهنا فيه عن نومة الغافلين·

 

طباعة  

مؤسسات من بلدي
المسيرة التاريخية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

 
مساعدات كويتية بمليون ونصف دولار لصيانة مساجد فلسطين
 
الملامح العمرانية للقدس في محاضرة في لندن
 
أخطاء في العقيدة والتوحيد
 
فتاوى شرعية
 
رمضان وصحة الجسم
الصيام يريح أجهزة الجسم ويفيد في التخلص من السموم المتراكمة

 
رمضان بعيون معاصريه
"إلى روح المرحوم سامي المنيس"
الإسراف سيد الموقف بلا منازع في رمضان