الدكتور وهب رومية
نظرا للقيمة الأدبية لهذه الدراسة التي أعدها الدكتور وهب رومية - أستاذ الأدب العربي في كلية التربية الأساسية، والتي شارك بها ضمن فعاليات دورة "أبو فراس الحمداني"، الدورة السابعة التي نظمتها مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين في الجزائر في بداية الشهر الجاري، نقوم هنا بنشرها وإن اضطررنا الى الحذف والاختصار لضرورات النشر الصحافي، آملين ألا نكون قد أفقدناها مضامينها في هذا الحيز الضيق:
التشكيل اللغوي
لقد أحرزت الحداثة في معركتها مكسبا نظريا ضخما في ميدان نقد الشعر، فرأته فنا لغويا (بنية لغوية معرفية جمالية معا) تتحدد فنيته بكيفية استخدامه للغة لا بمحمولاته الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية أو سواها· ولكن هذه الكيفية لا تحول دون وجود هذه المحمولات في الشعر، بل إن وجودها مشروع إن لم يكن ضروريا، فلكي يحقق النص الشعري وظيفته الجمالية ينبغي أن يحقق وظيفة إضافية أو أكثر "فمزج الدلالة الفنية بغيرها من الدلالات··· يمثل الملمح الأساسي في عملية التوظيف الاجتماعي لهذا النص الأدبي أو ذاك، ومن هنا فإننا نواجه بعلاقة مزدوجة البناء، فلكي يحقق النص غايته الجمالية يجب أن يحمل في الوقت نفسه عبء وظيفة أخلاقية أو سياسية أو فلسفية أو اجتماعية، وبالعكس، فهو لكي يحقق دورا سياسيا معينا - على سبيل التمثيل - ينبغي أن يؤدي وظيفة جمالية" (1)· ومن الطبيعي أنه في بعض الأحيان قد لا تتحقق بالنص سوى وظيفة واحدة (2)·
وقد انبثقت من هذه النظرة الى "مفهوم الشعر" نظرة جديدة الى "نقده"، فغدت دراسة الشعر من منظور لغوي منهجا نقديا بارزا يشيد علميته على دعامتين· أولاهما: ملاءمته لتفسير المادة التي يدرسها - وهي شرط لا غنى عنه لقيام أي علم (3)·
وتنجم هذه الملاءمة من انبثاق المنهج والمادة من مفهوم لغوي معاصر· وثانيتهما: أدوات نقدية مرهفة ذات كفاية عالية· بيد أننا ينبغي أن نقيد القول قليلا، وألا نسرف في الظن فنتوهم أن كل شيء قد أصبح محكوما فكأنما هو في قبضة اليد، وأن الطريق الى جوهر الشعر قد غدت قاصدة موطأة الأكناف· إن بعض هذا الظن يكفي، فليس يملك المنهج - مهما تكن كفايته - أن يتغلغل في شعاب الشعر المرجانية، وأن يصل الى جوهره إذا لم يكن الناقد نفسه خبيرا مدربا وذواقة كأنما نبعة الشعر بين جوانحه· وإلا فما أيسر أن ينقلب المنهج الى منهج رجيم يفتك بالشعر، ويذبحه من الوريد الى الوريد·
ويقتضي الحديث عن "اللغة في شعر شاعر ما" أن نحدد - قبل الشروع في هذا الحديث - المقصود بـ "اللغة في الشعر" فما المقصود بها؟ إن اللغة - كما هو معروف - نظام متكامل متعارف عليه من الرموز التي يتفاهم بها الناس· ومن الواضح أننا لا نقصد هذا النظام بل نقصد أمرا يتجاوزه، نقصد القول الشعري، أي صورة اللغة المتحققة في شعر هذا الشاعر، وهي صورة تتميز عن غيرها من الصور بسمات كثيرة كالمعجم اللغوي والطريقة الخاصة في بناء الجمل والربط بينها وسوى ذلك كثير، وهي السمات التي تكون "الأسلوب"· وإذاً نقصد بـ "اللغة في شعر فلان" أسلوبه الشعري، وهذا الأسلوب هو الذي يجسد التجربة الشعرية بالكلمات التي تستخدم استخداما كيفيا خاصا، وهو الذي يمنح القصيدة طاقاتها الثرة· وبعبارة أوضح أن لغة الشعر هي مكونات القصيدة من الألفاظ والتراكيب والخيال والموسيقا والموقف الإنساني·
وفي ضوء ما تقدم سوف نحاول دراسة اللغة في شعر الأمير عبدالقادر الجزائري: (1807-1883)
أ - اللغة والدلالة والإيقاع:
يذكر د· إبراهيم السامرائي أن الأصمعي قد "تحرج في استخدام لغة الشعر في شرح لغة التنزيل على نحو ما فعل غيره من علماء اللغة كأبي عبيدة مثلا في كتابه "مجاز القرآن" (4)، ويعلل ذلك بقوله "ولعله قد فهم أن لهذا الفن لغته الخاصة (5)"· وليس يريد د· السامرائي بهذا الذي ذكره أن للشعر ألفاظه الخاصة، بل يريد أن اللفظ في الشعر مختلف عنه في غيره، فهو في الشعر يكتسب دلالات إضافية، حتى لتبدو ألفاظ كثيرة ذات رصيد دلالي ضخم، ولعل الناظر في معاجمنا المطولة يدرك هذه الحقيقة، فهي معاجم ذهبت معاني ألفاظ الشعر بشطرها الأعظم حتى أوشكت أن تكون معاجم شعرية· وما أكثر ما شكا الشعراء من الكلمات التي تسكنها أصوات الآخرين! وما أكثر ما فتشوا عن الكلمة العذراء! أنهم يريدون أن يجددوا شباب اللغة، وأن يفجروا طاقاتها، وما ذلك إلا لأن الشعر ذو طبيعة ازدواجية، كما يرى لوتمان"، وتنبع هذه الازدواجية من كونه يعني تتالي الكلمات، كما يعني الكلمة في ذات الوقت (6) ويزيد المسألة وضوحا، فيقول: "فالكلمة في الشعر هي في الأصل كلمة تنتمي الى لغة ما، هي وحدة في متن يمكن أن نجده في القاموس، ومع ذلك فإن هذه الكلمة تبدو وكأنها ليست معادلة لنفسها، ومن ثم يغدو تشابهها، أو حتى تطابقها، مع الكلمة "القاموسية" سببا في الإحساس الواضح بالاختلاف بين هاتين الوحدتين: المتباعتدين المتقاربتين، المستقلتين المتوازيتين، نعني الكلمة في مفهومها اللغوي العام، والكلمة عنصرا في القصيدة الشعرية (7) ثم يتابع: "فالكلمة في الشعر أكثر قيمة من تلك التي في نصوص اللغة العامة، وليس صعبا أن نلاحظ أنه كلما كان النص أكثر أناقة وصقلا كانت الكلمة أكثر قيمة، وكانت دلالاتها أرحب وأوسع(8)·
فإذا صرنا الى "التركيب" صارت القضية أعقد وأخصب، فعلى المستوى التركيبي يتجلى جوهر الشعر تجليا باهرا· وفيه يمارس الشاعر كل شعائره السحرية محاولا أن يعيد الى اللغة وظيفتها السحرية القديمة· إن التركيب بناء، وبناء لغة الشعر يختلف اختلافا عميقا عن بناء لغة النثر، فالشعر قياسا الى النثر انحراف (مجاوزة، عدول، انزياح)، وخاصية الخروج على قواعد التركيب هي الخاصية الوحيدة التي يتفق فيها الشعر التقليدي والشعر الحر، وإذاً فهي الخاصية الوحيدة التعريفية لأنها توجد في كل أجزاء المعرف، كما يقول جون كوهين (9) والانحراف إذاً هو الشرط الضروري لكل شعر· وبعبارة أخرى إن بناء الشعر يتحقق بطريقتين أو مقياسين أما المقياس الأول أو الطريقة الأولى فباعتباره نظاما لتطبيق عدد من القواعد، وأما الثاني فباعتباره نظاما لصدع أو تجاوز هذه القواعد، مع مراعاة أن "جسم"النص ذاته لا يمكن أن ينطبق على أي من هذين المقياسين معزولا عن الآخر ومستقلا بنفسه، فبالعلاقة بين ذذك التصورين، وبالتوتر البنائي، وبالمزج بين ما ليس ممتزجا، بهذا، وبهذا فقط، يتم إبداع النتاج الفني (10) وإذاً فالمعنى في النص الأدبي ينبثق، ليس فقط من تطبيق القواعد البنائية المعينة، بل وينبثق كذلك من خلال الانحراف عنها (11) وإذا كان النثر يحتفل بجوهر المحتوى (أي المعنى)، فإن الشعر يحتفل بشكل المعنى، وشكل المعنى هو الأسلوب (12) فالأسلوب - إذا - هو الذي يجعل الشعر شعرا، وعليه تنعقد آمال الشعراء وأحلامهم، وهو التشكيل الفني للغة، أي هو بنية مكونه من عناصر شتى تتآزر متفاعلة لتحقق شكل المعنى لنقل - بعبارة أوضح - إنها بنية عضوية·
إن أول ما يلفت النظر في شعر عبدالقادر هو "التكرار" على مستوى الإيقاع والتركيب، وهو "تكرار" متعدد الأنماط، يعقبه تبدل وتغير ملحوظان· وهذا ملمح شعري أصيل، فالبنية الشعرية ذات طبيعة تكرارية على المستويين الشكلي والمعنوي· وأول هذه الأنماط تكرار "صيغة" مفردة:
" فلا زال في أوج الكمال مخيما
يضيء علينا نوره وشعاعهُ
"ولا زال" من يحمي الذمار بعزّة
ولو جمعوا ما يستطاع دفاعه
"ولا زال" محجوح الأفاضل كعبة
وممدوحة أفضاله وطباعه
***
"كم" نافسوا، كم سارعوا، كم سابقوا
من سابق لفضائل وتفضل
"كم" حاربوا، كم ضاربوا، كم غالبوا
أقوى العداة بكثرة وتمول
لا نريد أن نستكثر من هذا النمط من التكرار، فهو يملأ شعاب الديوان وأوديته، وأينما يمت وجهك طالعتك صفوف متلاحقة منه حتى ليغدو النص عليها نافلة· ولكننا نريد أن ننظر في هذه النصوص بعض النظر·
تهيمن صيغة "لا زال" على الأبيات في النص الأول، وهي صيغة "دعاء"· وقد رد الأمير بهذه القصيدة التي اجتزأنا منها هذه الأبيات على صديقه الشيخ "أبي النصر النابلسي" الذي أرسل إليه قصيدة مدحه بها· ونهج الأمير في هذه القصيدة نهجه المألوف في الرد على من يرسل إليه بمدح، فقسم القصيدة قسمين وقف الأول منهما على تقريظ القصيدة، ووقف ثانيهما على الدعاء له· وتشكل صيغة الدعاء ركيزة بنيوية تفرض دلالتها على السياق في الأبيات جميعا، فتعزز الإحساس بموقف الشاعر وتعمقه، وتجمع مضمون الدعاء المتفرق بين الكمال والعزة والعلم والحلم والفضل والطاعة والعلو في "بؤرة دلالية" واحدة تفيض منها تجليات دعائية شتى، وتنهض أداة الربط الصريحة "الواو" في أول كل بيت بوظيفة العطف بين صيغ الدعاء الموحدة لا بين مضامينه، وتجعل من الأبيات جملة دلالية واحدة، فتقوي بذلك مفهوم "البؤرة الدلالية" وتغنيه·
إن أول ما يلفت النظر في تكرار النداء هو المنادى، فالشاعر يشخص أبعاضا من ذاته وينادي كلا منها على حدة، ويناجيه، ويصف حاله البائسة في توجع قانط، واستسلام يخالطه شجن عميق· وهذا يعني أننا أمام ضرب مخصوص من النداء يفيض منه معنى الندب والاستغاثة، فمن يندب؟ وبمن يستغيث؟ فيا قلبي المجروح····، "ويا كبدي ذوبي أسى···" "ويا ناظري لا زلت بالدمع····"· إنه يندب أبعاض ذاته، فهل نستغرب - والحال هذه - أن يسترسل في نجواه مكررا هذا الضرب من النداء تكرارا متلاحقا يقوي إحساسنا بحالته النفسية، ويكشف عن بلبلته واضطرابه، وعن كثافة المادة العاطفية التي يرزح تحت وطأتها حتى لتكاد النفس تنوء بحملها؟ ويؤازر هذه النجوى القائمة على التشخيص عنصر بنائي قادر على التعبير عن المشاعر الغامضة المختلطة، وليس هذا العنصر سوى الألفاظ العاطفية الانفعالية ذات القدرة العالية على الإيحاء بهذه المشاعر بما لها من رصيد تاريخي في الوجدان العربي (القلب، الجرح، اللقاء، البعد، الوله، الكبد، الذوبان، الأسى، الحرقة، الدموع)·
والنمط الثاني من أنماط التكرار على مستوى الإيقاع والتركيب هو "تكرار نسق لغوي"· ويستفيض هذا النمط كسابقه في شعر الأمير عبدالقادر:
والضاربون ببيض الهند مرهفة
تخالها في ظلام الحرب نيرانا
والطاعنون بسمر الخط عالية
إذا العدو رآها شرعت بانا
والمصطلون بنار الحرب شاعلة
مطلوبهم منك يا ذا الفضل رضوانا(13)
***
عج بي - فديتك - في أباطح دمر
ذات الرياض الزاهرات النضر
ذات المياه الجاريات على الصفا
فكأنها من ماء نهر الكوثر
ذات الجداول كالأراقم جريها
سبحانه من خالق ومصور
لقد آثرنا - كما فعلنا سابقا - أن نختار أربعة نصوص (في أصل الدراسة) يتكرر في كل منها نسق لغوي مختلف عن الانساق المتكررة في النصوص الأخرى·
يتكون النسق اللغوي المهيمن في النص الأول من اسم فاعل (جمع مذكر سالم) + جار ومجرور + مضاف إليه + حال· ويشذ عن ذلك شذوذا طفيفا البيت الأخير، فيتكون النسق من: اسم فاعل (جمع مذكر سالم) + مفعول به + مضاف إليه + حال· ولا تظهر هيمنة النسق في تكراره فحسب، بل تظهر أيضا في توظيف الشطر الثاني من كل بيت - ما عدا بيتا واحدا سنقف عنده لاحقا - في تغذية دلالة النسق· وتقوم أداة الربط "الواو" بوظيفتها على أكمل وجه، فتجمع هذه المتجانسات جمعا وثيقا في سلسلة لغوية واحدة متعددة الحلقات· ويؤازر هذه السلسلة نسق إيقاعي مطابق للنسق اللغوي فيعزز تلاحم مستويات النص، ويحكم بناءه إحكاما قويا، فيتأهل النص ببنائه المحكم وبمجمعه اللغوي - وهو معجم الحرب بسيوفها المرهفة ورماحها العالية ونارها المشبوبة وخليها الضامرة العتاق وفرسانها العقبان، وكل هذه الألفاظ والصور أكسبتها نصوص شعر الحماسة والفروسية القديم طاقات ثرية ادخرتها الذاكرة العربية تأصلت في الوجدان - لإنتاج دلالة صارمة شديدة الوقع في النفس، دلالة لا اهتزاز فيها ولا خلخلة، ولا يكاد النص ينتج هذه الدلالة ويبثها حتى تتخرم، فتهتز وتضطرب ويتشعث أثرها في النفس، يخرمها هذا الشطر الذي أشرنا إليه سابقا (مطلوبهم منك يا ذا الفضل رضوانا)، فهو يكسر السياق، وينحرف به إلى سياق التوسل والضراعة ويشكل هذا الانحراف وحدة طفيلية تضعف نبرة الخطابة والفخر، وتتحول بهار ولو مؤقتا - إلى نقيضها·
فإذا أعدنا النظر قليلا في مسلك الشاعر اللغوي رأيناه يكرر نسقا لغويا بعينه حتى إذا استقرت صورة هذا النسق في خلد المتلقي، وصار يتوقع تكراره عدل عنه عدولا واضحا، ولكنه لا يلبث بعد أبيات عدة أن يكرر نسقا آخر أو صيغة حتى إذا أصبحت متوقعة مضى فيها قليلا ثم عدل عنها، وهكذا···· وبذلك تبدو القصيدة كأنها مبنية على نهج شبه دقيق من التعاقب بين إرساء نظام ما وصدعه ثم إرساء نظام آخر وصدعه، وهذا النهج سمة عضوية في النص الشعري عامة· ومما لا ريب فيه أن "تغير قواعد الأنساق البنائية يمثل أقوى وسيلة لتقليل حجم اللغو في النص الفني، إذ ما يكاد القارئ يكيف نفسه مع توقع معين، ويضع لنفسه نظاما ما للتنبؤ بما لم يقرأه بعد من أجزاء النص حتى تتغير القاعدة البنائية مخادعة كل توقعاته، ومن هنا يكتسب ما كان لغوا وفضولا قيمة إعلامية في ضوء البنية المتغيرة (14)·
ويكثر الشاعر من الجناس والطباق والمقابلة، بل إن المقابلة - في عدد من القصائد - هي بؤرة القصيدة ونواتها، فعلى حديها تنهض بنية القصيدة، وبها تنتج دلالاتها الكبرى، فإذا نحن أمام مفارقة تصويرية كبرى كما في قصيدة "ما في البداوة من عيب (15) التي استهلها الشاعر بمقابلة ثم أردفها بأخرى ثم أردف الثانية بثالثة:
يا عاذرا لامرئ قد هام في الحضر
وعاذلا لمحب البدو والقفر
لا تذممن بيوتا خف محملها
وتمدحن بيوت الطين والحجر
لو كنت تعلم ما في البدو تعذرني
لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر
ويطول بنا الحديث لو مضينا نتتبع تفاريق هذا الحذف، ونحن نريد أن نمضي على اجتزاء القول وطيه، فلنضرب عما نحن فيه بعد وقفة عجلى على قوله:
فما نسج داود كنسج عناكب
ولا الغادة الهيفاء تزهو بخلخال
وما عيبها إلا التغرب(16)
لقد مكر الشاعر بالمتلقي مكرا جميلا، فرفع القدرة على "التنبؤ" في الشطر الأول الى ذروتها، ثم قوضها، وأعادها الى درجة "الصفر" بهذا الحذف الذي لم يكن متوقعا قط تاركا للمتلقي أن يملأ هذا الفراغ النفسي والمعنوي الذي أحدثه الحذف بما يحقق التناظر والمماثلة بين شطري البيت·
وتحدث عبدالقاهر في "الدلائل" عن الفصل والوصل، قال: واعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: إنه خفي غامض،ودقيق صعب إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب (17) وتحدث نقاد الشعر المعاصرون عن "الربط" وأدواته وشروطه، وعن سوء الربط أو "عدم الاتساق" كما سماه جان كوين (18)· ولا تنجم صعوبة دراسة "الربط" من وعورة المسلك ودقته وغموضه فحسب بل تنجم أيضا من انتشاره الواسع في الشعر· بيد أن التمثيل، لا الاستقصاء، قد يذلل طرفا من هذه الوعورة· فلنحاول النظر في هذه الأبيات:
ما زلت أرميهم بكل مهند
وكل جواد همه الكر لا الشوى
وذا دأبنا فيه حياة لديننا
وروح جهاد بعدما غصنه ذوى (19)
كساه رسول الله ثوب خلافة
له الحكم والتصريف والنهي والأمر (20)
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعملت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه
فنحورنا بدمائنا تتخصب
أو كان يتعب خيله في بطال
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب (21)
لا جناح على الأمير إذا تناص مع "عنترة" (22) في النص الأول، فالسياق سياق فخر وحماسة، فنضرب عن هذا التناص، وننظر الى ما في البيتين من فصل ووصل· لقد عطف الشاعر الجواد على المهند لما بينهما من علاقة ظاهرة، فكلاهما من عدة الفارس، وعطف روح الجهاد على حياة الدين لما بينهما من علاقة حميمة، فحياة هذا الدين تكاد تكون مقترنة بهذه الروح الجهادية· وهذا العطف - كما ترى - عطف اسم على آخر، ففي الوصل اتساق يقوي دلالة التراكيب·ولكن الشاعر فصل حين قال وذا دأبنا فيه حياة ولم يقل وفيه··· فأين الدقة والجمال فيما فعل؟ ولا يذهبن بك الظن الى أن الوزن قد ألجأه الى ذلك، فما أيسر أن يتصرف الشعر لو أحب الوصل! ولكن الذي ألجأه إليه هو الرغبة في وتحديد وظيفة الدأب، فلو أنه وصل لكان معنى ذلك أن الحرب دأبه، وأن فيها حياة الدين، فكأن للحرب غايات شتى وحياة الدين واحدة منها، ولم يرد الشاعر ذلك قط بل أراد أن الحرب دأبه لسبب واحد لا غير هو حياة الدين كاشفا بذلك عن رؤيته الدينية العميقة، فتأمل دقة هذا الفصل وغموضه، وما فيه من أسرار·
ويتحدث الشاعر عن أستاذه الصوفي، فيقول:
كساه رسول الله ثوب خلافة
له الحكم والتصريف والنهي والأمر
فلماذا عدل عن الوصل الى الفصل، فقال: له الحكم، ولم يقل: وله الحكم؟ وعلة ذلك واضحة للمتأمل، فالجملة الثانية متصلة من ذات نفسها بالجملة الأولى لأنها مؤكدة ومبينة لها، ولذا فهي مستغنية عن رابط يربطها بها، وهذا شأن الجمل التفسيرية عامة لأنها - كما يقول عبدالقاهر - "كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف الى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك الى ما يصله بالمؤكد (23)·
ويبدو الاستئناف أغمض وألطف في النص الثالث، ففي كل من البيتين الثاني والثالث سياق شرط جزاؤه محذوف، ولا يجوز أن يكون الشطر الثاني من أحدهما أو من كليهما جزاء، وتكون الفاء رابطة، لأن الشاعر لم يرد الجزاء بل أراد المقابلة والمفارقة، فكأنه قال: من كان يخضب خده بدموعه فله ما يشاء - أو شيئا من هذا القبيل -، أما نحن فنحورنا بدمائنا تتخضب، ومن كان يتعب خيله في باطل فهو وما يفعل، أما نحن فخيولنا يوم الصبيحة تتعب، وبذلك ينكشف معنى "اللعب" في البيت الأول، وتتم المفارقة، فشتان بين رجل هادئ مطمئن يتعبد الله، ويذرف دموعه، وآخرين يخوضون غمرات القتال فكأنهم في جفن الردي النائم على حد تصوير أبي الطيب·
وليس كل وصل الأمير وفصله من هذا الطراز، فقد يقع في شعره من سوء الربط أو عدم الاتساق ما يعيا دونه النحاة والنقاد، على نحو ما نرى في قوله:
صلى عليه الله ماسح الحيا
والآل، ما سيف سطا في الجحفل (24)
مما عراكم عسي فيه أقاسمكم
أو حمله كله لو كان يمكنني (25)
ومحيي رفاتي بعد أن كنت رمة
وأكسبني عمرا لعمري هو العمر (26)
فأنت ترى أنه قد عطف "الآل" على "الحيا"، وهو عطف بين متباعدين، وإنما أراد: وما اضطرب الآل (السراب)، وقديما التمس أهل الصناعة لجرير العذر في قوله وزججن الحواجب والعيونا، فقالوا: أراد وكحلن العيون لأن التزجيج لا يكون للعيون، ولعل الذين ساعدهم على ما قالوا هو العلاقة الوثيقة بين الحواجب والعيون، وليس بين المطر والسراب ما يعين على التماس العذر·
يرى لوتمان "أن وقع القافية في نفسية المتلقي يرتبط مباشرة بحظها من المباغتة أو عدم التوقع، وهذا يعني أنها ذات طابع دلالي أكثر مما هي ذات طابع نطقي أو صوتي، وليس من الصعب الاقتناع بهذه الحقيقة إذا قارنا ما بين القوافي التي تعتمد على التكرار لفظا ومعنى والقوافي التي تشترك لفظا وتختلف معنى، ففي كلتا الحالتين نرى التطابق الصوتي والإيقاعي واحدا غير أن اختلاف المعاني، بل انبتات ما بينها في حالة المشترك اللفظي يجعل القافية تبدو أكثر غنى، وأما في حالة تكرار القوافي لفظا ومعنى فإنها تترك في النفس انطباعا ضئيلا، بل لا يكاد يعترف بها قوافي على الاطلاق (27)·
وأنا أظن أن الأمير عبدالقادر اعتنى بقوافيه عناية تلفت النظر، بل لعله أعنت نفسه في عدد منها انسجاما مع روح العصر، ورغبة منه في إبراز تفوقه، فكأنما أراد - كما أراد عنترة من قبل - أن تسري دماء الفروسية في عروق الشعر، فلا ينقاد جواده الشامس إلا لفارس عركته مضائقه، ولست أريد بذلك أنه يتحامى عيوب القافية، فهذا أيسر مطالبه، ولكنني أريد ما يحمل نفسه عليه من "لزوم مالا يلزم"، ومن قيود ثقيلة أخرى يكبل شعره بها حتى يبدو كأنما قطعت يداه من المعصمين!! وأي كبل أثقل على الشعر من أن يبني الشاعر قصيدته كاملة على كلمة واحدة بعينها تتكرر في نهاية كل بيت؟!! ها هو ذا يرد على صديق أرسل إليه قصيدة مثقلة بالمحسنات البديعية، فإذا هو يجنح الى هذه القصيدة "الخالية" تدفعه الى ذلك دفعا روح العصر، والرغبة في التفوق:
خليلي وافت منكم ذات خلخال
تتيه على شمس الظهيرة بالخال
تميس فتزري بالغصون تمايلا
تروح وتغدو في برود من الخال
لها منطق حلو به سحر بابل
رخيم الحواشي وهو أمضى من الخال (28)·
وتمضي القصيدة على هذا النحو لا تفارقه ولا تحيد عنه، فيتكرر "الدال" عينه في نهاية كل بيت، ولكن "المدلول" يختلف كل مرة!! ومما لا ريب فيه أن القافية هنا تؤدي وظيفتها على أتم وجه، فتقطع التوازي بين الصوت والمعنى بل تبتره بترا· ولكنني - على الرغم من ذلك - لا أستملح هذا الصنيع لأنه يرفع درجة "التنبؤ" الى درجة "اليقين"، وبذلك يلغيها، ويورث النفس قدرا من الملالة لا يدفع، ويتحول بالشعر من نشاط خلاق الى مهارة لغوية خاملة·
ب - الصورة:
تعد "الصورة" ركيزة أساسية من ركائز الشعر، وبها تتجلى حيوية "التخيل" وعمقه، بيد أننا ينبغي ألا ننسى - ونحن نؤكد أهمية الصورة - أن النص الشعري كل عضوي متكامل، وأن خصائصه تفوق مجموع خصائص عناصره· ولذا قد يكون ضروريا أن نشير بين الوقت والوقت الى تآزر هذه العناصر لإنتاج الدلالة·
ولقد ظفرت "الصورة" في النصف الثاني من القرن الذي تصرم بالأمس القريب باهتمام الباحثين وشغفهم، فتلاحق الحديث فيها وعنها تلاحق الليل والنهار حتى وقع في وهم المرء أو كاد أن حديث النقد لا يستقيم إذا عري من الكلام على الصورة! ولكن المتأمل لهذا الحديث الذي تشعب واستفاض يرى صدود الباحثين عن المدخل التكويني للصورة، فهم راغبون عنه زاهدون فيه منصرفون الى سواه كأنما حجزتهم دونه الحواجز أو صرفتهم عنه الصوارف!! ولست أنكر عليهم أهمية ما أضافوه الى نقد الصورة، ولا دقة المداخل التي عنوا بها، فذلك كله موضع تقدير لا شبهه فيه· ولكنني لا أكاد أعرف يقينا سر هذه الجفوة التي استحكمت بينهم وبين المدخل التكويني فكأنهم قد نسوا أو تناسوا أن أهم حركة تجديد في تاريخ شعرنا القديم كانت بسبب هذا المدخل، وأن أهم معارك النقد القديم كانت حوله!!
لقد قمنا بإحصاء شبه دقيق "للصور" البلاغية في ديوان عبدالقادر، فلفت انتباهنا قلة هذه الصور قياسا الى الشعر القديم عموما، فليس في هذا الديوان - وهو متوسط الحجم - سوى مئتي صورة، أو زد على ذلك قليلا· ورأينا هذه الصور موزعة توزيعا متفاوتا بين أبواب الديوان التي التزمناها متابعة لمحقق الديوان، فقد ذهب شعر المناسبات من حيث العدد بربع هذه الصورة (52)، وتلاه شعر الفخر (45) ثم تلاهما شعر المساجلات (40)، ثم لحق بهذه الأبواب باب الغزل (33)، وجاء شعر التصوف أقل أبواب الديوان تصويرا (30)· وقد يكون التفاوت في عدد الأبيات سببا في هذه الظاهرة، ولكن السبب الذي لا ريب فيه هو طبيعة الغرض الشعري، فقد رأينا الشاعر ينحو بغزله منحى عاطفيا، فتظهر فيه ملامح عذرية شتى، ومن المعروف في تاريخ الشعر العربي أن الغزل التحليلي أو العذري يقل فيه الاعتناء بالتصوير، فإذا جاءت فيه بعض الصور فإنما هي صور اهتدى إليها هؤلاء الشعراء بأحاسيسهم لا بعقولهم، ولم يتكلفوا التنقيب عنها في التراث·ولعل العناصر البنائية الأخرى - كالألفاظ العاطفية، وظواهر النداء والتكرار وتلاحق الأسئلة دون انتظار الجواب وسواها كثير - تعوض عن قلة التصوير البياني· وسياق التصوف سياق وجداني روحي يفيض بالمشاعر والأحاسيس والانفعالات القوية الحادة، ومثل هذا السياق يحتاج الى الرموز الثرية الدلالة، والى الألفاظ العاطفية الانفعالية، والى ظواهر تركيبية شتى أكثر من حاجته الى "الصورة" الضيقة المتقاربة الأطراف، فإذا جنح الى قدر من التصوير فإنما يجنح الى الصور العاطفية التي توشك أن تضارع الرمز في ثراء دلالاتها·
يمكن أن نرد بعض الصور القديمة الى شعراء بأعيانهم على نحو ما نرى في هذه الأبيات التي نسوقها تمثيلا لا حصرا، والتي نكتفي برد صورتها الى أهم شاعر عرف بها:
فيها العذارى وقد جعلن كوى
مرقعات بأحداق من الحور
فقد أخذ الصورة من عمر بن أبي ربيعة:
وكن إذا أبصرنني أو سمعنني
سعين فرقعن الكوى بالمحاجر
يا ذا النفور الذي في القلب مرتعه
ارتع به لا ترع فالصب في بعد
أخذها من قول الشريف الرضي:
يا ظبية البان ترعى في خمائله
ليهنك اليوم أن القلب مرعاك
وأبثثتها وجدي وما بين أضلعي
من البعد والأشواق والدمع كالخال
أخذها من قول المتنبي: (مطر تزيد به الخدود محولا)·
وذوى ما كان رطبا يانعا
ووهى العظم ولم يبق الجلد
ولقد سبق "المخبل السعدي" الى هذه الصورة بقوله:
فإني كغصني أصبح اليوم ذاويا
وغصنك من ماء الشباب رطيب
فإني حنت ظهري خطوب تتابعت
كم ليلة قد بتها متحسرا
كمبيت أرمد في شقا وتململ
أخذها من حسان بن ثابت:
ما بال عينك لا تنام كأنما
كحلت مآقيها بكحل الأرمد
والراكبون عتاق الخيل ضامرة
تخالها في مجال السبق عقبانا
أخذها من "أبي البقاء الرندي" بل قل أغار عليها:
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة
كأنها في مجال السبق عقبان
لنا منه وجه لا تكدره الدلا
ووجه طليق لا يزايله البشر
أخذها من قول حسان: (وبحري لا تكدره الدلاء)·
لها في قلب سامعها دبيب
دبيب البرء في ذات السقيم
أخذها من أبي نواس:
فتمشت في مفاصلهم
كتمشي البرء في السقم
ولا نريد أن نفتح من جديد باب "السرقات"، ولا أن نخوض في "التناص"، ولكننا نريد أن نؤكد أن كثيرا من صور الشاعر كان فيها عالة على غيره· وأنا أعلم أنه ما من صورة يستمدها شاعر من آخر تبقى على حالها الأولى إلا في القليل النادر، ولكنني أعلم أيضا أن إضافات الأمير عبدالقادر الى صوره التراثية كانت إضافات ضئيلة القيمة فلا تكاد تذكر· لقد نهل وعل من التراث حتى ارتوى· وقد نجد في شعره عددا من الصور الجديدة ولكننا نؤثر أن نرجئ الحديث عنها خشية التكرار·
حاولت في الصحف التي خلت أن أدنو من الأمير عبدالقادر، وأن أرهف القلب، وأن أعقد قبضة الكف على خير ماأسمع، فنظرت في شعره نظرة لا ينقصها الإنصاف أو الموضوعية، وإن كان التعاطف يخاللها، فليس من الصواب أن ندرس أدبا لا نتعاطف معه· تلك وصية قديمة أحب أن نتذكرها·
الهوامش
(1) يوري لوتمان: تحليل النص الشعري ت محمد فتوح أحمد (2) المرجع السابق (3) عبدالمنعم تليمة: مقدمة في نظرية الأدب (4) إبراهيم السامرائي لغة الشعر بين جيلين (5) المرجع السابق (6) انظر تحليل النص الشعري (7) المرجع السابق (8) المرجع السابق (9) جان كوين: بناء لغة الشعر ت· أحمد درويش (10) لوتمان: تحليل النص الشعري (11) المرجع السابق (12) جان كوين: بناء لغة الشعر (13) كان حق كلمة "رضوان" أن تكون مرفوعة· وفي ديوان الشاعر عدد غير قليل من هذه المخالفات النحوية (14) يوري لوتمان: تحليل النص الشعري (15) الديوان: ق: مافي البداوة من عيب (16) الديوان: ق: ذات الخلخال (17) عبدالقاهر الجرجاني: الدلائل (18) جان كوين: بناء لغة الشعر، الباب الخامس المستوى المعنوي: الربط (19) الديوان: ق: شددت عليه شدة هاشمية (20) الديوان : ق: استاذي الصوفي (21) الديوان: ق: عبيرنا رهج السنابك وقد ذكر د· شوقي ضيف هذه الأبيات، ونسبها الى عبدالله المبارك، انظر كتابه: العصر العباسي ص404 وأغلب الظن أن الأمير قد تمثل بها وهي ليست له (22) بيت عنترة (ما زلت أرميهم بثغرة غره - ولبانه حتى تسربل بالدم) (23) عبدالقاهر: الدلائل (24) الديوان: ق: الباذلون نفوسهم (25) الديوان: ق: يا قرة العين (26) الديوان: ق: أستاذي الصوفي (27) يوري لوتمان: تحليل النص الشعري (28) الديوان: ق: ذات الخلخال (29)·