استثمار الثروة النفطية: هل يكون بقانون·· أم بناء على قانون؟؟
اللجنة التشريعية: المشرع الدستوري قيّد السلطة التنفيذية في منح الالتزامات الدولية أن يكون بقانون لأنه متعلق بأمن الدولة واقتصادها
طلبت لجنة الشؤون المالية والاقتصادية رأي لجنة الشؤون التشريعية والقانونية حول مدلول بعض المصطلحات التي وردت في نص المادة 152 من الدستور وذلك لكي تتمكن من الانتهاء من مناقشة الاقتراح بقانون بشأن تنظيم الاستثمار المباشر لرأس المال الأجنبي في دولة الكويت· وقد جاء رد اللجنة التشريعية في المجلس حول هذه القضية كما يلي:
من حيث أن المادة "152" من الدستور تنص على أن "كل التزام باستثمار مورد من موارد الثروة الطبيعية أو مرفق من المرافق العامة لا يكون إلا بقانون ولزمن محدود"·
ومن حيث أن هذا النص، كان مثار مناقشات واسعة في المجلس التأسيسي، عند وضع الدستور، شارك فيها الخبير الدستوري، كما شارك فيها الخبير القانوني للحكومة حيث اعترض الخبير القانون على هذا النص بمقولة إن منح الالتزام ليس عملاً قانونياً، بل هو عمل إداري، وأن بعض الدساتير الأخرى، ومنها دساتير حديثة كالدستور المصري سنة 1956 ينص على وضع قانون عام ينظم طريقة منح الاحتكارات والتزامات المرافق العامة، وفي ظل هذا القانون تمنح الالتزامات بعمل إداري من الدولة مباشرة وهذا أكثر تيسيراً واقترح أن يكون النص على النحو التالي "ينظم القانون القواعد والإجراءات الخاصة بمنح الالتزامات المتعلقة باستغلال موارد الثروة الطبيعية والمرافق العامة"·
إلا أن الخبير الدستوري أعلن معارضته لهذه الفكرة مقرراً أن موضوع منح الالتزامات للثروة الطبيعية من أخطر الموضوعات في حياة الدول وخصوصاً الدول التي تعتبر الثروات الطبيعية جزءاً جوهرياً من مواردها·· مثل الكويت حيث مورد الثروة الطبيعية أي البترول هو أكبر مورد في الدولة، فالمسألة هذه تجعل من الخطورة بمكان أن يترك حق إعطاء الالتزامات للسلطة التنفيذية ولو في ظل القانون·· ليراقب مجلس الأمة هذا العمل الخطير"·
وعلل الخبير الدستور، عدول مصر عن الحكم الوارد في دستور 1922 الذي كان مطابقاً لنص المادة "152" من دستور الكويت، إلى الحكم الوارد في دستور 1956، أن هذا الدستور قد أخذ بالنظام الرئاسي الذي معناه إعطاء سلطات واختصاصات للسلطة التنفيذية غير الموجودة في النظام البرلماني، مؤكداً ثانية على "الخطورة الكبيرة في أن مسائل منح الالتزامات وخصوصاً البترول في بلد كالكويت تترك للسلطة التنفيذية في معزل عن البرلمان ومجلس الأمة فهذه مسألة يجب أن نتردد فيها كثيراً ولها جوانبها الخطيرة التي لا تخفى" (مستخرج من مضبطة المجلس التأسيسي الجلسة 22 ص 24 ــ 26)·
وعقب هذه المناقشات وافق المجلس التأسيسي على نص المادة (152) من الدستور، كما اقرته لجنة الدستور المنبثقة من هذا المجلس وكما صدر به الدستور·
ومؤدى هذا النص الدستوري، وفي ضوء هذه المناقشات ووفقاً لمدلول العبارات التي صيغ بها، أن المشرع الدستوري قد قيد السلطة التنفيذية في منح الالتزامات المشار إليها في النص أن يكون منح الالتزام بقانون، اما غير ذلك من أعمال قانونية تباشرها السلطة التنفيذية في البحث والكشف عن الثروات الطبيعية أو في إدارتها للمرافق العامة فلا يتطلب الدستور في هذه الأعمال أن تصدر بقانون، بل اقتصر عجز هذه المادة على النص على أن "وتكفل الإجراءات التمهيدية تيسير أعمال البحث والكشف وتحقيق العلانية والمنافسة"· وقد استوضح أحد أعضاء المجلس التأسيس من الخبير الدستوري معنى هذا الحكم فأجاب بأن هذا النص يقصد به المراحل التمهيدية التي يعطي فيها مجرد ترخيص بالبحث ومجرد ترخيص بالتنقيب يجب أن يكون فيها من العلانية والمجال للمنافسة الحرة بما يحقق مصلحة الدولة ولا يكون فيه أي مجال لمحاباة أو مجاملة شركة على حساب المصلحة العامة"· (المضبطة السابقة ص 24)·
ولما كان نظام الحكم في الكويت يقوم طبقاً للمادة ( 50) من الدستور ــــ على أساس الفصل بين السلطات مع تعاونها وفقاً لأحكام الدستور، وأنه لا يجوز لأي سلطة منها النزول عن كل أو بعض اختصاصها المنصوص عليه في الدستور، فإن الأصل تولى السلطة التنفيذية كافة الأعمال القانونية المتعلقة بممارسة مهام هذه السلطة، والتي يندرج فيها ما يتطلبه استثمار الموارد الطبيعية وإدارة المرافق من عقود وقرارات، ويسأل كل وزير عن أعمال وزارته في ذلك كله أمام صاحب السمو الأمير (مادة 58 من الدستور) وأمام مجلس الأمة (المادة 101)·
إلا أن المشرع الدستوري قد أورد على الأصل العام السابق استثناءين:
"الاستثناء الأول": وجوب صدور القانون بكل التزام باستثمار موارد الثروة الطبيعية أو مرفق من المرافق العامة، وهو الاستثناء الذي تنص عليه المادة (152) من الدستور·
"الاستثناء الثاني": وجوب صدور قانون بكل احتكار وهو الاستثناء الذي تنص عليه المادة (152) من الدستور·
والأصل التاريخي لهذين الاستثناءين وحسبما ورد في مناقشات المجلس التأسيسي هو النص المقابل للمادتين (152، 153) في دستور مصر سنة 1923 وهو المادة (137) من هذا الدستور التي كانت تنص على أن "كل التزام موضوعه استغلال مورد من موارد الثروة الطبيعية في البلاد أو مصلحة من مصالح الجمهور العامة، وكل احتكار لا يكون منحه إلا بقانون وإلى زمن محدود"· وهو الأصل الذي سوف نستهدي بتطبيقاته في مصر لمدة ثلاثين عاماً·
ومن حيث أن الأصل في الاستثناء التزام التفسير الضيق لأحكامه، وعدم جواز التوسع فيه والقياس عليه، وكان نص المادة (152) من الدستور قد أورد ثلاثة اصطلاحات هي:
1 ــــ التزام، 2 ــــ الثروات الطبيعية، 3 ــــ المرافق العامة·
أولاً الالتزام:
وينصرف الالتزام الوارد في المادة (152) من الدستور إلى عقود الالتزام التي تنشأ بين الدولة والغير، وهي أشهر العقود الإدارية وأهمها، وأول العقود التي أخضعها المشرع الكويتي لاختصاص الدائرة الإدارية في المحكمة الكلية بموجب المادة (3) من المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 1981·
وقد استقر الفقه في تعريف هذا العقد على أنه عقد إداري يتولى الملتزم ــــ فرداً كان أو شركة ــــ بمقتضاه وعلى مسؤوليته إدارة مرفق عام اقتصادي واستغلاله مقابل رسوم يتقاضاها من المنتفعين، مع خضوعه للقواعد الأساسية الضابطة لسير المرافق العامة، فضلاً عن الشروط التي يتضمنها عقد الالتزام·
وأن أهم ما يميز عقد الالتزام:
1 ــــ تخويل الملتزم امتيازات حقوق السلطة العامة فيما يقتضيه قيام المرفق العام واستغلاله·
2 ــــ أن الملتزم في إدارته للمرفق العام إنما ينوب عن الدولة في أمر هو من أخص خصائصها·
3 ــــ أن هذا العقد لا يعتبر تخلياً من الدولة عن المرفق العام، بل تظل ضامنة ومسؤولة عن إدارته واستغلاله قبل الأفراد، وقبل البرلمان·
4 ــــ وأن مسؤولية الدولة تقتضي تدخلها في شؤون المرفق العام الذي يدار ويستغل بطريق الالتزام كلما اقتضت المصلحة العامة هذا التدخل، ولهذا ينشئ عقد الالتزام بالاضافة إلى المراكز التعاقدية، مركزاً لائحياً للملتزم تتولى من خلاله الإدارة، التوجيه والرقابة، بل وتعديل كثير من أحكام استغلال المرفق، بل واسترداد المرفق واسقاطه، كما ينشئ مركزاً لائحياً للأفراد المنتفعين بالمرافق العامة، بحيث تكون السلطة العامة هي صاحبة الكلمة العليا في تنظيم وإدارة المرافق العامة لتعلق ذلك بالصالح العام، فإذا تغيرت الظروف وأصبح نظام المرفق الذي تقرر وقت التعاقد لا يتفق مع الظروف الجديدة، ولا يحقق المنفعة العامة التي انشئ لتحقيقها، كان للسلطة العامة مانحة الالتزام أن تغير هذا النظام، وأن تفرض على الملتزم بمحض سلطتها العامة النظام الذي تراه أدنى إلى تحقيق المصلحة العامة، ولا يكون للملتزم سوى الحق في الحصول على التعويض المناسب لتحقيق التوازن المالي للعقد·
ثانياً: الثروات الطبيعية:
ورد ذكر الثروات الطبيعية في الدستور في الباب الثاني الخاص بالمقومات الأساسية للمجتمع الكويتي، فنصت المادة (21) على أن الثروات الطبيعية جميعها ومواردها كافة ملك الدولة، تقوم على حفظها وحسن استغلالها، بمراعاة مقتضيات أمن الدولة واقتصادها الوطني·
وجاءت المادة (152) من الدستور فيما نصت عليه من أن يكون كل التزام باستثمار مورد من موارد الثروة الطبيعية، تجسيداً للمعاني التي قصد إليها المشرع الدستوري بالمادة (21)، وهي المعاني التي تتمثل في وجوب حفظ هذه الثروات، وأن يكون استغلالها على أحسن وجه، بفرض رقابة برلمانية صارمة على استثمار هذه الموارد بطريق الالتزام بأن أوجبت صدور قانون في كل حالة على حدة·
وفي هذا المقام يتعين التفرقة بين الموارد الطبيعية وبين الثروات الطبيعية، فإذا كانت هذه الثروات موارد طبيعية، فإن ليس كل الموارد الطبيعية ثروات طبيعية·
وهي تفرقة أرساها قضاء مجلس الدولة في مصر في تطبيق نص المادة (137) من الدستور المصري وهو الأصل التاريخي للمادة (152) من دستور الكويت والذي جاء نصها مطابقاً له بما يكون مفيداً معه الرجوع إلى تطبيقات هذا الأصل التاريخي وخصوصاً ما يتعلق بأحكام القضاء التي صدرت تطبيقاً له، ومنها حكم شهير من أحكام مجلس الدولة المصري، منشور في المجموعة العاشرة لأحكامه قضي فيه بما يلي:
أنه "ليس متعيناً أن يكون كل مورد طبيعي للدولة مورداً من موارد ثروتها الطبيعية"·
و"أن استغلال منابت الأسفنج في المياه المصرية لم يبلغ من الأهمية والخطر ما يجعله في مستوى المورد الطبيعي للثروة القومية، وفقاً لواقع الأمر وظروف الحال"·
وكان قد طعن أمام مجلس الدولة بمخالفة المرسوم بقانون الصادر في 1936/4/21 بخصوص صيد الاسفنج، لأحكام المادة (137) إذ خول مجلس الوزراء بقرار منه منح التزام حق صيد الاسفنج في المياه المصرية، كما خول وزير المالية هذا الحق في حالة طرح حق صيد الاسفنج في مناقصة عامة·
كما انتهت الجمعية العمومية لقسم الرأي في مجلس الدولة في مصر في عام 1954 إلى أن الرقابة البرلمانية ليست مطلقة على كل موارد الثروة الطبيعية بل تقتصر على الموارد الطبيعية العامة·
وفي تطبيق هذه المبادئ المستقرة في تفسير الأصل التاريخي للمادة (152) من الدستور، وهو نص دستور مصر سنة 1923، فإن النص الدستوري الكويتي لا ينصرف فيما أوجبه من أن يكون منح الالتزام باستثمار موارد الثروة الطبيعية بقانون إلا الموارد الطبيعية التي تكون ثروة قومية بحسب واقع الحال والظروف في كل زمان من الأزمان، مثل البترول باعتباره المصدر الرئيسي للدخل القومي، أما غير ذلك من موارد طبيعية مثل الصلبوخ والرمل وصيد الأسماك وغيرها من الموارد الطبيعية التي لا تكون ثروة بحسب واقع الحال الآن، فإن الترخيص بها لا يستلزم صدور قانون في كل حالة على حدة·
وأياً كان الوجه الذي يتم به استثمار الثروات الطبيعية، فإنه يتقيد بالضرورة بما يأتي:
1 ــــ "بمراعاة مقتضيات أمن الدولة واقتصادها الوطني" طبقاً للمادة (21) الذي قصد به كما جاء في المذكرة التفسيرية أمرين معاً، أولهما: ما قد يقتضيه أمن الدولة من قيود على كيفية الحفظ أو الاستغلال، وعلى من قد يعهد إليهم بهذا العمل أو ذاك، فقد يكون مورد الثروة وثيق الصلة بالدفاع أو الأمن العام في الحال أو مستقبلاً كما قد ينطوي على أسرار توجب اتخاذ بعض الضمانات الخاصة عند حفظه أو استغلاله والأمر الثاني: هو ان تراعى الدولة عند استغلالها لأي مصدر من مصادر الثروة أو مورد من مواردها دور هذا المصدر أو المورد في الاقتصاد الوطني في مجموعه، وبذلك يدخل ضمن الخط العام للتنمية الاقتصادية، وهو مخطط له أهميته البالغة في اقتصاد الدولة مما يقتضي أن يصدر به قانون خاص، مجاراة لحكم هذه المادة والمادة (20) السالفة الذكر·
انتهى تعليق المذكرة التفسيرية)·
2 ــــ بمراعاة التعاون العادل بين النشاط العام والنشاط الخاص الذي نصت عليه المادة (20) من الدستور باعتباره قوام الاقتصاد الوطني، وهدفه تحقيق التنمية الاقتصادية وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الرخاء للمواطنين، في حدود القانون·
وقد جاء في المذكرة التفسيرية للدستور تعليقاً على هذا النص، أن العدل بين القطاعين هنا أمر تقريبي لا يعني التعادل الحسابي أو المناصفة بينهما· فالمسألة متروكة للمشروع داخل هذا التحديد العام المرن، يقدر في كل مجال مدى تدخل الدولة بما يتفق وحالة البلاد ومقتضيات التوفيق بين الصالح العام ومصالح الأفراد، فيوسع نطاق النشاط العام مثلاً في الأمور ذات الصلة الوثيقة بأمن الدولة أو أسرارها أو الاقتصاد القومي، في حين يوسع على النشاط الحر مثلاً في الأمور التجارية وإشباع الحاجات العامة الجارية· والمشرع هو الأمين على أداء هذه المهمة والقيام بهذا التقدير حسب منطق أمانه ومقتضيات الموضوع الذي يشرع له· وليس من المستطاع أن يسبقه الشارع الدستوري بتحديد في هذا الشأن أكثر من ذلك التحديد المرن الذي ورد في المادة المذكورة·
ثالثاً: المرافق العامة:
ينصرف اصطلاح المرافق العامة إما إلى المعنى العضوي لهذا الإصطلاح وهو الوزارات والإدارات الحكومية، وإما إلى المعنى الموضوعي، وهو النشاط الذي تمارسه الدولة في إشباع الحاجات العامة للأفراد، الذي قد تعهد به إلى شخص من أشخاص القانون الخاص يتولى إدارته تحت إشرافها ورقابتها·
والمرافق العامة على هذا النحو تشمل فيما تشمله الموانئ والمطارات ووسائل النقل العام ومواقف السيارات والحدائق العامة وغيرها، الأمر الذي لا يقع تحت حصر ولذلك لا يتطلب إنشاؤها صدور قانون، بل يمكن أن تنشأ مرافق عامة بقانون أو بأداة أدنى تصل إلى القرار الإداري، كالقرار الذي تصدره البلدية في تخصيص قطعة أرض منتزهاً عاماً، كما يمكن أن تعهد الدولة إلى جهة خاصة بإنشاء وإدارة مرفق عام على أن تؤول ملكيته إلى الدولة بعد انقضاء مدة معينة بطريقة (B O T)·
لذلك فإن تحديد إصطلاح المرافق العامة لا يثير في الأصل أي مشكلة في موضوع الأداة القانونية اللازمة لإنشاء المرفق العام، أو لإدارته أو استغلاله، ولكن الأمر يدق حين يتعلق بمنح التزام بمرفق عام، الذي يتطلب الدستور في المادة (152) صدور قانون به الأمر الذي يتعين معه أن يتوفر عقد الالتزام بعناصره الأساسية المتقدم ذكرها والتي تنفرد بها المرافق الرئيسية من دون غيرها من مرافق ثانوية التي لا ينطبق عليها نص المادة (152) من الدستور، وهو ما انتهى إليه قسم الرأي مجتمعاً في مجلس الدولة المصري في عام 1954، الذي رأى أن هناك عرفاً دستورياً مستقراً ــــ بعد سقوط دستور 1923 ــ يقضي بقيام نوع من الرقابة البرلمانية في خصوص منح التزامات المرافق العامة·· غير أن هذه الرقابة ليست مطلقة بل تقتصر على المرافق القومية الرئيسية والموارد الطبيعية المهمة، وأنه يجب صدور تشريع يحدد اختصاص كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية في هذا الشأن (28 نوفمبر 1954)·
ومن ثم لا ينصرف نص المادة (152) من الدستور إلا للمرافق الرئيسية من دون المرافق الثانوية، وبشرط أن تتوفر في العقد الممنوح للأفراد لإدارتها واستغلالها عناصر عقد الالتزام·
ومن المقرر أن أموال المرافق العامة هي أموال عامة، وقد صان الدستور في المادة (17) حرمة الأموال العامة وجعل حمايتها واجباً على كل مواطن·
وقد نصت المادة (23) من القانون على أن كل شيء تملكه الدولة أو أي شخص اعتباري عام ويكون مخصصاً للنفع العام بالفعل أو بمقتضى القانون، لا يجوز التعامل فيه بما يتعارض مع هذا التخصيص، كما لا يجوز الحجز أو وضع يد الغير عليه·
ومن ثم لا يجوز بيع الأموال العامة أو التنازل عنها أو نقل ملكيتها إذا كان ذلك يتعارض مع هذا التخصيص، ولو كان ذلك لشركة مملوكة للدولة ملكية كاملة، إلا إذا كان قد انتهى تخصيص المال محل التصرف للنفع العام، وينتهي هذا التخصيص طبقاً للمادة (23) من القانون المدني بالفعل أو بمقتضى قانون·
من أجل ذلك انتهى رأي اللجنة، رداً على استفسارات لجنة الشؤون المالية والاقتصادية إلى ما يأتي:
أولاً: أن الثروات الطبيعية التي عناها المشروع الدستوري في المادة (152) من الدستور وفقاً لما استقر عليه تفسير الأصل التاريخي للنص، التي لا يجوز منح التزام باستثمارها إلا بقانون خاص يصدر في كل حالة على حدة، هي الموارد الطبيعية التي تكون ثروة قومية مثل البترول، أما غير ذلك من موارد طبيعية فلا يشملها النص مثل الصلبوخ والرمل وصيد الأسماك·
ثانياً: أن المقصود بالمرافق العامة التي وردت في النص الدستوري، المرافق القومية الرئيسية، دون المرافق الثانوية، وفقاً لما استقر عليه تفسير الأصل التاريخي المشار إليه·
ثالثاً: أن المادة (152) من الدستور تنصرف إلى عقود الالتزام وحدها التي يميزها عن غيرها من العقود انها تخول الملتزم امتيازات وحقوق السلطة العامة·
رابعاً: أن المرفق العام لا يجوز بيعه أو نقل ملكيته أو التنازل عنه، سواء تم البيع أو نقل الملكية أو التنازل لفرد من الأفراد أو لشركة من الشركات ولو كانت الدولة تملك رأسمالها بالكامل· إنما يجوز بيع موجودات المرفق العام، إذا انتهى تخصيصها للنفع العام بقانون أو بالفعل طبقاً للمادة (23) من القانون المدني أو كان البيع للجهة التي تتولى إدارة المرفق العام·
خامساً: أن الدستور لا يتطلب صدور قانون خاص إذا عهدت الدولة لجهة خاصة بإدارة مرفق عام تملكه، أو قامت بتأجيره لها أو عهدت الدولة إلى جهة خاصة بإنشـــاء وإدارة مرفق عام مستحدث على أن تؤول ملكيته للدولة بعد انقضاء مدة معينة بطريقة (B O T) إلا في الحالات التي يتوفر فيها عقد الالتزام بعناصره الأساسية، وأن يكون من المرافق القومية الرئيسية·
وفي جميع الأحوال، فإن ذلك لا يعتبر تخلياً من الدولة عن المرافق العامة، بل تظل خاضعة لرقابتها وإشرافها، على التفصيل المبين سلفاً·
سادساً: قد يكون من الضروري بهذه المناسبة أن تتدخل السلطة التشريعية لسن القــانون الــــذي أشـــارت إلــيه المــذكـــرة التفسيرية للدستور تعـــليقاً عــــلى المادتين (20، 21) يحدد المخطط العام للتنمية الاقتصادية، وما ينبغي أن يقتصر عليه نشاط الدولة وتدخلها بما يتفق وحاجة البلاد ومقتضيات التوفيق بين الصالح العام ومصالح الأفراد، وبما يحقق العدل بين النشاطين العام والخاص الذي قررت المذكرة التفسيرية للدستور أن المشرع هو الأمين على أداء هذه المهمة، كما يحدد التشريع مجال اختصاص كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية في شأن استثمار موارد الثروة الطبيعية واستغلال وإدارة المرافق العامة·
مع خالص التحية،،،
رئيس اللجنة
عبدالله يوسف الرومي
**********************************************************
ما أشبه اليوم بالبارحة
نقاش في المجلس التأسيسي يؤكد ضرورة استغلال الثروة الطبيعية من خلال قانون خاص وليس وفقا لقانون
· خبير المجلس التأسيسي يعارض رأي خبير الحكومة في شأن تفويض السلطة التنفيذية لاستثمار الثروات الطبيعية
· د· الخطيب يعارض تدخل خبير الحكومة في مناقشة المادة (152) ويصفه بأنه "أمر خطير"
·
دار النقاش التالي في إحدى جلسات المجلس التأسيسي وذلك في يوم 2 أكتوبر 1962 (جلسة 22/62) وفيها يتضح للقارئ طبيعة النقاش الذي دار آنذاك حول تفسير المادة (152) من الدستور· حيث أقرت كما هي دون تعديل رغم إبداء خبير الحكومة عددا من الملاحظات التي رفضها الخبير الدستوري رفضا تاما، وتبعه العضو د· أحمد الخطيب بمداخلة قصيرة أكدت الموقف نفسه· وفيما يلي نص المضبطة:
تليت المادة (152) من مشروع الدستور ونصها: "كل التزام باستثمار مورد من موارد الثروة الطبيعية أومرفق من المرافق العامة لا يكون إلا بقانون ولزمن محدود وتكفل الإجراءات التمهيدية تيسير أعمال البحث والكشف وتحقيق العلانية والمنافسة"·
السيد سليمان أحمد الحداد:
في هذه المادة جملة غير واضحة وهي "·· وتكفل الإجراءات التمهيدية تيسير أعمال البحث والكشف وتحقيق العلانية والمنافسة"· فهل للسيد الخبير إيضاحها؟·
الدكتور عثمان خليل:
المقصود بهذه العبارة أن الإجراءات التي تسبق عمليات التنقيب أو البحث عن مصادر الثروة الطبيعية يراد أن لا تتم في الخفاء، ذلك لأن الشركات التي تبدأ بالتنقيب يكون لها حق أو شبه حق بأن تحصل بعد ذلك على الالتزام خصوصا إذا كان البحث عن مصادر الثروة الطبيعية ويكلف الملايين من الدنانير قبل الوصول أو العثور على البترول أو غيره أو أي مصدر من مصادر الثروة الطبيعية· لذلك قصد ألا يقف مجلس الأمة أمام أمر واقع بأن يجد أن هذا المصدر قد أعطي سرا لشركة معينة لأنها هي التي نقبت وحفرت وحظيت بميزة التنقيب· فهذا النص يقصد به إذن أن المراحل التمهيدية التي يعطى فيها مجرد ترخيص بالبحث ومجرد ترخيص بالتنقيب يجب أن يكون فيها من العلانية والمجال للمنافسة الحرة ما يحقق مصلحة الدولة ولا يكون فيه أي مجال لمحاباة أو مجاملة شركة على حساب المصلحة العامة·
خبير الحكومة:
أنني التمس أن نعيد النظر في هذه المادة لأن الدساتير تأخذ بوجهة نظر واحدة من وجهتي النظر الأولى أن كل التزام بمرفق عام أو لاستغلال ثروة طبيعية يعرض على البرلمان ليصدر به قانون رغم التسليم بأن هذا ليس عملا قانونيا وإنما هذا عمل إداري الذي هو منح الالتزام أو منح مرفق عام· ولذلك فبعض الدساتير الأخرى ومنها على سبيل المثال الدساتير الحديثة كالدستور المصري الصادر سنة 1956 بوضع قانون عام ينظم طريقة منح الاحتكارات أو التزامات المرافق العامة، وفي ظل هذا القانون العام تمنح الامتيازات بعمل إداري من الدولة مباشرة وهذا أكثر تيسيرا في منح الامتيازات·
لذلك، وإذا رأى المجلس، أرجو تأجيل هذا الموضوع لدراسته في اللجنة على ضوء أحد الاعتبارين المذكورين واقتراحي أن يكون النص على النحو التالي:
"ينظم القانون القواعد والإجراءات الخاصة بمنح الالتزامات المتعلقة باستغلال موارد الثروة الطبيعية والمرافق العامة"·
الدكتور عثمان خليل:
أنا متأسف أن أخالف زميلي في هذه المسألة لأن موضوع منح الالتزامات الثروة الطبيعية من أخطر الموضوعات في حياة الدول وبخاصة الدول التي تعتبر الثروات الطبيعية جزءا جوهريا من مواردها· وبذلك فهي أخطر بكثير في الدول التي هي مثل الكويت حيث مورد الثروة الطبيعية أي البترول هو أكبر مورد في الدولة· فالمسألة هذه تجعل من الخطورة بمكان أن يترك حق إعطاء الالتزامات للسلطة التنفيذية ولو في ظل قانون بمعنى أن تمنح الالتزامات بوساطة الحكومة وإنما بناء على قانون بل يكون المنح بقانون أي بعد أن يمر الأمر على مجلس الأمة وتراقب الأمة هذا العمل الخطير· صحيح أن النص المصري في الدستور سنة 1956 عدل هذا الوضع وقال إن منح الالتزامات لا يكون بقانون إنما يكون وفقا للقانون وهذا يعني أن الحكومة هي التي تمنح الالتزام - أي هي التي تتولى المنح - إنما في ظل قانون أصدره البرلمان أو السلطة التشريعية - إنما مصر لم تلجأ الى هذا التعديل إلا لسببين رئيسيين:
السبب الأول: هو أنها كانت قد مارست الرقابة البرلمانية والشعبية على منح الالتزامات، طوال الفترة من سنة 1923 الى سنة 1956 فطوال تلك الفترة كان المنح بقانون وهنا استقرت الرقابة الشعبية وأمكن الانتقال الى المرحلة الثانية··· والانتقال للمرحلة الثانية أيضا سنة 1956 يرجع الى أن دستور سنة 1956 في مصر أخذ بالنظام الرئاسي والأخذ بالنظام الرئاسي معناه أنك تعطي سلطة واختصاصات للسلطة التنفيذية غير الموجودة في النظام البرلماني أنما النظام الموجود في مشروع الدستور الكويتي كما قلنا نظام يقوم على أساس من البرلمانية وبعض الرئاسة· ويمكن إذا وافق المجلس أن يؤجل البحث في هذه المادة لتعرض على اللجنة، إنما مبدئيا أرجو ملاحظة الخطورة الكبيرة في أن مسائل منح الالتزامات وخصوصا للبترول وفي بلد كالكويت تترك للسلطة التنفيذية في معزل عن البرلمان ومجلس الأمة فهذه مسألة يجب أن نتردد فيها كثيرا ولها جوانبها الخطيرة التي لا تخفى·
الدكتور أحمد الخطيب:
سيادة الرئيس حقيقة يجب أن تقال في هذه المناسبة مع احترامي الشديد للخبير القانوني للحكومة - أرى أنه ليس من حقه أبدا أن يتقدم بأي اقتراح بالنسبة لرفض مواد أو لتأجيل مواد· هذا حق من حقوق الأعضاء فالأعضاء أنفسهم هم الذين يقررون ذلك· أما أن يتدخل الخبير في المناقشة بشكل لم يطلب إليه وأن يتقدم باقتراحات لم يتبينها أحد من الأعضاء فهذا أعتقد أنه أمر خطير أرجو ألا يتكرر مرة ثانية·
سعادة الرئيس:
نحن نعتبر الخبير الدستوري اليوم هو الدكتور عثمان خليل عثمان، أما خبير الحكومة فقد أتى للمراقبة وكان في نيتي أن أترك موضوع حضوره الجلسات للمجلس إذا وافق على ذلك· ونحن نكتفي بشرح الدكتور عثمان خليل عثمان لأننا بصدد الدستور وهذا الموضوع يختص به الدكتور عثمان خليل· فلذلك سوف لا يتكرر من السيد خبير الحكومة مرة أخرى عن هذا الموضوع·
وإذا كان المجلس موافقا على هذه المادة فلننتقل الى مادة أخرى·
ولما لم يكن من اعتراض آخر فقد أعلن سعادة الرئيس موافقة المجلس على المادة (152) من مشروع الدستور·