جلسة الاستجواب الماراثونية يوم الاثنين الماضي كانت صفحة وضاءة للممارسة الديمقراطية في الكويت تمنى الكثيرون لو أنها تبث عبر القناة الفضائية، فقد أجمعت التعليقات بأن طرفي الاستجواب، النواب المستجوبين والوزير المستجوب، أجادوا في أدائهم بشكل عام، فقد نجح المستجوبون في تفعيل أداة الاستجواب الدستورية وتنشيط الدور الرقابي للمجلس إلى جانب تسليط الضوء على أزمة الإسكان التي تواجهها الأسر الكويتية، وفي الجانب الآخر أجاد الوزير في أدائه ودفاعه الذي قدمه برصانة ورباطة جأش دون انفعال·
ومن الآن وحتى جلسة طرح الثقة في الرابع من ديسمبر، ستمر البلد بمرحلة انتظار وترقب مفتوحة على كل الاحتمالات وستستمر حالة الغليان التي شاهدنا جزءاً منها في نهاية الجلسة عندما حدث التناوش بين الجمهور الغاضب ونواب تيار الإسلام السياسي، وعلى الأخص تيار الإخوان المسلمين (الحركة الدستورية)، فقد تعالت صيحات الجمهور مستنكرين تغليب المصالح والعلاقات الحزبية على المبادئ وما تدعيه التيارات من الالتصاق بالقضايا الشعبية مما جعل احتضان هذه التيارات للوزير في نظر قطاعات واسعة، عبئاً عليه بدلاً من أن تكون عوناً له، وإذا كانت أزمة تيارات الإسلام السياسي مع القواعد الشعبية باتت معروفة منذ الحديث عن الاستجواب، إلا أن المفاجأة المذهلة التي برزت في جلسة الاستجواب هي أزمة موقف الحكومة وهشاشة وضعها·
فمن جهة ركزت مناقشة الاستجواب على تقصير الحكومات المتعاقبة وتراخيها في معالجة قضية الإسكان مما أدى إلى إرهاق المواطنين من جهة وتنفيع محتكري الأراضي الذين جنوا أرباحاً فاحشة وغير مشروعة جراء ارتفاع أسعار الأراضي، ومن جهة ثانية تبدت أزمة الحكومة وهشاشتها في تسابق المحسوبين عليها للإعلان المسبق عن تأييدهم للاطاحة بالوزير، فالمعروف أن لكل وزير من وزراء "النظام" مجموعة من النواب محسوبين عليه يتمتعون بتيسيرات كثيرة، فكيف يمكن تفسير انضمام هؤلاء إلى قائمة المطالبين برأس الوزير؟ هل هو انفراط عقد التضامن المفترض بين أعضاء الحكومة؟ أم هو عدم قدرة رموز "النظام" في ضبط من يرعونهم؟ أم أن الأمر أكبر من ذلك ويرقى إلى وجود صراع داخل الحكومة سيكون ضحيته وزير الإسكان والكهرباء؟ وإذا كان بعض أطراف الحكومة لم تأخذهم الرأفة بزميلهم فكيف تطلب الرأفة من الأعضاء خارج سيطرتها؟
في مرحلة الانتظار والترقب على مدى الأسبوعين القادمين، سيكون محور التساؤلات هو عدد المؤيدين لحجب الثقة عن الوزير، مصادر المستجوبين تقول بأن النواب الذين حددوا موقفهم إلى جانب سحب الثقة يصل إلى 22 نائباً من بينهم المحسوبون على الوزراء، وفي الجانب الآخر هنالك 14 نائباً ضد سحب الثقة·
ويبقى نحو 12 نائباً مازالوا يتدارسون الوضع ويتشاورون حول تحديد موقفهم على ضوء اعتبارات كثيرة، منها اتضاح موقف الحكومة وما يمكن أن يؤول إليه الصراع في داخلها، ومنها دراسة الجوانب الدستورية على ضوء ما أثير في جلسة الاستجواب، وخصوصاً تجاه المادة (131) من الدستور التي تحظر على الوزير مزاولة التجارة والتعامل مع الهيئات الحكومية، فهذه المجموعة ترى بأن القضايا المتعلقة بالسياسة الإسكانية قد تكون قابلة للنقاش والحوار وتعديل أو رفض القرارات المتعلقة بها، أما فيما يتعلق بمدى الالتزام بالمادة (131) من الدستور فإن الأمر بحاجة إلى إمعان النظر، فإذا كانت مناقشة الاستجواب لم تكشف عن توفر أدلة لانحراف الوزير في السلطة واستخدام النفوذ لمصلحته أو مصلحة آخرين، إلا أن مسألة التقيد بالنص الدستوري تبقى مسألة تؤرق ضمائر المجتهدين، وإذا كانت واقعة تعامل الشركة التي يملك فيها الوزير نصيباً مع الوزارة التي يرأسها من حيث الحجم والقيمة لا توحي باستغلال النفوذ، إلا أن التغاضي عنها قد يفتح الباب أمام وزراء آخرين الآن أو في المستقبل لاستغلال هذه الثغرة·
وحتى مع افتراض استيفاء الناحية القانونية والدستورية من حيث الشكل، تبقى المسألة على جانب كبير من الخطورة من الناحية الأدبية، فمن غير المقبول والمستساغ أدبياً تعامل شركة للوزير مع وزارته، وتجنب ذلك أدعى، نأياً عن شبهة أو مظنة استغلال السلطة·
أما الاحتمالات من الآن وحتى ساعة الصفر في جلسة طرح الثقة، فهي إما انتظار ساعة الحسم في تلك الجلسة، أو استقالة الوزير في حالة تصاعد عدد المؤيدين لطرح الثقة إلى ما يقرب من الرقم المطلوب وهو 25 نائباً، أو استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة برئىس وزراء جديد تنفيذاً للقرارات التي توصل إليها "الكبار" على نحو ما تناقلته أحاديث الدواوين وما تناولته الصحافة في الأسبوع المنصرم·