رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 19 - 25 شعبان 1421 هـ الموافق 15-21 نوفمبر 2000
العدد 1453

ضمن أنشطة الموسم الثقافي لكلية التربية الأساسية
د· الربيعي: النص الأدبي قد يحتوي على معان سياسية·· لكنها "متأدبة"

كتب المحرر الثقافي:

في محاضرة أقامها قسم اللغة العربية في كلية التربية الأساسية تحدث أستاذ الأدب العربي في الجامعة الأمريكية - القاهرة د· محمود الربيعي بما يشبه السيرة الذاتية، مارا على أهم المحطات في حياته الأكاديمية والعلمية، وانطباعاته الشخصية عن تلك المحطات والوقفات الأدبية·

بدأ الربيعي محاضرته متحدثا عن مراحل مبكرة من حياته، عندما كان "سائحا حرا" بين المناهج التقليدية في الأزهر أو في دار العلوم، والتي لم تكلفه الجهد الكبير حيث وهب ذاكرة حافظة تساعده على ذلك، إلى أن لاحظ بعد قراءاته في الأدبين الغربي والعربي القديمين، أن الإبداع والابتكار والقيمة الحقيقية تكمن في المناهج التي تغرق يديها في النصوص (كمنهج الأمدي والقاضي الجرجاني)، أما ما يسمى بثقافة الأقدمين (اليونان) عند خزامة بن جعفر فلم يرق له هذا الشكل النظري، خصوصا وأنه أحب التعامل مع المادة الخام، دون أن يحول بينه وبين النص الأدبي حائل·

يلخص د· الربيعي الأمر في أن القارئ حينما يواجه النص وجها لوجه يكون في أمان وازدهار وفي أرقى لحظات التجلي، دون أن تشغله الثقافات الوافدة بالتقعير والتمغير فيصبح النص الأدبي بعد ذلك شواهد لقواعد مستوردة قد توقعنا في مشكلة· ويتأمل المحاضر الوضع الحالي ليؤكد أننا في حالات الضعف والهزيمة والتبعية نتطلع دائما الى ما أنتجه كتّاب الثقافات الأخرى، الذين أخلصوا لأنفسهم وثقافتهم وتواءموا مع ذواتهم، مستخدمين المادة الخام للنص الأدبي، ليصلوا الى نظريتهم الخاصة بهم· الغريب - كما يرى المحاضر - أن يفرح نقادنا وأدباؤنا بقطف تلك الثمار، وكأننا نستورد جهازا تليفزيونيا أو كمبيوتراً، ليتظاهروا بالمعرفة والطليعية في فهم تلك النظريات الغربية·

ويرى المحاضر أن هذا يكرس الانفصال عن النص الأدبي، ويحول بين أبناء اللغة وبين النبع، تعلقا بالصيغ المستوردة التي لا تحمل مصداقية إلا في ثقافتها، لأنها استزرعت واستنبتت في غير تربتها، بالرغم من أن هذا "الاستزراع" لا يستحق عشر المجهود المبذول فيه، والذي يخلب عقول شباب الأمة، ليستبدلوا صيغا غريبة بموروثهم الأصيل، وكأنهم يدعون لاستبدال المشروبات الغازية بمشروبات طبيعية، أو أكلات "الهامبورجر" بالأكل العربي الشهي، ورغم غموض ولا منطقية تلك المصطلحات إلا أنها انتشرت في ساحاتنا (كالموضة)·

ويشبه الربيعي تلك الحالة بالجسم البشري، الذي غالبا ما يفرض الأجسام التي تستنبت فيه، فاستئصال شريان من الجسم نفسه ولزراعته في القلب·· ستضخ به الدم وينبض، لكنه سيرفض أي عضو خارجي غريب عنه من أجسام أخرى، أي هي كالقاعدة (إذا أطعمته من جنسه يقبل، وإن أطعمته من خارج جنسه فإنه سيرفض كليا أو جزئيا أو يتقبل على مضض)·

ينتقل د· الربيعي بعد ذلك الى "التأهيل" فيعجب من بعض أساتذة اللغة العربية الذين يعترفون بجهلهم بالعروض، أو الآخرين الذين يخطئون في النحو ويعدونه على هامش عملهم الأكاديمي في الأدب، وهنا يفضل المحاضر "المعرفة المتكاملة" لا الجزئية، خصوصا وأن أصحابها الغربيين قد أهملوها واتجهوا مجددا الى المتكامل من المعرفة، وفي قضية التأهيل أو التكوين يتساءل عن التخصص المحدود في جنس واحد من المعرفة، كدارس الشعر الذي لا يتمتع بذائقة الشعر في أوقات فراغه!، كما يستغرب المحاضر من أستاذ اللغة الذي يصرح بكرهه للشعر، مع العلم أن الشعر هو المادة الخام التي لا فرار من الاستعانة بها مهنيا، وروحيا وإثراء للخيال· ومما يدلل على خلل أساسي في الروح العامة وفي الرأي العام الأدبي أو الحس الأكاديمي العام أن يصرح مثل هذا الأستاذ ما صرح به تجاه الشعر، ويظل أستاذا مرعي الجانب، يتمتع بكامل حقوق الأستاذية! مما يدفع بعض متلقي العلم الى فقد الثقة بالمعلمين·

ويتطرق بعد ذلك د· الربيعي الى علاقة الشعر بحياة الشاعر، إذ يرفض عنونة الكتاب "حياته وشعره" ويفضل على ذلك مقولة العقاد "حياته من شعره"، فهي أقرب لديه للمنطق ثم يأتي على موضوع (المؤلِّف والمؤلَّف)، الكاتب والنص، فيرى أن الأساس الطبيعي أن العمل الأدبي مخلوق يصدر عن روح خلاقة، لكنه فور أن يأخذ شكله، فإنه يقطع الحبل السري بينه وبين مؤلفه، بحيث يعيش حياته منفصلا عن قائله، فالقصيدة تعيش في سياق الشعر منذ أن كتبت، وعليها أن تأخذ مكانها ضمن هذا السياق إذا كانت جيدة فستجد هذه المكانة باعتبارها آخر حلقة في تلك السلسلة التي تسمى الشعر، وليست في حاجة الى صاحبها ليحرسها ويدافع عنها، كالموقف الغريب حينما نرى بعض الفنانين التشكيليين يقفون إلى جوار لوحاتهم لشرحها، فإن لم تستطع اللوحة أن تشرح نفسها، فماذا سيكون مصيرها بعد أن يغادر صاحبها المعرض، أو يغادر الحياة بأكملها؟ بل كيف بقيت قصائد المتنبي الى الآن؟

بذلك يشرح د· الربيعي موقفه من علاقة العمل الأدبي بصاحبه، فلا يبدأ من حياة صاحب النص، فحياته كحياة الآخرين، فالعمل الأدبي ليس نتاج هذه الحياة التي تعيش في التاريخ، إنما هو نتاج لحياة ثانية هي حياة الأديب من حيث هو أديب، هذا نوع من الحياة لا يتمتع به سوى المبدعين، فإن انتقل الأديب الى تلك الحياة فقد أبدع··

يرى المحاضر أننا بالإمكان أن نبدأ من الشعر لنقول "من شعره تتشكل حياته"، لكن من الخطأ استعراض حياته لنسلم بأن شعره يعكس حياته تلك التي نعرفها في كتب التاريخ، فالقضية المهمة لدى د· الربيعي في تناوله للنص الأدبي أن يبدأ من النص لا من الكاتب، ويصف هذا الأسلوب (البدء من حياة الكاتب) أكذوبة، وهي تضيع جهد الناقد، وتشتت ذهنه عن المهمة الأصلية و"النص الأدبي"·

ويرى أن تلك المراحل التمهيدية تستهلك وقتا ومجهودا كبيرين وتستنفد طاقة الناقد الذي يعمل على النص الأدبي، لأن معاجمنا العربية يشوبها التقصير وليست كمثل المعاجم الجغرافية والأطالس وكتب التاريخ، لذا فتهدر طاقات الباحث الناقد·

يتطرق الباحث الى موضوع (الأدب والواقع) فحين يواجه النص الأدبي لا يبحث فيه عن معطيات سياسية، وأشار إلى الخطأ الذي يرتكبه الشعراء في تسمية قصائدهم وشرحهم لها بمقدمات نثرية طويلة، وبيان لمناسبة كتابتها، مما لا يبقى لخيال القارئ أو المستمع (المستقبل) أي اشباع، ويشير إلى أن هذه العادة لم تكن في عهد إبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل والعقاد·

ويقول د· الربيعي إن "كل ما في الواقع موجود في الشعر وربما بأسمائه، ولكن علينا أن نقول هذا معادل للواقع وليس الواقع نفسه"·

ويستشهد بمقولة أحد الأشخاص "إن النار التي تشاهدونها في لوحة فنية تصور النار، هي ليست نارا حقيقية وإن بدت للمشاهد المتألم نارا بكل خصائص النار إلا أنها تختلف عن النار في شيء واحد هي أنها تنزل بردا وسلاما على مشاعر المتلقي، فتختلف عن النار المادية في أهم عنصر وهو الإحراق"·

لذا يرى أن القصيدة التي تصور مناسبة ما لا يصح أن نسميها وثيقة تاريخية، ويدلل على ذلك بأنه كان قد توجه إلى مجموعة من المؤرخين بسؤال عن مدى اطمئنانهم الى شعر المتنبي باعتباره "وثيقة تاريخية" ليجيبوا بأنهم يعتبرون شعره "وثيقة ثانية"·

ويرى د· الربيعي أن الشعر من شأنه أن يرود الطريق وأن يكون مرشدا للسياسي والاجتماعي، لأنه رؤية البصيرة والخيال الخلاق الذي يكشف المستقبل، فهو بحكم تخلقه وثيقة أولى، لكننا نضيعه حين نلحقه بشيء آخر كحياة الشاعر، أو كما يقال (شعر النضال) أي الشعر الوطني· لأن هذا الأخير (الوطن) سيفرض على الشاعر رؤية بالطريقة ذاتها التي يرى بها السياسي·

ثم ينادي المحاضر أن يكون النص (وثيقة أولى) كامل في ذاته غير محتاج الى شيء من خارجه في المرحلة النقدية، يتنامى ويتطور ويكتمل ويخرج نتائجه، ثم أنه يعود فيلقي الأضواء على القيم التي يحتوي عليها وقد تكون سياسية ولكنها "تأدبت" داخل العمل الأدبي·

طباعة  

أمسية الرابطة
 
إصدار
 
مجلة الكويت "المغلقة"!!
 
في حديث صريح تناول الحريات في مواجهة السلطة والأصولية·· واتفاقيات السلام·· ومؤتمر الكتّاب في بغداد
د· عرسان: قرار عقد المؤتمر في بغداد يتغير··· إذا أقنعتم الأغلبية!