كتب محرر الشؤون الخارجية :
أرجعت انتفاضة الأقصى الوضع في المنطقة الى ما يشبه أوضاع الستينيات والسبعينيات من حيث المظهر· فقد أفضت الى عقد قمة عربية في مصر، وطغت بقوة على القمة الإسلامية الأخيرة في الدوحة· بل إن الانتفاضة شهدت تصعيدا سبق القمة الإسلامية بقليل وتزامن معها· ومن يراقب تصريحات الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي يشعر وكأن عملية أوسلو انتهت الى غير رجعة· فماذا يمكن أن يحدث في المدى القريب؟
على الصعيد الفلسطيني، هناك ازدواجية قديمة بين السلطة باعتبارها إدارة سياسية لأراضي الحكم الذاتي من جهة وبين منظمة التحرير باعتبارها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني· والازدواجية كانت ماثلة في تصريحات ياسر عرفات الذي يجمع الرئاستين في السلطة كما في المنظمة· ذلك أن عرفات لم يعلن بعد رفضه للتفاوض، بل إنه، حسب مصادر أمريكية، يريد استئناف المفاوضات من حيث انتهت في كامب ديفيد على أساس اقتراحات ايهود باراك بشأن القدس الشرقية وترتيبات الأمن· ومن جهة أخرى، أعلنت حركة "فتح" التي يتزعمها عرفات أيضا حربا على إسرائيل فور مقتل المسؤول حسين محمد عبيات بصاروخ هليكوبتر قبل أيام، ودعت أمس الأول إلى تحرير الأراضي المحتلة في عام 1967، يوم 15 نوفمبر "اليوم" التاريخ المقرر لإعلان الدولة المستقلة·
في الانتفاضة الحالية، لوحظ أن الفلسطينيين تبنوا أسلوب المقاومة اللبنانية لكن مع المحافظة على الأسلوب الموروث من ثورة الحجارة· فالمقاومة المسلحة للجيش الإسرائيلي تشهد تصاعدا لا تراجعا: أربعة قتلى إسرائيليين أمس الأول، ثلاثة في الضفة وواحد في قطاع غزة، اثنان منهم عسكريان والآخران مدنيان· والغاية هي إقناع إسرائيل ومستوطنيها بأن البقاء في الأراضي المحتلة مستحيل·
في المقابل، ردت إسرائيل بحصار كامل لجميع القرى والمدن الفلسطينية وكان تفسيرها للخسائر الأخيرة ما يلي: أن الفلسطينيين يتبعون تكتيك مهاجمة الجنود والمستوطنين على الطرق حتى يجعلوا حياتهم مستحيلة· وأن العمليتين اللتين استهدفتا حافلة تنقل جنودا بعد مهاجمة سيارة مدنية على طريق شمال رام الله قام بها مسلحون محترفون لا بد أنهم من أجهزة الأمن·
لا شك أن الانتفاضة شكلت تحديا لم يستطع ايهود باراك أن يصوغ حتى الآن أي استراتيجية مناسبة في مستواه· ذلك أن العمليات الإسرائيلية المضادة، ومنها استعمال الدبابات الهيليكوبتر والصواريخ أعادت الى الأذهان إجراءات إسرائيلية معروفة في لبنان أخفقت أمام حرب الفدائيين· بل إن بعض المعلقين الإسرائيليين اعتبروا استعمال الدبابات والطوافات الحربية إخفاقا للقوات الخاصة الإسرائيلية·
في الجانب السياسي، أرخت الانتفاضة بثقلها على المجتمع الإسرائيلي· ذلك أن حكومة ايهود باراك هي أول حكومة أقلية تبقى في السلطة برغم أن الغالبية لا تريدها· بل إن الحكومة تدين ببقائها الى حزب "شاس" الديني الذي يستأنس دعمها من الخارج فيحصل على مطالبه المالية "تمويل المدارس التلمودية" من دون أن يغرق مع باراك· وربما كان "شاس" الرابح الوحيد في هذا الوضع·
بل إن الانتفاضة طرحت مجددا قضية التعايش العربي - اليهودي في الدولة العبرية· فمقتل 13 من عرب إسرائيل برصاص قوات الأمن أعاد طرح التكوين القومي والديني والعرقي لإسرائيل، حتى إن حكومة باراك تبرعت في ساعات بتقديم تمويل كانت ترفضه منذ سنوات طوال·
وتحاول إسرائيل، التي تعرف جيدا ازدواجية عرفات باعتبار أنه يريد جرها الى المفاوضات من موقع أفضل له، وأنه لا يمانع الضغط عليها عسكريا طالما كان ذلك مفيدا، لكن من دون استراتيجية مقاومة طويلة الأمد، تحاول أن تستغل الوضع الراهن لتحسين موقعها دوليا، ويحاول باراك استغلاله لتحسين وضعه السياسي في ضوء انتخابات مبكرة قد تكون وشيكة· فماذا يمكن أن يحصل ميدانيا؟
على الأرض، يستفاد من العمليات الأخيرة، ومنها قتل حسين عبيات، أن إسرائيل تضمر نوايا قاتلة لزعماء الانتفاضة الميدانيين، وهم مسؤولون في حركة "فتح" مثل مروان البرغوثي· وفي هذا الخصوص، تعتبر إسرائيل صاحبة سجل قديم يرقى إلى لبنان الستينيات والسبعينيات·
وفي خارج المنطقة، تحاول إسرائيل أساسا أن تحصل من الولايات المتحدة على منحها صفة الحليف الاستراتيجي مثل بريطانيا وكندا· غير أن التقارير الأخيرة عن زيارة باراك إلى واشنطن تفيد أن إسرائيل لم تحصل، حتى الآن، على ذلك· وقد حذر نائب وزير الدفاع الجنرال السابق أفرايم سنيه في واشنطن مما أسماه أدوارا خطرة لإيران وسوريا في هذه المرحلة بطريقة دعائية ذخيرتها المواقف الرسمية لا الفعلية لهذين البلدين باستثناء دوريهما في جنوب لبنان·
حسب صحيفة "هآرتس"، رفض باراك حتى الآن إعطاء أركان الجيش صلاحية تنفيذ أعمال انتقامية ردا على مقتل الإسرائيليين الأربعة· وربما كان ذلك عائدا إلى حسابات باراك الشخصية، فرئيس الأركان الحالي الجنرال شاؤول موفاز عينته في منصبه حكومة نتانياهو، وباراك لا يفرحه التورط في عمليات قد تفضي إلى مجزرة ضخمة مثل مجزرة قانا في لبنان أيام حكومة شيمون بيريس الانتقالية·
الآن، يلتقي الموقفان الأمريكي والإسرائيلي على نقطة محورية هي الأهم: ضرورة وقف الانتفاضة قبل معاودة المفاوضات· وهذه مشكلة كبيرة بالنسبة إلى عرفات فمجرد زيارته واشنطن يؤكد أنه لا يستطيع رفض الدور الأمريكي الوحيد في الوساطة· أما طرح تعددية الدول الراعية لعملية السلام، مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا فشعار غايته الاستهلاك الداخلي· وهكذا يبقى عرفات، ويبقي معه الانتفاضة، أسير عملية أوسلو التي لا يريد التخلي عنها، والمقاومة المسلحة التي لا يستطيع لا أن يوقفها بسرعة "حتى لا يخسر ماء الوجه" ولا أن يطلق لها العنان فتقوى وتضعفه·
أما المواقف العربية من الانتفاضة فهي، بغض النظر عن مقدار الدعم المادي، تتلخص بتضامن معنوي غير مشروط مع الشعب الفلسطيني مصحوب بسياسة "ننتظر ثم نرى ثم نقرر" وقد حصل ذلك بالنسبة إلى الموقف من المقاومة اللبنانية، وفي هذه الأثناء، لا بد من انتظار إدارة أمريكية جديدة بعد 20 يناير وحكومة إسرائيلية ·