كتب محرر الشؤون المحلية:
الاستجواب المقدم من ثلاثة من أعضاء مجلس الأمة إلى وزير الكهرباء والماء ووزير الدولة لشؤون الإسكان الدكتور عادل الصبيح سيبقى قضية تشد الأنظار حتى موعد مناقشته يوم الاثنين المقبل، ومنذ قدم الاستجواب في الرابع من هذا الشهر وهو الموضوع الأكثر سخونة في الساحة، لا يضاهيه في الاهتمام إلا قضية المتفجرات التي كُشفت شبكتها في الأسبوع الماضي·
ولم يكن مسار الاستجواب في الأيام الماضية سهلاً ممهداً، فقد مر باهتزازات وتعرجات عديدة، ابتدأت بمفاجأة طلب الوزير المستجوب الاستعجال في مناقشته لدى طرحه في جلسة مجلس الأمة يوم الاثنين 2000/11/6·
إلا أن حسابات الحكومة وتقديرات الوزير لم يحالفها الحظ، فقد أخفق طلب الاستعجال في الحصول على موافقة المجلس، فكان ذلك أول عثرة تواجهها الحكومة، وقد قيل الكثير في ذلك منها أن الوزراء لم يكونوا على علم بطلب الاستعجال، فالجو السائد كان أن الوزير المستجوب سيطلب تأجيل المناقشة لمدة أسبوعين، ومنها عدم تضامن الوزارة، فقد كان بعض الوزراء خارج القاعة أو خرج متعمداً أثناء التصويت، ومنها أن الاقتراح بالاستعجال جاء من خارج إطار الوزارة، على أن تقاعس بعض الوزراء وعدم تواجدهم أو خروجهم من القاعة أثناء التصويت أثار شكوكاً حول جدية الوزراء في التضامن، بل أكثر من ذلك أثار البعض ما إذا كان بعض الوزراء مرحبين بالاستجواب، وهو ما سيتضح في الأيام المقبلة·
بعد فشل طلب الاستعجال تنامى الحديث عن العيوب والمثالب الدستورية في الاستجواب من حيث الشكل والمضمون، فقد دفع البعض بعدم جواز تقديم استجواب لوزير عن وزارتين يتولى رئاستهما وتبنى هذه المقولة بعض التيارات السياسية التي تبنت مساندة الوزير·
ثم أثير موضوع الغموض في بعض القيود التي تضمنها الاستجواب وهما البندان الثامن والتاسع، باعتبار ان هذين البندين يشوبهما الغموض، حيث جاء في البند الثامن مخالفة المادة 152 من الدستور بالقيام بتصرفات باستثمار الموارد الطبيعية·
وورد في البند التاسع مخالفة المادة 131 من الدستور بتعامله مع الحكومة بتعاقدات أثناء توليه الوزارة· إلا أن أياً من البندين لم يفصح عن الوقائع التي يشير اليها·
وبدأ الحديث عن احتمالات اللجوء إلى المحكمة الدستورية، وفي مقابل ذلك طرح سيناريو احتمال لجوء المستجوبين، إذا ما أحيل الأمر للمحكمة الدستورية إلى تقديم استجوابين منفصلين عن كل وزارة وتقديم مزيد من الإيضاحات حول البندين، ثم طلب دمج الاستجوابين عند طرحهما في الجلسة وفقاً للمادة 137 من اللائحة الداخلية، التي تجيز دمج الاستجوابات المتعددة للوزير الواحد·
ومع بداية هذا الأسبوع بدأ التحشيد على الجانبين، ففي الجانب المؤيد للاستجواب عقدت ندوة في مقر العضو محمد الخليفة· وفي الجانب المساند للوزير عقدت ندوة في مقر النائب مبارك الدويلة·
في ندوة الجهراء في مقر محمد الخليفة والتي حضرها 15 نائباً، تركز الهجوم على موقف الحكومة إذا لجأت إلى المحكمة الدستورية·
وفي ندوة العضو الدويلة تركز الهجوم على الاستجواب وبالذات على عدم دستوريته·
في تلك الليلة تبلور موقف في أوساط الحكومة يميل إلى- وربما كان يحبذ بشدة- اللجوء إلى المحكمة الدستورية، مما حدا ببعض الأعضاء الذين سألتهم الصحافة عن رأيهم في اتجاه الحكومة الذهاب إلى المحكمة الدستورية بإعطاء تصريحات ناصحة ومحذرة للحكومة بعدم إحالة الموضوع إلى المحكمة الدستورية، لأن ذلك سيؤدي إلى تداعيات سلبية تزيد الأمر تعقيداً· فجاء في هذا الصدد تصريح النائبين عبدالله النيباري ومحمد الصقر نشر صباح الأحد، ثم تصريح نائب رئيس مجلس الأمة مشاري العنجري ورئيس اللجنة التشريعية عبدالله الرومي، وجاءت هذه التصريحات تحذر الحكومة من إحالة الموضوع إلى المحكمة الدستورية، إذ إن ذلك سيوسع دائرة الجدل ويؤجج الأجواء ويدفع إلى تكتل النواب دفاعاً عن استخدام الأدوات الدستورية، خصوصاً أن هنالك آراء لخبراء دستوريين تقول بسلامة الاستجواب من حيث الشكل، فقبول الوزير بمناقشة الاستجواب في الجلسة التي طرح فيها، يعني أن الاستجواب كان واضحاً له لا غموض فيه، ثم إنه لو فرض أن المجلس قد وافق على طرح الثقة بالوزير فهل يعقل أن يعتبر مستقيلاً من وزارة ويبقى على رأس الوزارة الثانية، وهو ما لا يقبل عقلاً أو منطقاً ولا يتفق مع الدستور، إذ معنى ذلك تحصين الوزراء ضد الاستجواب وطرح الثقة، وهو ما يخالف الدستور·
وفي جلسة مجلس الوزراء يوم الأحد الماضي بعد مناقشة الأمر وعلى ضوء ردود فعل النواب ومواقفهم تم العدول عن اللجوء للمحكمة الدستورية، وبقي احتمال قيام الوزير بطلب استيضاح عن الوقائع والأفعال والتصرفات المنسوبة إليه بموجب البندين الثامن والتاسع، إلا أنه حتى صباح يوم الثلاثاء أمس لم يتقدم الوزير بهذا الطلب·
مواقف النواب
انقسم النواب تجاه الاستجواب إلى ثلاث كتل: كتلة مؤيدة للاستجواب تتشكل من الأعضاء الثلاثة مقدمي الاستجواب، مسلم البراك، مرزوق الحبيني، ووليد الجري، ولديهم عشرة نواب على الأقل وقعوا طلب طرح الثقة، كما ورد على لسان النائب محمد الخليفة، ويحتمل وجود قائمة أخرى لطلب طرح الثقة أيضاً·
الكتلة الثانية هي الأعضاء المنتخبون لتيار الإسلام السياسي (الإخوان والسلف)، التي دخلت على الخط منذ البداية، متبنية مساندة الوزير، وعلى الرغم من ترديد أعضاء هذه الكتلة أن موقفهم سيتحدد بعد مناقشة الاستجواب والاستماع إلى أدلة المستجوبين ورد الوزير عليها، إلا أن ما صدر من أعضاء هذه الكتلة من تصريحات ومواقف تبين بما لا يدع مجالاً للشك بأن موقفهم قد تحدد مسبقاً، بل إن الجرائد نشرت محاضر وقائع جلساتهم مع الوزير بُحث فيها التنسيق ورسم التكتيك لمواجهة الاستجواب، فقد تصدى النائب الدويلة في ندوته يوم السبت الماضي في الرد على كل النقاط والبنود المثارة في الاستجواب بأن الاستجواب غير دستوري، وأنه غير صحيح أن الوزير لم يطبق القانون، وأن رفع الأقساط حسب موقع السكن أمر مبرر، وأن قرار رفع إيجار البيوت الشعبية صادر من مجلس الوزراء، وأن البندين الثامن والتاسع يكتنفهما الغموض، والحقيقة أن النائب الدويلة لم يترك شيئاً لاستيضاحه من مناقشة الاستجواب·
وتبع النائب الدويلة في المسار نفسه كل من النائب ناصر الصانع والنائب وليد الطبطبائي، حينما تحدثا في ندوة في مقر الأخير بعنوان "نعم للاستجواب" هاجما فيها الاستجواب بالمخالفة لعنوان الندوة الأمر الذي اعتبر مضللاً، فقال الطبطبائي إن الاستجواب يشتمل على قضايا عامة وغير محددة بالتفصيل، مما يخلخل الاستجواب من الناحية الدستورية وإنه من حق الوزير أن يعلم مسبقاً بالقضية التي سوف تطرح، وأن الاستجواب تعرض لهزة كبيرة بمساءلة الصبيح عن أعمال وزارتين وأن جمع التواقيع من أجل طرح الثقة بالوزير فيه إجحاف وظلم وتعسف، ويبدو أن النائب الطبطبائي نسي أنه جمع تواقيع مسبقاً لطرح الثقة بوزير الإعلام المستقيل د· سعد بن طفلة·
أما النائب ناصر الصانع فقال إن الاستجواب لا يحتوي على مادة قوية تدين الوزير وتثبت تقصيره، حيث إن الوزير الصبيح قد كرس المفاهيم المهمة في عمله وهي تطبيق القوانين وعدم الرضوخ للضغوطات وتحصيل حقوق الدولة والمساواة بين المواطنين، ووصف الوزير "بصفة ممتازة جداً" فيما يتعلق بتحصيل حقوق الدولة وأنه وزير نزيه ونظيف ولم يسجل عليه التطاول على أموال الدولة، وطالب الصانع بضرورة الإفصاح وإخراج الملفات وترك الغموض فيما يخص محاور الاستجواب·
وإلى جانب الدويلة والطبطبائي والصانع ذهب الآخرون من أعضاء تيار الإسلام السياسي أحمد باقر ومحمد البصيري إما بكلام صريح أو موارب، ولكن الواضح أنه خلافاً لما يعلن عناصر هذا التيار، بأن الحكم بعد المداولة وبعد الاستماع إلى المستجوبين ورد الوزير، إلا أنهم ذهبوا بعيداً في تحديد موقفهم المعارض للاستجواب وطرح الثقة حتى قبل تقديم الاستجواب·
هذا الموقف من تيار الإسلام السياسي يعتبره البعض عبئاً على الوزير وأن من المفهوم أن أي شخص في مثل وضعه يبحث عن السند من أين جاء، ومن الطبيعي وعلى الأخص ممن رافقهم في النشاط السياسي، إلاّ أن مساندة تيار الإسلام السياسي للوزير دفعت الكثيرين إلى موقف المراقب الحذر، لذلك يرى البعض أنه فيما يستفيد الوزير في مواجهة الاستجواب من مساندة هذا التيار، إلا أنه في الوقت نفسه قد يدفع ثمناً نظير هذه المساندة أو بسببها·
فالصورة الانتهازية التي تدفع بعض التيارات السياسية ذات المواقف المتقلبة واللامبدئية تؤدي إلى اهتزاز الثقة وتنامي نزعة الشك والريبة·
الكتلة المراقبة
الكتلة الثالثة من النواب هم الذين ربطوا الإعلان عن مواقفهم بعد الاطلاع على مضمون الاستجواب ورد الوزير·
وبقاء هذه الكتلة حتى الآن على هذا الموقف بسبب الانتظار لما يكشفه مقدمو الاستجواب في البندين الثامن والتاسع وما الأدلة والمستندات التي تؤيد أو تدعم ما جاء في هذين البندين ورد الوزير عليهما، ولا أحد يعلم حتى الآن ما القضايا التي يمسك بها المستجوبون ويتكتمون عليها لحين كشفها في جلسة المناقشة، إلا أن الأحاديث حتى الآن تتداول مسألتين: الأولى تتعلق بشركة يملك فيها الوزير نصيباً آل إليه بطريق الإرث تتعامل مع الوزارة وهذا ما يفسر ما جاء في البند التاسع حول مخالفة المادة 131 من الدستور، والمسألة الثانية تتعلق بشركة يملك فيها أحد أقارب الوزير حصة تعاملت مع الوقف وأجّرت قسماً من مبنى، ودخلت في مشاكل وإعفاء من إيجارات متأخرة أدت بديوان المحاسبة إلى تقديم تقرير بها إلى مجلس الأمة·
ولا نريد أن نسترسل في مزيد من التفاصيل، إذ يفترض في جلسة المناقشة يوم الاثنين المقبل (2000/11/20) أن يفصح المستجوبون عن ما لديهم من معلومات وأدلة وأسانيد تأييداً لادعائهم، ومن جانب مطلوب من الوزير أن يوضح في دفاعه الملابسات المحيطة بهذه الأمور وموقفه منها·