· أرفض اتفاقيات السلام لا التطبيع فقط·· وإن وقّعت سورية
· أصحاب البيان المطالب بالحريات مثل "كاسر مزراب العين"!
· لماذا يتوافق بيانهم مع البيانات اللبنانية وتهديد إسرائيل لسورية؟!
· الحكام ليسوا دائما طغاة·· ولا المثقفون ملائكة
· "سوق الكلام" في وطننا العربي قد تفتحه أيد غربية!
· الأدباء العراقيون في الخارج لا يمثلون حالة قانونية
· أقدّر بيان رابطة الأدباء في الكويت··· لكني منفذ للقرار
حاوره نشمي مهنا:
فرصة لا تفوّت، رؤية د· علي عقلة عرسان الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب في الجزائر، ضيفا ضمن الوفود الثقافية العربية المشاركة في الدورة السابعة لمؤسسة عبدالعزيز البابطين مما يدفعنا لأن نسارع "لاقتناصه" لنطرح عليه أسئلة شغلت بالنا كثيرا، خصوصا وقد طرحنا بعضا منها على صفحاتنا الثقافية في "الطليعة" والتي تمس قرارات الاتحاد الذي يترأسه، حملنا تساؤلاتنا جميعها دون ترتيب لمحاورها ودون تلطيف لحدتها وجرأتها، فلاقت لديه القبول واللطافة·· وكان هذا اللقاء:
" الطليعة: في ظل قيادة سياسية شابة وجديدة في سوريا محملة بطموحات عدة، أهمها الانفتاح وخلق أجواء مغايرة تواكب العصر، والتركيز على الحريات كما نقرأ ونسمع في الخطاب السياسي الجديد·· ما هو دوركم وطموحاتكم كنخبة مثقفة طليعية أو بحكم منصبكم الرسمي كأمين عام لاتحاد الكتاب والأدباء العرب خصوصا ونحن نرى مبادرات لكتاب وأدباء سوريين من خارج المؤسسات الرسمية طرحوا من خلال "بيانات" مطالب ورؤى موجهة للقيادة السياسية؟
- يوجد في سوريا توجه ملموس لتعزيز مكانة القانون، والحقوق والحريات العامة لإيجاد مناخ جديد من العمل فيه تلافٍ للسلبيات وفيه تركيز على الإيجابيات التي من شأنها توفير فاعلية تأثير في إحداث نقلة حياتية والاتجاه نحو نهضة نحن في أمس الحاجة إليها، ونقلة أخرى في العلم والتكنولوجيا، وهذا ما نتطلع إليه لامتلاك أدوات ومقومات العصر، ولكن نحن في الإطار الثقافي نتطلع الى أداء أفضل عندما نبلغ الأفضل، فتتجدد دائما رؤانا وأحلامنا وتتسع وبتقديري أننا لا بد من أن نأخذ كل المراحل بعين الاعتبار من وجهة نظر عقلانية وفي إطار ممارسة الحرية المسؤولة، والديمقراطية الواعية لأغراضها في مجتمع محدد (فلكل مجتمع ظروفه)، أما القول بالتصنيف أن هناك مثقفين داخل مؤسسات رسمية وآخرين خارجها، فأرى أن ما يروج في وسائل الإعلام لمثل هذا التصنيف هو مغاير للحقيقة، فمن هؤلاء الذين أصدروا "البيان"، %90 منهم موظفون في المؤسسات الحكومية··
" الطليعة: لكنهم أصدروا بياناتهم بصفاتهم الشخصية···
- د· عرسان: هذا الكلام للترويج·· فالرئيس السوري ومنذ بضعة أشهر يسير في اتجاه تعزيز مكانة الحريات العامة من خلال إطلاق سراح معتقلين وتعزيز الممارسات الديمقراطية وقد لمسنا ذلك في انتخابات عديدة·
فما معنى ركوب الموجة؟ هل هو لتأخيرها وضربها أم لاستباقها والمزايدة عليها؟ أعتقد هذا عمل عودنا كثير من الأشخاص على ممارسات كانت تنعكس سلبيا في حياتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، كما أعتقد أنه ليس مجرد أن يلقي الشخص بكلمة ويذهب لبيته تتغير الحياة، لكن التغيير أن نعمل بمسؤولية وأن نتحمل نتائجها وأن نناضل في ذلك·
من اليسير أن تكتب وأنت جالس في غرفتك بيانا يدين كل مظاهر السلبية·· ولكن لن تغير شيئا·
مثل هذه القضايا "للترويج" فقط، هذا ما أعتقده·
لكني لست مع المعنى الذي اشتممت "عراره" من السؤال، أن هناك مثقفين في الدوائر الرسمية هم من صلب السلطة، وآخرين خارجها·· لا، هؤلاء (النوع الثاني) يركبون كل موجة داخل البلد، ويروجون··
" الطليعة: لكنا قرأنا في الصحف··
- د· عرسان (مقاطعا): نعم هم مروجون وجميعهم موظفون، صحيح أنهم من طبيعة حزبية معينة، في إطار "اليسار التعبان" إن صح التعبير، الذي انتهى دوره ويبحث عن دور··
كما أن هناك تساؤلات لماذا يتوافق هذا (البيان) مع بيانات صادرة في لبنان ضد سورية؟ ومع تجديد العدوان على مزارع شبعا؟ واستنفار إسرائيل وتهديدها لسورية؟ ومع ظواهر أخرى عديدة·· هل هو قصور في الرؤية السياسية؟ هل هو البحث عن دور سياسي؟ هل هو تعطيل مسيرة قائمة أساسا وصادرة قوانين في إطارها·
باعتقادي أن هؤلاء أصحاب البيانات ينطبق عليهم المثل اللبناني "كاسر مزراب العين" ·· أي الشخص الذي يكسر "مزراب" عين الماء ليتساءل الناس عن الفاعل، ويشار إليه للفت الانتباه فقط، دون أن يتمعن في فعله التدميري!
على العموم، أنا مع كل ظاهرة ثقافية إيجابية تخدم من خلال مسؤولية، ورؤية صحيحة، فمن منا مع التضييق على الحريات أو الممارسات الديمقراطية المغلوطة، أو الفساد أو غيرها من الظواهر السلبية·
فإذا كانت الدولة تعلن كل هذا·· فلماذا تزايد عليها؟
" الطليعة: قرأنا عن جلسات المؤتمر السادس لاتحاد الكتاب العرب، وما كتبت عنه من ممارسات غير ديمقراطية، واعتراضات من بعض الأعضاء على أسلوب إدارة المؤتمر·· كمخالفة اللوائح الداخلية المنظمة بالانتقال والتجاوز من بنود الى أخرى، كتقديم الانتخابات على بند المناقشة مثلا فما تعليقك؟
- د· عرسان: في الحقيقة ما تم في ذلك المؤتمر كان تطبيقا وممارسة ديمقراطية لم يشهدها أي اتحاد كتاب في الوطن العربي، بل لم يشهد الاتحاد في سوريا من قبل بمثلها أو بمستواها، في تاريخه كما نعرف، قُدّمتْ في هذا المؤتمر تقارير تنظيمية ومالية وأخرى سياسية، وهو مؤتمر يعقد كل خمس سنوات كدورة انتخابية أما السنوي فيناقش كل الأمور ووضع الخطط والتدخل في القضايا المالية والإدارية·
الغرض الأول إجراء انتخابات وكل التقارير المقدمة إليه هي مجرد رصد لما تمت مناقشته في الأعوام السابقة·
ففي ذلك المؤتمر كان هناك بندان (مناقشة تقارير وانتخابات) وقد تم إقرار جدول أعماله وهو سيد عمله، أقر إجراء الانتخابات ثم مناقشة التقارير وصوّت المؤتمر على ذلك· فلماذا يكون لشخص الجرأة على الحقيقة أن يشوه صورة مؤتمر عندما خسر صوته! باعتقادي أن هذا اجتراء على الديمقراطية وافتراء يجب أن يغسل من "الرأس حتى القدمين"، من قبل كل مهتم·
" الطليعة: الجدل المثار هو حول مخالفة اللوائح الداخلية··!
- د· عرسان: من أثار هذا لا يعرف اللوائح ولم يقرأها، لأن الأصل أن المؤتمر أعلى سلطة عندما ينعقد وعندما يقرر فهو صاحب القرار·
فمن حق المؤتمر ترتيب جدول أعماله كما يريد··· (الانتخابات أولا ثم التقارير) فما هي المخالفة؟! هذه جرأة على الحقيقة·
" الطليعة: قرار الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب بنقل مؤتمره القادم الى بغداد·· وهذا ما يمسنا ككويتيين، وقد اعترض الكثير على هذا القرار كان من ضمنهم الأدباء والكتاب العراقيون في الخارج الذين هُجّروا أو تم نفيهم في الشتات، وكذلك اعترض الأدباء الكويتيون في بيان صادر من رابطة الأدباء في الكويت، لأن هناك مفارقة كبيرة بين دعوة الكتاب للاجتماع في العراق في الوقت الذي ينفى ويهجر ويقمع أهله الأدباء العراقيون· يقال إن د· عرسان وراء هذا القرار ما تعليقك؟؟
- د· عرسان: أولا هذا القرار هو صادر عن المؤتمر العشرين للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب الذي عقد في ديسمبر 1997 في دمشق ولم أكن شخصيا قد انتخبت أمينا عاما للاتحاد·
أما ظروفه فقد تقدم كل من العراق والجزائر ولبنان لاستضافة المؤتمر القادم (يعقد كل ثلاث سنوات)، وبعد مناقشات مطولة تم التصويت، فحصل العراق على الأغلبية، وتم الاتفاق على عقده في بغداد وإن حالت ظروف دون ذلك فيعقد في الجزائر وإن حالت ظروف أيضا فيعقد في لبنان·
بعد ذلك يبدي العراق استعداداته في كل الاجتماعات السنوية التي يعقدها المكتب التنفيذي الدائم· ولم يبد هذا المكتب أي اعتراض وبالتالي ليس لي كأمين عام سوى تنفيذ قرارات المؤتمر العام والمكتب التنفيذي الدائم·
" الطليعة: ولكن كيف يتم الاقتناع باستعدادات العراق للاستضافة، وقد هجر كتابه وأدباءه؟
- د· عرسان: سنأتي على هذا·· أصدر الكتاب العراقيون في الخارج بيانا "اعتراضيا" قرأناه في الصحف، كما أصدرت رابطة الأدباء في الكويت "نداء" لمراعاة هذه الظروف، أما بالنسبة للعراقيين في الخارج فلم يشكلوا اتحادا، وليس لديهم تنظيم يمثل العراق، ومن ثم هذا "الصوت" لم يأت من اتحادات أو روابط للكتاب تدعو الى تغيير القرار··
" الطليعة: ألا تأخذون بواقع الحال··
- د· عرسان: واقع الحال أن البلد الذي لديه اتحاد، ويعقد مؤتمرات، وينتخب قياداته في رضا من التجمعات، ليس باستطاعتنا الاعتراض عليه، ما لم تتشكل حالة قانونية للاعتراض، وهذه "الحالة" لم تتقدم ولم تطرح عمليا، كل ما هناك "نداء" أو "بيان" صادر من العراقيين في الخارج· وحتى وإن قدمت (حالة اعتراض قانونية) فيجب أن يعقد مؤتمر لتقرير من يمثل العراق، هذا "الفريق" أم الآخر؟ فالقضية لم تطرح بشكل نظامي وقانوني لتأخذ شرعيتها بأغلبية اتحادات الكتاب العربية·
" الطليعة: والآن هل حُسمت؟
- د· عرسان: الآن ما لم يأت رأي ينال أغلبية اتحادات الكتاب العربية يطالب بتغيير "مقر" المؤتمر القادم - فنحن نأخذ بالممارسات الديمقراطية ونعمل بها - لا نستطيع أنا ولا سواي أن نغير، لكن لا بد أن نراعي ضرورة المحافظة على وجود هذا الاتحاد، وأن نجد الحلول لمواجهة المشاكل التي تعترضنا لمصلحة القضايا العربية العليا، ولمصلحتنا أنفسنا ككتاب لخدمة مطالبنا في إيجاد مناخات الحرية والديمقراطية·· كل ذلك يحتاج الى طرح قضايانا بهدوء، أكثر منها قضية "لكسر العصي" لأن ذلك يزيد المشكلة تعقيدا، ولن يحلها·· ونحن بالفعل نراعي ما يشعر به إخوتنا الكويتيون، وقد تمعنا في بيان رابطة الأدباء ونقدر مضمونه، لكن علينا أن نسعى لإيجاد حلول ملائمة ضمن الإطار العام لقانونية العمل، والمحافظة على وجود اتحاد عام قومي··
" الطليعة: وماذا بشأن رأيك وقناعتك الشخصية حول هذا "القرار"، وما إذا كان محاولة من النظام العراقي للترويج والتلميع بعد أن رأى نفسه تحت الحصار ورأى حاجته لمثل هذه "المظاهر" مع عدم قدرته واقعيا على إقامتها لضيقه من الحريات وتضييقه على أصحابها؟
- د· عرسان: يجب أن نراعي أنه في كل أوقات وظروف الحصار، فإن الشعب هو الذي يدفع الثمن، أما من هم في أعلى درجات السلطة فلا يتأثرون· النقطة الثانية أنه بعد عشر سنوات من الحصار فإن الشعب العراقي - وأقول الشعب - وصل الى حالة لا بد من التوقف والتفكير بها إنسانيا وقوميا، كما أننا نرى الآن الطائرات العديدة المختلفة من عدة بلدان تكسر الحصار لتصل الى بغداد، "فالكتاب" دعوا لعقد مؤتمر قد يفهم منه كسر الحصار·· كيف لهم أن يبتعدوا عن الجانب الإنساني الذي يعاني منه الشعب ويحصروا القضية في النظام القائم في بغداد والذي لا يتضرر من الحصار·
" الطليعة: وما علاقة ذلك بالشعب العراقي؟
- د· عرسان: قصدت أن هذا الاختراق التي تقوم به طائرات أو عقد مؤتمرات هو ليس لخدمة نظام·
" الطليعة: هذا ما نراه·· من خدمة للنظام فقط؟
- د· عرسان: عشر سنوات مرت لم يتغير النظام، والحصار لا يمسه بشكل مباشر - والشعب وحده يدفع ثمن الحصار·· إذن أنت بالمقاطعة عمليا تعزز استمرار معاناة شعب··
" الطليعة: وماذا ينفع الشعب العراقي أن نعقد مؤتمرا على أرضه بغياب كتابه وأدبائه وشعرائه وبرعاية نظام يحاصره؟
- د· عرسان: القضية لا تطرح بهذا الشكل·· "ماذا يفيد الشعب العراقي" فائدة عقد المؤتمر هو لخدمة الثقافة العربية، ولاتحاد الأدباء العرب نفسه، ولموقف الكتاب في كل القضايا الأساسية والثقافية التي تنعكس على الشعب أو على السلطات أو القضايا القومية والمصيرية أي لا تتصل بمردود ضيق، إنما بالعملية الثقافية الأشمل، التي استعصت على التفتيت والتجزئة بأيدي السياسيين العرب· ولو استطاعوا لفعلوا!
" الطليعة: ما تقييمك للمشهد الثقافي العربي حاليا في ظل بعض الأنظمة التي تحتكر وحدها حق الكلمة والتعبير وتعمل على تكميم الصوت المخالف رؤيتها، وكذلك في الجانب الآخر أوجه أخرى لمصادرات تأتينا من قبل الحركات الأصولية؟ أي أن هناك طرفين: إرهاب السلطة وإرهاب الجماعات (كردة الفعل حول كتاب حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر" التي أثيرت في القاهرة)؟
- د· عرسان: الحرية تؤخذ ولا تعطى·· ولا وجود لحاكم على وجه الأرض ينادينا لنأخذها·· ويوسع مداها بتوسيع المدى المعرفي والممارسة في ضوء ذلك، كما أنها تأخذ مناخها العام والطبيعي بالتفاف المثقفين حول المشترك التي يصون "الحرية" ويجعل الديمقراطية ممارسة على أرضية من الاحترام والمسؤولية·
كما أن الحاكم لا يمكن أن يراعي قوة غير موجودة، وبوجود صوت المثقفين ولكن بمنطق وعقلانية ومسؤولية اجتماعية وسياسية وستفرض نفسها على الموقف والقرار السياسي بشكل طبيعي، لكن إذا ما تشتتت أصواتهم، وخيّم بعضهم على أبواب الساسة ليكون "طبالا" أو "زمارا" في الحاشية، وإذا ما دخلوا "سوق الكلام" الذي قد تفتحه أجهزة أحيانا من خارج الوطن العربي (دولية)، وإذا ما خاضوا معارك بالوكالة، أو دخلوا في حالة فرض التبعية لمركزيات ثقافية على حساب ثقافتهم·· فإنهم هنا يخلخلون الجبهة الثقافية العربية والمكانة العامة لنا، بودي أن أضيف أن الساسة أو السياسيين ليسوا بشكل مطلق مجرد طغاة، أو أنهم بلا حسنات، أو أن نأخذ المثقفين على أنهم ملائكة، هذه الفرضية خاطئة·· وخاطئة·· وهي نتيجة للعهد الذي كان يعتبر أن الدولة عابرة وفي طريقها الى الزوال·· وأن على من يحمل صفة المثقف أن يكون ضد السلطة وكل ما يأتي منها·· في الوقت الذي يقول فيه هذا الكلام يكون مواليا لأعتى سلطة في العالم، ويريد أن يكون "عصاها" في بلده، يجب تغيير هذه النظرة، فلا وجود لحرية مطلقة·
في البلدان التي تمتلك حكوماتها وسائل الإعلام، لتكون لسان حالها، يوجد هوامش يعمل في إطارها المثقفون وإن لم يكونوا جزءا منها، يعبرون ويتحركون وفق ما يشاؤون، وليس بالضرورة أن تكون الحكومة هي الناطق الوحيد باسم الشعب، لأنها قد تخطئ وقد تصيب·· وكذلك المثقف الذي يمارس دور الطاغية ليفرض رأيه "المعصوم" عن الخطأ والزلل، ليولد لدينا ديكتاتورية ثقافية من نوع بغيض شبيه بالديكتاتورية السياسية·
أما بالنسبة "للأصولية" فلست مع مبدأ التكفير في الوقت الذي أرفض أي تجريح للناس وإهانة مقدساتهم، فكما أن هناك لأي شخص الحق لأن يلحد، من حق أي شخص أيضا أن يؤمن، وأن يدافع عن إيمانه ومقدساته، فلماذا يحق للبعض طعن حس الأكثرية بحربة، وأدعي العصمة والرؤية في الحق، وأرى من هذه الزاوية تطاولا على الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة·
فمتى كان شتم المقدس حالة تقدمية؟ فيثور الشخص لشتم رموزه الإلحادية، ويرفض حق الآخرين في الرد؟ ولماذا يكون أصحاب التجربة الجنسية (التي تعرفها الذبابة وتمارسها) هم أصحاب الحق في تقديم نتاجات بالنسبة للآخرين جارحة لشعورهم مع عدم الأخذ بالاعتبار قيم التكامل الاجتماعي!
" الطليعة: لكن أغلب النصوص الإبداعية تفسر وتؤول!
- د· عرسان: أنا ضد مبدأ التأويل·· أو التكفير والتخوين، لكني لست مع التهديم والفوضى وإعطاء "العصمويات" للأشخاص، كما أني ألاحظ أن هناك ميليشيات ثقافية وإعلامية وليس عمل مثقفين حقيقيين، لقد اختلت موازين وتراتبيات العمل الثقافي والفكري والأدبي نتيجة عمل هذه الميليشيات، وآن الأوان لإيقافه، لأنه يؤثر على الذوق والحكمة والعقل والإبداع والمستويات جميعها، أنا لا أمس أشخاصا، لكن أقول عندما تهاجم ديانتي وقوميتي العربية لتدعي تقدميتك·· أنت هنا تحمل عصى لفرض رأيك···
" الطليعة: بالطبع لا طعن بالدين·· لكن هناك تفسيرات وتأويلات لنص قصصي أو روائي هي بعيدة عن معناه الحقيقي·· تعرض للجماهير غير ما يحمل النص، كما حدث مع حيدر حيدر في أزمة كتابه في القاهرة·· وعندما حرض الديني المتشدد عليه··
- د· عرسان: ليس هو مرجعا·· مرجعية الجميع هي القضاء·· فإما القبول به أو التغيير بقانون·
" الطليعة: لكن فتوى الأزهر عندما صدرت في القاهرة أصبحت كما المرجع في رواية "وليمة لأعشاب البحر"·
- د· عرسان: أصدروا فتاواهم وآلت الى المحكمة التي قضت بإدانة البعض وبراءة الآخر·
هذه القضايا فيها نوع من العمل الأيديولوجي المنظم، سواء أتى من اليسار أو اليمين فهو عمليا يصب في دائرة التعصب المكروه·
لكن ألا نتساءل لماذا هؤلاء أصحاب اللقطات الإعلامية هم من اتجاه واحد؟ ووراءهم ميلشيا ثقافية تدفع بهم، فإلى متى نكون ضحايا لهم؟ وهل كانوا بالفعل يصدرون من الوطن ويصبون في الوطن ويخدمون الحقيقة؟ سؤال أساسي: لماذا تبيعني وطنية وأنت محل علامة استفهام؟ لماذا لا تطبل وسائل الإعلام لدينا إلا لمثل هذا ولمثل هذه الاختراقات؟
فمن جعله آلها وأعطاها الحقيقة المطلقة؟
" الطليعة: سؤالنا الأخير يدور حول موقفك من اتفاقيات السلام والتطبيع، والمعروف عنك إعلاء هذا الموقف كهم من الهموم الكبرى التي تطرحها دائما·· لكن هناك وجهة نظر أخرى تقول إن "الموقف" هو مرحلي ولفترة سياسية آنية ولو أتمت سورية مفاوضات السلام الجارية الآن أو وقّعت لأخذ الدكتور عرسان موقفا آخر··؟!
- د· عرسان: تعني أغير رأيي··
" الطليعة: لا·· إنما قد يكون تكتيكا سياسيا··
- د· عرسان: أخي الكريم ·· أنا لا أنظر لهذا الموضوع كبضاعة قابلة للمساومة، إنما هو مبدأ أساسي وثابت، ولا أرى فرصة لأي تعايش مع العدو الصهيوني، ولا أرى إمكانية لأي سلام لا عادل ولا شامل ولا دائم مع وجود هذا الكيان على أرض فلسطين··
" الطليعة: أي ترفض عملية السلام بأكملها·· وليس التطبيع؟!
- د· عرسان: السلام·· أقصد السلام لأني أرفض الاعتراف بالعدو تماما، ولا أؤمن بعملية السلام لاعتقادي أن المشروع الصهيوني مضاد لكل مشروع نهضوي عربي أو قومي حيوي ولكل شكل من أشكال التضامن العربي·· وأقول إن المحتل يُقاتَل ولا يُفاوَض، فالمفاوضات ستسفر عن اعتراف به، والاعتراف والتفاوض على مساحة تزيد أو تنقص من الأرض، يُحوّل الصراع العربي - الصهيوني من صراع وجود الى نزاع حدود·
" الطليعة: والتجربة المصرية وإغراءاتها للآخرين·· بأخذ المصريين لأرضهم دون الوقوع في شراك التطبيع··
- د· عرسان: أقدر جدا موقف الشعب المصري من عملية التطبيع لكني أرى الاختراقات الفاضحة في مجالات عديدة أخرى للتطبيع··
لا أقبل حديث الأكثرية حول رفضهم للتطبيع إلا بعد عودة الأراضي العربية·· إذ إن ذلك يُعدّ تأخيرا للتطبيع وليس رفضا له، أما رفض ذلك المبدأ فلأنه احتضان لسلام الاستسلام والاتفاقيات من كامب ديفيد الى أوسلو الى وادي عربة الى ما قد تسفر عنه المفاوضات الى اتفاقيات أخرى سواء بين سوريا والكيان الصهيوني أو لبنان·· حتى وإن وافقت سورية في يوم من الأيام على أي اتفاق فسأكون ضده·· لسبب بسيط لأنني منذ 48 حتى اليوم أرى وأعي وأعرف الكثير عن الشهداء الذين ضحوا بدمائهم·· فهل هم أغبياء·· ولماذا نساوم على دمهم، هؤلاء الذين ماتوا لأجل هدف، هل بالإمكان أن أتنازل عن أهدافهم·
يجب أن نقاتل أو نعد أنفسنا لامتلاك القوة على أرضية العلم والإيمان، فأي أمة لا تهزم في جيل أو جيلين، كما لا يوجد نهاية للتاريخ، هذا ما أراهن عليه، والواقع سوف يتغير لأن الحياة حركة تحمل التغيير في صالحنا·
لماذا نعتبر أن إسرائيل "قدر" وأمريكا الى "الأبد" هذا مخالف للمنطق ولحركة التاريخ والعدل والحقيقة·