· كانت مصر -ومازالت- هي الطرف المركزي في الصراع العربي- الإسرائيلي من بدايته وحتى الآن، وذلك بصرف النظر عن تباين التوجهات والسياسات والخيارات التي اعتمدتها مصر على امتداد أربعة عهود:مرحلة النظام الملكي- ثم المراحل الثلاث لثورة 23 يوليو- وبعدها- من "جمال عبدالناصر"· إلى "أنور السادات"- وأخيراً "حسني مبارك"!
· من المفارقات أن نائب الحاخام الأكبر في مصر كان اسمه "أوفاديا يوسف"· وهو الآن الراعي الروحي والسياسي لحزب "شاس" الذي يملك سبعة عشر مقعداً في الكنيست الحالي، وكان يشارك في ائتلاف حكومة "باراك" حتى خرج احتجاجاً على مجرد طرح موضوع القدس للمناقشة في محادثات "كامب ديفيد" الثانية
· من اللافت للنظر أن قراءة الوثائق الإسرائيلية في المرحلة الأولى لقيام الدولة تُظهر بكل وضوح أن "القدس"
لم تكن على قائمة الأولويات الكبيرة على جدول أعمال مؤسس الدولة دافيد بن جوريون
· بن جوريون: "·· مصر مسألة أعقد· في الوقت الحالي لا خطر منها- لكنها في المستقبل خطر محتمل· الحقيقة أن مصر هي ما يجب أن نتحسب له· لماذا؟ لأن مصر هي الدولة الحقيقية الوحيدة في العالم العربي حتى الآن، وهذا يجعلها تهديداً كامناً· إن المصريين لا يفهمون أننا لا نريد شيئاً عندهم· كل ما نريده منهم أن يبقوا وراء حدودهم وأن يفعلوا هناك ما يشاؤون"
محمد حسنين هيكل **
قضيت أسابيع من شهور هذا الصيف الذي يوشك على الانقضاء- تاركاً نفسي لسياحة واسعة وحرة وسط الوثائق الإسرائيلية·
مكاناً: فقد ظللت على سواحل البحر الأبيض المتوسط- مرة على شاطئه المصري الممتد والمفتوح إلى نهاية الأفق، ومرة أخرى على شاطئه الإيطالي في جزيرة "سردينيا" وخلجانها المتلاصقة والمتعانقة في منطقة "كوستا سميرالدا" (ساحل الزمرد)·
وزماناً- بعد "مكاناً"- فقد قضيت كل الوقت- أو معظمه- على شواطئ البحر المتوسط مُستغرقاً- أو غارقاً!- مع مجموعات وفيرة ومثيرة من الوثائق الإسرائيلية!
والوثائق الإسرائيلية مادة جديدة بالنسبة لي- فمن زمن طويل تعرفت على الوثائق البريطانية، وتعودت الاطلاع عليها قراءة ودرساً عند اللزوم· ونفس الشيء بالنسبة للوثائق الأمريكية والوثائق الفرنسية· أما الوثائق الإسرائيلية فقد بدت لي بعيدة المنال، أو هكذا خطر لي تحت انطباع (ثبت خطؤه)- بأن الهوس الأمني الذي تبديه إسرائيل (حقيقياً كان أو مصطنعاً) يضع على الملفات الإسرائيلية قفلاً ضاع مفتاحه!
وكنت أعرف أن "موشي شاريت" مسؤول السياسة الخارجية في الوكالة اليهودية قبل إعلان قيام الدولة- وأول وزير لخارجيتها بعد الإعلان- اعتمد- ضمن عملية "إنشاء وترتيب وزارة الخارجية لدولة إسرائيل"- نظاماً للتعامل مع الوثائق في وزارته يُساير به "ما تجري عليه الدول المتحضرة"·
كذلك كنت أعرف أن واحداً من أبرز مساعدي ومستشاري "شاريت" وهو "روفين شيلواح" سبق غيره في الاهتمام بمسألة الوثائق، وكانت مقترحاته التي وافق عليها "شاريت"- أن تفتح إسرائيل ملفاتها بعد ثلاثين سنة "حتى تستطيع الذاكرة الإسرائيلية أن تستكمل الحقائق اللازمة لاتصال فكرها العام، وأن تملأ فجوات أو تعيد تصحيح تصورات قد تكون الظروف أثرت بها على سطح وشكل الحوادث، وحتى يكون في مقدور المهتمين في العالم أن يطلعوا على عناصر وموجبات صنع القرار الإسرائيلي" (ربما من هنا أن واحداً من أهم مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية في إسرائيل اليوم يحمل اسم "شيلواح" تكريماً للرجل وتقديراً لجهده)·
وأخيراً فقد كنت أعرف أن مقترحات التعامل مع الوثائق عُرضت على رئيس وزراء اسرائيل في ذلك الوقت "دافيد بن جوريون"، وقد قبل "بن جوريون" بهذه المقترحات للدولة كلها وليس فقط لوزارة الخارجية- لكنه استثنى من "أجل الثلاثين سنة" ملفات عدة جهات منها رئاسة الوزراء، والمخابرات العامة (هيئة "الموساد")، والجيش بما في ذلك المخابرات العسكرية (هيئة "أمان")، ولجنة التوجيه العلمي والتكنولوجي لإسرائيل، ولجنة الأمن والدفاع في الكنيست· وكان قرار "بن جوريون" بالنسبة لملفات هذه الجهات مَد الأجل إلى خمسين سنة، مع إعطاء مكتب رئيس الوزراء (وجهازه) سلطة إطالته إلى خمسين سنة أو أكثر إذا تعلق الأمر بأسباب للأمن القومي "يكون لها تأثير باق ومستمر"·
وبرغم ذلك كله- مما كنت أعرفه- فقد ظل لديّ ما تلحقه "الانطباعات الخاطئة" بأصحابها حين يركنون إليها حتى تقعدهم عن المتابعة والمراجعة!
والذي حدث بعد ذلك هو أن الملفات بالفعل فُتحت- على الأقل جزئياً، بمعنى ان الاطلاع عليها قيد بتصريح خاص، ثم إن الاطلاع اقتصر على قلة مختارة، ولعل ذلك كان نوعاً من التجربة لثغرات النظام قبل اعتماد تطبيقه· وكان الدكتور "مايكل بريشر" صانع المراجع القيِّمة والموثوقة عن صنع القرار في إسرائيل (وهي حتى الآن أربعة أجزاء) أكثر من استفاد من رخصة الاطلاع المحدود لتجربة نظام التعامل مع الوثائق في إسرائيل·
وكانت مؤلفات "بريشر" عوناً لا غنى عنه لأي مشغول بعملية صنع القرار في إسرائيل، لكنها لا توازي رؤية الصور الأصلية للوثائق الإسرائيلية، والإمساك في اليد بها، والاطلاع عليها، ودراستها مباشرة ومن موقع نظر قد يختلف عن موقع نظر "بريشر"·
وفي الثمانينات من القرن الأخير- القرن العشرين- بدأت بعض الملفات الإسرائيلية تفتح- لكن البداية لم تكن مشجعة· فقد كان الاستهلاك أكواماً من تقارير للوكالة اليهودية- قبل قيام الدولة- في موضوعات تتعلق بالهجرة، وشؤون الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، ومشاكل المؤسسات العاملة وسط هذه الجاليات خصوصاً في علاقاتها مع حكومات البلاد التي تعمل فيها·
وكانت هذه البداية مخيبة للأمل ومؤكدة لانطباع سبق، لكن حقائق الأشياء مع حركة تعامل دؤوبة دفعت خطوة بعد خطوة إلى مسار آخر، خصوصاً مع اطمئنان الدولة اليهودية لقوتها- مقابل ضعف خصومها- وهنا فإن القطرات الأولى المخيبة للأمل تحولت إلى خيط ماء ينزل من صنبور، ثم إن هذا الخيط تحول إلى مجرى ماء يمتلئ زيادة مع كل موسم، ثم إن هذا المجرى اتسع عند آخره ليصبح مسطح ماء قد لا يكون بحراً، ولعله أقرب إلى بحيرة، وبدا ذلك كافياً لإثارة الفضول، ثم الاهتمام· وذلك ما كان بالنسبة لي·
هكذا على شواطئ البحر الأبيض جنوباً وشمالاً كان معي ملء حقيبة كاملة من الوثائق الإسرائيلية- تحتوي أكثر من ألف وخمسمائة ورقة مصورة من الوثائق الإسرائيلية مستخرجة من ملفات وزارة الخارجية الإسرائيلية المدرجة تحت عنوان "Foreign Ministry Record Groupsس - أو من الملفات التي يرمز اليها- بالحروف "I.S.A.س وهي اختصار "Israel State Archivesس أي "أرشيف دولة إسرائيل"، ومن ضمنها محاضر لاجتماعات مجلس الوزراء في الفترة ما بين سنة 1951 إلى سنة 1966· وكانت هذه الوثائق مجموعات منتقاة قام على نقلها من العبرية إلى الانجليزية مكتب للترجمة في إسرائيل يتعامل مع عدد من الجامعات ومعاهد ومراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية الكبرى في العالم، مشغولة بالشرق الأوسط وما يجري فيه!
بالإضافة إلى الوثائق اتسعت حقيبتي لأربعة مراجع كل منها وثيقة قيمة في حد ذاتها:
" الأولى مجموعة من 520 صفحة مصورة من يوميات مؤسس الدولة "دافيد بن جوريون" ومحفوظة في مكتبته بجامعة "بير سبع"، وقد تُرجمت هذه اليوميات إلى الانجليزية، ولم تُترجم بعد إلى اللغة العربية وتنشر كما حدث في الجزء الأول من يوميات "بن جوريون" الذي نشره مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت، وكانت نهاية هذا الجزء عند سنة 1949 بعد إعلان دولة إسرائيل وقيامها، وحربها الأولى مع العرب، واتفاقياتها للهدنة مع بعضهم سنة 1949·
" والمرجع الثاني هو آخر كتب المؤرخ الإسرائيلي القدير والمدقق "آفي شلايم"- الأستاذ الآن بجامعة "أوكسفورد"- والكتاب بعنوان "الحائط الحديدي"، وموضوعه مجرى الصراع العربي- الإسرائيلي طوال نصف قرن (1998-1948)، وقد صدر هذا العام (2000)·
" وثالثها كتاب "افنير كوهين" والصادر عن جامعة "كولومبيا" بعنوان "إسرائيل والقنبلة"، والكتاب موضوع تحقيق سياسي وجنائي في إسرائيل الآن يسأل: كيف تسربت كل هذه الأسرار إلى "كوهين"؟ وكيف سمح لنفسه بـ "خيانة" الأمن الإسرائيلي حين نشرها (سنة 2000)؟
" ورابعها هو ذلك التقرير المذهل في معلوماته والذي قدمه الجنرال "إيلي زائيرا" رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية أيام حرب سنة 1973، وكانت اللجنة الخاصة التي شكلت برئاسة كبير القضاة "أجرانات" للتحقيق في أسباب مفاجأة إسرائيل بنشوب القتال يوم 6 أكتوبر سنة 1973 قد اتهمت الجنرال "زائيرا" بالتقصير، ورد الجنرال على ذلك بتقرير مضاد تأخر ثلاثين سنة قبل أن يقدمه لأنه ارتأى انتظار مدة سريان قانون الوثائق حتى يكون دفاعه عن نفسه مؤصلاً· وكنت قد سمعت عن هذا التقرير الذي قدمه الجنرال "زائيرا" إلى الكنيست، وكنت شديد الرغبة في الحصول عليه كاملاً أو أجزاء منه، خصوصاً ما يتصل فيه بالدور الذي قام به بعض الملوك العرب في علاقاتهم الخفية مع إسرائيل·
وقد وصلت الرغبة بي حتى رجوت الصديق الكريم الدكتور "عزمي بشارة"- وهو أستاذ ومفكر قومي بارز، وفي نفس الوقت عضو في الكنيست الإسرائيلي- أن يجد لي وسيلة إلى التقرير· وتفضل الدكتور "عزمي بشارة" وأرسل لي صفحات منه طلبتها ومعها ترجمة عربية قام بها بنفسه عن الأصل العبري·
ثم كان التقرير تُرجم بشكل ما في بيروت وطبع على الآلة الكاتبة في نسخ محدودة، ولم يلتفت اليه أحد بالقدر الكافي على الأقل، ثم تمكن المؤرخ العسكري المصري القدير الدكتور "إبراهيم شكيب" من الحصول على صورة له، وحين عرف اهتمامي بالتقرير تفضل وأهداني "صورة من الصورة" التي كانت في حوزته، وهي في قرابة أربعمائة صفحة·
وإذن فهي الآن في هذا الحديث- وما بعده- سياحة واسعة وحرة وسط الوثائق الإسرائيلية- شاغل صيف بأكمله على شواطئ البحر الأبيض جنوباً وشمالاً!
على اني قبل التوجه إلى الماء والخوض والسباحة فيه إذا توافر العمق- أستأذن في لفت النظر إلى عدد من الملاحظات:
" الأولى- ان هذا الحديث كله يعتمد بالكامل على الوثائق الإسرائيلية، وسوف أشير إلى بعضها تحديداً خلال السياق إذا كانت الوقائع فيها أساسية، ثم أنني اخترت لهذا الحديث أن يكون "وقفات" سريعة عند بعض المواقع الفارقة، وحتى تتلاحم الصور وتتكامل، وتكون منها في النهاية "بانوراما" عريضة- أي مشهداً عاماً وكاملاً للواقع كما بان وتبدى من المنظور الاسرائيلي، ومن الموضع الذي تصرف منه صانع القرار هناك·
" والثانية- أنني ركزت في هذا الحديث على ما يخص مصر بالتحديد لأسباب لا يحتاج شرحها تفصيلاً· فقد كانت مصر- ومازالت- هي الطرف المركزي في الصراع العربي- الإسرائيلي من بدايته وحتى الآن، وذلك بصرف النظر عن تباين التوجهات والسياسات والخيارات التي اعتمدتها مصر على امتداد أربعة عهود: مرحلة النظام الملكي- ثم المراحل الثلاث لثورة 23 يوليو- وبعدها- من "جمال عبدالناصر"- إلى "أنور السادات"- وأخيراً "حسني مبارك"!
" والثالثة- أنه إذا خطر لي أن أتدخل في سياق هذا الحديث مُضيفاً أو معلقاً- فإن ذلك سوف يكون (كما أفعل عادة) مسبوقاً بسطرين من النقط وملحوقاً بسطرين من النقط حداً وفاصلاً- ثم إن أي تدخل من جانبي سوف يكون دائماً داخل قوسين واضحين حتى يتمايز حديث الوثائق عما قد يلحق به من عندي إضافة أو تعليقاً!
وهذه تقدمة طالت، لكني ظننتها ضرورية، فقد كان تقديري -ومازال- أن متابعة مجرى الحوادث من الضفة الأخرى لأي صراع- تجربة غنية، ثم هي تجربة كاشفة إذا جرت المضاهاة والمقارنة بين مواقع النظر من هنا- ومن هناك!
وبعد ذلك فقد أضيف: أن هذا الحديث ليس كتابة في السياسة ولا في التاريخ، وإنما هو قراءة في السياسة وفي التاريخ·
(1) "مصراييم"
يبدو من مجمل الوثائق أن "دافيد بن جوريون" مؤسس الدولة في إسرائيل وأول رئيس للوزارة فيها بعد الإعلان عن قيامها- كان مسكوناً طول الوقت ببلد اسمه "مصر" ("مصراييم" كما كان ينطق الاسم ويكتبه بالعبرية)- وشعوره نحو هذا البلد لا يتغير ولا يتبدل وإن تأرجح بين القلق الشديد والكراهية العميقة، وهو يستذكر ويستعيد في إشاراته إليه ما ورد في التوراة المتداولة في إسرائيل من نعوت وأوصاف تمس مصر وشعبها، وهي نعوت وأوصاف متمادية في معظم الحالات إلى درجة الشتم المقذع والسب!
وفي تجربته هو- وبعيداً عن "المأثورات" التوراتية- فإن إشاراته إلى مصر ترد من أول لحظة ضمن تعبيرات من نوع: "باشوية مصر"- أو "دولة الباشوات المصريين" (ولعله أثر باق من فترة دراسته وإقامته في إستنبول)- لكن التحيز يبين حين يذهب إلى تعبيرات من نوع: "الباشوات وخدمهم من الفلاحين"، أو "الأمراء الألبان والشركس وعبيدهم من المصريين"، و"شعب مصر هذا المزيج من الذل والادعاء"!
ولم تكن مصر داخلة في حسابات "بن جوريون" أثناء تفكيره وتخطيطه لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، فقد كان يراها ملتهية بأمورها ومشغولة بعلاقاتها مع بريطانيا، كما كان يرى في أحزابها السياسية مجرد هياكل طبقية تحمي مصالح كبار مُلاك الأرض الزراعية، ويرى أكبر رجالها لعباً في يد متمولين أجانب ينهبون البلد وسوف يواصلون نهبه!
وحتى حين وضعت مصر توقيعها على ميثاق جامعة الدول العربية (سنة 1944)، فقد كان رأي "بن جوريون" أن الجامعة العربية من أولها إلى آخرها "لعبة إنجليزية"- لكنه حين دعا الملك "فاروق" إلى أول مؤتمر قمة عربي في "أنشاص" بدأ "بن جوريون" يراجع حساباته، فهذا المؤتمر العربي الأول على مستوى الملوك توافق مع مجيء مفتي القدس الحاج "أمين الحسيني" لاجئاً إلى مصر ومحتمياً بالملك "فاروق"· ثم كان- أيضاً- أن توافق ظهور مفتي القدس وضيوف "فاروق" من الملوك العرب في نفس الوقت وفي نفس القصر- لكن "بن جوريون" أراح نفسه بأن سجل باستخفاف أن ملك مصر "يلهو بأوهام أكبر من قدرته"، وسوف يعرف يوماً- وعما قريب- "أن كل هؤلاء الملوك والرؤساء الذين جمعهم في قصره لا يمثلون أكثر من حلف كراهية· يحقد أعضاؤه على بعضهم قبل حقدهم على أي طرف خارجي"·
لكن "بن جوريون" راح يعتبر "لهو" الملك "فاروق" خطراً محتملاً عندما تبين له أن مصر سوف تشارك- رغم ما نقله إليه أصدقاء له من الأجانب والعرب، ومن اليهود المصريين، عن معارضة قوية في مصر تعارض اشتراكها في حرب محتملة في فلسطين إذا قامت فيها دولة يهودية·
كان "بن جوريون" مُطلعاً على رسائل كتبها الحاخام الأكبر للطائفة اليهودية في مصر "حاييم ناحوم" أفندي· ولم يكن الحاخام الأكبر في مصر يكتب لـ "بن جوريون"، لكنه كان يكتب لصديقه الدكتور "ماجنس" رئيس الجامعة العبرية في القدس· لكن الحاخام كان يُقدر (وتقديره صحيح) أن "بن جوريون" سوف يطلع بوسيلة ما على ما يكتبه·
وكان "حاييم ناحوم" أفندي على صلة بالملك "فاروق"، وبكل رجال القصر الملكي، وبعدد من الساسة المصريين من كل الأحزاب والاتجاهات، وكان مقرباً من أغلبهم خصوصاً وقد كان معارضاً للصهيونية ومشروعها، لكن الرجل في النهاية كان منحازاً لأهله، فإذا كانت هناك دولة يهودية على وشك أن تقوم في فلسطين، فليس أمام الحاخام مفر من تأييدها حتى ولو جاءت خطواته بطيئة متثاقلة، على عكس وكيله في مقر "الحاخامية" الذي كان داعية مندفعاً إلى تأييد مشروع الدولة، ويعتبر مناصرة الحركة الصهيونية مرادفة للصلوات في المعابد وموازية لها في ممارسة العقيدة· ومن المفارقات أن نائب الحاخام الأكبر في مصر كان اسمه "أوفاديا يوسف"·
(وهو الآن الراعي الروحي والسياسي لحزب "شاس" الذي يملك سبعة عشر مقعداً في الكنيست الحالي، وكان يشارك في ائتلاف حكومة "باراك" حتى خرج احتجاجاً على مجرد طرح موضوع القدس للمناقشة في محادثات "كامب دافيد" الثانية في اجتماع "كلينتون" و"باراك" و"عرفات" خلال شهر يوليو الأخير سنة 2000، ثم كان هو القائل في مؤتمر صحافي منذ أسابيع أن العرب كلهم "جراد" و"بهائم" و"وحوش" لا يصح لإسرائيل أن تقترب منهم أو تتصل بهم أو تجتمع بأي منهم في مكان واحد!)·
(2) إستراتيجية
مع دخول مصر سنة 1948 في حرب فلسطين واشتراك جيشها في المعارك التي دارت على أرضها- راح "بن جوريون" يفكر جدياً في سياسة يتعامل بها- حسب قوله- مع "جارنا الذي فرضه التاريخ علينا منذ أقدم العصور- عند الجنوب"!- وهكذا كان "بن جوريون" (وحزبه) يصلون الماضي "التوراتي" البائد والذي أعيد بعثه- بل واختراعه في الحاضر والمستقبل- بعد أكثر من ثلاثين قرناً!
أي أن "مصر" مازالت هي بالضبط "مصراييم" التي خرج منها اليهود هرباً من "الفرعون"، وكل ما حدث عبر القرون هو أن الفرعون الآن لم يعد "رمسيس الثاني" وإنما "فاروق الأول"!
وكان ذلك خلطاً خطراً يمزج الأساطير بالتاريخ، لكن "بن جوريون" ما لبث أن حول هذا الخلط إلى استراتيجية كاملة!
وربما أن أدق وثيقة في توصيف استراتيجية اسرائيل إزاء مصر هي الوقائع الواردة في محضر اجتماع مجلس الوزراء الاسرائيلي في جلسته يوم 29 مايو سنة 1949·
في هذه الجلسة- وقد خصصها "بن جوريون" لمناقشة "سياسية عامة" حول الأوضاع على ضوء ما ظهر من فشل كل المحاولات التي سعت لاستكمال اتفاقات الهدنة المعقودة في "رودس" (يناير وفبراير 1948) وتحويلها إلى اتفاقيات صلح ومعاهدات سلام كما كانت إسرائيل تأمل وكما كانت بعض القوى الدولية تريد!
ومن أول دقيقة في الجلسة شرع "بن جوريون" في الكلام لا يضيع وقتاً· وطبقاً لمحضر الجلسة (التي جرت في مقر الحكومة المؤقت في تل أبيب في الساعة الثامنة والنصف واستمرت إلى الساعة الواحدة إلا عشر دقائق بعد الظهر)- فقد بدأ "بن جوريون" كلامه قائلاً:
"الآن يلزمنا أن نضع سياسة للمدى الطويل مع العرب· فكلنا يعرف الآن انهم (العرب) مصممون على عدائنا، ولذلك فإن السلام معهم بعيد· ولكني أريد أن أقول إن هذا ليس بالضرورة كارثة لنا، وبالعكس فقد يكون مفيداً ونافعاً·
لماذا؟
لأن جيش الدفاع (الجيش الإسرائيلي) وصل عندما توقفت المعارك إلى أبعد بكثير مما رسمه قرار الجمعية العامة لحدود الدولة اليهودية· فقوات جيش الدفاع احتلت كل ما كان مخصصاً للدولة الإسرائيلية وأكثر من %70 مما كان مخصصاً للدولة الفلسطينية في مشروع الأمم المتحدة· وهذا شيء عظيم·
ولو أننا وصلنا إلى حل مع العرب الآن لكان علينا أن نسلمهم أراضي كثيرة هي الآن تحت سيطرتنا، وهم لم يستطيعوا أن يحتفظوا بها بالسلاح، ونحن لا يصح أن نتركها لهم بحبر على ورق·
ليس هذا فقط، بل إننا إذا كنا توصلنا إلى حل (مع العرب) لكان علينا أن نقبل عودة بعض اللاجئين لأن القرارات الخاصة بعودتهم مازالت حية في ذاكرة الدول، وقد يفرضون علينا أن نقبل منهم أعداداً نحتار ماذا نفعل بها· بالعكس نحن يهمنا الآن أن يهاجر عدد أكبر من الفلسطينيين خارج البلد حتى يفسحوا المجال لوافدين يهود وصلوا إلى هنا أو هم في طريقهم إلى الوصول·
هناك أيضاً مشكلة بالنسبة للقدس· في الوقت الحالي الأمم المتحدة متمسكة بقرار تدويلها، وهذا يحرم إسرائيل من مدينة لها وضع خاص في التاريخ اليهودي، وقد أصبحت الآن نقطة جذب لا تقاوم بالنسبة لليهود في الدياسبوراه (التيه)·
ولهذا كله فإننا جميعاً مطالبون- وأظنكم توافقونني على أفضلية أن ننسى الآن موضوع السلام مع العرب- على الأقل لعشر سنوات قادمة، وخصوصاً أنه ليس هناك خطر حقيقي يهدد اسرائيل من جانب العرب، كما أنه ليس هناك ضغط دولي يرغم الدولة على أن تتصرف بعكس ما تراه لازماً لمصالحها!
وفي المحصلة كما أرى فإن الموقف في المنطقة عموماً ملائم لإسرائيل، فلدينا أقوى جيش، ومعنا انتصار كبير حققه هذا الجيش، وقد قامت الدولة بالفعل، وحدودها كلها تحت السيطرة· وفي الحقيقة فإننا في موقف شديد القوة في الاطار الذي يعنينا تأمينه حول إسرائيل ولصالحها·
الملك "عبدالله" في الأردن- نحن على اتفاق كامل معه، وكان يحلم بأن نتقاسم معه الأرض الواقعة تحت الانتداب البريطاني، ولم يكن لديه شيء يعطيه لنا، ولقد حصل على بعض الأرض (في الضفة الغربية) وذلك مقبول لأننا لا نريد كل هذه الملايين من الفلسطينيين داخل حدود الدولة اليهودية· و"عبدالله" يستطيع أن يبقى في شرق الأردن إلى آخر عمره، والهاشميون يمكن أن يكونوا أصدقاء لنا توفر لهم العلاقة معنا توازناً ضد كراهية السعوديين والمصريين لهم·
سورية (الجار الآخر في الشمال) لا خطر منها· ليست لديها قوة تذكر، وقد انشغل جيشها في السياسة الداخلية للبلد ولن يخرج منها·
لبنان لم يُمثل على الاطلاق ولن يمثل إلى الأبد تهديداً لنا يمكن أن نخشى منه- ثم إن لدينا أصدقاء في لبنان"·
يواصل "بن جوريون" كلامه وفقاً للمحضر، فيصل إلى مصر ويقول:
- "مصر مسألة أعقد· في الوقت الحالي لا خطر منها- لكنها في المستقبل خطر محتمل· الحقيقة أن مصر هي ما يجب أن نتحسب له· لماذا؟ لأن مصر هي الدولة الحقيقية الوحيدة في العالم العربي حتى الآن، وهذا يجعلها تهديداً كامناً· إن المصريين لا يفهمون أننا لا نريد شيئاً عندهم· كل ما نريده منهم أن يبقوا وراء حدودهم وأن يفعلوا هناك ما يشاؤون- لكن الفرعون المصري (الملك "فاروق") تداعبه أحلام من أيام جده "إبراهيم" باشا (ابن "محمد علي" والذي كان قائداً لجيوشه في الشام)- وهو لا يدرك أنه ليس "إبراهيم" باشا، كما أن العصور العثمانية انقضت!
ولست أفهم لماذا لا يكتفي "فاروق" بما لديه ويبعد عنا؟ مصر بلد كبير· ونحن ليس لنا مطالب فيها· وبيننا وبينها حاجز حقيقي من صحراء واسعة· وقد كانت هي الطرف الذي سعينا إلى اتفاق أكيد معه، ولو كنا فعلنا ذلك لكان هذا الاتفاق "غزوة عظيمة"· (من المدهش أن "بن جوريون" استعمل في كلامه عن هذا الوضع تعبيراً عسكرياً كانت ترجمته إلى الانجليزية بالنص: "a tremendous conquestس- وكان استعماله لهذا التعبير العسكري بما فيه كلمة "الغزو" لافتاً للنظر)·
ويستكمل "بن جوريون" عرضه:
"كنا مهتمين بعقد اتفاق صلح مع مصر، ولبعض الوقت تصورنا أن ذلك ممكن، ولكن عناد "فاروق" أظهر لنا أن علينا أن ننتظر·
أي اتفاق صلح مع "عبدالله" (الملك "عبدالله" ملك شرق الأردن) لا يشغلني كثيراً· "عبدالله" أعجز من أن يعقد صُلحاً وأعجز من أن يشن حرباً، ولذلك فالعلاقات معه مضبوطة·
مع مصر المسألة تختلف· نحن لا نريد بالتأكيد حرباً معها· ولا نريد حرباً في المنطقة كلها لا عندنا ولا على حدودنا، وإذا كان لا بد من حرب في المنطقة فالأفضل أن تكون هذه الحرب عربية عربية- وليس عربية إسرائيلية· هذا رأيي، وكذلك يتعين أن تكون سياسة دولة إسرائيل!
بعض رفاقنا (يقصد وزير خارجيته "موشي شاريت" في الغالب) يتصورون أننا لا يجب أن ننفض أيدينا من السعي للصلح مع مصر- لهم أن يحاولوا، وأما أنا فاعتقادي أن الاحتمال بعيد· مؤجل على الأقل· لماذا؟ لأن الملك "فاروق" مجروح في كبريائه (سamour propreس حسب التعبير الذي استعمله) نتيجة لهزيمة جيشه في فلسطين· وشاب في سنه وملك وأحمق سوف يضع كبرياءه قبل واجباته· هو يرغب في الاتفاق معنا، لكنه سوف يطلب من الدولة (إسرائيل) ثمناً لا تستطيع الدولة أن تعطيه له· لا نستطيع أن نعطيه دواء لكبريائه المجروحة- ليس هذا شأننا!
وإذن فإن السؤال الأهم الذي يواجه إسرائيل الآن وعلينا الاجابة عليه هو: "ماذا نفعل إزاء مصر؟ في الوقت الحالي لا خطر، ولكن مع وجود إمكانيات لدولة حقيقية هناك فإن علينا أن نتحسب لأن إسرائيل دولة صغيرة ومحاطة بالأعداء من كل جانب، وإذا خرجت مصر من وراء حدودها وأقامت تحالفات في يوم من الأيام، وقد رأينا نموذجاً من ذلك في حربهم الأخيرة معنا لمنع استقلال الدولة- فإن ذلك سوف يكون خطراً كبيراً علينا أن نكون مستعدين ليومه قبل أن يجيء· نمنع مجيء هذا اليوم قدر ما نستطيع- ونكون متأهبين لهذا اليوم إذا جاء"·
وكانت مقترحات "بن جوريون" في عرضه العام لاستراتيجية إسرائيل إذا جاء "ذلك اليوم" كما يلي:
1- يلزم أن تظل مصر وراء حدودها- والإنجليز والأمريكان وأوروبا لا بد أن يعرفوا أن ذلك في صالحهم من الناحية الإستراتيجية ومن ناحية تأمين البترول·
2- يجب منع مصر من إقامة أي تحالفات مع بقية العالم العربي قفزاً فوق إسرائيل، خصوصاً مع سورية بالذات، ثم مع السعودية والعراق· وهذه مسألة مهمة·
3- من الضروري توسيع العازل الصحراوي بين مصر وإسرائيل، وهذا العازل لا بد له أن يشمل سيناء المصرية، وأيضاً منطقة النقب (الصحراوية جنوب فلسطين)·
4- عندما تقبع مصر وراء حدودها وتترك إسرائيل وشأنها فإن إسرائيل يتحتم عليها أن تعطي نفسها كل المزايا المتوفرة استراتيجياً لمصر (والتي دفعت "نابليون" لوصف مصر بأنها "أهم بلد في الدنيا") وهي:
" الموقع المتوسط بين القارات الثلاث (أوروبا وافريقيا وآسيا)·
" البرزخ الواصل من البحر الأبيض إلى البحر الأحمر بحيث يمكن أن تحفر فيه قناة تضاهي قناة السويس، أو تمتد عليه خطوط سكك حديدية أو خطوط أنابيب لنقل البترول (وكان تحقيق ذلك الهدف هو الدافع الأول وراء مسارعة القوات الإسرائيلية حتى بعد عقد اتفاقية الهدنة إلى احتلال منطقة "أم الرشراش" وهي موضع ميناء "إيلات" اليوم)·
ويواصل "بن جوريون" عد شروطه فيضيف:
5- إن إسرائيل عليها أن تحاول العثور على صداقات خاصة، أو حتى علاقة مصلحة متبادلة بينها وبين عدد من العناصر المكونة للـ "موزاييك" الإنساني في الشرق الأوسط·
ويتساءل "بن جوريون": هل نستطيع إقامة علاقات مع الأكراد في العراق وإيران وتركيا؟- هل نستطيع إقامة علاقات منظمة مع "الموارنة" في لبنان؟- لا أتحدث عن علاقات مع أفراد هنا وهناك، ولكن مع كُتل دائمة وحاضرة باستمرار؟- هل نستطيع مع الدروز خصوصاً وهناك قسم كبير منهم تحت سلطة الدولة الآن؟- هل نستطيع مع العلويين في سورية؟- فكرت أيضاً في أقباط مصر لكنهم حالة ميئوس منها لأن حرصهم على حياتهم المشتركة مع المسلمين في مصر طغى عندهم على أي اعتبار آخر(!)·
6- ثم يطرح "بن جوريون" قضية الجاليات اليهودية في العالم العربي خصوصاً في مصر متسائلاً: "هل حان وقت تجنيدهم لصالح الدولة أم أن الوقت مازال مبكراً للمحاولة؟ -هم هناك حيث هم على أي حال رصيد احتياطي فيه عناصر مستعدة وراغبة أن تستجيب لما تطلبه الدولة منهم"·
7- أن تحقق إسرائيل لنفسها قوة ردع تواجه بها "الكم البشري الإنساني الضخم" في مصر إذا جاء "ذلك اليوم"·
استفاض "بن جوريون" خلال الجلسة طويلاً في كلامه عن قوة الردع الإسرائيلي والشروط المطلوبة لها:
- جيش أقوى من كل الجيوش العربية مجتمعة "لأنهم قد يحاصروننا"·
- وقادر على نقل المعركة من أول يوم إلى أرض العدو "لأن رقعة أرضنا ضيقة"·
- ومهيأ لحسم أي معركة في عدة أيام "لأنه جيش شعبي، وهو مُطالب فور انتهاء القتال أن يعود إلى مستعمراته ومصانعه ومكاتبه"·
- يُدعم هذا الجيش أن إسرائيل يجب أن تكون لها صداقة استراتيجية مع قوة عظمى "لا تسندها سياسياً فقط وإنما تفتح لها مخازنها للسلاح والذخيرة عند الحاجة وإلى الحد الضروري"·
ويشير محضر جلسة مجلس الوزراء الاسرائيلي يوم 29 مايو 1949 أن "دافيد بن جوريون" خلص من ذلك إلى القول (وكأنه يلقى نبوءة!) بما نصه:
"محظور على دولة إسرائيل أن تقامر بأمنها، ولهذا فإن استباق أي تهديد محتمل بضربة وقائية هو عمل له مبرراته السياسية والأخلاقية حتى وإن ثبت فيما بعد عدم صحته"!!
وفي ذلك الاجتماع، وقبل ذلك في يومياته سواء في الجزء الأول الذي ترجم ونشر باللغة العربية، أو في الجزأين الثاني والثالث وكلاهما مازال بعد (على حد علمي) محبوساً في أصله العبري وإن ترجمت قرابة ألف صفحة منه إلى الانجليزية والفرنسية ولم تنشر بعد- كان "بن جوريون" بادي القلق من احتمال أن "يظهر بين العرب رجل له قدرات قيادية ولديه الجاذبية الإنسانية (charisma) التي تجعله قادراً على تحريك الحجم العربي ليصبح قوة فعل قادر على نحو ما صنع "مصطفى أتاتورك" في تركيا!"- كذلك قال وكتب، وأعاد وكرر!
وكان ذلك هاجسه الهائم في خواطره طوال السنوات من 1948 إلى 1952·
(3) حكاية
ومن اللافت للنظر أن قراءة الوثائق الإسرائيلية في المرحلة الأولى لقيام الدولة تُظهر بكل وضوح أن "القدس" لم تكن على قائمة الأولويات الكبيرة على جدول أعمال مؤسس الدولة "دافيد بن جوريون"·
كانت منطقة النقب على رأس الجدول، وأما مدينة القدس فقرب الذيل، والسبب أن "بن جوريون" كان يخاف من القدس على "روح الدولة"- كما تسجل المحاضر مراراً، وكان رأيه أن روح الدولة الحديثة "علمانية بالضرورة"، وكانت خشيته أن القدس سوف تقلب حركة الموازين لصالح التدين والدين، وقد تؤثر على فكرة العلم والتحديث وبناء قواعد القوة المادية لدولة إسرائيل·
كان ذلك رأيه مبكراً ومن قبل قيام الدولة، وفي ذلك الحين لم يكن يمانع في تقسيم المدينة بين العرب واليهود، ولا في وضعها كلها تحت سلطة الأمم المتحدة، كما ورد في القرار الصادر عن الجمعية العامة في نوفمبر سنة 1947- لكن "بن جوريون" راح يغير رأيه ويزيد حرصه على القدس مدفوعاً بضغوط اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية·
لقد كان هؤلاء اليهود الأمريكيون بالنسبة له سند المرحلة، بمعنى أن مشروع الدولة اعتمد على يهود أوروبا لينمو جنيناً ويولد -والآن- وتحت موازين قوة جديدة- فعليه أن يعتمد على يهود أمريكا ليعيش ويكبر·
ويهود أمريكا لا تحركهم إلى نصرة إسرائيل أن يذكرهم أحد بأبناء دينهم الذين هربوا من أوروبا إلى إسرائيل في القرن التاسع عشر، ولا تثير خيالهم حياة المستعمرات ضمن حركة الـ "كيبوتز"، ولا يهمهم أن المهاجرين اليهود، إلى فلسطين مكشوفون أمام أغلبة عربية في ذلك البلد تقاوم وجودهم- تلك كلها صور عرفها اليهود حتى في تجربتهم الأمريكية، وحين كان العالم الجديد (أمريكا) في خيالهم (وليس فلسطين) هو "أرض الميعاد"·
وفي مجتمع متدين (ومدع بالمثالية التبشيرية) مثل المجتمع الأمريكي في القرن التاسع عشر، ثم بعد ذلك في عصر الظهور والخروج إلى العالم في القرن العشرين- فإن يهود أمريكا استدعاهم إلى نصرة إسرائيل عامل رئيسي واحد هو الدين، وهنا يمكن أن تكون القدس استرجاعاً للماضي "اليهودي" (رغم أنها لم تكن في أي وقت على طول التاريخ عاصمة لأي من القبائل اليهودية وممالكها قصيرة العمر في فلسطين (كنعان القديمة)· كانت في القدس بقايا للهيكل، أو هكذا قيل· لكنه حول هذه البقايا كان لا بد من نحت صنم اسطوري مستجد يدعو وينادي يهود أمريكا ويستولي على مشاعرهم)·
وعندما قامت الثورة المصرية سنة 1952 فإن "دافيد بن جوريون" بحث في كل سجلات الدولة الإسرائيلية عن معلومات يستنير بها في التنبؤ بما عسى أن تكون عليه تصرفات الرجل الذي ظهر في مقدمة الصفوف وهو اللواء "محمد نجيب"· ولم يعثر "بن جوريون" على ما يفيده، لكن المعلومات الواردة من القاهرة كانت تشير إلى رغبة في التركيز على الاصلاح الداخلي· ولوهلة تصور "بن جوريون" أن لديه فرصة للتعامل مع "محمد نجيب"· وبتفكيره وبتشجيع من وزير خارجيته "موشى شاريت" بدأت محاولة تبدو ساذجة أو سطحية في الوثائق الإسرائيلية- هو أن أحد مستشاري سفارة إسرائيل في باريس سلم للوزير المفوض المصري "علي شوقي" (وهو أحد أبناء الشاعر الكبير "أحمد شوقي") خطاباً من "بن جوريون" إلى اللواء "محمد نجيب"- وعندما وصل هذا الخطاب إلى القاهرة- وكانت وزارة "علي ماهر" (باشا) هي القائمة بأمور الحكم فيها خلال الشهور الثلاثة الأولى- كان قرار "علي ماهر" (باشا) بعد التشاور مع اللواء "محمد نجيب" وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة (بينهم "جمال عبدالناصر")- هو أن هذه المحاولة الإسرائيلية لا ينبغي الرد عليها، ذلك أن الرد بأي جواب يعني الدخول في حوار مع إسرائيل لا يريده النظام الجديد ولا يستطيع تحمل عواقبه، ثم إن الرفض الصريح قد يثير على الجانب الآخر ما لا لزوم لإثارته، خصوصاً في هذا الوقت المبكر من عمر النظام الجديد، وهو في كل الأحوال مشغول بفتح باب المفاوضات مع الانجليز من أجل الجلاء، وليس في صالحه أن تتقاطع الخطوط وتتداخل بأي شكل من حوار مهما تكن طبيعته مع إسرائيل·
لكن وجه الغرابة أن الوثائق الإسرائيلية تواصل الإشارة إلى اتصالات ورسائل يجري تبادلها بين القاهرة وتل أبيب مروراً بباريس·
(ربما أضفت أنني أعرف عن تحقيق جرى في شأن هذا اللغز عندما بدأت بعض حكاياته تتسرب وتصل إلى أسماع الحكومة الأمريكية في الظروف التي كثف فيها الرئيس "أيزنهاور" مساعيه النشيطة لتحقيق "سلام في الأرض المقدسة" (وهو نفس ما يحاوله "كلينتون" الآن سنة 2000!)- ثم حدث في تلك الفترة (أواخر سنة 1954) أن "روبرت ماكلوي" المبعوث الشخصي للرئيس "ايزنهاور" سأل في القاهرة عن "نقطة معينة" قال إنها وردت في سياق رسائل متبادلة بين القاهرة وتل أبيب عن طريق باريس· وبدا ذلك في القاهرة مبعث دهشة- وحيرة، ثم تقرر إجراء بحث تطور إلى تحقيق تبين منه أن بعض "الشطار" من المصريين في باريس قاموا بعملية لحسابهم الشخصي)·
(ووفق تقرير مكتوب ومحفوظ في ملفات رئاسة الجمهورية في مصر (وفي هيئة المخابرات العامة أيضاً)- فقد ظهر أن هؤلاء "الشطار" تطوعوا لعمل سياسي لا يدخل في اختصاصهم، ثم أقنعوا بعض الجهات في مصر وقتها بأنهم تمكنوا من تجنيد ديبلوماسي مُهم بالسفارة الإسرائيلية في باريس، وانهم يحصلون منه على معلومات سرية في مقابل مبالغ يدفعونها له- وعلى الناحية المقابلة فإن ذلك الديبلوماسي الإسرائيلي جرى إيهامه بأنه فتح خط اتصال مع القاهرة· ودار كلام، وطارت مبالغ حولتها المخابرات المصرية وقتها إلى باريس لصالح "عملية مهمة"، ثم تبين في النهاية أنها أحلام صغيرة على ناحية، وأوهام كبيرة على الناحية الأخرى!)
ووجد "جمال عبدالناصر" نفسه مضطراً إلى إبلاغ "ماكلوي" بأن ما وصل إليهم عن اتصالات تجرى في باريس "هجص" (حسب تعبيره) لا أساس له- ثم يعترف بأن "بعضهم- لسوء الحظ- وجدها وسيلة لزيادة دخله والاستمتاع بمباهج الحياة أكثر في باريس، وأن إجراءات مناسبة قد تم اتخاذها"· ثم أوضح "جمال عبدالناصر" لـ "ماكلوي" "أنهم" (يقصد الأمريكان) كان يجب أن يستدلوا بالمنطق العادي على أن نظاماً قام على حركة بدأت من القوات المسلحة، وبدأت كرد فعل لتجربة حرب فلسطين التي شارك فيها عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة -كان مستحيلاً عليها استحالة كاملة أن تقترب- وفي بداية أيامها- من أي مغامرة مع إسرائيل وراء سيناء، وخصوصاً أن أمامها أزمة مع الانجليز الذين يحتلون ضفاف قناة السويس· ولا أجد داعياً أن أقول الآن في ذلك الموضوع أكثر، لكن التحقيق ونتائجه- كما أسلفت- موجودة ومحفوظة في الرئاسة وفي المخابرات، وبعض التفاصيل ليست مريحة!)
(ثم كان أن محاولات "روبرت ماكلوي" وبعدها محاولات "روبرت أندرسون" وهو مبعوث آخر لـ "أيزنهاور" إلى مصر (سنة 1955)- اصطدمت بمشكلة أساسية كبرى هي "النقب"، فقد أصرت مصر- في عهد الثورة كما كان في العهد الملكي من قبل- على أنه من المستحيل عليها قبول أي حل للصراع في الشرق الأوسط لا يتضمن أن تكون منطقة "النقب" عربية (وضمن قرار التقسيم كما أعده الكونت "برنادوت" وسيط الأمم المتحدة في هدنة فلسطين سنة 1948)- وداعي الاصرار المصري أن "النقب" عربياً يكفل استمرار الاتصال البري بين مصر وبقية العالم العربي في المشرق، وذلك هو المصدر التاريخي الأكبر في حياتهم بالدين (المسيحية والإسلام)- ثم باللغة (العربية)·
وهنا طرأ على قائمة أولويات "بن جوريون" بند آخر سبق اهتمامه بـ "النقب" -بنفس مقدار ما أن "النقب" سبق "القدس"!
ذلك أنه هنا أصبحت الأولوية الأولى لـ "دافيد بن جوريون" هي: "القنبلة"!)
(4) القنبلة
تمتلئ الوثائق الإسرائيلية بتقاريرها وشهاداتها ومعلومات بإشارات دائمة ومكررة وملحة إلى ضرورة أن تكون لإسرائيل قنبلة نووية تكون "الحامي النهائي لها وسط جموع العرب المحيطين بها في كل ناحية، والذين أضمروا لها العداء حتى من قبل قيامها، ثم رفضوا التعامل الطبيعي (التطبيع) معها بعد قيامها، وحتى بعد انتصارها عليهم عسكرياً في سنة 1948·
وتبدأ أولى الإشارات في الوثائق الإسرائيلية إلى القنبلة النووية حتى قبل قيام الدولة، وترد الإشارة من غير تسمية في محضر اجتماع للجنة التنفيذية للوكالة اليهودية حضره "بن جوريون" سنة 1947- وقال فيه إنه "عندما تقوم الدولة اليهودية في وسط هذا البحر من الحقد العربي عليها فإن ضمانها الوحيد هو الحصول على سلاح علمي متطور من مستوى ذلك السلاح الذي حسمت به الولايات المتحدة حربها مع اليابان (القنبلة الذرية)"·
ثم يستطرد "بن جوريون" ليقول:
"الدولة اليهودية عندما تقوم لا ينبغي لها أن تكرر تجربة يهود أوروبا الذين لم ينتبهوا إلا بعد فوات الأوان إلى أن "هتلر" يريد "إبادتهم في غرف الغاز"·
وإذا لم نقف للعرب من قبل الدقيقة الأولى فإن "المحرقة" (الهولوكوست) التي جرت في أوروبا سوف تكرر هنا في الوطن اليهودي، وذلك لا ينبغي أن نسمح به مهما كانت المخاطر ومهما بلغ الثمن"!
(وبعد اقتراب "جمال عبدالناصر" من قمة السلطة في مصر سنة 1954 راح "بن جوريون" يتحدث بصراحة أكثر عن القنبلة"·)
وفي اجتماع للجنة السياسية الخارجية للحزب الذي كان يرأسه وهو حزب "المابام"، وبتاريخ مايو سنة 1954 فتح "بن جوريون" عقله وقلبه لأعضاء اللجنة قائلاً- طبق وقائع المحضر:
"إن العرب- كما نرى من حولنا- يظنون أنهم وجدوا زعيماً يوحد شملهم ويقود صفوفهم إلى حرب إبادة ضد إسرائيل·
إن العرب لم ينسوا قط إهانة هزيمة جيوشهم بواسطة جيشنا وهم الأكبر منا عدداً في السكان، وفي مساحة الأرض، وفي حجم الموارد، وسوف يعودون مرة ومرة لقتالنا، وهم يقدرون على تحمل هزائم يستوعبونها بحجم السكان والأرض والموارد، وأما إسرائيل فإنها لا تستطيع- بمعنى أن إسرائيل إذا خسرت الحرب مرة- خسرت الحياة إلى الأبد!
ذلك ما ينبغي أن تعرفوه جيداً، وأصارحكم أن الأرق يتملكني كل يوم ويحرمني من النوم كل ليلة عندما أفكر في المصير المظلم الذي يمكن أن يرتبه "ناصر" ومشايعوه في العالم العربي لنا، ولا يمكن أن أستريح إلا إذا كان لدى إسرائيل سلاح للردع النهائي يكون هو الحماية الأخيرة للشعب اليهودي·
إننا فقراء في موارد الجغرافيا إزاء العالم العربي، ولكننا أغنى منهم بموارد العقل والعلم، وأنا أنتظر من رجال مثل "آينشتاين" (صاحب نظرية "النسبية")- و"أوبنهيمر" (مدير المشروع النووي الأمريكي)- و"تيللر" (مهندس القنبلة الهيدروجينية)- والثلاثة يهود- أن يقوموا من أجل إسرائيل بما قاموا به من أجل الولايات المتحدة"!
وكان "بن جوريون" قد بدأ يتحرك فعلاً نحو خيار نووي إسرائيلي راح يتحدث عنه باستمرار باعتباره "الضمان النهائي" إذا "بدا ان كل شيء يمكن أن يضيع"!
وكانت أول خطوة لـ "بن جوريون" هي تعيين العالم الألماني اليهودي الشهير "إرنست بيرجمان" مستشاراً خاصاً له للشؤون العلمية!
وكان قراره أن يكون المشروع النووي الاسرائيلي تحت الإشراف المباشر لرئاسة الوزراء- وليس لرئاسة الأركان كما اقترح بعضهم- وكان رد "بن جوريون" على اقتراحهم بقوله: "رؤساء الأركان يجيئون ويذهبون مرة كل سنتين أو أربع سنوات، ونحن الآن أمام مشروع يتعلق به عمر إسرائيل إلى آخر الزمن"!
(5) فرنسا
مبكراً- وفق ما تقول به الوثائق الإسرائيلية- طرح "دافيد بن جوريون" سؤاله الكبير وهو "كيف يمكن لإسرائيل أن تقيم مشروعها النووي- ومن ثم تقوم ببناء قنبلتها النووية (أو "خيار اللحظة الأخيرة" كما كان يسميه)·
وقد أحسن "بن جوريون" -وفق ما تظهر الوثائق- أن هذا السؤال لا يمكن تأجيله، وخصوصاً أن خلافاً نشب في التقديرات والرؤى بين مستشاره العلمي (الدكتور "إرنست بيرجمان") وهو الأستاذ الأشهر في علوم الطبيعة، وبين مساعده السياسي الذي اختاره للتشهيل والمساعدة ("شيمون بيريز")·
كان موضوع الخلاف أن الدكتور "بيرجمان" يريد أن يبدأ المشروع النووي الإسرائيلي من البداية حتى ينهض مؤسساً على أرض صلبة قابلة لتحمل ثقله، وقادرة على دفع إمكانيات تطوره· وعلى الناحية الأخرى فإن "شيمون بيريز" يقول برأي مخالف مؤداه أن البدء من البداية مضيعة للوقت لا تستطيع إسرائيل تحملها، وحسب قوله: "لماذا نعيد اختراع ما سبقنا الغير إلى اختراعه، ولماذا لا نوفر الوقت ونأخذه جاهزاً؟"!
وهنا برز سؤال كبير عما إذا كان ذلك متاحاً لإسرائيل؟- بمعنى: هل هناك طرف سبق تحصيل قدرة نووية متطورة يرضى بأن يساعد إسرائيل فيها؟ وأي مدى؟ وتحت أية شروط؟
وظل "بن جوريون" حائراً بعض الوقت بين مستشاره العلمي ومساعده السياسي· كان يرى وجهة نظر العالم ("بيرجمان")، ومن ناحية أخرى فقد بدا أن رأي مساعده السياسي ("بيريز") احتمال لا يصح إهماله -وهكذا طرح السؤال الكبير نفسه على مستوى لجنة الأمن في مجلس الوزراء الإسرائيلي، وكانت النتيجة (في وقتها) غير متوقعة لأن الإجابة على السؤال توصلت إلى أن:
"الدولة الوحيدة التي يُحتمل أن تساعد إسرائيل هي فرنسا؟"
والأسباب في مجملها على النحو التالي:
"بين الدول النووية القادرة نظرياً على مساعدة إسرائيل في أي مشروع نووي فإن:
1- الولايات المتحدة لن تقبل (في المستقبل القريب على الأقل) لأن مصالحها واسعة في العالم العربي، كما ان شركات البترول الأمريكية تملك نفوذاً على القرار السياسي الأمريكي في الشرق الأوسط·
2- بريطانيا حالة ميؤوس منها، فقد قام نفور بينها وبين إسرائيل من قبل إعلان قيام الدولة اليهودية، مضافاً إلى ذلك أن بريطانيا الآن مشغولة بترتيب أوضاعها في العالم العربي، وهي داخلة في مفاوضات مع مصر ومع العراق للوصول إلى معاهدات جديدة تحل محل معاهدات قديمة مع البلدين (معاهدة سنة 1936 مع مصر- ومعاهدة سنة 1930 مع العراق)·
3- الاتحاد السوفييتي لا يمكن حتى مفاتحته في الطلب الإسرائيلي، فهناك مشاكل معقدة مع الدولة السوفييتية، وهي مشاكل لها جذور تاريخية، كما أن لها امتدادات معاصرة أهمها الآن موجة اضطهاد عارمة ضد اليهود (بسبب قضية الأطباء الذين شارك بعضهم في علاج زعيم الاتحاد السوفييتي ذلك الوقت "جوزيف ستالين" ثم اتهموا بأنهم حاولوا دس السم له بتحريض من المخابرات الأمريكية)·
وإذن تبقى فرنسا؟
والمعضلة: هل ترضى فرنسا؟ وبأية شروط؟
وكان الرد الذي جرى التوصل إليه وصاغه "شيمون بيريز" في مذكرة لم يظهر نصها الكامل في الوثائق الاسرائيلية، وإنما ظهرت إحالات وإشارات لها، هو:
"1- إن فرنسا تشعر بمرارة من الطريقة التي يعاملها بها حلفاؤها الانجليز والأمريكان لأنهم لا يريدون- حتى الآن- اعتبارها طرفاً معهم على قدم المساواة في القرار السياسي الأعلى للدول الغربية·
2- وترتيباً على ذلك فإن بريطانيا بالذات تتصرف في أوروبا وخارجها بمنطق أنها مرتبطة مع الولايات المتحدة الأمريكية بعلاقات خاصة تجمع الناطقين باللغة الانجليزية (تلك كانت استراتيجية "ونستون تشرشل" في الحرب العالمية الثانية وبعدها)، ومن هنا فإن بريطانيا تتعامل مع فرنسا بنوع من التعالي يستفز الحكومة في باريس!
3- إن استفزاز فرنسا بواسطة بريطانيا- والولايات المتحدة أيضاً- بلغ مداه في الشرق الأوسط، إذ تآمرت بريطانيا مع بعض "الوطنيين المحليين" على "زحلقة" فرنسا من الشرق العربي (سورية ولبنان)·
4- إن الحركة الوطنية العربية أبدت معارضة ومقاومة لمصالح فرنسا رغم "جذور ثقافية فرنسية قديمة ولا تزال حية"، وهذه المعارضة والمقاومة واضحة ليس فقط في التضامن العربي مع استقلال سورية ولبنان، وإنما هذا التضامن العربي مستمر الآن وأكثر اندفاعاً في المغرب العربي تأييداً لاستقلال "تونس" و"المغرب"- وحتى "الجزائر"!
وفي وقت ما بين نهاية سنة 1954 وبداية سنة 1955 جرى تكليف "سيمون بيريز" بأن يبدأ في استطلاع "الأفق الفرنسي"·
وكان أول اتصال استطلاعي أجراه "شيمون بيريز" مع السفير الفرنسي (الجديد وقتها في تل أبيب) وهو السفير "بيير جيلبرت"·
ولم يقل "بيريز" للسفير الفرنسي- طبقاً للوثائق- كلمة واحدة عن "مشروع نووي إسرائيلي"، بل في الغالب- وكما يبدو من الأوراق- فإنه لم يتحدث أصلاً عن السلاح· وإنما كان مجمل كلامه للسفير الفرنسي أن "فرنسا في الظروف الراهنة تحتاج إلى صديق موثوق به في الشرق الأوسط· وهناك صديق جاهز ومخلص أيضاً، لكن فرنسا "مشغولة بغيره"!"
وأضاف "بيريز" ما مؤداه: "ان الولايات المتحدة الأمريكية لاتزال تحاول مع "ناصر" وتأمل أن تجعله صديقها في المنطقة· ثم إن بريطانيا تحاول مع الهاشميين في العراق والأردن· وأيضاً في سورية· وذلك يضع إسرائيل وفرنسا في نفس القارب معاً، وإذا تذكرت باريس، ومن مصلحتها أن تتذكر، أن تل أبيب تقع في منتصف المسافة بين القاهرة ودمشق- إذن فإنها سوف تكتشف أنه لا بد للبلدين (إسرائيل وفرنسا) أن تكون لهما في الشرق الأوسط سياسة متفق عليها بينهما وحدهما"!
ومما هو ظاهر في الوثائق فإن السفير الفرنسي "بيير جيلبرت" كان على استعداد للفهم، وقد اقترح على "بيريز" أن يقصد إلى باريس ويستطلع الأفق هناك بنفسه· وزاد السفير الفرنسي على ذلك بنصيحة أثبتت التجربة انها كانت صادقة ونافعة إلى أبعد حد، فقد كانت نصيحة السفير الفرنسي لـ "بيريز": "اذهب إلى فرنسا ولا تضيع وقتاً كثيراً مع الساسة، وإنما حاول أن تتصل بوكلاء الوزارات الدائمين، فهم القوة الحقيقية الآن في باريس لأن السياسة الفرنسية الحزبية تشهد حالة "هزلية" من عدم الاستقرار نتيجة لأزمات "الجمهورية الرابعة في فرنسا"، وهي أزمات مستعصية جعلت كل الوزراء في مهب الريح، وبالتالي ركزت السلطة الفعلية في يد البيروقراطية"!
ومن المدهش أن "شيمون بيريز" حمل تقريره عن لقائه بالسفير الفرنسي إلى "دافيد بن جوريون" رغم أنه لم يعد في ذلك الوقت رئيساً للوزراء، بل كان "أباً" غاضباً من جميع "الأولاد" ومعتزلاً في مستعمرة "سد بوكر"· لكن الوثائق تظهر أنه من هناك حيث "اعتزل" لكن الوثائق تظهر أنه من هناك حيث "اعتزل" كان لا يزال يشير ويوجه ويدير، وإليه وليس إلى رئيس الوزراء الذي خلفه ("موشى شاريت") يعود كل المنفذين في إسرائيل خصوصاً في الجيش والمخابرات- وحتى وزارة الخارجية التي احتفظ بها رئيس الوزراء الجديد لنفسه!
_________________________________________
* الكتب وجهات نظر العدد الحادي والعشرين - اكتوبر 2000
** كاتب صحافي .