العراق ونظام العقوبات: الضرورات كم أباحت من المحظورات؟
كتب محرر الشؤون الخارجية:
لم يشهد مطار صدام في بغداد منذ غزو دولة الكويت حركة جوية كالتي حدثت يوم الثلاثاء في 31 الشهر الماضي· فقد حطت فيه طائرات من روسيا وتركيا ولبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة تحمل مسؤولين رسميين أو رجال أعمال جاؤوا لحضور المعرض التجاري في بغداد· ثم كان رئيس الوزراء الأردني، الذي وصل بالطائرة أيضا، أرفع مسؤول عربي يزور بغداد منذ تحرير دولة الكويت· وما حصل في الآونة الأخيرة يتواصل: فالعراق استمر حتى أمس بتسيير رحلات داخلية من بغداد الى الموصل شمالا والبصرة جنوبا في خرق لمنطقتي الحظر الجوي، في حين وصلته طائرة روسية أخرى تحمل وفدا رسميا· فماذا يفعل النظام العراقي؟ وهل لذلك صلة قوية بنظام العقوبات؟ وكيف ينظر الى ذلك في ضوء أوضاع السوق النفطية حاليا؟
في ظل استمرار سياسة "الوضع القائم" الأمريكية تجاه العراق، وانقسام مجلس الأمن الدولي، وتدهور عملية السلام في الشرق الأوسط، و"إجازة" الانتخابات الأمريكية وازدهار أسعار النفط الذي أعاد العراق لاعبا رئيسيا في الأسواق، ليس غريبا أن يستنتج النظام العراقي أن عصر العقوبات ولّى· وإذا كان العراق مخطئا في تصوير الوضع الحالي لنظام
العقوبات، أو بالأحرى المبالغة في تصويره لجهة خلافات مجلس الأمن، فإن النظام العراقي قد يعمد الى اتخاذ قرارات خاطئة أساسها استنتاجات غير واقعية· وهذا ليس غريبا على صدام حسين·
في المقابل، ينبغي رؤية تطورات أخرى أكثر أهمية! إنها المبادرة البريطانية الرامية الى حوار مع بغداد يدفع هذه الأخيرة الى تنفيذ القرار 1284، الذي صاغته لندن واعتمده مجلس الأمن قبل أقل من سنة· إنها أيضا امتناع الولايات المتحدة عن ممارسة سياسة القوة، برغم رفض العراق القاطع استقبال اللجنة الدولية الجديدة للتفتيش والمتابعة والتحقق في ما يخص أسلحة التدمير الشامل (أنموفيك)·
ذلك أن السفير البريطاني لدى الأمم المتحدة هو الذي بادر في الآونة الأخيرة الى الاجتماع بالسفير العراقي سعيد حسن الموسوي، وأن وزير الطاقة الأمريكي بيل ريتشاردسون التقى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان قبل فترة ورفض الكشف عما دار بينهما· علما أن ريتشاردسون كان ممثل الولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية سابقا، بل إن بريطانيا تحركت لدى وزراء الخارجية العرب لدعم هذا الاتجاه أي محاولة التقدم باتجاه تنفيذ الـ 1284·
كان ذلك على صلة وثيقة بالنفط، من جانب الولايات المتحدة كما من جانب بريطانيا، فقبل فترة ليست بعيدة قال السفير الأمريكي السابق لدى المملكة العربية السعودية وليام ايكينز: "عندما يرتفع سعر برميل النفط الى ما فوق 30 دولارا سيعامل صدام حسين مثل الأم تيريزا (الراحلة صاحبة الأعمال الخيرية المشهورة في الهند) وربما كانت الولايات المتحدة أقل تأثرا بارتفاع أسعار النفط من بريطانيا· فهي لم تشهد إضرابات مثل بريطانيا والدول الأوروبية· لكنها في المدى البعيد ليست أقل اهتماما· ذلك أن 60 في المئة من الاستهلاك النفطي الأمريكي (19 مليون برميل يوميا) يأتي من الخارج أي ضعف المعدل المعروف عام 1983· وقس على ذلك النمو المطرد للاقتصاد الأمريكي· ففي التسعينات انخفض الإنتاج النفطي الأمريكي 15 في المئة في حين ارتفع الاستهلاك 11 في المئة· وتبقى أمريكا تستهلك 25 في المئة من الإنتاج العالمي· وهي تمتص جميع الصادرات النفطية تقريبا من كندا والمكسيك وفنزويلا· لكنها تزداد باطراد اعتمادا على واردات النفط من دول الخليج، بما في ذلك العراق· وفي هذه القضية هناك نقطتان:
- أن الشركات الأمريكية هي الأعظم قدرة على تطوير حقول النفط في العالم والأفضل في التكنولوجيا· وهذا له تأثير لاحق إذا حدث أي تغيير حاسم في أوضاع العراق·
- أن الصادرات النفطية العراقية الى الولايات المتحدة هي، حسب إحصاءات مؤسسة "إنداستري ريسيرش فاونديشن"، الأسرع نموا، وأن الشركات الأمريكية تستورد ثلث وارداتها من النفط العراقي من خلال وسطاء أجانب· وهكذا تدفع هذه الشركات العمولة للوسطاء من الصين وروسيا وفرنسا، فيقل هامش ربحها·
ربما كانت "الضرورة النفطية" والمبادرة البريطانية واتباع واشنطن سياسة "اللاسياسة" تجاه العراق هي التي دفعت مجتمعة الى تبريد الملف العراقي، وشجعت بغداد على تغيير لغة تحديها من دون التخلي عن التحدي· فبدلا من توجيه التهديدات والاستفزازات العسكرية تجاه الكويت والمملكة العربية السعودية، لا بأس من وجهة نظر بغداد باستفزاز الولايات المتحدة وبريطانيا في ظل أزمة نفطية وشبه انهيار لعملية السلام وفي جانب ليس هناك اتفاق في مجلس الأمن عليه! إنه خرق منطقتي الحظر الجوي بطائرات مدنية·
إن واقع حدوث مبادرة بريطانية تجاه العراق أساسها المعلن القرار 1284، ودوافعها ربما تكون وثيقة الصلة بالنفط، يؤدي حكما الى جعل الكرة في الملعب العراقي· لكن هذا لا يعني حكما قرب الوصول الى تفاهم لتطبيق الاتفاق· ذلك أن برنامج صدام حسين مختلف عن برامج القادة العرب الذين يعلنون معارضة نظام العقوبات وإن تقاطعت المصالح الآنية: فالرحلات الجوية ترمي الى تحقيق مصالح تجارية ومعنوية (لجهة تنفيس الأوضاع في ظل نقمة شعبية على السياسة الأمريكية من دون أن تدفع الأنظمة شيئا من جيبها)·
وربما كان سكوت الأمريكيين عن المبادرة البريطانية بمثابة رضى عن نتيجة معروفة سلفا: أي أن رمي الكرة في الملعب العراقي لن يؤدي الى رد عراقي إيجابي، وهذا مستبعد· فالأموال التي يجنيها النظام العراقي من النفط لا سيما في فورة أسعاره، مضافة الى عائدات النفط المهرب، لن تؤدي وجيوب صدام ممتلئة الى تليين لمواقف نظام بقي معاندا عندما كانت الصادرات النفطية متوقفة·
في ظل هذه الأجواء المتقلبة، يحاول النظام العراقي تصوير نظام العقوبات وكأنه في طريقه الى الانهيار· وتساعده في ذلك وسائل إعلام عربية معروفة· لكن دون "شهد" رفع العقوبات من "إبر" تنفيذ القرارات الدولية· وهذا استنادا الى موقف السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة جان - دافيد لوفيت، الذي قال لصحيفة "لوموند": حتى لو استطاعت فرنسا أن تفرض رؤية متوازنة وقانونية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن (بشأن تسيير رحلة جوية الى بغداد) فهي لم تنس قط نزع السلاح (العراقي) باعتباره العنصر الأساسي من أجل رفع العقوبات·
وهنا تعود بغداد للاصطدام بالقرار 1284، برغم ما تثمره لها الفورة النفطية· فالبريطانيون يحاولون دفع الفرنسيين والروس الى إقناع بغداد بأن مصلحتها هي في التعاون مع لجنة "أنموفيك"، في حين أن النظام العراقي يصر على أن يتحدد موعد معروف لإنهاء العقوبات وعلى معرفة مصب عائدات النفط بعد تعليقها وعلى التأكد من وقف الغارات الجوية الحليفة، وقال مصدر في مجلس الأمن لـ "لوموند": هذه أسئلة ليس لدينا جواب عنها·