كتب المحرر السياسي:
أثارت وفاة النائب سامي المنيس - في حينها ولا تزال - مخاوف القوى الوطنية من فقدانها نائبا صلبا ومدافعا عنيدا عن المكتسبات الدستورية وعن مصالح الأمة، وعبّر المواطنون الذين شهدوا مراسم الوفاة والتعازي بعفوية تامة عن هذه المخاوف والنتائج المحتملة، وأبدوا رغبة عارمة في مساندة بديل يحمل هموم الوطن ويُعلي مصالح البلاد·
من خلال تلك الأجواء، يفترض أن تشهد الكويت الانتخابات التكميلية للدائرة العاشرة، أو ما اتفق على تسميتها بـ "انتخابات العديلية"، فانتخابات العديلية تختلف عن أية انتخابات أخرى، أولا لأنها تكميلية، مع ما يستتبع هذا من استحقاقات، وثانيا لأن نائبها الغائب لم يكن نائبا عاديا يسهل نسيانه أو ملء الفراغ الذي خلفه·
والانتخابات التكميلية تشهد عادة تنافسا حادا يفرضه أمران، الأول أن للناخب صوتاً واحداً لا غير، وهو الأمر الذي يعقّد تحركات جميع المرشحين، فلا تحالفات ولا تبادل أصوات ولا مجاملات أيضا· والثاني أن الدائرة تكون محط أنظار واهتمام البلاد بطولها وعرضها، وبالتالي فإنها تستحوذ اهتمام المواطنين وتدفعهم للمشاركة بصورة مباشرة وغير مباشرة· فإذا أضفنا الى هذا الوضع خصوصية "انتخابات العديلية" من حيث شخصية نائبها الغائب بثقله التاريخي ودوره الوطني العريق، وإذا أضفنا أيضا تنافس - أو تنازع - كل القوى السياسية - تقريبا - على الفوز بالمقعد الشاغر، فإننا - بكل المقاييس - أمام انتخابات صعبة للجميع·
إذا نحينا جانباً كل المعطيات الموضوعية التي تقدمت، فالسؤال الذي يفرض نفسه على الجميع: ما العمل؟
معركة القوى الوطنية
المهمة الأكبر تقع أساساً على عاتق القوى الوطنية الديمقراطية المدافعة عن الحريات العامة وحقوق الإنسان قبل أن تقع على كاهل المواطنين، فهذه القوى يجب أن تعتبر أن "انتخابات العديلية" هي بداية الطريق في المعركة ضد قوى الظلام والرجعية، فتكثيف الجهود ورص الصفوف في "العديلية" يجب أن يكون بداية المواجهة بين القوى الديمقراطية التي تسعى لتحقيق الرفاه للشعب الكويتي على أساس تحقيق المصلحة الوطنية العامة وبين القوى الأخرى الظلامية المعادية للشعب، لأن الشعب الكويتي مصلحته في الحفاظ على مكتسباته الدستورية وتكريس الحريات العامة ومبادئ حقوق الإنسان، وعليه فإن القوى التي لا تؤمن بهذه المبادئ هي بداهة تعمل ضد الشعب وتتسلق على أكتافه حتى تبلغ مرادها في الهيمنة ومن ثم إشاعة الظلام لأنها لا تحسن العيش بدونه·
ويجب أن تعي القوى الوطنية الديمقراطية بكل عناصرها وأطيافها أن تكاتفها وتضامنها هما الضمانة الوحيدة لبناء مستقبل زاهر تنمو فيه الديمقراطية والحريات وينعم من خلاله أبناؤنا بالرفاه الذي ننشده، ويجب أن تعي هذه القوى أن الألف ميل تبدأ بخطوة "وانتخابات العديلية" هي الخطوة التي يجب أن تخطوها القوى الديمقراطية والوطنية مجتمعة·
من هنا أيضاً، يجب أن تعتبر القوى الوطنية الديمقراطية أن "انتخابات العديلية" أساس لبناء لحمة وطنية تستثمر لإنقاذ البلاد من شرور الاتجاهات والقوى الظلامية والرجعية، وعليه أيضاً يجب أن تكون "انتخابات العديلية" بداية لمواجهة تلك القوى في كل مكان: في الجمعيات التعاونية والأندية الرياضية وجمعيات النفع العام، وفي انتخابات مجلسي البلدي، والأمة· "فانتخابات العديلية" هي معركة جميع القوى الشريفة في البلاد وهي بداية "المشوار"·
مسؤولية المواطنين
المسؤولية التي تقع على عاتق المواطنين جميعهم (في الكويت كلها) وعلى ناخبي "العديلية"
خاصة كبيرة وضخمة، ذلك أن الفرز يفترض أنه أصبح واضحا بعد كل السنوات التي شهدتها تجربتنا البرلمانية المتعثرة، وهي تعثرت بالمناسبة ليس بسبب ممارسات المواطنين تجاه تجربتهم الرائدة، فلقد أثبتوا طيلة السنوات الماضية وعيا كبيرا، ولكنها تعثرت بسبب ممارسات معادية للدستور قادت زمامها عناصر رجعية جاهلية لا تؤمن بالدستور ولا بالحريات العامة وحقوق الإنسان، حيث شاءت الظروف أن تتشكل هذه العناصر من أقطاب في مواقع السلطة من طرف ومن قوى سياسية متخلفة تغلب مصالحها الحزبية على أي شيء آخر·
لذلك، فإن الوعي المطلوب من المواطنين اليوم هو إدراك أن المعركة ليست معركة أسماء بقدر ما هي بالأصل معركة توجهات ومواقف، فالمواطن الكويتي أصبح يعرف اليوم أكثر من أي وقت مضى - خصوصا بعد أن امتلأت الذاكرة بالمواقف - مَنْ مِن المرشحين - على امتداد الدوائر الخمس والعشرين وليس فقط في العديلية - يعادي التجربة الديمقراطية في الكويت ويقف ضد المكتسبات الدستورية والوطنية التي حققتها نخبة من رجالات الكويت الأجلاء؟ ومن منهم من يقف مدافعاً بصلابة عن تلك العطاءات والمكتسبات ويحاول دائما وأبدا أن يكرسها ويبذل الجهود المخلصة لتعزيزها؟
وأصبح يعرف أيضا مَنْ مِن المرشحين الذين يتآمرون لقبر الحريات ووأد حقوق الإنسان؟ ومن الذين يحاولون تسييجها بالمواقف والتشريعات من أجل صيانتها؟
ويعرف الكويتيون أيضا من الذين يلهثون وراء مصالحهم الشخصية أو الذين يغلّبون مصالح أحزابهم الظلامية، دون أن يعيروا الوطن ومصالحه أدنى التفاتة؟ ومن الذين يعملون جاهدين لإعلاء صوت الحق وتثبيت أركان دولة القانون والمؤسسات؟
المهمة ليست صعبة، المطلوب فقط الحذر من حملات التشويش والتشويه التي ستطال الوطنيين، فليس مهما نجاح الأشخاص بقدر نجاح المواقف، فالفرز واضح والحملات المشبوهة أيضاً أصبحت واضحة للعيان·
المعركة، إذاً، مكشوفة·· والكل يراقب·· ويبقى الدور الأكبر على كاهل الجميع·· والكويت كلها ستراهن على وعي أبنائها·