· التنشئة الاجتماعية هي عملية يتم من خلالها تعلم الطفل الدور الاجتماعي، وإكسابه أنماطاً سلوكية مرغوباً بها من خلال الأسرة
· المجتمعات الخليجية تحصر وظيفة المرأة في تأدية غرض أساسي هو الزوجية بمفهومها الخضوعي، والوضع الاقتصادي أعطى الرجل كثيرا من الامتيازات لعزل المرأة
· هيمنة قيم الذكورة في مجتمع ما، تعكس طبيعة القيم الاجتماعية، والمعتقدات السائدة والثقافة التي تمنح الذكورة قيماً تفضيلية
· الذكور في الأسرة غالباً ما يحاطون بالاهتمام والرعاية الزائدة، ويظهر التحيز بوضوح في مجالات التعليم والترفيه
د· علي أحمد الطراح
عميد كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت
تبحث هذه الدراسة في العلاقة بين قيم الذكورة والتنشئة الاجتماعية في المجتمع الكويتي، فعلى الرغم من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي مر بها المجتمع الكويتي فإننا نجد أن قيم الذكورة ما زالت تؤثر في أساليب التنشئة الاجتماعية، مما يترتب عليه خلل في تعلم الأدوار للجنسين، وتؤدي الثقافة دوراً كبيراً في التأثير في أساليب التنشئة الاجتماعية، والثقافة العربية مازالت متأثرة بكثير من العناصر التقليدية التي تمجد الذكورة·
إن القراءة الاجتماعية المتأنية للمجتمعات العربية بصفة عامة، والمجتمع الخليجي والكويتي بصفة خاصة تؤكد على أن قيم الذكورة مازالت تحتل قمة هرم منظومة القيم الموجهة للبناء الاجتماعي بأنساقه ونظمه وظواهره· هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن قيم الذكورة في المجتمع الكويتي- محور الورقة البحثية الحالية- تمثل موروثاً ثقافياً كامناً داخل نسيج البناء الاجتماعي، تتجسد صوره وأشكاله في أساليب التنشئة الاجتماعية التي تكسبها الأسرة الكويتية لأطفالها ليس منذ لحظة الميلاد فقط، بل منذ اللحظة التي يحدث فيها الحمل· وفي هذا السياق تشير "أورزولا شوى" في كتابها: "أصل الفروق بين الجنسين، إلى أن الأطفال منذ ما قبل ولادتهم يوسمون بصورة مستمرة ومنظمة بأداء دور جنسي محدد، إما ذكراً وإما أنثى" (شوى، 7:1986)·
وعلى الرغم من الكم المتنامي من المؤلفات والكتابات، والبحوث والدراسات والمؤتمرات، والندوات، وحلقات البحث، وورش العمل التي تمحورت كلها حول قضايا التنشئة الاجتماعية وأساليبها، فضلاً عن محاولات علماء الاجتماع، والانثروبولوجيا، وعلم النفس الاجتماعي، والتربية: تأصيل مفاهيم التنشئة الاجتماعية ونظرياتها وأساليبها (Williams, 1988) فإننا لا نجد ذلك التناول من حيث الدرجة في الشمول، ومن حيث العمق في المعالجة فيما يتعلق بارتباط قيم الذكورة بأساليب التنشئة الاجتماعية، حيث لا نجد سوى بعض الكتابات والبحوث والدراسات المتفرقة، وبخاصة السسيولوجية والأنثروبولوجية(1)، التي تناولت تلك التأثيرات التي تحدثها قيم الذكورة في تشوه الأنساق المكونة للبناء الاجتماعي (Coplan, 1987)، والدور الذي تؤديه قيم القبلية، والعائلية، والطبقية، والطائفية في ترسيخ قيم الذكورة وتعظيمها·
وبسبب خطورة التأثيرات الاجتماعية الناجمة عن تعظيم قيم الذكورة في المجتمع الكويتي، والتي من شأنها خفض دور المرأة الكويتية ومكانتها في التنمية المستديمة وحصر نطاق إسهاماتها ومشاركتها في قضايا ثانوية وجزئية ضيقة، فقد حاولت هذه الورقة البحثية في الجزء الأول منها تأسيس مدخل نظري لدراسة أساليب التنشئة الاجتماعية في علاقاتها بقيم الذكورة، وذلك من خلال عرض تحليلي للنظريات الاجتماعية المفسرة للدور الذي تؤديه أساليب التنشئة الاجتماعية في ترسيخ قيم الذكورة، وعلى وجه الخصوص نظريتي تقسيم العمل والدور الاجتماعي وماهية الدور الذي تقوم به تلك الأساليب والنظريات في عملية اكتساب الأطفال التمييز بين جنس ونوع كل من الذكر والأنثى·
وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم الجنس يشير إلى الفروق البيولوجية بين الذكور والإناث، أما النوع فيشير إلى الإنسان من حيث كونه رجلاً أو إمرأة بما يتضمنه ذلك من سمات اجتماعية وثقافية مميزة لكل نوع (Goodman, 1992)·
أولاً: أساليب التنشئة الاجتماعية وقيم الذكورة
بداية سوف تبتعد هذه الورقة البحثية عن الأساليب التقليدية في منهجية العرض التي تلزم الباحث بحصر معظم التعريفات التي تناولت مفهوم التنشئة الاجتماعية، وذلك بهدف الخروج بتعريف إجرائي للمفهوم، ولكن المدخل الأرحب الذي سوف نلتزم به في التناول يتحدد في عرض التعريفات الخاصة بمفهوم التنشئة الاجتماعية وتحليلها ومناقشتها، ومحاولة تجلية الدور الذي تقوم به أساليب التنشئة الاجتماعية التي تكسبها الأسرة لأطفالها في ترسيخ قيم الذكورة·
فالتنشئة الاجتماعية كما يعرفها "ريتشاردسون" تبدأ في الجماعة الأولية التي يعيش فيها الطفل، وهي الأسرة التي تقوم بإكسابه نماذج السلوك من خلال العلاقات الأسرية التي تتميز بأنها علاقات الوجه للوجه، وذلك التوجيه أو الإكساب يأخذ ثلاثة مسارات، يتمثل الأول في إكسابه التجارب الوالدية، ويتحدد الثاني في تلقين الطفل المعارف الاجتماعية، أما المسار الثالث فيتعلمه الطفل من خلال الجماعة الثانوية الأولى، ويقصد بذلك جماعة الأصدقاء أو عصبتهم التي تعلمه لغة الثقافة، وتعلمه مهارات الاتصال، وتعلمه أيضاً كيف يفكر· ويؤكد "ريتشاردسون" أن جماعة الأصدقاء تعلم الطفل أسس الطبيعة الاجتماعية، والمثل الاجتماعية الأساسية للثقافة، حيث يحتاج الأطفال في هذه المرحلة إلى التفاعل· ويبدأ الأطفال في هذه المرحلة "تعلم الإحساس أو الشعور بطبيعة اختلافات النوع، وأهم هذه الاختلافات توقعات النوع، وهذه الأفكار والنماذج شديدة الصلة بالسلوك النوعي اللاحق"·
نخلص من ذلك بأن الطفل يبدأ في تعرُّف نوعية جنسه خارج الجماعة الأولية وهي الأسرة، وبالتحديد كما يشير "ريتشاردسون" في جماعة الأصدقاء أو زمرتهم التي تعلمه التفاعل، والنماذج شديدة الصلة بالسلوك النوعي، ومعنى ذلك أن هناك نماذج من السلوك والتفكير، والطبيعة الاجتماعية، ولغة الثقافة مرتبطة بالذكورة ونماذج أخرى مغايرة مرتبطة بالأنوثة(3)·
وإذا حاولنا تحديد تعريف شامل يمثل جماع تعريفات علماء الاجتماع حول مفهوم التنشئة الاجتماعية فإنه لا يخرج عن كونه "عملية اجتماعية يتم من خلالها تعلم الطفل الدور الاجتماعي، وإكسابه أنماطاً سلوكية مرغوباً فيها من خلال الجماعة الأولى في حياته وهي الأسرة، حيث يقوم الوالدان بتعليم الطفل كيفية مواجهة المواقف المختلفة" (Williams, 1983:397)·
وعلى الرغم من تكامل هذا التعريف وشموله فإنه لا يحدد علاقة أساليب التنشئة الاجتماعية التي يكسبها الوالدان لأطفالهما بقيم الذكورة، ويؤكد ذلك ما سبق أن أشرنا إليه من أن هناك ما يشبه الندرة في الكتابات والمؤلفات أو حتى في البحوث والدراسات التي تناولت قيم الذكورة في علاقاتها بالتنشئة الاجتماعية·
ويؤكد ذلك أيضاً- على الرغم من عدم الإشارة الواضحة إلى تضمين قيم الذكورة في أساليب التنشئة الاجتماعية- أن هناك اختلافاً في إكساب الأبناء القيم الاجتماعية ونماذج السلوك والاتجاهات بين الذكر والأنثى· الأمر الذي نجد له صدى في كتابات "ريتشاردسون" عندما يعرض لمراحل التنشئة الاجتماعية التي تبدأ بالجماعة الأولية الأولى في حياة الطفل وهي الأسرة ثم جماعة الأصدقاء أو زمرتهم التي تشعر الطفل لأول مرة بالتباين بين الذكورة والأنوثة، أو بين وجوده ذكراً أو أنثى، ومن بعدها يأتي دور المدرسة التي يبدأ منها الإحساس الفعلي بقيم الذكورة وقيم الأنوثة، ولهذا نجد "ريتشاردسون" يخصص جزءاً كاملاً من كتابه عن ديناميكية الجنس والنوع ويضع عنواناً عن موضوع "عزل الجنس: سياسات وممارسات" والذي يشير فيه إلى أن المدارس كانت تقدم من خلال مناهجها في مرحلة تاريخية سابقة تعليماً للذكر وآخر للأنثى مختلفي المسار·
ويعني ذلك القيام بتعليم الاناث والذكور من أجل مجالات عمل مختلفة، من خلال سياسات بنائية محددة، تضيق الفرص المهنية أمام الإناث (Richardson, 1981: 43-45)·
ولئن كانت الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى والأساسية في عملية التنشئة الاجتماعية للأبناء فإن الأسرة تعد حلقة واحدة في سلسلة من الحلقات المتداخلة التي تؤدي أدواراً رئيسية في عملية التنشئة الاجتماعية بجانب الأسرة، ونعني بتلك الحلقات جماعة الأصدقاء أو زمرتهم، ثم المدرسة أو المؤسسات التربوية، ثم وسائل الاتصال الجمعي المتمثلة في الإذاعة، والتلفاز، والصحف، والمجلات، والسينما، والمسرح، والكتاب، والمسجد··· إلخ، وعند محاولة حصر تلك الحلقات فسوف نجد أن التحولات السريعة والمتعاقبة قد أفرزت لنا حلقات أخرى أشد تأثيراً في عملية التنشئة الاجتماعية، مثل الحاسبات الآلية وشبكات الانترنت·
ويؤكد "كاساكاردي، وماير" "Cascardi & Mayerس (1994) على ضوء استعراضهما لنتائج كثير من الدراسات الحديثة على تكامل الأدوار التي تقوم بها مؤسسات التنشئة الاجتماعية، مثل الأسرة والمدرسة والتفاعل مع الأقران والتلفاز في تعميق الفروق بين الأدوار التي يقوم بها كلا الجنسين، حيث تمثل استجابات الوالدين للأبناء منذ الميلاد اللبنات الأولى لتنمية الفروق بين النوعين على أساس الأدوار المميزة لكل من الذكور والإناث، حيث تحصل الإناث من الوالدين على انتباه أقل واستجابة أقل لحاجاتهن مقارنة بالذكور، ثم تأتي المدرسة لتؤكد هذا التمييز، حيث يحظى الذكور باهتمام أكبر من الإناث في الأنشطة الأكاديمية، وبذلك يدعم المعلمون والمعلمات ويشجعون الدور المميز لكل نوع، كما تتأكد هذه الفروق من خلال التفاعل الاجتماعي مع الأقران من الذكور والإناث، حيث يستخدم الأولاد العدوان حلاً لصراعاتهم، في حين تلجأ البنات إلى الاقناع اللفظي ويتجنبن الصراع، ويتعلمن الخضوع، ثم يأتي التلفاز الذي يقضي الأطفال في مشاهدته وقتاً أكثر من أي نشاط آخر- ليعطي تدعيماً مستمراً للفروق بين النوعين في الأدوار من خلال ما يعرضه من نماذج تؤكد سيطرة دور الذكور·
إن المجتمعات الإنسانية تختلف من حيث درجة التباين بين الجنسين، فنجد أن هناك مجتمعات تبدأ بعملية التفرقة بين الجنسين في سن مبكرة، ومجتمعات أخرى لا تهتم بهذه العملية، وقد شكل هذا التباين عبر الأزمنة المتتابعة نظرية تقسيم العمل التي أشار اليها "إميل دوركايم"، وذلك على أساس أن هناك أعمالاً يقوم بها الذكور، وأعمالاً أخرى تقوم بها النساء (Durkheim, 1938)·
وفي هذا السياق أيضاً يشير "حسن سعفان" (1975) إلى أنه في كثير من المجتمعات القديمة والبدائية يسود نظام الانتساب للأم، حيث يحمل الأطفال لقب أسرتها Matrinymic، في هذه المجتمعات تكون الأم رئيسة الأسرة والمديرة لشؤونها في الغالب، في حين يؤدي الأب دوراً ضئيلاً للغاية في حياتها، وعلى العكس من ذلك في مجتمعات أخرى، حيث نجد أن الأطفال يحملون اسم عائلة الأب الذي يعد رئىس الأسرة وصاحب الكلمة العليا في تدبير أمورها وشؤونها·
ذلك يعني أن هناك مراحل تاريخية محددة كانت فيها قيم الأنوثة هي السائدة، وعلى وجه الخصوص في المجتمعات القديمة والبدائية، حيث كان الأبناء ينتسبون إلى الأم، ومن ثم تصبح الأم هي رئيسة العائلة، ولم يكن للرجل أي دور أو وظيفة سوى رعاية الأطفال· وقد أعقب هذه المرحلة التاريخية قيم الذكورة، ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى طبيعة الثقافة السائدة، وطبيعة القيم المسيطرة التي تتمحور حولهما عملية التنشئة الاجتماعية، وقد تكون مكانة الأم أو الأب في الأسرة مرتبطة -إلى حد كبير- بالدور الاقتصادي الذي يقوم به أحدهما·
إن هيمنة قيم الذكورة في مجتمع ما تعكس طبيعة القيم الاجتماعية، والمعتقدات السائدة، والثقافة التي تمنح الذكورة قيماً تفضيلية، وعندما نشير إلى أن الذكورة تمثل القيمة الفضلى في المجتمع، فذلك لا يعني بالضرورة أن كل رجل وكل امرأة يشعر بذلك، إنما يعني أنها حالة عامة في المجتمع، أو شعور جمعي كما يشير إلى ذلك "إميل دوركايم"، حيث يسيطر هذا الشعور على ثقافة أفراده، بحيث يمارسونها دون وعي منهم (عوده، 1980)·
ويتجسد هذا الشعور في رموز الثقافة، والتعابير اللغوية، وفي أنماط التفكير، ونماذج السلوك، ويصل ذلك إلى الدرجة التي تشكل قناعات لدى أفراد المجتمع، ويصبح جزءاً من الطبيعة الاجتماعية السائدة، حتى إن أفراد كل نوع أصبحوا قانعين بالدور الذي خصصه لهم المجتمع·
وتفرق "ميريام جونسون، وجين ستوكارد" "Johnson & Stockardس (1980) بين الذكورة والأنوثة، حيث تشير الذكورة إلى قيم السيطرة والتسلط والاستبداد والعدوانية، في حين تشير الأنوثة إلى الخضوع والحياء والخجل والاعتمادية·
وعلى الرغم من أن المؤلفتين قد وضعتا صفات خاصة لكل من الذكورة والأنوثة فإننا لا نتفق معهما في ذلك، حيث لا نجد أي أسس أو مبادئ اعتمدت عليها المؤلفتان في تلك التفرقة، كما أن كثيراً من علماء الانثروبولوجيا أرجع وجود هذه التباينات إلى التطور التاريخي لتقسيم العمل، فالمجتمع من خلال مؤسساته الاجتماعية مثل: الأسرة، والمدرسة، ووسائل الاتصال الجمعي··· إلخ يرسخ أدواراً متوقعة، وأنماطاً من السلوك مرتبطة بها·
إن التحليل الاجتماعي لقيم الذكورة والأنوثة في المجتمعات العربية بصفة عامة، وفي المجتمعات الخليجية بصفة خاصة، وإن كانت تحمل مضامين بيولوجية فإنها في حقيقة الأمر تحمل مفاهيم اجتماعية- ثقافية يتحدد بناء عليها دور كل من الولد والبنت، وتقوم مختلف المؤسسات الاجتماعية: الأسرة، والمدرسة، ووسائل الاتصال الجمعي بتدعيم قيم الذكورة وتعظيمها، وإهمال ما عداها من قيم (Goodman, 1992)، وأعني هنا قيم الأنوثة، حيث ينظر إليها من خلال اتجاه أحادي يتمثل في نظرة الذكر إلى الأنثى، أي أن قيمة المرأة في المجتمع تتحدد من خلال قيم الذكورة(4)·
ولا نستطيع أن نغفل في هذا المجال ما ترتب على هذه النظرة المنخفضة إلى دور المرأة من أضرار بالغة بصحتها الجسمية والنفسية، فقد أشارت دراسات كثيرة في السنوات الخمس الأخيرة إلى الآثار السلبية لهذه التفرقة، مثل النقص في إدراك الذات (Lavitt, 1996) أو انخفاض تقدير الذات نتيجة لاتجاه الرفض من قبل الأب (Conte, Plutchik, Picard & Buck, 1996) وسيادة الاعتمادية بوصفها استراتيجية للتوافق Roehling, (Koelbel, Rutgers, 1996) والمعاناة من خبرات الألم والقلق والتوتر وعدم اليقين (Waiters, Charles, 1997) وظهور الاكتئاب (Nazroo, Edwards & Brown) (1997 Ahnlund, Frodi, 1996, Sprock & Yder, 1997) وخصوصاً الاكتئاب النفسي الجسمي (السيكوسوماتي) المصحوب بالقلق (Silverstein, Clanson, Perdue Carpman, Cimarolli, 1998) والتعرض لأعراض الهستيريا (Hamburger, Liliembeld, Hogben, 1996)·
وإذا كانت أساليب التنشئة الاجتماعية التي يقوم الوالدان من خلالها بإكساب أولادهما القيم الاجتماعية، والاتجاهات، والخبرات، ونماذج السلوك تعد من وجهة النظر الاجتماعية من أهم المراحل في حياة الطفل، فإن الأمر يدفعنا إلى التأكيد على مجموعة من المحاور الرئيسية التي تحدد طبيعة مرحلة الطفولة، والدور الذي تقوم به أساليب التنشئة الاجتماعية في توجيه الطفل لتعرف جنسه ونوعه·
يتحدد المحور الأول في عدم قدرة الطفل على إدراك كينونته، ويتمثل المحور الثاني في الدور الأساسي الذي تقوم به أساليب التنشئة الاجتماعية في بلورة شخصية الطفل، أما المحور الثالث والأخير فيتعلق بشخصية الوالدين وتكوينهما الاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي، حيث إن ذلك التكوين له الأثر الكبير في صياغة القيم والاتجاهات والمعايير، ونماذج السلوك لدى الطفل، ويشير كثير من علماء الاجتماع والتربية إلى أن كل ما يكتسبه الطفل من الوالدين يساعده كثيراً في تكوين شخصيته وصياغتها بل في تكيفه مع جميع المواقف التي يتعرض لها (Weitzman, 1979)·
إن هذه المحاور الثلاثة تشكل مدخلاً رحباً لفهم عملية اكتساب الطفل للقيم والخبرات وأنماط السلوك والتفكير؛ أو بمعنى أكثر تحديداً فإن هذه المحاور تحدد عملية استفادة الطفل من المخزون أو الموروث الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في فهم العالم المحيط به داخلياً وخارجياً وفي إدراكه لذاته·
ويعد "تالكوت بارسونز" وزملاؤه من أبرز علماء الاجتماع الأمريكيين، حيث قدم نموذجاً عملياً ونظرياً لفهم طبيعة تعلم السلوك، وحاول المزج بين الأفكار والاتجاهات التي تفسر السلوك من خلال التعلم الاجتماعي، والنمو المعرفي من خلال المواءمة بين أفكار التحليل النفسي، وأفكار التعلم الاجتماعي، والنمو المعرفي فيما سمي بنظرية الدور الاجتماعي (Parsons et al., 1978)·
وفي إطار هذا السياق ذاته يشير "علي ليلة" (1994) إلى أن "بارسونز" أراد صياغة نظرية عامة وشاملة بالنظر إلى تعميمات العلوم الإنسانية الثلاثة (علم النفس، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا)·
ومن وجهة نظر "بارسونز" فإن الدور الاجتماعي يتم تعلمه من خلال البيئة الاجتماعية، وبمعنى أكثر تحديداً فإن الطفل يتعلم الدور الاجتماعي من خلال أساليب التنشئة الاجتماعية التي يكسبها له والداه، وأكد "بارسونز" أيضاً على عملية إكساب الطفل القيم، والاتجاهات، والمعايير، والنماذج السلوكية، حيث إنها تشكل ضوابط خارجية للطفل وأفعاله في المجال الاجتماعي، وبمجرد استيعاب الطفل لهذه القيم فإنها تتحول لتصبح جزءاً من كيانه الذاتي، وتتولى ضبط سلوكه من الداخل· ومعنى ذلك أن "بارسونز" يعطي القيم دوراً دينامياً مدعماً لشخصية الطفل سواء أكان ذلك من خارجه أم من داخله (ليلة، 1994)، تساعد الطفل على تعرف دوره وكينونته سواء من حيث الجنس Sex، أو من حيث النوع Gender·
ويشير "لينون وايتزمان" إلى أن عملية تعرف الدور الجنسي والنوعي تبدأ فيما بين الثالثة والرابعة من العمر، حيث يبدأ الطفل في تعرف نوعه وتعلم السلوك المرتبط به، وقد تم تقسيم هذه العملية إلى ثلاثة مستويات، يتمثل المستوى الأول في مرحلة التمييز بين مفهوم الرجل والمرأة، ويبدأ الطفل بعملية الربط بين السلوك والنوع، ويتحدد المستوى الثاني في تعبير الطفل عن السلوك المناسب، أما المستوى الثالث والأخير ففيه يبدأ الطفل في ادراك السلوك لكل جنس (Weitzman, 1979: 132)·
تبدأ مرحلة التمييز بين الرجل والمرأة لدى الطفل إذن من خلال ملاحظاته للمحيطين به، ومعنى ذلك أن هذه المرحلة لصيقة بعملية التنشئة الاجتماعية التي يتحول الطفل من خلالها من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي، حيث يلحظ الطفل من يحيط به في طريقة ملبسهم، وأنماط سلوكهم مع الآخرين، واتجاهاتهم إزاء الأشياء المادية المحيطة بهم، ويبدأ في مراحل النمو الأولى بتعرف نفسه من خلال التصاقه بأمه، ويبدأ الطفل الذكر أيضاً في مرحلة لاحقة بتعرف نفسه من خلال الدور الذي يقوم به الأب بالنسبة لأمه، أو ما يعرف بالذكورة، ويؤكد "لينون وايتزمان" على أن عملية تعرف جنس الطفل ونوعه تكون أسرع بالنسبة للطفل الذكر عنها بالنسبة للطفل الأنثى (Welizman, 1979: 141)·
وتذكر "سوزان ويت" في دراستها عن تأثير الوالدين في التنشئة الاجتماعية للأطفال لإعدادهم للأدوار الخاصة لكل نوع، أن هذه التنشئة تبدأ في وقت مبكر من عمر الطفل، إذ وجدت فروقاً في الوعي بالدور لدى الأطفال من عمر سنتين، حيث يستدخل الأطفال الرسائل التي يتلقونها من والديهم عن دور كل نوع وما يتوقع منه، بحيث تصبح النمط المميز للدور الذي يحدد سلوك كل منهما واتجاهاته وخبراته (Witt, 1997)·
وفي هذا السياق، وتحديداً حول نظرية الدور الاجتماعي وتطبيقاتها على الفروق بين الجنسين تشير "أورزولا شوى إلى أنه مع ازدياد تطور آراء الأدوار تبرز الصلات الإنسانية بشكل أوضح، حيث يصل الأمر إلى الألعاب الجماعية، ومن خلال هذه الألعاب يعيد الطفل انتاج الصلات الاجتماعية بين الكبار، والصلات الجنسية المميزة للنساء والرجال، ومن ثم علاقات السيطرة والخضوع بين الجنسين، فالبنت والولد مثلاً يلعبان دور الممرضة- الطبيب، مضيفة- طيار، أم- أب (شوى، 54: 1982) إن معنى ذلك من وجهة نظرية الدور الاجتماعي أن البنت تعيد انتاج منزلتها المنخفضة، وأن الولد يعيد انتاج منزلته المتعاظمة، وهنا نؤكد أن البداية تبدأ من ثقافة المجتمع التي تسمح بدونية الدور الأنثوي عندما ترسخ قيم المجتمع ذلك الدور من خلال جميع وسائل الاتصال الجمعي التي تعرض الأدوار الأنثوية مقترنة بالخضوع والتبعية، في حين أن الأدوار الذكرية تقترن بالاستقلالية والتفوق، وهذا يعني أن وسائل الاتصال الجمعي، والمجلات المصورة، والتلفاز، وأدب الأطفال ترسخ الفروق البيولوجية والنوعية بين الجنسين·
إن من أهم النتائج المترتبة على تعلم الدور الجنسي ما يشير إليه كل من "رونالد جونسون"، و"جين ميدينوس" من أن بعض علماء الاجتماع يرجعون ذلك التعلم إلى الصراع الداخلي للدور الذي يتحدد في توقع المجتمع لدور معين من الفرد، وما يطمح إليه الفرد الذي يشغل ذلك الدور، فإذا لم يتناغم ما يتوقعه المجتمع من الفرد مع ما يطمح إليه الفرد نفسه من أدوار هنا يحدث الصراع الداخلي (Johnson& Medinnus, 1989: 381)·
حاولنا في القسم الأول من هذه الورقة البحثية تأسيس مدخل نظري لدراسة مفهوم التنشئة الاجتماعية وأساليبها في علاقتهما بقيم الذكورة، وذلك من خلال عرض تحليلي للنظريات الاجتماعية المفسرة للدور الذي تقوم به أساليب التنشئة الاجتماعية في ترسيخ قيم الذكورة، وركزنا في ذلك السياق على نظريتي تقسيم العمل، والدور الاجتماعي وآراء بعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الذين اهتموا بتقديم تفسير للدور الذي تقوم به ثقافة المجتمع في التمييز بين قيم الذكورة، وقيم الأنوثة، وماهية الأساليب المؤثرة في ترسيخ قيم الذكورة وتعظيمها، وتنظيمها وانخفاض قيم الأنوثة، ومن أهمها وسائل الاتصال الجمعي: التلفاز، والسينما، والمسرح، وأدب الأطفال··· إلخ، وفضلاً عن ذلك فقد تم تحليل الدور الذي تقوم به أساليب التنشئة الاجتماعية في عملية اكتساب السلوك، وعلى وجه الخصوص في الكيفية التي يستطيع من خلالها الأطفال التمييز بين الجنس والنوع لكل من الذكر والأنثى·
ثانياً: العوامل التي أسهمت في تعظيم قيم الذكورة في المجتمع الكويتي
سوف نعتمد في القسم الثاني من هذه الورقة البحثية على تحليل مضمون مجموعة من البحوث والدراسات التي أجري معظمها في بعض المجتمعات العربية والخليجية، والهدف من ذلك تجلية العوامل التي أسهمت في تعظم قيم الذكورة، فضلاً عن تحليل التأثيرات التي أدت إلى تهميش دور المرأة ومكانتها في المجتمع الكويتي·
ولقد جاء انتقاؤنا لهذه البحوث والدراسات على أساس أن تتمحور موضوعات التناول فيها حول المرأة والأسرة الخليجية، وأساليب التنشئة الاجتماعية المتبعة، ودور منظومة القيم والموروث الثقافي في تحديد دور المرأة ومكانتها في هذه المجتمعات، ومدى تأثير التحولات الاجتماعية- الاقتصادية في أوضاعها·
ففي دراسة لـ "منيرة أحمد فخرو" عن الأوضاع الاجتماعية للأسرة في البحرين (فخرو، 1988) تشير إلى أن الاتجاه التقليدي المحافظ يرى في المرأة البحرينية الكائن الضعيف جسماً وعقلاً، ويحصر وظيفتها في تأدية غرض أساسي واحد هو الزوجية بمفهومها الخضوعي، والأمومة بمفهومها الوالدي الرعائي، ويعلل أصحاب ذلك الاتجاه موقفهم من المرأة بتعاليم الدين، ويرون في اختلاط المرأة بالرجل، وعملها خارج المنزل فساداً للأخلاق·
ومعنى ذلك أن الاتجاه المحافظ يتخذ من الدين ساتراً أو واقياً لتهميش دور المرأة البحرينية ومكانتها، ويحصر ذلك الدور كما أشرنا في الجزء الأول من هذه الورقة البحثية في قضايا ثانوية ضيقة، وأنها -أي المرأة البحرينية- لا تصلح إلا زوجة خاضعة للزوج لا تتحرك إلا بأمره بوصفها كائناً ضعيفاً من حيث بنيتها وعقلها، في حين يملك الرجل بنية قوية وعقلاً راجحاً، بالاضافة إلى ذلك فإن وظيفتها الأساسية تتركز في رعاية الزوج والأطفال، ومعنى ذلك أن المرأة أيضاً قد خُلقت موصومة برضاعة أطفالها وخدمتهم، وكذلك خدمة زوجها، وأنها لا تصلح بناء على نظرية الوصم لرعاية أطفالها اجتماعياً ونفسياً وتربوياً وثقافياً، فهذه الأنواع من الرعاية من حق الزوج القوي بدنياً، والراجح عقلياً· وترجع هذه الباحثة التغيير الذي حدث للمرأة البحرينية والذي تمثل في خروج المرأة للعمل وبروز شكل الأسرة النووية، إلى أن هذا التغير في هيكل الأسرة لم يصاحبه تغير في الدور التقليدي للرجل البحريني والمرأة على السواء، فقد اضطرت المرأة بعد خروجها إلى العمل إلى ممارسة دورها التقليدي من تأدية الأعباء المنزلية، والأسرية، ورعاية زوجها وأبنائها، وفي الوقت نفسه تمارس دورها وتتحمل مسؤوليتها بوصفها امرأة عاملة· ومعنى ذلك أن المرأة البحرينية أصبحت تؤدي الدورين معاً دون تقديم أي مساعدة من أسرتها الممتدة التي تحولت بفعل التغير إلى أسرة نووية، الأمر الذي أضاف ضغوطاً نفسية واجتماعية وجسدية على المرأة العاملة· إن ذلك الوضع الجديد الذي ظهر مع بروز ظاهرة الأسرة النووية، من وجهة النظر "السسيولوجية" يستدعي ليس من المرأة فقط، بل من الرجل أيضاً تكييف دورهما وتوظيفه وفقاً للأوضاع الجديدة، والمشاركة في المسؤولية سواء داخل البيت أو خارجه· حيث إن من المستحيل إدارة عقارب الساعة إلى الوراء- كما تشير هذه الباحثة- وإعادة المرأة مرة ثانية إلى أدوارها التقليدية الضيقة·
وفي الحقيقة أن دراسة "منيرة فخرو" تؤكد أن التغيير الذي مس المرأة البحرينية لا يعد تغييراً جذرياً للمفاهيم المرتبطة بوضع المرأة ومكانتها، فالتغييرات التي جاءت نتيجة لاكتشاف النفط لم تمس جذور البنية الاجتماعية لواقع المرأة البحرينية·
وفي دراسة قامت بها "علية حسين" عن المرأة الكويتية المطلقة أشارت (حسين، 1982) إلى أن الوضع في المجتمعات الخليجية والعربية المعاصرة أصعب بكثير مما كان عليه سابقاً، حيث تعاني المرأة في هذه المجتمعات التقليدية أحكام الطاعة التي تجبرها على الالتحاق ببيت يعده زوجها، واحتفاظ الزوج بالأبناء بعد سن معينة، فضلاً عما تتحمله المرأة من ضغوط اجتماعية كونها مطلقة·
توصلت دراسة "القرشي" (1986) عن اتجاهات الآباء والأمهات الكويتيين في تنشئة الأبناء وعلاقتها ببعض المتغيرات إلى وجود اتجاهات للتفرقة بين الأبناء، وقد كانت اتجاهات التفرقة أكثر ظهوراً لدى الآباء مقارنة بالأمهات، كما ظهرت بصورة أكبر لدى الفئات تعليماً (مستوى التعليم الابتدائي أو أقل)، ثم تقل التفرقة تدريجياً مع زيادة مستوى التعليم·
وفي الواقع فإن الوضع الاقتصادي الذي منحه اكتشاف النفط للرجل في المجتمعات الخليجية قد رسخ من قيم الذكورة، بل أعطى الرجل كثيراً من الامتيازات لعزل المرأة، وفي ذلك الصدد يشير "هنري عزام" في دراسة عن المرأة العربية والعمل (عزام، 1986) إلى أن تأثير التقاليد حول عزل النساء مازال قوياً في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث لا توجد امرأة تقرر بمفردها اختيار مهنة ما دون الحصول على موافقة أهلها، وبخاصة الرجل الذي يمثل رأس العائلة·
إن ثقافة المجتمع نفسها- من وجهة نظرنا- هي التي تحط من قدر المرأة، أو قد يكون ذلك راجعاً إلى سوء استخدام الرجل لنص شرعي أو لوضع اقتصادي أو اجتماعي··· إلخ·
وفي دراسة أجرتها "نورية علي حمد" بعنوان: التحولات الاجتماعية- الاقتصادية في الأسرة اليمنية المعاصرة (حمد، 1988) تشير إلى أنه في عملية التنشئة الاجتماعية على الرغم من أن الاتجاه العام في الأسرة والمجتمع اليمني هو التمييز بين الأبناء بحسب الجنس (ذكور، وإناث) فقد وجد في البناء الحضري أن الموقف من البنت وتوجيهها في الحياة يتسم اليوم بالمرونة- إلى حد ما- عنه بالنسبة للأسرة في البناء الريفي، ويؤدي تخلف تعليم البنت في الريف دوراً في هذا الموقف، و النظرة الدونية للبنت· وعموماً فإن التنشئة الاجتماعية بحسب الجنس، والتفريق في المعاملة بين الذكور والاناث هو موقف سائد في الثقافة العربية بشكل عام·
فالذكور في الأسرة غالباً ما يحاطون بالاهتمام والرعاية الزائدة، ويظهر التحيز بوضوح في مجالات التعليم والترفيه، حيث تتيح الأسرة هذين المجالين للابن الذكر الذي يعد مصدر قوة وشرف لأسرته بحسب التقليد السائد، أما بالنسبة للبنت فهي تُحب وتُحاط باهتمام، ولكن من نوع آخر، كما أنه لا يتاح لها من سبل التعليم والترفيه ما يتاح للولد·
ومعنى ذلك أن أساليب التنشئة الاجتماعية تدعم قيم الذكورة، وعلى وجه الخصوص في الريف اليمني، في حين أن الأمر ليس بهذه الحدة في حضر اليمن الذي يبدو فيه أن أساليب التنشئة الاجتماعية أكثر مرونة، ومعنى ذلك أيضاً أن عامل الجنس يحكم عملية التنشئة الاجتماعية في المجتمع اليمني بريفه وحضره، ويتضح ذلك بصورة أكثر تجسيداً ومفارقة في إحاطة الأسرة جل اهتمامها ورعايتها التعليمية والترفيهية بالمولود الذكر الذي يعد- كما تشير هذه الباحثة- رمز القوة وشرف العائلة، وقيم القبلية والعائلية، في حين ينظر إلى البنت، وبخاصة في ريف اليمن- نظرة دونية، ولا يتاح لها من سبل التعليم والترفيه مثلما يتاح للولد·
وفي موضع آخر من هذه الدراسة التي أجريت على الأسرة اليمنية ترجع الباحثة أسباب تعظيم قيم الذكورة في المجتمع اليمني إلى سيادة نظام السلطة الأبوي الذي يكون فيه الزوج- الأب المحور الذي تتمركز حوله الأسرة، وتندرج تحت سلطة الأب أنواع من السلطة، وتتفاوت طبقاً للنوع والمكانة والدور·
فالزوج في الأسرة يمثل رأس السلطة، ومنه تصدر القرارات فيما يتعلق بزواج الأبناء، وجميع شؤون الأسرة بصفة عامة، ثم يأتي بعده في المسؤولية الابن الأكبر سناً، حيث تكون له في الغالب السلطة والصلاحية على من هم أصغر منه سناً، وعلى نساء الأسرة وبصفة عامة، وتساعده كثيراً تنشئته الاجتماعية- المميزة عن تنشئة البنت- في ممارسة سلطته وهيمنته وتقليد والده، ويلاحظ أن سلطة النساء في الأسر في الغالب سلطة تابعة للرجل، وهذا النمط من السلطة أو التسلسل الوظيفي يبدو أكثر وضوحاً في العائلة الممتدة في ريف اليمن·
وتحدد هذه الباحثة في نهاية دراستها مجموعة من المعوقات التي تحول دون بروز دور المرأة اليمنية، بل تؤدي إلى هامشية مكانتها في المجتمع، ويأتي في مقدمة هذه المعوقات رفض بعض الأسر فكرة استمرار البنت في التعليم بعد المرحلة الابتدائية، إذ ان استمرارها فيه يعني خروجها الدائم من البيت، الأمر الذي يتعارض مع قيم الأسرة ومفاهيمها التقليدية، وتأتي النظرة العامة في المجتمع إلى وظيفة المرأة ودورها في الحياة في المرتبة الثانية تنازلياً بوصفها معوقاً، حيث يقتصر دورها على كونها ربة بيت وزوجة وأماً، ومن ثم فلا حاجة إلى تعليمها، حيث انها في نهاية المطاف ستعود إلى وضعها الطبيعي في البيت، وتشتد هذه النظرة في الريف، وتأتي النظرة العامة في المجتمع إلى عمل المرأة في المرتبة الثالثة تنازلياً بوصفها معوقاً- حيث لا يزال عمل المرأة يشوبه التحفظ والمخاوف بل الشك والريبة أحياناً، كما ان هناك اصراراً من الأسرة اليمنية على توجيه البنات إلى نوع معين من التعليم معتقدة أن ذلك يتناسب وكونها بنتاً، كما يتناسب والتقاليد الجامدة بعكس ما تتخذه مع الولد، وهذا بدوره يحدد مجال عملها مدرسة وممرضة، ومعنى ذلك أن تعظيم قيم الذكورة، وانخفاض قيم الأنوثة في المجتمع اليمني ترجع من وجهة نظر علم الاجتماع إلى مجموعة من المحاور الحاكمة، ونعني بذلك أولاً أساليب التنشئة الاجتماعية التي يكسبها الآباء لأبنائهم، واختلاف تلك الأساليب التي يكتسبها الأولاد عن تلك التي تكتسبها البنات، وثاني تلك المحاور ثقافة المجتمع اليمني التي تتباين فيها نظرة الأسر لكل من الولد والبنت، وتتباين فيها أيضاً ثقافة الحضر عن ثقافة الريف في رؤية كل منهما لقيم الذكورة وقيم الأنوثة، أما ثالث تلك المحاور فيتمثل في أشكال الرعاية التعليمية والترفيهية وصورها التي تعد حقاً مكتسباً للولد فقط، ولا تتمتع البنت بهذه الأشكال من الرعاية، ويرجع ذلك- إلى ما تشير اليه هذه الباحثة- إلى رؤية ثقافة المجتمع لمكانة قيم الذكورة، ودونية قيم الأنوثة، وحتى إن منحت البنت حق استمرارها في التعليم، ومن ثم حق خروجها للعمل، فإن كثيراً من الأسر اليمنية، أو بمعنى أكثر تحديداً كثير من الرجال أرباب الأسر يتعمدون توجيه بناتهم إلى نوعية معينة من التعليم يعتقدون من وجهة نظرهم أنها أنسب لطبيعة المرأة، أو لطبيعة جنس المرأة، وهذان العملان هما التدريس والتمريض· وأخيراً فإن رابع تلك المحاور، بل أشدها تأثيراً في دونية وضع المرأة سواء في الأسرة أو المجتمع، يتمثل في تركز السلطة الأسرية في يد رب الأسرة الرجل، وما يعكسه ذلك من هيمنة وسيطرة، يليه في تسلسل السلطة وتسلسل الهيمنة الابن الذكر سواء أكان كبيراً أم صغيراً·
إن ذلك يؤدي- من وجهة النظر السسيولوجية- إلى تباين أساليب التنشئة الاجتماعية الموجهة للابن الذكر عن البنت الأنثى، وفي هذا الصدد تشير "عائشة السيار" في دراستها عن الطفولة والتنشئة الاجتماعية في مجتمع الإمارات العربية المتحدة (1988) إلى تأثر أساليب التنشئة الاجتماعية للأطفال بالعلاقات العائلية السائدة في الأسرة، والتي تصطبغ بمفهوم الأسرة عن تنشئة الذكور، ومدى اختلافها عن مفهومها لتنشئة الإناث·
وقد شغلت دراسة الفروق بين الريف والحضر فيما يتعلق بالدور الاجتماعي لكل من النوعين عدداً من الباحثين، فقامت "انشراح عبدالله" (1991) باستخدام بعض مقاييس "شيفر" لإدراك الأبناء للمعاملة الوالدية على عينة من طلاب الثانوي المصريين، وتوصلت إلى أن عينة الذكور في الريف تدرك الآباء على أنهم أكثر تقبلاً لهم مقارنة بعينة من الطلاب في الحضر· وتفسر هذه الباحثة ذلك بأن الثقافة الريفية تعلي من قيمة الذكر، حيث يعد عزوة، ويعمر البيت، ويحمي نساء الأسرة، ويحجب الميراث عن الأقارب من خارج الأسرة الصغيرة، في حين أن الثقافة في الحضر أكثر تعقيداً وتدفع الآباء إلى استخدام أساليب أكثر تعقيداً وتقييداً·
وجاءت نتائج دراسة "مايسة المفتي" (1988) في بحثها لأساليب التنشئة الاجتماعية في الريف والحضر المصري مؤكدة لهذا الاتجاه، حيث وجد أن الفتاة الريفية ترى أن أمها تحرمها من الامتيازات وتطالبها بمسؤوليات، كما أنها تؤدبها وتقوم برعايتها ومصادقتها أكثر من الفتى، في حين أن فتاة الحضر ترى أن أمها تحدد لها المسؤوليات بالاضافة إلى التحكم فيها، وفيما يتعلق باتجاهات الأب كانت الفروق بين الذكور والاناث كبيرة، في حين كانت الفروق قليلة بين الذكور والإناث في الحضر·
وفي دراسة قام بها "يحيى فايز الحداد" بعنوان: الطفل الكويتي في الإطار الأسري (الحداد، 1988) نجده يشير إلى أن الفرد في المجتمع القبلي ينتسب في العادة إلى الأب، أما دور الأم فهو ضئيل الشأن، فليس لها رأي في الزواج أو الطلاق، فواجبها مقصور على تدبير شؤون المنزل، ورعاية الأبناء، وطاعة أوامر زوجها دون نقاش أو اعتراض·
وقد ظهر اتجاه لتمييز البنات عن الأولاد في دراسة "أبو ناهية وموسى" (1988) عن السلوك الوالدي في الأسرة الفلسطينية، كما ظهر كذلك في دراسة عبدالفتاح (1992) على عينة من الطلاب في دولة البحرين·
وتأكيداً لما أشرنا إليه في القسم الأول من هذه الورقة البحثية من أن أساليب التنشئة الاجتماعية ترسخ من الفروق النوعية بين الجنسين فضلاً عن انها تعطي الذكر قيماً تفضيلية عن الأنثى، قدمت "نورة الفلاح" (1982) في دراستها بعنوان: "نظرة الإعلام العربي لعمل المرأة" (الإعلام الكويتي- الصحف) مصفوفة Matrix من الصفات التي تعلي من قيم الذكورة، وتخفض من قيم الأنوثة، وذلك من خلال تحليل مضمون للصحف، ومن بينها صحيفة "الرأي العام" (الفلاح، 1982)، حيث أشارت إحدى المقالات إلى أن أساليب التنشئة الاجتماعية في الأسرة الكويتية تغرس في تعمد غير مبرر في الولد والبنت اتجاهات ليس لها سند من الحقيقة، فالبنت تخجل من التعبير عن رأيها بصراحة، فهي -أي البنت- لا تفعل هذا لأنها ولدت هكذا، بل لأننا أردنا منها أن تكون كذلك، فمنذ النشأة الأولى ونحن نشجع في الولد الاستقلالية، والعدوانية، والجرأة، والصلابة، في حين نشجع في البنت- منذ النشأة الأولى أيضاً- الاعتماد على الآخرين، والرقة، والخجل، والطاعة، والسلبية، وكل ما من شأنه أن يجعلها خاضعة للرجل، وكذلك نحدد الصفات التي تغرسها أساليب التنشئة الاجتماعية في الولد من ناحية، وفي البنت من ناحية أخرى·
وتشير "الفلاح" (1982) في موضع آخر إلى أن الرأي المسيطر في الصحف الكويتية يمثل الرأي التقليدي الذي يوحي للقارئ بأن النوعين من البشر (ذكر- أنثى) مختلفان في تكوينهما الجسمي والعقلي والنفسي والذي يؤثر في سلوك كل منهما، فالذكر مختلف عن الأنثى، حيث الذكر هو الكل، والقوة، والعقل، والخشونة، والأنثى هي الجزء، والضعف، والعاطفة، والنعومة، ويترتب على ذلك التباين اختلاف في صفات كل منهما، فالذكر يتميز بالسيطرة، والشجاعة، والاقدام، والجرأة، والموضوعية، والايجابية، والارادة، والدقة؛ أما الأنثى فتتميز بالخضوع، والجبن، والتردد، والخجل، وعدم الموضوعية والسلبية، وعدم الارادة، وعدم الدقة·
خلاصة القول إن تحليل مجموعة البحوث والدراسات التي أجريت في كل من مجتمع البحرين، واليمن، والإمارات العربية المتحدة، والكويت قد أمدنا في تأثير أساليب التنشئة الاجتماعية التي تكسبها الأسرة لأطفالها في تعظيم قيم الذكورة، وانخفاض قيم الأنوثة بل في إعطاء الذكور قيماً تفضيلية عليا، في حين تعطي أساليب التنشئة الاجتماعية- للاناث قيماً تتسم بالدونية، وهذا يؤكد أن اختيارنا لتلك البحوث والدراسات لم يكن عشوائياً بل جاء انتقائياً متعمداً لتحقيق الهدف الرئيسي المتمثل في استخلاص مجموعة العوامل التي أسهمت في تعظيم قيم الذكورة في المجتمع الكويتي·
العوامل المسهمة في تعظيم قيم الذكورة في المجتمع الكويتي:
هناك ملاحظة على جانب كبير من الأهمية تتمثل في أن استخلاص تلك العوامل لم يأت من فراغ، بل أكدتها نتائج تلك البحوث والدراسات التي عرضنا لها، ويمكن عرض تلك العوامل على النحو التالي:
1- إن أساليب التنشئة الاجتماعية التي تكسبها الأسرة الكويتية، (وبالتحديد رب الأسرة) لأبنائها تعد أحد العوامل المسؤولة عن تعظيم قيم الذكورة، وانخفاض قيم الأنوثة· حيث أكدت نتائج تحليل مضمون مجموعة البحوث والدراسات التي تعرضنا لها في هذا القسم أن أساليب التنشئة الاجتماعية تحمل سمات تفضيلية لقيمة الولد في الأسرة، في حين لا تحمل هذه الأساليب نفسها قيماً تفضيلية ولا غير تفضيلية للبنت، وفي هذا السياق تشير "نورة الفلاح" (1982) إلى مصفوفة الخصائص والصفات التي تمنحها أساليب التنشئة الاجتماعية للولد حيث هو الكل، والقوة، والعقل··· إلخ، في حين تمنح هذه الأساليب نفسها البنت صفات الجزء، والضعف، والعاطفة، والخضوع، والخجل··· إلخ·
2- إن ثقافة المجتمع الكويتي نفسه تحمل مجموعة من القيم، والعادات والتقاليد، والأعراف، والمعايير، ونماذج السلوك التي تمجد قيم الذكورة، وبخاصة قيم البداوة القبلية والعائلية، والطائفية، فعلى الرغم من التحولات الاجتماعية- الاقتصادية التي يشهدها المجتمع الكويتي فإن منظومة العلاقات الاجتماعية الجوهرية المحددة للنسق القيمي السائد والمسيطر مازالت فاعلة في مجتمع ما بعد التحولات، وتمثل مكانة المرأة وشبكة العلاقات المرتبطة بها توزيع القوة داخل مجتمع البادية استمرارية لنمط العلاقات التقليدية في بعض جوانبها· وفي اطار ذلك السياق يشير "باقر سليمان النجار" في كتابه "سسيولوجيا المجتمع في الخليج العربي" (النجار، 5:1999): على الرغم مما نلحظه من مظاهر تغير في دور المرأة من حيث تعليمها وعملها فإنها مازالت محكومة بمنظومة من القيم التقليدية، فمؤسسة المسجد وكذلك الديوانيات مثلث الآليات الرئىسية التي عن طريقها تتم إعادة النسق الثقافي التقليدي السائد، أو بمعنى أكثر تحديداً فإن المؤسسات الدينية، بالاضافة إلى مؤسسة الأسرة تؤدي دوراً رئىساً في تشكيل أساليب التنشئة الاجتماعية والدينية، وربما السياسية التي يخضع لها الفرد، بمعنى آخر فإن هذه المؤسسات تمثل الآليات التي عن طريقها يتم إخضاع العامة للثقافة السائدة، ودون شك فقد جاءت سنوات الصحوة لتعطي قوة جديدة لسيادة القيم التقليدية الحاكمة للسلوك الاجتماعي، ومن ثم أفراده (النجار، 41:1999)·
3- إن التفسير الاجتماعي المختل لنظرية تقسيم العمل في المجتمع الكويتي يعد عاملاً من العوامل المؤثرة في تعظيم قيم الذكورة وتمجيدها، وانخفاض قيم الأنوثة· حيث تدعم هذه النظرية العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة، والتي تتسم بالتسلط من جانب الرجل، والخضوع من جانب الأنثى، فالرجل تخصص له أعمال ومهن محددة تختلف في طبيعتها عن الأعمال والمهن التي تسند إلى المرأة· ويعمق تمييز الأدوار ما يذكر في التهنئة عند الزواج من أن الزوج دوره جمع المال وأن دور المرأة إنجاب الأولاد·
وفي هذا السياق تشير "منيرة أحمد فخرو" (1988) في دراستها إلى أن المجتمع يحصر وظيفة المرأة في تأدية غرض أساسي واحد يتمثل في الزوجية بمفهومها الخضوعي، وأن الوضع الاقتصادي الجديد قد أعطى الرجل كثيراً من الامتيازات لعزل المرأة بحجة تقسيم العمل، حيث إن تأثير قيم القبلية والعائلية حول عزل النساء مازال قوياً، ولا توجد امرأة تقرر بمفردها اختيار مهنة ما دون الحصول على موافقة أهلها، وبخاصة الرجل الذي يمثل رأس العائلة·
ويؤكد "باقر النجار" (1999) في هذا السياق على أنه على الرغم مما نلحظه من مظاهر التغيير في دور المرأة في المجتمع الخليجي من حيث تعليمها وعملها فإنها مازالت محكومة بمنظومة من القيم التقليدية، أو بمعنى أكثر تحديداً محكومة بخرافة تقسيم العمل التي هي من اختراع الرجل·
4- قدمت لنا نظرية الدور الاجتماعي Social Role Theory تفسيراً أعمق لفهم طبيعة الدور الجنسي، وما يعرف بصراع الأدوار الذي تتجسد صوره في التوقعات المجتمعية لأدوار معينة يجب أن تقوم بها المرأة والتي تتعارض جذرياً مع التوقعات التي تضعها المرأة لذاتها، وذلك ما يحدث للمرأة الكويتية التي يريد المجتمع متمثلاً في الرجل سجنها في أدوار ثانوية تقليدية ضيقة، في حين أن طموحاتها والأدوار التي ترسمها لنفسها أكبر وأعمق وأعظم مما حدده لها المجتمع من أدوار متوقعة، الأمر الذي يؤدي إلى قتل طموحاتها، وتعطيل طاقتها، وأعني بذلك طاقة المجتمع الكويتي·
خاتمـــة
أمدنا تحليل أساليب التنشئة الاجتماعية ومناقشتها، التي تكسبها الأسرة لأبنائها في علاقتها بقيم الذكورة في المجتمع الكويتي بمجموعة من الأسس المنهجية الحاكمة التي من الصعوبة بمكان على أي باحث التغاضي عنها أو تجاهلها عند تناوله لتلك العلاقة·
إن لتلك الأسس المنهجية الحاكمة القدرة على تجلية العلاقة بين أساليب التنشئة الاجتماعية باعتبارها متغيراً مستقلاً، وقيم الذكورة باعتبارها متغيراً تابعاً، فحيث تركز أساليب التنشئة الاجتماعية التي يكتسبها الأبناء من آبائهم على التباين والتغاير والعزل بين القيم الذكورية والقيم الأنثوية فإن ذلك يؤدي دون شك إلى تعظيم قيم الذكورة على حساب انخفاض قيم الأنوثة·
وتأتي ثقافة المجتمع الظاهرة والكامنة في مقدمة تلك الأسس التي يستحيل دراسة أساليب التنشئة الاجتماعية وتحليلها في علاقتها بقيم الذكورة بمعزل عنها، فحيث تدعم وترسخ ثقافة المجتمع المتمثلة في منظومة القيم، والعادات، والتقاليد، والأعراف، والمعايير الاجتماعية، ونماذج السلوك وأنماط التميزات الاجتماعية فإن ذلك يؤثر تأثيراً شديداً في الدور الذي يقوم به كل من الرجل والمرأة في المجتمع، حيث للرجل أو للذكر الدور الكلي المسيطر والمهيمن، ليس على مقدرات الأسرة فقط بل على مقدرات المجتمع ككل، الأمر الذي يضعف من دور المرأة ومكانتها ليس في الأسرة فقط بل في المجتمع الذي ينظر إليها نظرة دونية، وهذا المجتمع نفسه الذي يهيمن عليه الرجال لا يمنحها إلا أدواراً هامشية أو ثانوية·
أما فيما يتعلق بنظرية تقسيم العمل في المجتمع والتي تعد أحد الأسس المنهجية الحاكمة، حيث يستخدمها أو يدفع بها الرجل أو المجتمع لكي يزيد من إحكامه، وسيطرته، وعزله، وهيمنته على المرأة بحجة أن هناك كل الأعمال التي يصلح لها كل الرجال، ولا تصلح لها المرأة إطلاقاً بسبب خصائصها البيولوجية بوصفها أنثى، فهي ضعيفة، ومستكينة، وخاضعة حتى الموت لقيم الذكورة، الأمر الذي يترتب عليه هشاشة وضعها في الأسرة، فهي مهددة دائماً من قبل الزوج، ومعرضة دائماً للتنديد من قبل المجتمع بحجة أن دورها فيه يمكن الاستغناء عنه، والعودة بها مرة أخرى إلى البيت، الذي يعد من وجهة نظر الزوج- مصيرها الأبدي لرعاية أطفالها وزوجها حتى يأتيها أمر الله، ونعني بذلك الانتقال من الحياة الاجتماعية التي ليس لها فيها إلا أدوار أو مشاركات ثانوية ضيقة إلى الحياة السرمدية التي سيجزيها الله فيها الثواب الوفير لأنها رضيت بالخضوع لقيم الذكورة واستكانت لهيمنتها·
أما عن نظرية الدور الاجتماعي، فهي جزء لا يتجزأ من الأساليب التي يستخدمها الرجل لإخضاع المرأة، حيث لا تقدم لنا شيئاً لإعادة التوازن بين قيم الذكورة وقيم الأنوثة، وكل ما استطاعت تقديمه تفسير؛ لماذا يقوم الرجل بالدور الذكري؟ ولماذا تؤدي المرأة الدور الأنثوي؟ وكذلك طبيعة الصراع بين الدور الذي حدده المجتمع للمرأة والدور الذي تتوقعه المرأة لنفسها·
وإذا كانت هذه الورقة البحثية قد أسست مدخلاً نظرياً لدراسة العلاقة بين أساليب التنشئة الاجتماعية وقيم الذكورة، وحددت تلك العوامل الأكثر تأثيراً في تعاظم قيم الذكورة في المجتمع الكويتي، فإن ما أثارته من قضايا ومشكلات تُعد من وجهة النظر السسيولوجية جديرة بالبحث والدراسة، إذ ان إهمالها سيزيد الخلل وعدم التوازن في الانساق الرئيسية المكونة للبناء الاجتماعي، وخصوصاً أن المجتمع الكويتي على أعتاب قرن جديد لا يحتاج فيه اطلاقاً إلى هيمنة قيم الذكورة وسيطرتها على حساب قيم الأنوثة، بقدر ما هو في أشد الحاجة إلى تضافر الجهود والمشاركة الايجابية لكل من الرجل والمرأة في دفع عجلة التنمية لمواجهة تحديات المستقبل(5)·
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" الهوامش
(1) لقد ظهر ذلك المؤلف إلى حيز الوجود نتيجة عقد حلقة نقاشية (سيمنار) بقسم الأنثروبولوجيا بجامعة لندن عام 1984، وقدم فيه عشر أوراق بحثية معظمها لعلماء الانثروبولوجيا ممن عرضوا بعض الدراسات الخاصة بالتفرقة بين الجنس والنوع، وبخاصة لدى المرأة في جامايكا، ونيبال، وجزر فيجي، وكينيا، وممبسا، والهند·
ولكن الأمر اللافت في هذا "السيمنار" أن معظم الأوراق البحثية التي قدمت كانت تتمحور حول الدور الجنسي للمرأة، وعلاقة ذلك بالشرف والكرامة من خلال محافظة المرأة على دورها الجنسي والنوعي، والجنسية المثلية، ودور الامتناع، والتبتل، والزهد بوصفها حلاً للمشكلة الجنسية·
(2) يأتي إعداد هذه الورقة البحثية التي اتخذت من أساليب التنشئة الاجتماعية وقيم الذكورة في المجتمع الكويتي موضوعاً رئيسياً لها في التوقيت الأنسب الذي أصدر فيه سمو أمير البلاد يوم الأحد الموافق 16 مايو 1999 مرسوماً أميرياً بإعطاء المرأة الكويتية حقها في الترشيح والانتخاب لمجلس الأمة بمطلع عام 2003·
(3) يشير "ريتشاردسن Richardson" في كتابه "دينامية الجنس والنوع: رؤية سسيولوجية": "The Dynamics of Sex and Gender: Sociological Perspectiveس إلى أن الطفل يتعلم الدور الجنسي من والديه، حيث تكسبه أساليب التنشئة الاجتماعية، والعلاقات الوالدية (الأب والأم) بمرور الزمن ذلك الدور·
(4) يعد نورمان جودمان "Norman Goodmanس من أبرز علماء الاجتماع الأمريكيين الذين وضعوا حدوداً فاصلة بين مفهوم الجنس Sex ومفهوم النوع Gender، حيث يشير مفهوم الجنس إلى تقسيم الجنس البشري بيولوجيا إلى ذكور وإناث، أي أن الجنس مفهوم بيولوجي، في حين يشير النوع إلى الإنسان بوصفه رجلاً أو امرأة من حيث السمات الاجتماعية والثقافية، أي أن النوع مفهوم اجتماعي- ثقافي·
(5) من وجهة النظر "السسيولوجية" فإن صدور المرسوم الأميري بإعطاء المرأة الكويتية جميع حقوقها السياسية سوف يعيد التوازن والتناغم بين قيم الذكورة وقيم الأنوثة، الأمر الذي سوف يلقي بالمسؤولية على المرأة لإثبات جدارتها، وتوسيع نطاق مشاركتها في قضايا مجتمعها جنباً إلى جنب مع الرجل لتصبح تلك المشاركة السياسية ضرورة لتحقيق الضمان والأمن والاستقرار الاجتماعي·