رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 5-11 شعبان 1421 هـ الموافق 1-7 نوفمبر 2000
العدد 1451

محمد جابر الأنصاري يتحدث لـ "الزمان الجديد" عن حاجة العرب إلى تجارب الصين والهند واليابان داعياً إلى تحليل عصبية الحكم قبل تغيير الحاكم
كل شيء مسيّـس في العالم العربي·· إلا السياسة

* التغيير يجب أن يبدأ من الطبقات الشعبية ونتغير إنمائياً على المدى الطويل ونتحول من المجتمعات البدوية إلى المجتمع المدني

* المثقف مسؤول ويجب أن يقيّم متى يستطيع أن يتعاون مع السلطة ومتى لا يستطيع، أي من موقعه المستقل إن استطاع، أما إذا دخل في موقع آخر غير الاستقلال فلهذا بحث آخر

 

أجرت الحوار في لاهاي ــ ملك مصطفى:

دعا المفكر العربي محمد جابر الأنصاري إلى فهم جديد لطبيعة التحولات الحاصلة في مجتمعاتنا العربية، ودراسة إمكانات التغيير على وفق سعة القاعدة المدينية التي يبنى عليها المجتمع المدني الذي سيكون التغيير الكبير على يديه·

ورأى الأنصاري أن لا فرصة لولادة مجتمع مدني من دون تلك القاعدة المدينية التي يجب أن تصمد أمام محاولات ترييفها أو بدونتها· وأشار إلى أن التحولات الحقيقية في التاريخ لا تحصل إلا تحت ضغوط الحصار ولعل التخلف الحضاري والفكري هو حصار ذاتي بحاجة إلى انتقالة وتحول· وأوضح أن هناك الكثير من الشعارات التي لا تجد لها أسباب التنفيذ ومنها الديمقراطية التي لا يمكن أن تولد في مجتمع لا يتوافر على ديمقراطيين يؤمنون بها منبهاً إلى أن إشكالات السياسة العربية متوالدة ومتوارثة ومستمرة منذ أول تشكيل للدولة في التاريخ الإسلامي، غير أنه لفت إلى أن من الضروري أن ينقد المجتمع نفسه قبل توجيه النقد إلى الأنظمة السياسية أو النخب الثقافية، وأضاف أن المفكرين العرب سينتهون يوماً إذا لم تتوافر لهم أجواء حضارية وثقافية، ذلك أن الجهود الفردية من الصعب أن تقاوم الأجواء العامة ضدها·· على الرغم من تشديده على أن المثقف هو بطل مغير وضرورة في سياق تحديث المجتمعات· وحلل الأنصاري ظاهرة نمو المجتمعات وانفتاحها على العالم والخروج من المآزق التاريخية آتياً على قضايا العولمة وارتباطها بالنمو الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الأوروبي والأمريكي، وفي الآتي نص الحوار:

 

·         جدل المكان والزمان في تكوين الذات

 

·         ذكرتم أن المكان يُعد المكون الأول للوعي وللتحصيل فكيف كان المكان عاملاً حاسماً في تكوينكم وتوجيهكم، ونحن نعلم ان منطقة الخليج قد شاركت متأخرة في التنوير الفكري العربي·

طبعاً المكان المقصود هنا هو البحرين: والمدينة هي كانت المحرق، والمدرسة هي كانت مدرسة الهداية في المحرق، وهي أول مدرسة كانت تؤسس في الخليج سنة 1919 أنا التحقت بها عام 1950 ففيما يخص البحرين، البحرين جزيرة منفتحة عبر تاريخها، وشهدت نهضة مبكرة في العصر الحديث في بداية العشرينات، كانت نهضة مهمة وقدوة لدول الخليج، وكانت في مستوى الأقطار المتقدمة في العالم العربي مثل ، مصر وسوريا وتونس والعراق، فالمجتمع التجاري البحريني المتحضر المنفتح كانت فيه جذور كثيرة ومقومات كثيرة تختلف عن المنطقة المحيطة بها، ولقد سميت البحرين: "حالة مشرقية في الخليج" بمعنى أنه لا يوجد فيها الكثير من النفط· وهناك كاتب إنجليزي قال: "إن النفط الذي في البحرين يكفي لتزيين العقول فقط"، وأنا أقول، هذا من حسن الحظ تحاشياً للاسراف والبذخ والتبذير ويتحول إلى قصور فوق الرمال، فكونه يكفي لتزيين العقول شيء جيد، أنا ولدت سنة 1939 في البحرين، والدي كان يعمل في أول شركة للنفط في الجانب العربي بمنطقة الخليج في شركة بابكو، والنفط اكتشف في البحرين منذ 1932، والدي كان يعمل في البحر والغوص خلال هذه الفترة وكان أيضاً على قدر من التعليم مما خوله العمل كمحاسب لتجار اللؤلؤ، وعندما انهارت تجارة اللؤلؤ سنة 1929، كان من حظنا اكتشاف البترول (ولو كان، كما ذكرنا، بكميات قليلة) فوالدي التحق بالنفط سنة 1934 أي بعد سنتين من اكتشاف النفط، وهو من البحرينيين الأوائل الذين شاركوا في حفر بئر رقم واحد، وهو الآن مجرد متحف صغير·· والدي شارك في بناء هذه البئر وأنا افتخر بانتمائي للطبقة العاملة البحرينية ولأن الإخوان العرب عموماً يتصورون دول الخليج، أنها دول أثرياء ودول تملك النفط، ولكن والدي كان من الطبقة العاملة، سواء عندما عمل بالحبر أو عندما عمل في شركة النفط وهذا ما اعتز به، كما ذكرت آنفاً ولدت سنة 1939 حيث كانت مؤثرات الحرب العالمية الثانية تتفاعل وسمعت بعد نهاية الحرب بسنة أو سنتين بأصداء كثيرة وتأثيرات لهذه الحرب، يونس بحري في إذاعة برلين، الصراع بين الفاشية والشيوعية والرأسمالية، وعلى فكرة فقد تعرضت البحرين لقصف الطيران الإيطالي الموسوليني سنة 1942، لأن البحرين كان يمتلك رابع مصفاة للنفط في العالم، وكانت أول مصفاة للنفط في ذلك الوقت في المنطقة منطقة الجانب العربي في الخليج، بعد المصفاة الإيرانية والمصفاة العراقية لأن الإيطاليين اعتبروا أن المصفاة تزود الحلفاء بالنفط، فأرسلوا طائرة حربية إلى البحرين وقصفت منطقة قريبة جداً من المصفاة والمسؤول الإنجليزي عن المنطقة في ذلك الوقت اشعل الغاز وأوهم الطيار الإيطالي بأنه فعلاً قصف المصفاة، فما كرر القصف وعاد الطيران الإيطالي آنذاك جاء من الحبشة مجتازاً جنوب الجزيرة، إلى البحرين، هذه التأثيرات والاصداء، وقبل أن أقرأها في الكتب المدرسية، كان الرجال يقعدون أمام أبواب دكاكينهم، وعلى البحر ويتكلمون في هذه المواضيع· وكنت أسمعها، وكنت أبحث عن المزيد من هذه الأخبار كنوع من الفضول لأنها كانت تبدو لي مثيرة في مجتمعنا البسيط في ذلك الوقت، هذا الفضول عن شخص مثل هتلر، تشرشل، موسوليني·· وكنت آخذ صور جورج السادس، ملك بريطانيا، التي كانت توزع من قبل البريطانيين في البحرين، ومن تأثيرات الحرب مشكلة الأكل لأن المصدر الوحيد للدخل كان من النفط، وآنذاك، ما كان الدخل كافياً فالناس كانوا يأكلون الجريش، وهو نخال القمح يطبخونه مع السمك أو مع اللحم أو مع أي شيء، وأنا أذكر بأنني كنت أتضايق من أكل الجريش يومياً لأن الرز غير متوفر·· طبعاً قبل هذا التفاعل مع تيارات الحرب العالمية الثانية، البحرين اختزنت في ذاكرتها الوطنية، الحركة الوطنية التي قامت سنة 1923 ضد الإنجليز، وطالبت بمجلس الشوري، والشيخ عيسى بن علي، رحمه الله تعاطف مع الحركة الوطنية هذه ووافق على منح مجلس شورى، لكن الإنجليز تدخلوا ونفوا رؤوس الحركة الوطنية، ضد المستعمر الإنجليزي طبعاً، والحاكم عيسى بن علي قد تعاطف مع الحركة الوطنية ونلاحظ هنا أن الثورة الوطنية ضد الإنجليز لسنة 1919 في مصر وثورة العشرينيات في العراق وثورة 1923 في البحرين وثورة 1926 في جبل العرب في سوريا، وهنا نلاحظ موقع البحرين من التاريخ الوطني العربي،وقد كتب أمين الريحاني كثيراً في الطبعة الاولى عن ملوك العرب،  كتب عن أشخاص الحركة ومطالبها·

فاصداء الحركة الوطنية التي جاءت بعد الحرب العالمية الأولى واتجاه البحرين بقوة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، والشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة وهو، أخو الحاكم الشيخ حمد سافر إلى بريطانيا، وهو أول مسؤول خليجي يسافر إلى بريطانيا في ذلك الوقت للاطلاع على التقدم واكتساب المعرفة الجديدة لأنه ومنذ بداية العشرينيات كان القرار الحاسم في البحرين هو أن نعمل تحديثاً بالتعليم والمدارس والإدارة الحكومية الحديثة، وفي الأندية مثل النادي الأدبي الذي أنشئ في المحرق المدينة التي ولدت فيها وعشت فيها إلى أن تخرجت من الدراسة الابتدائية، والمحرق كانت العاصمة الأولى للبحرين، هي مدينة كاملة العروبة، وكانت المنامة العاصمة اليوم، تمثل مجتمعاً مختلطاً من العرب وغيرهم ومن التجار الهنود، والتجار الإنجليز والمهاجرين فعلى الرغم من صغر البحرين، فهاتان المدينتان مثلتا التناقض القائم فكان الحس الوطني والنزعة الوطنية في المحرق أقوى، وأيضاً في سنة 1956 أثناء العدوان الثلاثي على بورسعيد فقد تحرك أهل المحرق، الذين كانوا يسمون أنفسهم بور سعيد الخليج، بسبب مواقفهم من الإنجليز، ومدرسة الهداية التي تعلمت فيها كانت من المراكز الوطنية، ونادي البحرين الذي لايزال قائماً في مدينة المحرق، والآن القيادة تتوجه الحياء هذا التاريخ العريق لمدينة المحرق وإحياء آثارها القديمة، وخصوصاً إحياء بيت الشيخ عيسى بن علي القديم، وقد يصير أحد المقار لسمو أمير البحرين ليستقبل فيه الناس ويستمع إليهم، هذه الأجواء كلها صبت في الذاكرة الحية لتكويني·· وبعد أن تخرجت من  مدرسة الهداية سنة 1954 التحقت بالمدرسة الثانوية وكانت الوحيدة في ذلك الوقت يتلقى فيها الدارسون في مختلف المناطق والعشائر والأحياء، فيها شاهدت أحداث 1956، ثم سنة 1958 الوحدة بين مصر وسوريا في تلك السنة تخرجت وحصلت على بعثة دراسية في الجامعة الأمريكية في بيروت، فمنذ سنة 1927 كان في البحرين تقليد وهو إرسال الطلبة المتفوقين للجامعة الأمريكية في بيروت، فكانت الأجواء حية بين التيارات، وكانت المواجهات والأجواء الصاخبة حتى بين التيارات القومية نفسها، من بعثيين وقوميين عرب وغيرهم··· كل هذه الأجواء ومنذ الطفولة أثرت في تكويني·

 

·         كثيراً ما شغلتكم الإشكالية السياسية وعلاقتها بتاريخنا العربي، فهل ترون في تخلفنا الحضاري علاقة بأوضاعنا السياسية وحسب؟

لقد تحدثت عن هذه الاشكالات في كتبي، التأزم السياسي عند العرب، تكوين العرب السياسي، العرب والسياسة إلى أين الخلل·· إن المجتمع العربي الحضري من أزمان طويلة، والآن المجتمع المديني العربي لا يملك أسناناً سياسية، وليس قادراً على الاحتشاد السياسي، وإلى يومنا هذا فالقوى الليبرالية والقوى المثقفة لا تمثل كتلة سياسية موحدة تستطيع أن تفرض رأيها، بينما العصبيات الريفية والعصبيات البدوية والعصبيات العشائرية والمذهبية الدينية المتخلفة، وهي متخلفة لا نقل أنها متخلفة بمعنى مطلق ولكن، لأن مناطقها لم تتطور عمرانياً وإنمائياً، فهي محتفظة بالروابط القديمة، فنلاحظ أنه عندما تكونت الأحزاب السياسية الجديدة والأحزاب الطليعية والتقدمية·· في البداية طرحت الأفكار التقدمية للمثقفين ولأساتذة المدارس مثل البيطار وغيرهم، لكن لما دخلت في معركة  السياسة ومعمعان الحكم، لم يحكم هؤلاء الأساتذة الطيبون بينما الذي حكم هم رؤساء العصبيات ورؤس العصبيات ومازالت هذه العصبيات تعيد المنهاج نفسه من الابن إلى الأب ومن الاب إلى الابن والروابط القريبة هذه، ونلاحظ أنه في معظم الجمهوريات العربية عندنا، قد تحولت إلى جمهوريات تراثية كما هو ملاحظ ولا يحتاج إلى بيان· هذه قضية أساس المفروض من الفكر السياسي العربي أن يلتفت إليها صحيح أن كل الأنظمة السياسية مسؤولة عن أخطائها واضطهادها واستبدادها، ولكن في الكثير من البلاد العربية تغيرت الأنظمة السياسية عدة مرات إلا أن ما يأتي في القاع السوسيولوجي، أن هذه العصبيات تعيد نفسها من جديد وتستولي على السلطة وتعيد نفس أخطاء العصبيات السابقة، وقد تكون الأنظمة التقليدية، في هذا المجال، أقل بطشاً هناك نوع من الحياء ونوع من التردد في البطش بالناس، وعندما جاءت العصبيات الجديدة فهي لابسة قشور الحزبيات الحديثة استطاعت أن تفتك كما يعرفها أي مواطن عربي، وأي مؤرخ أو باحث فالمسألة ليست في تغيير الحاكم أو تغيير النظام وإنما في البحث في نوع العصبية والكتلة السياسية التي تأتي إلى الحكم، فمن يقوم بالثورة هو الذي يستلمها، فلو قام بالثورة العسكر فلن يسلموا الحكم على طبق من فضة إلى الناس الطيبين أو لمن ليس لهم علاقة بالمصالح العسكرية فمن يقوم بالتغيير يتسيد هذا التغيير ليحافظ على مصالحه، فالعملية طويلة ولابد من البحث في تغيير إنمائي طويل الأمد في المجتمع العربي نفسه من دون أن نتعجل النتائج·

المجتمع المدني ببساطة لا يحتاج إلى ريف

·         ومن المسؤول عن عملية التغيير؟

 

أولاً، يجب أن نشخص الأزمة هنا، وبعد تشخيص الأزمة المفروض ان تعمل الأنظمة ولكن الأنظمة لن تعمل بهذا الاتجاه، نحن في أزمة تاريخية فعلاً، فالتغيير يجب أن يبدأ من الطبقات الشعبية وتتغير إنمائياً على المدى الطويل ونتحول من المجتمع القبلي البدوي، والمجتمع الريفي إلى المجتمع المديني لأنه لا مجتمع مدني بلا مجتمع مديني، لأن المجتمع المدني لا يقوم في البادية ولا يقوم في الريف، ولا يقوم على العصبيات القبلية، المجتمع المدني يريد حاضنة مدينية قبل كل شيء، وإذا الحاضنة المدينية لا تقوم، لأنها مستضعفة أو مزيفة أو مبدونة، فلا نتوقع منها شيئاً، فماحصل إنه بدل تمدين الريف وتمدين البادية في العالم العربي تم ترييف المدينة وبدونتها، الآن هذه الاشكالية من يبدأ وكيف نبدأ هذا بحث آخر· المفرض ما لم يحدث هذا الشيء وما لم نصبر على خطة إنمائية طويلة، (بالمناسبة أنا كنت ضد هذا الرأي في شبابي) لأنه قد اتضح من التجربة أن الأنظمة التقليدية القائمة في العالم العربي على اختلاف أنواعها حتى التي سميناها بالرجعية هي الآن تتطور ولو بشكل بطيء، فالمجتمع في ظل الأنظمة التقليدية السياسية في المغرب مثلاً في ظل الملكية، استطاع المجتمع المغربي أن يتطور إلى مستوى التداول السياسي واستطاع شخص زعيم المعارضة الذي كان مهدداً بالإعدام قبل سنوات أن يرأس الحكومة ويصبح رئيس حكومة صاحب الجلالة، فإذن هذا تطور يسجل واعتقد ان هناك نماذج في المجتمعات التي ظلت خاضعة للأنظمة التقليدية، وأنا هنا لا أقول بأنها خلية من الفساد، ولكن أرجو أن لا تسمح للفساد أن ينهشها لأن الانقلابيين جاهزون، أرجو أن تطور نفسها، الآن نحن نترحم على الملكية المصرية والملكية العراقية والنظام الوطني الجمهوري القديم في سوريا، نترحم عليها، ولكن في كل الأنظمة التي تبدو بالمقارنة افضل، لكن فيها قدر هائل من الفساد وهذا الذي أتاح للانقلابيين أن يأتوا وأن يقولوا للشعب هذا نظام فاسد، ولهذا قوبل انقلاب حسني الزعيم في سوريا بتهليل لم يُقابل به جمال عبدالناصر في مصر، أو حتى انقلاب كريم قاسم في العراق، في ذلك الوقت كان هناك اجماع على أن الأنظمة التقليدية كانت فاسدة ولكن التركيبة الاجتماعية التي استلمت السلطة افرزت أنظمة أشد فساداً أنا أتكلم كشاهد للتاريخ العربي المعاصر وهكذا أرى الصورة·

 

·         بدأتم مع الأدب وعلوم اللغة، ثم تحولتم تدريجياً إلى البحث الفكري، هل لحاجة أم لأن الأدب العربي لم يشبع تطلعاتكم؟

فعلاً أنا بدأت كدارس للأدب في مرحلة البكلوريوس، وفي كتاباتي، بدأت كناقد أدبي للحركة الأدبية الجديدة في البحرين في منتصف الستينيات، لكن هذا الأمر ومنذ ذلك الوقت كان جانباً من جوانب اهتماماتي، وأثناء تخصصي في الجامعة الأمريكية في بيروت، احترت في ماهية التخصص الذي اختاره، لأنه كان عندي جاذبية للفلسفة، للعلوم السياسية، وللأدب العربي، للعلوم الاجتماعية وكواقع سيرتي الشخصية، فأنا اخترت العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية واستمرت سنة ولكن مديرية العارض في البحرين في ذلك الوقت التي بعثت من قبلها، لاحظت أنني أول طالب بحريني يتخصص في العلوم السياسية، في وقت لم نكن وصلنا فيه لمرحلة الاستقلال فأرسل أحد المسؤولين في المديرية لي رسالة وطلب مني التحول من العلوم السياسية (الفرع الذي لا حاجة له في البحرين) إلى موضوع تربوي له علاقة بالتدريس في مدارس البحرين، عندئذ حولت إلى الأدب العربي على أساس أنها المادة المحببة إلي،  وبعد تسع نسوات استقلت البحرين فصاروا يبحثون عن خريجي علوم سياسية، وما أظن أن مسؤول المعارف في ذلك الوقت كان بعيد النظر، والشيء الثاني أنني انتقمت ورجعت للعلوم السياسية، فكل كتبي في العلوم السياسية لأنه لا يمكن كبت أي شيء وما اختياري للأدب العربي، إلا لأنني أحبه·

 

قصيدة النثر والقطيعة مع المشهد الأدبي

 

·         وما تعليقكم الآن على وضع أدبنا العربي؟

بصراحة دعيني أقول التالي: أن الحركة الأدبية الجديدة في البحرين في منتصف الستينيات، إلى بداية السبعينيات، كانت حركة واعدة، وتقدم شيئاً جديداً لكن لما سادت مدرسة القصيد الحديث التي يسمونها، قصيدة النثر لم استطع أن أتفاعل مع هذا  المنتج الجديد·

 

·         وهل قرأتم لمحمد الماغوط؟

لأكون أميناً لم اطلع على شعر محمد الماغوط وأنا أتكلم عن قصيدة النثر كما سادت أساساً في الخليج·· "محمد الماغوط هو مؤسس قصيدة النثر" نعم·· ولكني أنا ما استطعت أن أتفاعل مع قصيدة النثر لأدونيس مثلاً، لأن أدونيس كبير السحرة الذين أثروا على الشباب في مجتمع الخليج العربي ومازال الشباب الخليجي يعتبرونه شيئاً أدبياً مقدساً، أي الشباب الذين تأثروا به، وهو أيضاً لا يعتبر أحداً من كبار الشعراء إلا إذا كان من مدرسته وهذا لاحظته معه وأقول له رأيي، وفي مرة في أحد معارض كتب البحرين في الموسم الثقافي الذي تقيمه الأيام، عملت شيئاً اسمه حوار الاختلاف مع أدونيس، أو حوار المختلفين بيني وبين أدونيس، وكان ذلك أمام حشد كبير في البحرين فأنا قلت رأيي وهو قال رأيه·

 

·         وهل كانت نقاط الاختلاف كثيرة؟

بالطبع إن أدونيس شاعر مبدع هذا لا شك فيه، لأن الإبداع مشروع شخصي، ولكن أنا أخذت كتاب الثابت والمتحول، فالثابت والمتحول كبحث تاريخي، كبحث فكري، كان من المفروض، كان أن يستند إلى مصادر وحجج من دون شك كان بحثاً متحيزا، بحث يُعبر عن رأي أدونيس في التراث العربي وليس بحث باحث نستطيع أن نصفه بشيء من الموضوعية· وهذه من النقاط التي لوحظت في كتاب الثابت والمتحول· إن كل ما هو تمرد ضد التراث الإسلامي، أو حتى ضد الاتجاهات السائدة في تاريخ الإسلام، كل ما يمثل التمرد، كالخوارج والقرامطة· هو اعتبرهم منتهى الثورية ومنتهى التجديد بينما اعتبر التيارات الأخرى الغالبة، هي التيارات الرجعية المحافظة، وأعطى مبدأ عاماً أنه كل ما هو تمرد ورفض، هو تجديد، وبالطبع ليس بالضرورة، نحن عندنا ملاحظات على الحكم الأموي، ولكن خلق عبدالملك والوليد للدولة ومعاوية للدولة الإسلامية، أي الدولة التي لم تكن موجودة أنا اعتبر أن عبدالملك كان متطوراً ومتقدماً أكثر من الخوارج لأنهم كانوا يمثلون حركة اللا دولة كونهم كانوا مجرد ثوريين، وهذا نوع  من الابتزاز عندنا (أنا ثوري، لا أحد يكلمني، أنا تقدمي يساري لا أحد يكلمني لأن الآخر رجعي·· وهذا المنطق أثر على الكثيرين وترك الكثير من الضحايا ولكن لا نستطيع قبول هذه الفكرة· فالمأمون من الحكام العباسيين الذين قاوموا الكثير من الثورات·· أنا اعتقد انه كان متقدماً في المعيار التقدمي التاريخي أكثر من القرامطة، أو الخوارج، والقراطمة هم قومة بدوية قامت بثورة على دولة المدينة، فلكونهم ثوريين سموا باشتراكيي الإسلام في وقت من الأوقات، أو نوع من التنظيم الشيوعي الذي سبق زمنه· هذه كانت آراء شخضية، ونوعاً من التذكير الرغائبي· وأريد أن أقول للتقدميين العرب اليوم لا تتخفوا خلف أردية القرامطة أو الخوارج، بل عبروا عن أنفسكم بما أنتم الآن من دون أي قناع لا قرمطي ولا خوارجي·· لأن التقدم العربي اليوم لا يستطيع أن يعبر عن نفسه، فيقول: الله حركة الخوارج كانت حركة تقديمة ثورية·· الخ فأدونيس مسؤول عن ترويج هذا الوهم أو هذا التصور غير العلمي·· هذا إذا اعتبرنا أن كل حركة تمرد هي حركة  تقدمية معيار التاريخ ولكن هل هذا صحيح فأحياناً تكون ثورة مضادة· فما يحدث في الجزائر الآن، هل هي حركة تقدمية؟

الثقافة المؤدلجة·· بداية الأسباب

·         هل كان في حياتكم محطات مهمة أخرى، بلدان، جامعات، شخصيات·· أثرت في تكوينكم؟

بعد تأثير المكان الأول الذي هو موطني البحرين، من دون شك، بيروت كان لها التأثير الأكبر، فقد درست فيها البكالوريوس والماجستير أما الدكتوراة فقد قدمتها في جامعة كمبردج الأمريكية، وقارنت بين الجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة كمبردج في أمريكا، شيء ما، في نفسي وشخصيتي وفي تفكيري جذبني إلى الجامعة الأمريكية ولهذا قررت أن أعود وأقدم الدكتوراه وجامعة كمبردج كانت مسيطرة عليها السياسة البريطانية للأسف·· ومن الأساتذة الذين كانوا يدرسون، كان هناك البروفسور سارجر، اكتشف فيما بعد، انه كان موظفاً كبيراً في وزارة الخارجية البريطانية، وعندما بدأت مشروعي بدراسة تيارات الفكر العربي الحديث قال لي هذا  الأستاذ المشرف لا تستعمل كلمة عرب، وأنا سألته: ماذا نسمي المخلوقات الموجودة في الشرق الأوسط؟ أجاب: سميها سنة، شيعة، ذيول حضارة يمنية· هذا الكلام كان في سنة 1970، فكيف اكتب عن الفكر العربي ولا استخدم كلمة عرب، فإذا اليوم نسمع عن الشرق الأوسط الجديد، فهذا تحقيق واقعي للفكرة التي كانت موجودة ألا وهي، إزالة كملة عرب عن المنطقة، وعن الفكر، وعن الأبحاث وعن الأدب، والتعامل اليوم بتسميات مختلفة· مثل المتوسطية، الشرق الأوسط الجديد·· الخ وأصلاً كانت الشعوبية تسير في هذا الاتجاه، ولهذا رجعت إلى الجامعة الأمريكية في بيروت وأكملت وعملت أطروحاتي التي خرجت في كتاب: "الفكر العربي وصراع الاضداد" وتناولت فيه تيارات الفكر العربي كلها، وكيف أن النزعة التوفيقية التي كانت سائدة في الفكر القديم والحديث حاولت أن تحتوي صراع الأضداد، ولكن كان احتواءً مؤقتاً وكان، أحياناً، التوفيق يصبح بين المادية والدين بين نزعة روحية ونزعة ماديةمطلقة·· ولقد حاول بعض ا لشيوعيين العرب أن يفسروا القرآن تفسيراً جدلياً مادياً، محمد عيتاني (رحمه الله) كان أحد الأشخاص الذين حاولوا·

و(حسين مروه أيضاً)؟

نعم حسين مروة أيضاً في كتابه، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية قد لوى عنق الاتجاهات المختلفة حتى تنطبق وتندرج ضمن النزعة المادية، حسين مرة يجب أن يقال إنه كان باحثاً جيداًرصيناً· لكن منهجه تحكم فيه·

و(صادق جلال العظم)؟

صادق جلال العظم والطيب التيزيني، أي الذين انطلقوا من نهج مسبق يختلف عن طبيعة المادة التي بحثوها· فالفكر الإسلامي يجب أن يبحث كما هو "أي الفكر العربي أو الإسلامي بظروفه التاريخية و كل العوامل المؤثرة فيه، بما في ذلك العوامل المادية· لكن من دون أن يحكم عليه مسبقاً، إنما يجب أن يخضع للجدلية، كأن نقول: ابن رشد مفكر مادي تقدمي سبق عصره أو ابن خلدون· المفكر المادي التقدمي··نعم هو مفكر تقدمي ومفكر اجتماعي، إلا أن الدخلة على هذه الموضوع تعني أنك تنسبه إلى التيار الذي أنت تريده في الوقت الحاضر·

أنا لا اعتقد انه من الناحية العلمية شيء مقبول أدلجة المعرفة· ومشكلة الثقافة العربية الحالية هي المعرفة المؤدلجة، فالأيديولوجية هي نوع من الظن في التصور، بينما المعرفة هي المحاولة للوصول إلى الحقيقة العلمية كما هي، يعني لا ازعم ان كل الباحثين يستطيعون الوصول إلى الحقيقة·· كل إنسان طبعاً يتأثر بمشاعره، بايديولوجيته، بتكوينه لكن المفروض عندما تكون باحثاً ان تحاول الوصول إلى المعرفة معرفة من دون أيديولوجية أو تترك ايديولوجيتك على جنب قدر الإمكان، أما ان تتعمد أن تخضع مادتك المعرفية إلى منهجك الأيديولوجي فلا تنتج إلا ما طلع في الفكر العربي، وهو ضعيف من الناحية العلمية، ومن الناحية المعرفية، يمكن أن يكون فيه حذق وشطارة انك تخضع التراث العربي إلى المادية الجدلية او اي منهج آخر، ولكن لا أظن أن ذلك يقدم شيئاً جديداً بالنسبة لتقدم الفكر العربي·

 

·         وبمن كان تأثركم الأول؟

نحن في البداية تأثرنا بالمدرسة الأدبية والنقدية المصرية، مثل طه حسين، العقاد، توفيق الحكيم، وأنا في الواقع في كتاباتي في أبحاثي، في أسلوبي بالذات تأثرت بالمدرستين: المدرسة اللبنانية، والمدرسة المصرية· المدرسة اللبنانية تتجه نحو الاهتمام بالمضمون أكثر والمدرسة المصرية، لأنها تخاطب جمهوراً واسعاً تهتم بالوضوح والبساطة، وأحياناً يكون ذلك على حساب المضمون، أما المدرسة اللبنانية فهي تهتم بالمضمون وإن كان أحياناً، على حساب الأسلوب، المهم أن المضون غني، وأنا حاولت أن أستفيد من الجانبين، وهي كانت محاولة ولا أدري إن نجحت فيها أم لا؟

 

·         "أي حاولتم التوفيق"؟

أنا أوفق، وهي وإن كان توفيقاً سلبياً·· ولكن إذا أمكن التوفيق· أي بين البساطة والوضوح قدر الإمكان في المدرسة المصرية، والتعمق في المادة كما في المدرسة اللبنانية·

بالنسبة للمدن التي أثرت في كانت بيروت· في مرة، الدكتور غازي القصيبي عملت معه "وجهاً لوجه" ولكن هو يكون السائل وأنا المجيب، فسألني: أذكر ثلاث مدن أثرت في حياتك بعد البحرين؟ فقلت له: أولاً بيروت، وثانياً بيروت وثالثاً بيروت· وهذه حقيقة غير مبالغ فيها، ففي مرحلة البكالوريوس تأثرت بجو معين في بيروت وفي مرحلة الماجستير بجو آخر ومرحلة الدكتوراه بجو الحرب اللبنانية بشكل عام·

 

·         بيروت كانت حاضنة لمعظم الأدباء·

نعم كانت حاضنة وحاضرة للثقافة العربية من دون شك·

وهذا من باب العرفان بالجميل·

 

·         ماذا يتبادر لكم لو أن أسماء مثل: طه حسين، علي عبدالرزاق، وغيرهما من الكثيرين الذين هم امتداد لوقتنا اليوم، كانوا قد تأخروا عن الظهور·· فكيف سيكون الأمر من حاضرنا بعيداً عن انجازاتهم الإيقاظية التي فجرت ولاتزال الكثير من التساؤلات والأفكار؟

من حسن الحظ أنهم تقدموا وسبقوا في الحضور والا لما كانوا حضروا اطلاقًاً لأنها ستكون ضدهم دعوات التفكير· طبعاً طه حسين تعرض لعاصفة ولكن كانت عاصفة رحيمة معتدلة قياساً على العواصف الحالية، ولذلك الآن الثقافة العربية لا تنتج واحداً مثل طه حسين، وعلي عبدالرزاق، لأنه محظور إنتاج أشخاص مثلهم، ولهذا لا يعني تبني فكرهم يعني على الأقل حقهم في الوجود، والأدب العربي والفكر العربي يشهد أسخاصاً مثلهم·

 

·         ما تعليقكم على المظاهرات الأخيرة في مصر ضد رواية أعمال أدبية؟

بالتحليل النهائي أرى أن هناك احتقاناً سياسياً واجتماعياً، حاول أن يعبر عن نفسه بهذه الحجة ففي العالم العربي كل شيء مُسيس إلا السياسة، الأغاني لها بعد سياسي، الممارسات الدينية لها بُعد سياسي، المذهبية لها بعد سياسي لكن السياسة لا تقدر أن تعبر عن نفسها بنفسها كسياسة يجب أن تختفي تحت شيء آخر·· وما لم تٌُسيس السياسة لا نستطيع أن نمارسها بشكل صحي، فلابد من تسييسها لممارستها· اما أن نمارسها كدين وكأدب وكأشياء أخرى، يكون تشويهاً لها· فأنا أرى أن كل الضجة حول هذه الرواية هي مجرد تنفيس عن احتقان سياسي وجد له مبرراً في بعض السطور والكلمات التي اكتشفها من يريد إثارة هذه الضجة فقط لا أكثر ولا أقل، ولكن الاحتقان موجود في صميم التأزم السياسي العربي· فأحيانا ستجد وليمة لأعشاب البحر، وأحياناً ستجد اغتيال فرج فودة·· الخ·

 

فلسفة اللا عنف تحولت إلى حزب سياسي في الهند

 

·         هل تعتقدون بصيرورة التكوين لكل شعب بمعزل عن  تغييرات العصر؟

يعني تكوين الشعب نفسه وتفاعله مع التاريخ، تفاعله مع الحاضر، هنا يوجد عملية دقيقة أرجو إيضاحها في مسألة التفاعل مع العصر نحن ندرك طبيعة التكوين التاريخي لأي مجتمع من المجتمعات وكيف أنه يمكنه وبحكم تكوينه أن يتفاعل مع معطيات العصر الحديث لأنه ممكن أن تكون أحياناص الحداثة القشورية أو الحداثة المزيفة، وهي أن نقول: هناك تقدم في العالم فلنأخذ هذا التقدم، فليس كل تقدم يناسب كل شعب، أنا درست الظواهر الأسيوية بعمق من حوالي عشرين سنة في كتابي: العالم والعرب سنة 2000 فلاحظت مثلاً أن اليابان تقدمت بطريقة بالعصر، الصين تقدمت بطريقة أخرى، الهند أيضاً تقدمت بطريقة مختلفة، يعني هذه الأمم الشرقية العريقة ذات الخصوصيات التاريخية المتباينة، كلها واجهت عصراً حديثاً واحداً، وواجهت تحدياً غريباً واحداً· لكن كل شعب حسب منظاره حسب بيئته، حسب معدته الهاضمة هضم ما ناسبه من مقومات العصر، ووجد كيف يمكن أن تتفاعل مع شخصيته، أعطي مثلاً في يوم من الأيام في بدايات القرن العشرين عندما تقدمت اليابان بسرعة، والصين قبل تجربتها الأخيرة ويجب الاعتراف أنها ما تقدمت إلا في ظل ماوتسيتونغ، هذا واقع تاريخي أيضاً، والشيوعية الماوية ناسبت الصين وطورتها·· والآن وصلت الصين إلى مرحلة تتجاوز فيها الماوية أيضاً· لكن قبل التجربة الماوية في الصين، كان يوجد ارتباك مثل الارتباك الحاصل اليوم في العالم العربي، اي التساؤل عن الأيديولوجية  التي يجب ان تتبعها؟ هل نخشى على النظام التقليدي؟ هل نتبع النظام الثوري؟ فالفترة السابقة لثورة ماوتسيتونغ كانت فترة قلقة إلى أن جاء الحسم الثوري فيها على يد ماوتسيتونغ· ففي هذه الفترة كان ما تهضمه اليابان من عناصر الحضارة الغربية يتحول إلى قوة، وما تهضمه الصين من نفس العناصر يتحول إلى ضعف، لأن الصين في ذلك الوقت لم تكن مهيأة ولم تكن معدتها مركبة بطريقة سليمة لتتمثل هذا الغذاء الجديد الذي جاءها من الحضارة الحديثة·· إلى أن اكتشفت الصين من خلال التجربة الماوية الطريقة المناسبة لها لتقتبس الحداثة الغربية والآن الصين أصبحت قوة عظمى، مشت في طريقها وأصبحت قوة عظمى، والهند بطريقة مغايرة·· أصبحت أيضاً قوة عظمى فعندما نقول تراث المعاصرة نعتقد أنه لا يوجد أحد طبق تراث المعاصرة مثلما طبقه غاندي في الهند، الهند قائمة على تُراث اللاعنف، فالديانات في الهند والثقافات الهندية تؤمن بعدم العنف، باللاعنف، غاندي حول هذه الفلسفة العميقة عند الشعب الهندي إلى نهج سياسي في حزب المؤتمر، واتخذ فكره اللاعنف كوسيلة لمقاومة المستعمر البريطاني، فكيف استطاع هذا الرجل أن يأخذ شيئاً عميقاً في ضمير الشعب الهندي ويحوله إلى أداة سياسية فاعلة، فالمفروض أن من يريد أن يعمل تقدماً، أن يعمله بالطريقة هذه واعتقد أن تجارب الأمم الثلاث التي ذكرت اليابان، الهند والصين أنها تقدم نماذج جديرة بأن يدرسها العرب، العرب تحدثوا عن تجربة التسيير الذاتي في يوغوسلافيا، في فترة يوغوسلافيا التي انهارت وقبلها النموذج السوفييتي، أنا أعتقد أنه حان الوقت لأن يأخذوا النماذج الشرقية الناجحة، وأنا لما بدأت الكتابة عنها، العناصر التي نعرفها في الفكر اليساري العربي قالت: هذا حديث عن اليابان وأنه تجربة أمريكية وأن أمريكا تريده أن ينجح ولذلك نجح· اليوم الاقتصاد الياباني هو أكبر خطر على الاقتصاد الأمريكي، وأمريكا تطالب اليابان بأن تتحمل النفقات العسكرية لحماية نفسها· عندنا في الفكر العربي شيئان:

ـ ان نتحدث عن تجربة ونراها ونرى خحصوصيتها ونبحث عن كيفية الاستفادة منها ليس بالتفصيل والنقل الحرفي، إنما بأخذ المغزى الحضاري التاريخي العام، أحياناً ندرس التجربة بمعنى أن التجربة الصينية قد اتخذت هذا الاتجاه، ونحن علينا أن نأخذ هذا الاتجاه، فعندما انتصرت البندقية في فيتنام، والبندقية في فيتنام انتصرت لظروف موضوعية خاصة بالشعب الفيتنامي ولذلك استطاعت ان تهزم أمريكا فصارت المقاومة الفلسطينية ـ وعندنا في اليسار العربي ـ تؤمن بالبندقية، البندقية تحولت إلى نوع من العقيدة الدينية، بمعنى: احمل البندقية وهذا يكفي، بما أن البندقية انتصرت في فيتنام فيجب أن تنتصر في الوطن العربي وأريد أن أنبه بالمناسبة اليوم أنه ومن دون شك المقاومة الوطنية اللبنانية، وحزب الله على وجه التحديد أرغم الإسرائيليين على الخروج من لبنان، فالمهم هنا، وما يجب أن يؤخذ بالاعتبار أنهم أخرجوا الإسرائيليين· الآن الفكر العربي بدأ يقفز، لقد حصلت هذه التجربة في لبنان وغداً في فلسطين، وبعد غد في الجولان، وبعد ذلك قد يكون في موريتانيا أو في أي مكان·· هذه قفزة تعميم يجب ألا يكون هناك ظروف موضوعية أدت إلى نجاح التجربة في لبنان، فإذا كان هناك ظروف موضوعية مشابهة إلى حد كبير في أماكن عربية أخرى، ممكن عندئذ أن تنجح التجربة، لكن أن نقفز ونقول يا فلسطين طبقوا تجربة لبنان فهذا غير معقول·· للأسف مازال فكرنا العربي يتأثر في هذا التعميم وينطلق من شيء إلى شيء مختلف· نحن نتكلم اليوم عن تطور ما بعد الحداثة وأن الفكر العربي يستوعب ما بعد الحداثة·· نحن نحتاج إلى نوع من التفكير المنطقي الوضعي الذي بدأ العلم الغربي والفكر الغربي· أن ندرس كل واقعة في ظروفها·

 

سقيفة بني ساعدة·· كانت البداية

 

·         هل اشكاليتنا السياسية متجذرة منذ أول تكوين عربي معاصر؟

ـ إن اشكاليتنا متجذرة من أول تشكيل للدولة في التاريخ الإسلامي فسقيفة بني ساعده وأزمات الخلافة الراشدة القصيرة العمر، والصراعات الحزبية التي قامت في ذلك الوقت، وطبيعة التحول من الخلافات الراشدة إلى الدول الأخرى مثل الأموية والعباسية·· الخ هذه  في الواقع كشفت تأزماً سياسياً في التكوين العربي، إلا أن التكوين الاجتماعي هو كان المؤثر الأكبر عند العرب كوننا كنا قبائل وكان تكويننا القبلي هو التكوين المضاد للدولة· هو التكوين القوي ومازال (مثل ظاهرة التكوين القبلي في اليمن ومقاومته لتكوين الدولة الحديثة) وأيضاً مجتمعات عربية أخرى وليست فقط مجتمعات الجزيرة العربية التي يسمونها بالبداوة، وحتى في مجتمعات الهلال الخصب والمغرب العربي، يعني التكوينات القرابية سواء أكانت عشائرية أم قبائلية مازالت هي العصبيات القوية التي تؤثر في الاحتشاد السياسي وتؤثر في الدولة، فهذا العامل في تاريخ التكوين الاجتماعي العربي، هو عامل مهم وحان الوقت لأن نلتفت له ونحلله وننظر في كيفية معالجته، لأن سقيفة بني ساعدة التي يتكلم عنها الكثير من الكتاب كانت منبراً ديمقراطياً وذلك لوجود النقاش بين التيارات·· ولكن إلى ماذا انتهت! إلى أن قريشاً يجب ان تحتكر السلطة باعتبارها هي المؤهلة للحكم، فسقيفة بني ساعدة على الرغم من أنها بدأت بالخلافة الراشدة، إلا أن هذه الخلافة الراشدة حصرت في قبيلة قريش· ونحن عندما نتكلم عن قبيلة راشدة، معناه أحقية أي مسلم راشد في أن يتولاها، فأخرج الأنصار وأخرج الأوس، والخزرج وبقية القبائل العربية وقيل أن الخلافة في قريش· إذن سقيفة بني ساعدة لم تنته بنهاية ديمقراطية وإنما انتهت بنتيجة قبلية، قالقبيلة الأقوى التي كانت في ذلك الوقت والتي هي قريش فرضت نفسها، وسواء في عهد الخلافة الراشدة وفي عهد الأمويين أوالعباسيين فقد استمرت السيطرة القرشية باسم قريش، باسم بني هاشم، ثم ان العشائر داخل قريش أصبحت تتصارع سواء كانت علوية أو أموية، أو هاشمية فهذا دليل أولاً أننا تاريخياً، ما كان عندنا دولة مؤسسة قائمة كدولة مستمرة من دون تقطع، لأن الفراغات الصحراوية والتكوينات القبلية لم تسمح بنشوء هذه الدولة كانت هناك الدول المدينة في الهلال الخصيب، كانت هناك الدولة المركزية في مصر، إلا أنها كانت محصورة في مناطقها، وحتى عندما قامت الدولة الإسلامية الأخري كانت متركزة في العواصم في الدرجة الأولى في دمشق وفي بغداد، ولكن القبائل كانت تعيش في حريتها· فلماذا لم نتجه إلى تكوين مديني في مجتمع مدني بحيث على أساسه تقوم هذه الدولة الحديثة، أما إذا أردنا التكلم عن الدولة القبلية فهي متوفرة في أنحاء كثيرة في العالم العربي·

 

البنية الفوقية والبنية التحتية

كيف نتوجه لفكر عربي والقاعدة حتى اليوم غير مكتملة ولا وجود لتوجيه شامل أو حتى مدرسة، أو مدارس فكرية، فكثيراً ما تولد في مجتمعاتنا حركة فكرية ولكن بتوجيهات فردية؟

ـ فعلا إنها أزمة قائمة واشكالية كبيرة فكيف يمكن أن نصنع بنية فوقية لبنية تحتية إما أنها مناقضة لهذا الفكر، أو غير موجودة لأن الثقافة كبنية فوقية هي تعبير عن البنية التحتية عن المجتمع عن تكوين اجتماعي معين· والملاحظ أن التكوين الاجتماعي في قاعدة العالم العربي، إما هو مناقض للأفكار الحديثة للثقافة العربية او أنه يعيد إنتاج نفسه من خلال الأفكار الأصولية والتقليدية الشائعة فلماذا نستغرب انتشار التيار الأصولي عندنا ما دامت قاعدة المجتمعية تمثل الأغلبية، تمثل سكان الريف وسكان البوادي ولا ننسى أن الحركة الأصولية ازدهرت مع انفجار ديمغرافي في الريف العربي، المدينة لم تستطع (كما قلنا) أن تمدن الريف بل بالعكس، الريف انفجر سكانياً وزحف إلى المدينة وحولها إلى قاعدة أصولية، لأن الريف ليس له من أيديولوجية إلا الأيديولوجية الشعوبية الأصولية الدينية البسيطة،لأنه لم يحتك بأي أيديولوجية أخرى، فلماذا نندهش طالما إننا لم نطور هذه الجماهير نطور هذه المناطق لم ننشر فيها التعليم· وهنا نلاحظ، فبالنسبة للثورة المصرية، الثورة الناصرية، إذا عبدالناصر اتجه إلى تغيير كبير في العالم العربي، لكنه لم يستطع أن يقترب من مشكلة تحديد النسل، هذه المشكلة الأساسية من مشاكل المجتمع المصري، لقد خاض كثيراً من المعارك التي نعرفها بالداخلية والخارجية، ولكن الثورة المصرية لم تخض في إشكالية تحديد النسل لأنها مرتبطة باعتبارات دينية أويعني أن الحاكم الشعبوي يبحث عن شعبية، وهذه المسألة لن تحققها له مثلما فعلت انديرا غاندي في الهند، عندما اتخذت قراراً سياسياً بتعقيم الرجال، إلا انها سقطت في الانتخابات·· هذا شاهد من الشواهد، بأن مشكلتنا هي في هذا القاع السيلوجي العربي الذي لم يصل التحديث، ولم تصل إليه مؤسسات الدولة، ولم يصل إليه التعليم والذي ترك ينفجر ديمغرافياً ويتزايد سكانيا كنبات فطري أو طفيلي حتى ويزحف على المدينة· أنا لا أرى أي حل سريع، أو حل سحري ما لم تتطور المجتمعات العربية ومناطقها الريفية بالذات·

 

يعني مصباح علاء الدين ليس فعالا؟

 

لا، لا يوجد حلول سحرية، نحن دائما ننتظر مصباح علاء الدين في البلاغ رقم واحد في الإذاعة وتصورنا عدة مرات بأن البلاغ رقم واحد من الإذاعة يقلب الأشياء كلها، ولكن البلاغ رقم واحد الإذاعي يعيد في المربع رقم واحد الذي هو يعني أن نرجع لطبيعة القاعدة الموجودة· وكما تعرف أن أكثر الأنظمة الراديكالية التقدمية الجمهورية عادت اليوم الى ممارسة عادات القبلية القديمة في كل شيء·· في التوريث وما الى ذلك·

 

هل ترى أن المغايرة والاختلاف هما سر الحياة الثقافية للأمم؟ كيف تنظر الى هذه النقطة، أو هذه الموضوعة، في ظل هذا التغيير الكبير والمقلق لأوضاع العالم حيث يسيطر العولمي الجديد؟

 

يعني المغايرة والاختلاف، إذا كانت مغايرة واختلافا طبيعيين ومعبرين عن قوى اجتماعية وقوى حضارية متباينة وحقيقية في المجتمع لا بأس بها، واقبلها ويجب أن تكون لكن أيضا المغايرة والاختلاف من أجل الاختلاف ومن أجل المغايرة، معنى هذا، خلق الصراعات الجدلية في الفكر العربي وفي المنطقة العربية، فأصبح كل شاعر في جزيرة منعزلة، وكل شاعر مدرسة بنفسه، وكل مفكر مدرسة قائمة بذاته تلغي الآخرين فهذا نوع من المظاهر الطفولية، يعني الاختلاف متنوع بهذا المعنى، هو نوع من الغريزة البدائية الطفولية، أحيانا هناك دولة صغيرة جدا في العالم العربي تحسب نفسها امبراطورية، ودولة بعدها طالعة من التخلف ولم تتطور لكنها تتصور أنها عملت ديمقراطية وحررت المرأة·· فتخاطب الإعلام العالمي·· الخ فهذا نوع من الانتفاخات غير الصحية، يعني هذا المغايرة، هي المغايرة التي أدت الى إضعاف العرب، ودخولهم في حروب أهلية مع بعضهم بعضا، أي "أنا مغاير، يعني أنا موجود"، "أنا مشاكس، إذن أنا موجود" يعني دولة صغيرة تكون في منظومة إقليمية عربية منتسبة فيها تقاوم المنظومة كلها حتى تثبت نفسها، هذا شيء فالاختلاف في هذا المعنى مرضي وليس صحيا·

 

فهم جزئي للعولمة

 

هل يعتقد الأنصاري أننا قد فهمنا دعوات العولمة الغربية وشعاراتها وتوجيهاتها المؤدلجة مثل خطاب همنغتون في صراع الحضارات أو فوكوياما في نهاية التاريخ؟

 

إننا لا نزال نعالج ما جابهه الجانب الآخر المضاد مثل دعوات تشومسكي النقدية هل نحن في مستوى الخطاب الفكري للرد والتصدي لكل ذلك برؤية عربية خالصة، من الظواهر المرضية التي تكررت في الفكر العربي هو الموقف الانفعالي في العولمة، لأننا لم نجد تحليلا معرفيا لظاهرة العولمة يعني قبل أن نتخذ موقفا في أي ظاهرة، المفروض أن نحللها معرفيا ونحلل مختلف أبعادها، أنا أرى أن العولمة هي مرحلة متقدمة من مرحلة الحداثة في الغرب، الغرب حقق حداثته قبل عدة قرون، العولمة اليوم هي نتاج طبيعي للتطور الحاصل في الغرب، يعني مثلا تحول الدول الأوروبية الكبيرة الى مجتمع أوروبي موحد، الى الاتحاد الأوروبي· يعني هذا نوع من العولمة على الصعيد الأوروبي والعولمة الأوروبية لم يكن ممكنا أن تحقق الأمن خلال دخول أوروبا في مخاضات العصر الحديث، من بدء الثورة العلمية والثورة الصناعية، والثورة الديمقراطية السياسية، ونحن قفزنا معتبرين أن العولمة مؤامرة أمريكية والقصد منها فقط السيطرة على العالم العربي بالذات وليس العالم كله ودخلنا فعلا في طواحين الهواء أي محاربة طواحين الهواء، بأن العولمة ظاهرة استعمارية وعلينا أن نقاومها، أنا قلت عدة مرات أن هذه الظواهر الاستعمارية هي ظواهر استعمارية، فعندما كاتب عربي يكتب كتابات طويلة حتى يصل الى نتيجة أن أمريكا ظاهرة امبريالية، فهل أمريكا جمعية خيرية؟ هل الولايات المتحدة الأمريكية جمعية دينية؟ إذن نقول: "وفسر الماء بعد جهد بالماء" يعني أمريكا هي أمريكا، وبريطانيا هي بريطانيا والدول الاستعمارية هي نفسها الدول الاستعمارية وإسرائيل هي الصهيونية، فمفهوم إذن أنها دولة استعمارية ذات مصالح فماذا تستطيع أن تفعل لنفسك كأمة عربية أو كأي أمة ثانية تريد أن تقاوم هذه الهيمنة، فماذا تستطيع أن تبني في مقومات القوة فإما أن استمر في تكرار هذا الخطاب الذي لا يؤدي الى نتيجة "أمريكا دولة استعمارية، العولمة ظاهرة استعمارية، العولمة وسيلة أمريكا للسيطرة علينا·· ومن يملك سلاح العولمة سوف يسيطر علينا، اليوم أمريكا، غدا اليابان، وربما الهند، فمن يملك القوة والسلاح المتقدم فسوف يسيطر على الآخر" فأنت تطور حتى تواجه سلاح الآخرين·

أما الحروب اللفظية للشعوب البدائية التي كانت تعتقد بأن مواجهة العدو بالكلام أو بهزيمته لفظيا "تذكرين كتاب عبدالله القسيمي، العرب ظاهرة صوتية" وقد قال فيه: "لو كان العربي يستطيع أن يصل الى الشمس، ولكن دون ضجيج لما صعد الى الشمس" هنا صحيح نحن نلاحظ هذه الحروب الإعلامية التي صارت في العالم العربي، والقنوات الحديثة التي يصورها المثقفون العرب بأنها ظاهرة تقدمية، هي فقط ظاهرة صوتية، وبعض الدول السياسية الجديدة في العالم العربي التي عملوا لها ضجيجا، هي مجرد ظاهرة صوتية أيضا، لا أكثر، فهي لا تعتمد على جذور اجتماعية، حضرية وواقعية في واقع شعبها·

وأقول هنا أنه حان الوقت لنفكر بجذور الواقع، هناك شيء مُغيب كبير في الفكر العربي وفي الواقع العربي، ألا وهو مواصفات الواقع الذي نعيش فيه، فالكاتب الفلسطيني محمد الأسعد له مقولة جديرة بذكرها هنا: "إنك إذا أردت أن تتحاور مع أي أيديولوجي عربي من مختلف الأيديولوجيات عليك أولا أن تثبت له وجود العالم لأن العالم في عرفه غير موجود" فهو يعيد صياغة وجود العالم بالأسلوب الذي يريده، يجعل (مثلا) الاتحاد السوفييتي (سابقا) ينتصر على أمريكا، تنهار أمريكا،، إذن علينا بالاقتناع بوجود العالم أولا حتى نضمن وجودنا في هذا العالم·

 

الديمقراطية من دون ديمقراطيين·· وهم

 

·         الكثيرون من مفكري الغرب الأوروبي يرون في تخلفنا سببا جوهريا ألا وهو افتقارنا الى الديمقراطية الحقة، هل ترون السبب في ذلك وحسب؟ وما هو رأيكم بسياساتنا العربية وما مقومات الديمقراطية المناسبة لمنطقتنا، وما أوجه الاختلاف والتنافر مع تجارب الديمقراطية الغربية؟

 

قبل كل شيء أن الديمقراطية لها شروطها الموضوعية في أي مجتمع، يعني يجب أن يكون المجتمع بتكوينه مؤهلا للديمقراطية، ففي مرحلة من المراحل كنا نقول لا اشتراكية بدون اشتراكيين، فحان الوقت لأن نقول: لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، بمعنى أننا إذا أردنا الديمقراطية، يجب أن توجد عندنا في المجتمع قوى تقبل باللعبة الديمقراطية، وتلتزم بها وهي بطبيعتها ديمقراطية حتى نستمر بالعملية الديمقراطية· نحن يمكن أن نبدأ الديمقراطية في أي وقت بالدعوة للانتخابات بالدعوة الى التصويت·· ولكن هل الديمقراطية من هذا النوع تكون قابلة للاستمرار؟ الى ماذا انتهت الانتخابات في الجزائر، لأن القوتين الأساسيتين في الجزائر كانتا قوتين وما زالتا قوتين غير مؤمنتين بالديمقراطية وهي الحركة الأصولية من ناحية، والمؤسسة العسكرية من ناحية ثانية، لقد لعبتا لعبة الديمقراطية في الجزائر، ولكن كيف يمكن أن تلعب لعبة الديمقراطية من خلال لاعبين أساسيين غير ديمقراطيين ولذلك في النهاية حل الواحد منهما الآخر أو حاول إلغاءه، والأزمة المستمرة في الجزائر هي انعكاس لهذا الشيء، ولا ننسى أن الحزب النازي بزعامة هتلر أحضر الديمقراطية الحقة، ومن خلالها حولها الى حكم نازي··· إذن لا يمكن البدء بديمقراطية حقيقية إلا بقوى ديمقراطية·

الثورة الفرنسية نجحت في إقامة الديمقراطية، لأنها هي نفسها كانت قوى ديمقراطية وقضت على القوى اللاديمقراطية· نحن نفكر بأن الديمقراطية شيء سلبي، أو نفكر فيها كحوار· ولكن لا، ففي لحظة من لحظات التاريخ القوى الديمقراطية إذا كانت قادرة أن تحيد أو تصفي أو تبعد القوى غير الديمقراطية، ثم تحتل الساحة·

"إذن مرحلتها الأولى تكون ديمقراطية"

طبعا هنا لا بد من حسم ديمقراطي، أي أن القوى الديمقراطية هي التي تحسم الساحة·

 

·         علاقة المفكر العربي بسلطته كانت متأزمة ومتنافرة ولكننا نرى في الفترة الأخيرة تقارب رموز ثقافية مع سياسات بلدانها ألهذا مغزى في تغيير المفاهيم في النظر للأمور· أم أن المفكر بدأ يدرك أن ابتعاده هو خسارة للفكر وللأمة؟

 

أنا أعتقد وفيما يخص هذا الموضوع، علاقة المثقف بالسلطة، هنا لا نستطيع التعميم على كل الأحوال ويجب أن نأخذ كل حالة بخصوصيتها، طبعا، هو صاحب السلطة، الرجل الحاكم، الطرف الأقوى في هذه العلاقة لأنه صاحب القرار، فإذا أراد فعلا صاحب السلطة أن يقيم علاقة متكافئة مع المفكر يستطيع، ولكن يجب أن تتوافر فيه مقومات الفهم ومقومات تقدير الفكر وربما ظهر عندنا الآن جيل من الحكام يقدر هذا الشيء··· فإذا وجدت هذه الظاهرة فيمكن للمفكرين أن يقيموا ذلك الجسر الذي طال انتظاره بين المثقفين وبين السلطة، لكن يجب أيضا أن نكون صريحين واقعيين لأن المثقف هنا مسؤول عن موقعه ومسؤول عن علاقته وهو يجب أن يقيم متى يستطيع أن يتعاون مع السلطة ومتى لا يستطيع، أي من موقعه المستقل أن استطاع، أما إذا دخل في موقع آخر غير الاستقلال فهذا بحث آخر، ولكن المسؤولية مشتركة، وكل حالة (أنا أرى) يجب أن تقيم في حدودها وليس من باب التعميم· لأننا إذا انطلقنا من باب التعميم فالعلاقة غير ممكنة·

 

ابن خلدون

 

وختام المشهد الفكري في المغرب هل نشهد يوما، وفي ظل هذه الأوضاع الصعبة، مفكرا بمستوى ابن رشد أو مؤرخا ومفكرا مثل ابن خلدون، يشير الى جوهر المسائل وكيف ستكون مواجهته للأوضاع ومن أية زاوية سيضع رؤيته؟

 

أي مفكر هو نتاج التقدم الحضاري في مجتمعه، فإذا وجد عندنا تقدم حضاري يكون من الممكن أن يوجد مفكرون، المفكر الإنسان هو احتكاك بمختلف العوامل الخارجية، ومن ضمنها العامل الحضاري، يعني لم يظهر مفكرون كبار في الغرب إلا تقدم الحضارة الغربية، ونلاحظ أيضا بأن ظهور المفكرين الكبار في العالم العربي كان مع تقدم الحضارة العربية الإسلامية وغيابهم مع انحطاط هذه الحضارة طبعا زمنيا·

 

من الممكن أن يسبق المفكر بفترة، أو يتأخر بفترة، يعني ابن خلدون مثلا عبقري شهد المشهد التاريخي كله، وكان يبدو أنه أقرب الى عصر النهضة الأوروبي منه الى عصر الانحطاط العربي، ولكن ابن خلدون هو آخر مفكر انجبت الحضارة العربية في المغرب، لأن المغرب شهد آخر مراحل ازدهار الحضارة أي مفكر إذا لم يوجد معه جو حضاري وجو فكري وجو ثقافي عام مجتمعي سيكون ظاهرة فردية وسوف ينتهي، يعني الظواهر الفردية موجودة وكذلك الظواهر الإبداعية، إلا أنها تبقى فردية واستثنائية، أنا أركز في منهجي وفي تفكيري على القاعدة المجتمعية العامة، يعني المجتمع ككل يجب أن يتقدم، يجب أن يكون مبدعا والعلاقات تكون صحية بين أفراده· في هذا المناخ العام ممكن أن يظهر المفكر المبدع والمفكر الكبير، ولكن في مناخ آخر لا أتصور أن يظهر المفكر الشهيد ليقف ضد مجتمعه، ويحاول أن يدفعه للتقدم لكن هذا يسمى بالجسم المضاد، ولكن سرعان ما المجتمع يتشرنق حول هذا المفكر ويقضي عليه·

 

·         قلتم بأنكم تناضلون من أجل القاعدة المجتمعية، فكيف تصل كتاباتكم لهذه القاعدة؟

 

أبدأ بالإشارة الى أننا نعطي للمثقف دورا أكبر منه في مجتمعنا العربي، لأننا نعتبر المثقف قائدا، بطلا مغيرا، أنا أعتقد بأن المثقف له دور بطبيعة الحال، ولكن يجب أن نبدأ به كإنسان، المثقف أو المبدع هو إنسان كغيره من الناس، يتعاطى مع مادة المعرفة والإبداع، مثلما يتعاطى المهندس مع مادة الهندسة والطبيب مع مادة الطب، المفروض أننا نحكم بالدرجة الأولى على المثقف على مدى إجادته للتعاطي مع مادته المعرفية وليس فقط لدوره البطولي ولدوره الاستشهادي لأنه يمكن لأي مواطن أن يقوم بدور بطولي أو بدور استشهادي· 

 

 يتبع..... تكمله الموضوع ......

طباعة  

ج/2 - محمد جابر الأنصاري يتحدث لـ "الزمان الجديد" عن حاجة العرب إلى تجارب الصــين والهنـد واليابـان داعيـاً إلى تحليـل عصبيـة الحگم قبل تغيير الحاگم
گل شيء مسيّـس في العالم العربي•• إلا السياسة