الوصايا الخمس·· مانيفستو الجراح
كيف أعود لموتي مطمئنا آخر المساء؟!
بقلم: عباس منصور
طعم فلٍّ أم طعنة خنجر؟
تلك التي تسد أنفي
كلما طالعت المدينة سابحة
على سطح فنجاني
علموني الرماية···
ما رميت من أحد
أقرؤوني السلام شفعا ووترا
لكل من تحوقل أو تبسمل
صافحتهم
مثنى·· وثلاث·· ورباع
نظرت في كفي بعدها
ما وجدت سوى دمي سائحا
في صدأ الخناجر!!
***
بيتك لم يعد بيتي
يا صاحبي
انبثقت من طين مشيئتي
وأقمت مدينة على هواي
يوما فيوما ناصبتني العداوة
فليست تسيجها الجداول
ولا يضيء عتمتها سوى هسيس الكهرباء
في ليلها الهرم
***
بيبْ·· بيب·· بيب
أفسحْ مجالا للصوص يا أحمد
واصعد رصيفا للهالكين سلميا
ربما نجوت
أو تحاشيت سوء العاقبة
***
الذاكرة أس البلاء، رئيس حركة شاس المتدينة في إسرائيل يقول إن يوسي ساريد وزير التربية هناك رجل شرير ويجب محو ذاكرته لأنه سمح بتدريس قصيدة للشاعر محمود درويش في مقررات التربية·
وامرأة عاشقة تعيش تحت قبضة رجل آخر أرسلت لعشيقها خلسة تقول بأنها لا تشعر بثقل جسدها كلما تذكرت لحظاتها معه وتدعوه أن يعود سريعا ويمسح على بطنها التي تزداد ثقلا مع مرور الأيام كلما دبت حركة ابنه في أحشائها·
وأقول في البداية كانت الأسرة ثم القبيلة ثم الشعب ثم الوطن ثم الدولة في آخر المطاف·· الدولة هذا الكابوس المرعب الذي سيج الوجود الإنساني ووضع له سقفا حاسما بطريقة منافية للآداب والغرائز، ونلاحظ كلما تدرجنا في سلم التنظيم الجماعي ذي البعد السياسي كلما توغلنا في خصومة المنابع·· منابع التكوين والنشأة والطمأنينة والسلم الروحي والجسدي·
مرة نظرت الى مائدتي ذات ظهيرة فوجدت ما يلي خبزا إيرانيا ولحما بلجيكيا وطبق سلاطة ساهمت فيه الأردن والهند والجزيرة العربية وأرزا من مستنقعات الفلبين وفاكهة من أمريكا ولبنان ومصر فتوجهت للنوم كمدا راغبا حتى عن رؤية جسدي المحشور بين طيات من الألياف آثرت ألا أبحث عن منشئها·
الذاكرة أس البلاء مثلما الدولة والمدينة تتربصان بين البشر، الدولة بوصفها الطموح السياسي والسقف النهائي لتجميع هذه القطعان المتكاثرة بلا أدنى مبرر من وجهة نظر المتحمسين لمفهوم الدولة والذي قُدِّر عليهم قيادتنا والقيام بأعبائنا، والمدينة سقف الوجود المكاني ونهاية الطموح الحضاري لجغرافيا البشر في علاقتهم مع المكان، فبئس المصير إذا كانت الدولة والمدينة يمثلان قمة المجهود وإكليل السعي·
الذاكرة أس البلاء وجسدي غريب، حتى أنني لا أتذكر آخر مرة رأيت فيها بطن قدمي أو تمعنت في لون عيوني أو حتى أحصيت أصابعي على الرغم من أنها عادات الطفولة ومكمن الفخر أو المسبة لدى أفراد القطيع، كما أنني لا أتذكر لون السماء آخر مرة استلقيت فيها على ظهري متأملا صفحتها·
الذاكرة أس البلاء، والتاريخ حشَد كل الأشرار واحتفظ بمقولاتهم وبطولاتهم ملهما للأجيال المتوالدة، واقرأْ معي تصريح مدير إحدى فرق الرقص الشعبية الذي يتباهى بإنجازاته قائلا إن فرقته حولت الرقص من فن يُقدّم في الكباريهات الى فن يُعرض على أرقى مسارح العالم ولا أدري ما السبب الذي دفعه لوصف بعض المسارح بالرقي والآخر ليس كذلك، أليست الوليمة في الحالتين هي الجسد؟! وهل أجانب الحقيقة لو قلت بأن قيام الدولة والمدينة حال بين الإنسان وجسده فأخذ ينشده لدى الآخرين في غرف مغلقة ويعتبر تجاوز تلك الحدود عارا على الرغم من أن تاريخه يؤكد أن القيَم في السابق كانت مختلفة ولم يكن الإنسان ينظر الى جسده بمثل هذه النظرة المشوبة بالعار والاحتقار والتوجس من الآخرين·
الذاكرة أس البلاء، والتاريخ يؤسس وينمي صرح الذاكرة ولم نعد قادرين كذوات فردانية على الإسهام بمقولاتنا في تقدم التاريخ وإقامته، وأتعجب لماذا بقي أفراد مثل هيرودوت والجبرتي كمؤرخيْن محترمين على الرغم من فردانيتهما المفرطة في رؤية الأشياء والأحداث، الأمر يبدو لي مرتبط بالحقيقة·· بالصدق، ولا أعني بهما شيئا خارج الذات، فقد يكون ما يعانيه الإنسان الفرداني من إحباط بشأن صياغة الأحداث من حوله ومدى التلفيق والزيف في حشدها ودفعها الى الذاكرة الجماعية·· قد يكون هذا السخط أمام حراس الدولة وهم ينشئون تواريخها هو التاريخ الحق الذي يوافق تجاوبا لدى الجماعة البشرية وتعجز عن التعبير عنه لأسباب كثيرة، والتعبير عن هذه الحالة من الإحباط والسخط هو ما يكرّس المؤرخ الحق، المؤرخ الصادق·· المؤرخ المغيّب·
الوصايا الخمس
صدّقْ جراحك لا مقولة العسكر
وانفض دماءك من خبز محفلهم
فما نفع الوليمة لو دهنها جسد الضحية
وفي الروح أوجاع من بطشها تسكر
هذا الوباء اليعربي
صدّقْ جراحك لا تشته خبزه
واخلعْ طموحك من ساحة الحكام
فغريزة الجّلاد عمياء لا تعرف العزة
صدقْ جراحك·· أطفالك الشهداء
وامسكْ نزيف الروح عن كل من خانك
يسكرك الجمال المحض
رعب الحقيقة من فصاحة الأشلاء