· إسرائيل تقصف الفلسطينيين لإبادتهم وتهجيرهم إلى "معازل" محاصرة
كتب محرر الشؤون السياسية:
خلال ساعات أصبحت قرارات مؤتمر القمة العربية جزءاً من الماضي البعيد وتجاوز معظمها الأحداث الدامية في فلسطين، بعد أن سحقت وبسرعة مذهلة قمة شرم الشيخ· وأصبح واضحاً أنه، عدا صندوق الدعم الذي اقترحه الأمير عبدالله وستموله الدول الخليجية وربما ليبيا، عدا ذلك فإن قرارات الشجب والإدانة ولجنة التحقيق التعيسة ضئيلة وحقيرة أمام الأحداث الهائلة التي تتشكل على الساحة العربية·
الشيء الوحيد الذي تبقى من المؤتمر هو حدث انعقاده، حيث استطاعت الانتفاضة الباسلة أن تكسر وتتجاوز سنوات من القطيعة العربية، جاءت نتيجة للغزو المجرم للكويت من قبل قوات الطاغية صدام حسين· وما تبقى مطالبة رفضية بمناشدة الأمم المتحدة توفير حماية للشعب الفلسطيني الذي يتعرض لعملية إبادة منظمة· وأصبح واضحاً أن الانتفاضة فرضت وضعاً وظرفاً جديداً لم يستوعبه العرب بعد· فلقد نُقضت مسيرة السلام الصهيوني الأمريكي في المنطقة ونُقض الوفاق والسوق الشرق أوسطي الذي ابتدعه استراتيجيو مكاتب الاستشارات الأمريكية لصياغة شرق أوسط جديد وكأن الشعوب يمكن صهرها وتسييلها لكي تسكب في قوالب جديدة وبمواصفات جديدة· وأعيدت عقارب الساعة إلى حيث الحقيقة وحيث بدأ الصراع، وإلى حيث يمكن أن يقبل الحد الأدنى·
الحد الأدنى الذي قبله العرب على مضض هو دولة لشعب فلسطين فيما تبقى من أراض فلسطينية قائمة قبل حزيران 1967 تكون القدس عاصمتها، ويعود اللاجئون إلى ديارهم وتزول المستوطنات، والسلام الذي كان يريد أن يفرضه اليهود والأمريكان هو قيام كيان فلسطيني هش ومفكك ومرتبط اقتصادياً واجتماعياً بالكيان الصهيوني يوفر له الخدم والعمالة الرخيصة ويكون بوابة إلى الوطن العربي مع قيام دول راضخة للسلام المفروض بالقوة في دول الطوق في كل من مصر والأردن وسورية ولبنان ومكاتب ونفوذ إسرائيلي عند كل امتداد الوطن العربي الذي يوفر السوق لمنتجات السادة وصناعتهم، ويوفر الأموال التي تحتاجها إسرائيل لتوسيع صناعاتها واستثماراتها وقواتها المسلحة· ويكون هذا الترتيب هو الضمان لأمريكا والغرب في رضوخ هذا الوطن العربي المتفجر بكل ما له من ثقل سكاني وموقع استراتيجي وثروات·
لكن ثمة حدثين لم يقدرهما اللاعبون حق تقديرهما قلبا المعادلة رأساً على عقب:
الأول: هو انتصار المقاومة اللبنانية الباسلة بقيادة "حزب الله" وطردها قوات "رابع أقوى جيش في العالم" الذي فر هارباً تحت جنح الظلام بعد أن كبدته 1200 قتيل وآلاف الجرحى وكبد الخزينة الإسرائيلية مليار دولار سنوياً·
والثاني: هو هذه الانتفاضة التي انطلقت من سنوات من الاحباط والتحقير بواسطة الجري وراء الحلول الاستسلامية التي اتضح أنه لا يوجد من ورائها طائل بل انتهت إلى انسحاب إسرائيل من تجمعات الفلسطينيين والتخلص من تبعات المسؤولية عنهم بصفتها قوة محتلة إضافة إلى الخروج من مخاطر الاحتكاك المباشر بهم وفي وسطهم ثم رفض إسرائيل جميع المطالب الحيوية بالنسبة للفلسطينيين والتي صنفوها بأنها صعبة مثل القدس وعودة اللاجئين وإزالة المستوطنات·
لقد ثار الفلسطينيون لأنهم اكتشفوا أنهم كانوا يعيشون أو يُعيِّشون في سراب وأن الحقيقة مرعبة وأن الحياة في ظلها لا تستحق أن تعاش فثاروا وقدموا أرواحهم وتضحياتهم بالآلاف، وكانت تجربة لبنان حية متفاعلة في أذهانهم·
الانتفاضة لم تتجاوز مؤتمر القمة فقط ومقرراته بل تجاوزت كل الأحلام الصهيونية، وللمرة الأولى تضع الانتفاضة حداً لأحلام راود الصهاينة لأكثر من مئة عام وأوهام وهلوسات اليهود الدينية لآلاف السنين بالسيطرة على الوطن العربي وفرض الدولة اليهودية من النيل إلى الفرات·
فبعد الهروب من لبنان، وانفجار الغضب الدامي في فلسطين عادت للظهور الفكرة العنصرية التي لم تطبق إلا في جنوب افريقيا وهي فكرة العزل· أي وضع الفلسطينيين في معازل وفرض حدود للدولة الفلسطينية ولإسرائيل بالقوة· وحصار الفلسطينيين وقطعهم عن العالم إلا بأمر الكيان الصهيوني·
ولقد تبلورت هذه الفكرة لدى الصهاينة بدرجة كبيرة بعد أن شكل باراك لجاناً من الدفاع والاقتصاد لدراسة عملية الفصل وكلف أكبر العقول الفنية بن باسات من وزارة المالية ليجمع فريقاً يقيم امكانية وتكلفة العزل· وقد توصل فريق باسات إلى نتائج أولية، وليضع الخطط لذلك·
ولقد ذكرت المصادر الإسرائيلية حسب ما ذكرت BBC أن الخطط الأولية للعزل تشمل ما يلي:
1- أن تتحول نقاط التوقيف والتفتيش الحالية على الطريق إلى حدود دولية·
2- أن يبنى نظام من الطرق والجسور والأنفاق تغلق الضفة الغربية في الوقت الذي توفر طرق اتصال للمستعمرات الإسرائيلية·
3- أن يبنى طريق سريع مرتفع من دون أي مخارج أخرى يصل قطاع غزة بالضفة الغربية·
ويقول المراقبون لما يجري الآن أن القصف الذي تقوم به إسرائيل بالطيران في الآونة الأخيرة وخصوصاً لقرى مثل بيت جالا هو جزء من مخطط إبادة وتهجير جديد للشعب الفلسطيني، فمخطط العزل يشتمل على اقتطاع مساحات آمنة حول المستعمرات الإسرائيلية بحيث تزال القرى الفلسطينية ويزال أهلها بالتهجير أو بالقتل إذا لزم·
ويلاحظ المراقبون أن هذا الوضع على ما فيه من بشاعة وعنصرية، فإنه يشكل نهاية للحلم الغربي الذي دفع بدمج المنطقة اقتصادياً حيث توفر إسرائيل اقتصاد التكنولوجيا العالمية بينما يوفر الفلسطينيون العمالة الرخيصة، وهو المشروع الذي مولته بسخاء كل من أوروبا وأمريكا· كما يشكل أهم وأوضح نهاية للحلم الصهيوني بابتلاع فلسطين والوطن العربي، حيث ستصبح المعركة كلها، ومنذ الآن حول وجود الكيان الصهيوني في فلسطين·
ولذلك، فإن أهم عمل يمكن أن يقوم به العرب الآن هو أن يضعوا ما يتوفر لديهم من ثقلٍ وامكانات في موضوع واحد لا تختلف عليه حتى الأنظمة وهو توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني وأن يكون طرح هذا الموضوع من الجدية بحيث تتحدد من خلاله علاقات ومواقف، فهذا المطلب مطلب إنساني يصعب على حتى من يكن العداء للعرب أن يظهروا موقفاً غير مساند له·