ضمن أنشطة الموسم الثقافي لرابطة الأدباء، أقيمت مساء الأربعاء الفائت محاضرة للدكتور عبدالله الغنيم بعنوان "حمد الجاسر·· المسيرة والعطاء" تحدث فيها عن محطات مهمة في حياة علامة الجزيرة الراحل، متوقفا عند أهم تجاربه في الكتابة والتأليف وفي الصحافة والبحث والتوثيق والدراسات· قدمت المحاضر د· نسيمة الغيث، وبحضور السفير السعودي أحمد بن يحيى، وعدد من الأدباء والمهتمين·
بدأ المحاضر قوله "يعز عليّ أن أتحدث إليكم عن عالم جليل، وصديق حميم، وأستاذ بار بأبنائه وتلاميذه جميعا، فلقد كان بالأمس مصدر عطاء علمي وإنساني فياضاً، واليوم - غدا فيما بيننا - ذكرى طيبة تملأ الأسماع والعقول والآفاق·
وعادة ما يحار الإنسان أمام البحر الزاخر، من أي الشواطئ يأتيه؟ وعن حياة الراحل ذكر المحاضر أنها كانت حافلة بالجهد والمعاناة، اجتمعت له في بدايتهاقسوة الحياة، واعتلال الصحة، فلم يقعده هذا أو ذاك عن طلب العلم، بل شب تواقا الى المعرفة والاستنارة، واتسع عقله المتوقد، ونشاطه الذكي إلى التماس السبل والطرائق التي تصله بغاياتها· فكان اتصاله بالعلماء والأدباء والمفكرين· وكانت رحلاته المتواصلة للبحث عن نوادر المخطوطات العربية في مكتبات العالم واهتمامه بكل ما يتعلق بالجزيرة العربية وتاريخها، وجغرافيتها، وأنساب قبائلها، وتراثها الفكري العام"·
وتطرق الغنيم لمسيرة الجاسر قائلا: "ولد فقيدنا عام 1328هـ 1910م تقريبا في قرية البرود في المملكة العربية السعودية، وفي كتاب القرية تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن، ثم انتقل بعد وفاة والديه الى الرياض حيث انتظم في الدراسة على المشايخ في المساجد، ثم التحق بالمعهد السعودي بمكة المكرمة، فتخرج فيه عام 1353هـ 1934م متخصصا في القضاء الشرعي· وعمل بالتدريس في ينبع وجدة ومكة والإحساء والظهران والرياض· كما عمل قاضيا في (ضبا) فترة وجيزة ثم عاد للتدريس، وآخر عمله فيه كان مديرا لكليتي العلوم الشرعية واللغة العربية في الرياض عام 1376هـ·
وقد بدأت علاقة الشيخ حمد بالصحافة وهو في سن الحادية والعشرين في أثناء دراسته بالمعهد السعودي بمكة المكرمة، وفي عام 1373 أنشأ صحيفة اليمامة، وهي أول صحيفة تصدر في الرياض، كما أسس أول مطبعة في نجد سنة 1374، وهي مطبعة الرياض، وكان أول رئيس تحرير لجريدة الرياض· ثم انصرف الى التأليف والتحقيق والنشر· فأنشأ عام 1386 (دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر) أصدر من خلالها مجلة "العرب" الشهيرة إضافة الى كثير من المؤلفات المتعلقة بالجزيرة العربية التي نشر أغلبها ضمن سلسلة نصوص وأبحاث جغرافية وتاريخية عن جزيرة العرب"·
دوره ومكانته بين العلماء
وعن دوره في التحقيق والبحوث ومكانته بين رواد جيله ذكر الغنيم أن كبار العلماء والمشايخ قد شهدوا له كواحد من الرواد الكبار في مجال تحقيق كتب التراث العربي شهد بذلك شيوخ ذلك الفن وعمالقته الذين أسهموا إسهاما واضحا في نشر التراث العربي في وقتنا المعاصر· ولم تكن معاناته للتحقيق مثل معاناة غيره، فهو قد قرن في تحقيقه للنصوص الجغرافية المتعلقة بشبه الجزيرة العربية بين الدراسة المكتبية والدراسة الميدانية المبنية على فهم لطبيعة الأرض وسكانها وأعلامها الجغرافية· ولهذا فليس من السهل على غير حمد الجاسر أن يقوم بتحقيق كتاب "بلاد العرب" للأصفهاني أو كتاب "الأماكن" للحازمي أو "المغانم المطابة" للفيروز آبادي أو غيرها من أمهات كتب التراث الجغرافية، التي قام بتحقيقها ونشرها، وبلغ الغاية في تحريرها وتقويم نصوصها·
وقد كان تكريم الفقيد الراحل في حياته الحافلة بالعطاء حقيقة ملموسة، فقد حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة الملك سعود بالرياض، وعين أستاذا غير متفرغ بها وحاز على جائزة
الدولة التقديرية في المملكة العربية السعودية عام 1983، وكرمه قادة مجلس التعاون الخليجي خلال القمة العاشرة في عُمان 1989، وحصل على جائزة الملك فيصل العالمية في أدب الرحلات عام 1996، وفي العام نفسه على جائزة سلطان العويس الثقافية·
أما التكريم الأهم والأسبق من هذا كله فهو انتخابه عضوا عاملا في المجمع العلمي بدمشق (مجمع اللغة العربية) عام 1951، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1958، بالإضافة الى عدد آخر من المحافل العلمية العربية·
لمحات مضيئة في حياة الجاسر
بعد ذلك ألقى الغنيم الضوء على محطات ثلاث في حياة الجاسر كان أهمها "في نهاية الستينيات حين كنت طالبا بجامعة القاهرة أخذت بالتردد على عدد من المجالس العلمية التي كانت تزخر بها مدينة القاهرة، وكان من بينها مجلس المحقق العلامة الأستاذ محمود محمد شاكر - رحمه الله - تلك التي يرتادها نخبة من علماء العالم العربي والإسلامي، وقد التقيت في هذا المجلس بالكثير من أعلام الفكر والثقافة والتحقيق من أمثال الأستاذ عبدالله كنون من المغرب، وشاكر الفحام من دمشق، وناصر الدين الأسد من الأردن، وعبدالله الطيب من السودان بجانب لفيف من أدباء مصر وشعرائها·
وقد لفت نظري أن جميع من التقيتهم وعرفوا اهتمامي بدراسة جغرافية الجزيرة العربية كانوا يسألون باهتمام بالغ: هل التقيت بالعلامة حمد الجاسر؟
حتى التقيته عام 1965 في لبنان فبهرني بعلمه وبخلقه وذكر الغنيم من أخلاقه الفاضلة أنه أثناء تنقلاته رحمه الله يدفع من ماله الخاص ليصور بعض ما يراه مهما لتلاميذه أثناء تنقلاته·
بعد ذلك انتقل الغنيم الى مجلة العرب كأحد أهم إنجازات الجاسر "أصدر مجلة العرب ورغم الثناء والمديح الذي لمسه من الاخرين إلا أنه كان مشغولا بعملية تفاعل القارئ مع المجلة"·
وأضاف الغنيم بأن للجاسر كتب نقد عن الموسوعة التي صدرت في القاهرة، ومقالات عدة حول تاج العروس كما كتب عن "الدكاترة والعبث بالتراث" وهم المحققون الذين لم يقدروا المسؤولية، كما كان رحمه الله يتأكد من سلامة النصوص ويضيف للهوامش"·
وعن المعجم الجغرافي الذي أنجزه الفقيد الجاسر كأحد أهم المؤلفات المهمة في الجزيرة العربية تحدث الغنيم "عمل الجاسر جاهدا على تحديد المواضع في الجزيرة العربية، فبعد ياقوت الحموي لم يظهر أحد حتى جاء حمد الجاسر فكان مشروع حياته، ولعل ما نشره عن الإحساء عام 1991 في مجلة المنهل، ومقالات كثيرة منشورة في منشورات محلية وخليجية وعربية أهلته ليكون عضوا بالمجمعين اللغويين في القاهرة ودمشق وأكد الجاسر في أكثر من مرة أن الأمة العربية أحوج ما تكون لربط الحاضر بالماضي، كما أن فهم بعض النصوص كالشعر مثلا لا يكتمل دون معركة الشاعر ومرابع صباه وأيده بذلك عبدالله الخميس وعلي الزهراني وآخرون ويذكر د· الغنيم الذي جمعته صداقة عميقة مع الأديب الراحل أنه التقى به عام 1975 في حائل بالمملكة العربية السعودية وكان يبحث عن موقع في شمال حائل·
بعد ختام المحاضرة قدم السفير السعودي كلمة أثنى فيها على رابطة الأدباء وعلى المحاضر ودور الكويت الثقافي في حفظ وتقدير مكانة علماء ومثقفي الخليج والجزيرة العربية، ثم فتح باب النقاش وطرح الأسئلة·