بقلم أحمد النفيسي
خلال أيام معدودة سحق الغضب الشعبي الذي تفجر في القدس وأشعل فلسطين والوطن العربي والإسلامي، سحق عقودا من الاستسلام العربي الذي تمادى في التداعي والانهيار وكأن هذه الأمة لن تقوم لها قائمة الى أبد الأبدين·
شرارته: تدنيس سفاح صبرا وشاتيلا شارون للمسجد الأقصى مدججا بألفي جندي من نخبة العسكريين الإسرائيليين والتي كانت تهدف لدفع الفلسطينيين للاستسلام للشروط الإسرائيلية بالتهديد بالاستحواذ الفعلي على القدس وترويعهم بالقتل في تلك المجزرة غير المبررة للمصلين يوم الجمعة·
ونموذجه: تلك التضحيات الجسيمة والخالدة التي قدمتها المقاومة اللبنانية بقيادة "حزب الله" والتي حررت بموجبها جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي الذي استمر عشرين عاما وجعلت "أفضل جيش في العالم" يفر مذعورا تحت جنح الظلام·
ولقد أفرزت ثورة الأقصى ظاهرتين جليلتين:
الأولى: بروز جيل جديد من الشباب المؤمن بحقه في الحياة والكرامة الإنسانية والحرية فوق أرضه، لا يخاف الموت ولا يرف له جفن وهو يواجه الدبابات والصواريخ رغم أنه لا يملك بيده سوى الحجر·
والثانية: الانفجار الذي حدث داخل الأرض المحتلة عام 1948، والذي دمج الكفاح الوطني الفلسطيني في الداخل والخارج وأوجد وضعا جديدا لم يدخل في جميع الحسابات الإسرائيلية أو العربية أو الدولية·
إن الانفجار الناجم عن أقصى محاولات الإذلال للشعب الفلسطيني (زيارة شارون)، بعد أن أوردته قيادته أدنى مهاوي التنازلات عن حقوقه المشروعة مقرونا ببروز جيل من الشباب يعرف حقوقه وتتساوى عنده الحياة مع الموت في سبيل استخلاصها ويتخذ من النموذج اللبناني الحي للتحرير مثلا متوهجا نحو امتداد هذه الانتفاضة المباركة الى فلسطين الداخل بزخم لم تعرفه منذ احتلال فلسطين عام 1948، يقلب جميع المعادلات ويضع القضية الفلسطينية برمتها على منعطف تاريخي جديد·
إن انتفاضة عرب فلسطين المحتلة الممتدة من الناصرة في الجليل الى البحر في يافا وعكا الى أم الفحم، وتعمقها والتحامها بانتفاضة فلسطينيي الضفة والقطاع هي أخطر ما يقلق القيادة الإسرائيلية الآن، ويفضح طبيعة الكيان العنصري لإسرائيل أمام العالم ويحطم أسطورة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وهي فوق ذلك بمثابة القنبلة الذرية العربية التي تهدد بتدمير نسيج الكيان اليهودي في فلسطين وتطرح السؤال الجوهري حول بقاء واستمرار هذا الكيان العنصري بين 200 مليون من العرب·
إن الاحتمالات المفتوحة أمامنا الآن هائلة ولا نعرف كيف ستتطور، ولكن الهم الأكبر لدى الحريصين على مستقبل هذه الأمة، وحتى تتم دراسة تلك الاحتمالات كافة واتخاذ الاستراتيجيات المناسبة تجاهها، يجب أن ينحصر فيما يلي:
أولا: عدم السماح لأحد بإجهاض الانتفاضة، بل مساندتها بكل السبل لتأخذ مداها، فالثمار لا تنبت ناضجة وإنما تنضج بتعهدها بالعناية والري، ومع الأسف أن ثمار الانتفاضة لن تنضج إلا بمزيد من التفاعل المرير والري بالدماء والدموع·
ثانيا: إن العرب بأوضاعهم الحالية غير قادرين على شن حرب ولكن عملية السلام، التي تمت الى اليوم برعاية الولايات المتحدة، هي عملية مهينة لا يمكن قبولها ولا يمكن أن تؤدي الى سلام واستقرار حقيقيين في المنطقة· فلقد اعتمدت على الأنظمة التي أصبحت عرابا للاستسلام، منذ قيام السادات بزيارة القدس وتلقفها ــــ بانبطاح ــــ أبو عمار في أوسلو، بعد أن ضيع آخر أوراقه بتأييده صدام في احتلال الكويت، ثم جرت المباحثات والاتفاقات في سلسلة لا تنتهي من الانهيارات والتنازلات، ملغية بذلك كل ثقل الأمة العربية بتعداد شعبها وامتداد مساحاتها وضخامة إمكاناتها وعراقة تاريخها وحضارتها، واستفردت بالمفاوض الفلسطيني كما تستفرد قوة عظمي بجمهورية من جمهوريات الموز·
وعليه، فإذا كنا لسنا بقادرين على شن حرب فإن حدنا الأدنى يجب أن يكون هو عدم التنازل وعدم تجيير الانتفاضة العظيمة لتكون ورقة أخرى بيد أبو عمار يلقيها من أجل أول مكسب رخيص·
ثالثا: إن القمة العربية مطالبة الآن، إذا كانت تريد أن تقدم الحد الأدنى من الوفاء لأمتها ولحقوقنا التاريخية في القدس وفي فلسطين، أن تمتنع عن تقديم التنازلات وأن تدعم الانتفاضة وأن تقول لإسرائيل ولأمريكا كفى· وأن يكون همّ العرب ليس شن حرب، فهذه ليست في طبيعة أو قدرة هذه الأنظمة، وإنما تجهيز أنفسهم للدفاع عن أوطانهم، هذا الدفاع الذي تفهم منه إسرائيل أنها تستطيع أن تشن حربا لكنها لا تستطيع أن تخرج منها أو تنهيها· ويقيننا أن إسرائيل ستفهم ذلك، فلقد تعلمت درسا لن تنساه في لبنان، وتعلمت أيضا أن السلام مطلوب بالنسبة لها الآن، مثلما هو مطلوب بالنسبة للعرب، وهكذا أيضا تفهم الولايات المتحدة الأمور·