رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 13 - 19 رجب 1421 هـ الموافق 11 - 17 اكتوبر 2000
العدد 1448

جزء 2
الجامعات: نشأتها، مفهومها، وظائفها - (2 - 2)
دراســة وصفيــة تحليليـة

الخاتمة

يمثل التعليم العالي في الوقت الحاضر بجميع أشكاله وأنماطه التقليدية وغير التقليدية صناعة معقدة لها مدخلاتها وعملياتها ومخرجاتها، وأصبح يحتل مساحة كبيرة على خارطة أولويات واهتمامات المسؤولين ليس فقط في الأوساط الأكاديمية والتربوية، بل وحتى في الأوساط الاقتصادية والسياسية· أخذت الأنظار في الوقت الحاضر تتجه إلى الجامعات أكثر من أي وقت مضى، وذلك لما لها من دور حيوي وحاسم في حياة الشعوب والمجتمعات باعتبارها تمثل بيوت الخبرة ومصادر المعرفة التي تعتبر الأداة الفعالة للتعامل والتكيف مع التغيرات والمستجدات المتسارعة المذهلة التي يعيشها العالم في نهاية القرن العشرين في المجالات التقنية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية·

والجامعات التي نعرفها اليوم لم تنشأ من فراغ ولم تكن وليدة الصدفة، وإنما هي عبارة عن محصلة مسيرة تاريخية طويلة، كانت بداياتها الأولى في العالم الإسلامي على شكل مدارس أو أروقة الجوامع والمساجد، ثم ظهرت بعد ذلك في أوروبا على شكل نقابات أو عشائر بسيطة تضم مجموعات من الأساتذة والطلاب· خلال تلك المسيرة التاريخية الطويلة شهدت الجامعات تطورات كمية هائلة ونقلات نوعية كبيرة في أنظمتها وسياساتها وأهدافها وبرامجها ومناهجها الدراسية وتخصصاتها العلمية· صاحب ذلك أيضاً تطور جوهري في معنى الجامعة ومفهومها، فبعد أن كان ينظر إلى الجامعة في الماضي على أن رسالتها نشر المعرفة ونقل الموروث الفكري والمعرفي للمجتمع من جيل إلى آخر من أجل الحفاظ على هوية المجتمع الفكرية والثقافية والحضارية، أصبح ينظر إلى الجامعة على أنها صانع المعرفة ومبدعها وذلك من خلال الاكتشافات والابتكارات العلمية والابداعات الفكرية في حقول المعرفة المختلفة، وبذلك أصبحت الجامعات تمثل الموارد الفكرية والمعرفية للمجتمع، ولم تعد المعرفة غاية في حد ذاتها، وإنما أصبح التركيز على المفهوم الوظيفي لتلك المعرفة· من هذا المنظور الوظيفي للمعرفة أصبحت الجامعات في الوقت الحاضر مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالاستجابة والتفاعل مع ظروف ومتطلبات مجتمعاتها وتلبية الاحتياجات التنموية لتلك المجتمعات في شتى المجالات، وذلك من خلال توظيف ما لديها من خبرات وقدرات علمية في خدمة مجتمعاتها وإسعادها ورفاهها·

في ضوء ذلك برزت ثلاث وظائف أساسية للجامعات تمثلت أولاها في نشر المعارف العلمية والتقنية عن طريق التدريس الجامعي الفعال الذي لا يعتمد على الحفظ والتلقين والتلقي السلبي، وإنما يعتمد على النقاش والحوار الفكري والفهم والتحليل والنقد والاستنتاج، وركزت ثانيتها على إجراء البحوث العلمية بنوعيها الأساسية والتطبيقية باعتبارها الوسيلة المثلى لخلق المعرفة وإثرائها وتطويرها من خلال الاكتشافات والابتكارات العلمية والابداعات الفكرية في شتى حقول المعرفة، وأسهمت ثالثتها في تقديم الخبرات والاستشارات العلمية والتقنية المتخصصة لقطاعات المجتمع المختلفة· وتتفاوت الجامعات في مدى اهتمامها وتركيزها على هذه الوظائف وذلك تبعاً لتفاوت امكاناتها البشرية والمادية واختلاف ظروف بيئاتها الاجتماعية والسياسية·

التوصيات

في ضوء التحليل الذي قدم في هذا البحث، يؤكد الباحث على ضرورة استفادة الجامعات العربية من انجازات وتجارب الجامعات ذات السمعة العالمية المرموقة وبالأخص في الجوانب التالية:

1- تحديد أولويات وظائف الجامعات العربية بما يتفق مع واقع ومستقبل حاجات ومتطلبات التنمية الوطنية من القوى البشرية العاملة في الأقطار العربية·

2- التركيز على إعداد طلاب الجامعات العربية إعداداً علمياً وفكرياً وأخلاقياً ومهنياً جيداً بما يتلاءم مع طبيعة المستجدات العلمية والتقنية والاقتصادية والثقافية والسياسية المتسارعة على الساحة العالمية·

3- تحرير التعليم الجامعي في الجامعات العربية من أساليب التدريس العقيمة التي تعتمد على الحفظ والتلقين والتلقي السلبي، لما في ذلك من قتل لمواهب الطلاب ومسخ لقدراتهم واستعداداتهم، لأن مثل هذه الطرق والأساليب تكون محصلتها في النهاية ضخ أفواج من المتخرجين العاجزين عن توظيف ما حفظوه من معارف ومعلومات في مواجهة واقع الحياة العملية ومشكلاتها وتحدياتها·

4- توفير مساحة كافية من الحرية الفكرية المنضبطة في الأوساط الأكاديمية العربية بحيث تسمح لأساتذة الجامعات العربية بالإبداع العلمي والمعرفي والفكري، والتعبير عن آرائهم وأفكارهم بكل صراحة وموضوعية وأمانة تجاه القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها مجتمعاتهم، بما لا يتعارض مع مبادئ وثوابت الدين الإسلامي الحنيف وقيم وأخلاق المجتمع العربي·

5- توفير الدعم المالي اللازم لإجراء البحوث العلمية الجادة التي تخدم مصلحة المجتمعات العربية وتساهم مساهمة فعالة في معالجة مشاكلها التنموية المختلفة، وتشجيع القطاعات الخاصة على تمويل ودعم المشاريع البحثية لا سيما ذات الصبغة التطبيقية·

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

* المجلة التربوية - العدد 54 - 2000

** قسم الإدارة التربوية - جامعة الملك سعود- الرياض - دكتوراه الفلسفة (Ph.D.) في التعليم العالي من جامعة متشجن الحكومية، الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1981م·

طباعة  

الجامعات: نشأتها، مفهومها، وظائفها - (2 - 2)
دراســة وصفيــة تحليليـة