رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 13 - 19 رجب 1421 هـ الموافق 11 - 17 اكتوبر 2000
العدد 1448

الجامعات: نشأتها، مفهومها، وظائفها - (2 - 2)
دراســة وصفيــة تحليليـة

·         البحث العلمي أصبح موردا مهماً من موارد الدخل بالنسبة للجامعات

·         90% من الاكتشافات العلمية البارزة تمت داخل المؤسسات الأكاديمية

·         البدايات الأولى للبحث العلمي الأكاديمي كانت في الجامعات الألمانية

·         ستة أسباب تجعل البحث العلمي يحتل مكان الصدارة في الوقت الحالي

·         جامعتا "باريس" في فرنسا و"بولونا" في إيطاليا كانتا أولى الجامعات في العالم التي منحت شهادة  الدكتوراه وذلك خلال النصف الثاني من القرن الـ 12 الميلادي

·         "جانز هوبكنز" كانت أول جامعة أمريكية تنشأ لغرض الدراسات العليا فقط، كما أنها أول جامعة تصدر  مجلات علمية متخصصة من أجل تسهيل عملية النشر على أعضاء هيئة التدريس

·         جامعة شيكاغو جعلت الانتاجية العلمية شرطاً أساسياً لترقيات أعضاء هيئة التدريس واستمراريتهم في العمل

·         الرقابة والهيمنة اللتان تمارسان بأساليب وطرق مختلفة في دول العالم الثالث أدتا إلى هجرة العقول المبدعة والكفاءات العلمية البارزة

·         13,8 مليار دولار حجم الإنفاق على الأبحاث العلمية في مجالي العلوم والهندسة في الجامعات الأمريكية عام 1991

 

د· مليحان معيض الثبيتي **

2 ـ البحث العلمي

يشغل البحث العلمي في الوقت الحاضر قدراً كبيراً من وقت وجهد وفكر أساتذة الجامعات ومسؤوليها في جميع الأوساط الأكاديمية بدون استثناء، وذلك لأن سمعة ومكانة أعضاء هيئة التدريس العلمية أصبحت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالبحث والنشر والتأليف· في الوقت نفسه أصبح البحث العلمي عاملاً حاسماً في عملية النمو المهني والتقدم الوظيفي لأساتذة الجامعات في جميع أنظمة التعليم العالي· كما ارتبطت بالبحث العلمي أيضاً سمعة الجامعات ومكانتها العلمية داخل الأوساط الأكاديمية وخارجها·

إضافة إلى ذلك أصبح البحث العلمي يمثل مورداً مهماً من موارد الدخل بالنسبة للجامعات وذلك من خلال الدعم والتمويل المادي الذي تحصل عليه الجامعات سواء من القطاعات الحكومية أو القطاعات الخاصة إزاء ما تقوم به من مشاريع وإبحاث علمية في مجالات المعرفة المختلفة ولاسيما مجالات العلوم الطبية والهندسية والتقنية ونحو ذلك· لذلك أصبح يطلق على البحث العلمي بأنه العملة الأساسية Fundamcntal Currency أو محور الارتكاز في المجتمع الأكاديمي , Fulcrum of academic cummunity (Barnett, 1990: 135

وإذا نظرنا إلى بعض الجامعات ذات السمعة العلمية العالمية المرموقة مثل جامعات هارفارد وبيركلي وستانفورد وجانز هوبكنز ومتشجن وشيكاغو معهد مستشوستس التقني في الولايات المتحدة الأمريكية وجامعات أكسفورد وكيمبردج وأدنبرا ولندن في بريطانيا وجامعات برلين وهايدلبرج وولون في ألمانيا وجامعات باريس ومنتبلير وتولوز في فرنسا وجامعات طوكيو وكيوتو وأوزاكا وواسيدا في اليابان الحاضر من خلال إنجازاتها واكتشافاتها العلمية الجبارة وإبداعاتها الفكرية المتميزة في شتى حقول المعرفة، ومدى مساهمة تلك الإنجازات والاكتشافات والإبداعات العلمية في إثراء المعرفة الإنسانية وتطويرها، وكذلك معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية التي تعيشها المجتمعات المعاصرة· وفي هذا الصدد أشارت ماري فوكس في عام 1985م إلى أن %90 من الاكتشافات العلمية البارزة إنما تمت في المؤسسات الأكاديمية· كما أشار هوارد بوون إلى أن ثلث النمو في الدخل القومي في الولايات المتحدة الأمريكية خـلال الفترة ما بين 1969 - 1292 إنما يعود إلى التقدم العلمي الذي كان للجامعات الأمريكية الدور الأكبر فيه خلال تلك الفترة؛ (Bowen, 1996: 3.6).

والواقع أن هناك إجماعاً بين الكتاب والباحثين على أن البدايات الأولى للبحث العلمي الأكاديمي المنظم إنما كانت في الجامعات الألمانية عندما بدأت بها برامج الدراسات العليا على مستوى الدكتوراه وذلك مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي على أيدي بعض الرواد الأوائل مثل جوهان فتشت وفردريك فان شيليچ وفردريك شلاير ماشر وولهام فان همبولدت وغيرهم· فقد نظر أولئك الرواد إلى الجامعة بمفهوم جديد وتصور جديد هو أن الجامعة كمؤسسة علمية ليست مجرد ناقل للمعرفة وإنما يجب أن تكون صانعاً ومطوراً للمعرفة· وهذا يعني أن أساتذة الجامعة باعتبار أنهم يمثلون  النخبة الفكرية والعلمية في المجتمع لابد  أن يكون لهم نشاط واضح في الاكتشاف العلمي والإبداع المعرفي المتميز من خلال البحث العلمي الموضوعي الجاد· وقد كان افتتاح جامعة برلين في شهر أكتوبر من عام 1810 يمثل نقطة تحول كبير جداً في مفهوم الجامعة ووظيفتها في المجتمع، حيث بدأت جامعة برلين مسيرتها الأكاديمية كجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي، وحذت حذو جامعة برلين الجامعات الألمانية الأخرى مثل جامعة هايدلبرج وجامعة توبنچن وجامعة چوتنچن وجامعة ميونخ وغيرها·

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن البدايات الحقيقية للبحث العلمي في الجامعات كانت مرتبطة ببرامج الدراسات العليا وبالذات على مستوى الدكتوراه· وقد انفردت الجامعات الألمانية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي بأنها الجامعات الوحيدة في العالم التي تمنح درجة الفلسفة Ph. D التي كانت ولاتزال تعتبر أعلا وأرقى شهادة علمية سواء في مجال التأهيل الأكاديمي للتدريس في الجامعات أو في مجال التأهيل المهني التخصصي للعمل في مجالات مهنية تخصصية مثل إدارة الأعمال والهندسة والطب والقانون ونحو ذلك·

ومع أن جامعة باريس في فرنسا وجامعة بولونا في إيطاليا كانتا أولى الجامعات في العالم التي منحت شهادات الدكتوراه وذلك خلال النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي في مجالات القانون وعلم الأديان والفلسفة والطب وغيرها، إلا أن مثل تلك الشهادات لم تكن ترقى من حيث قيمتها وأهميتها العلمية إلى مستوى شهادة دكتوراه الفلسفة Ph.D. التي طورتها الجامعة الألمانية مما أعطى لها ميزة عالمية فريدة في الأوساط الأكاديمية في ذلك الوقت، (Knowles, 1978: 123

ومما أكسب الجامعات الألمانية أيضاً شهرة ومكانة متميزة في الأوساط الأكاديمية في مجال البحث العلمي آنذاك معاملها ومختبراتها التي كانت بمثابة مراكز بحثية متخصصة أسهمت اسهامات بارزة في ابتكار وتطوير اكتشافات علمية مهمة وبالأخص في حقل الكيمياء مثل معمل جامعة جيسن Giessen ومعمل جامعة هايدلبرج Heidelberg ومعمل جامعة ليبزج Leipzig ومعمل جامعة ميونخ Munich· ولذلك وصف بورتن كلارك Burton الجامعات الألمانية في القرن التاسع عشر الميلادي بأنها الجامعات التي يتعلم فيها طلاب الدراسات العليا قواعد العلم من خلال المحاضرات ولغة العلم في المعامل والمختبرات Students aquired the grammar of science from lectures and learned its language in the laboratories· وقد ظلت الجامعات الألمانية لأكثر من خمسين سنة أي حتى عام 1870م تمثل النموذج الوحيد في العالم للجامعات التي يستطيع طلاب الدراسات العليا فيها أن يتعلموا طرق وأساليب البحث العلمي الموضوعي المنظم، وظل أساتذتها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي يمثلون قمة الفكر والابداع في الثقافة الألمانية، وكان ينظر اليهم عالمياً على أنهم رواد التعليم الجامعي في مفهومه الجديد الذي عماده البحث العلمي والابداع المعرفي؛ (Clark, 1995: 19-26

وتجدر الإشارة هنا إلى أن اهتمام الجامعات الألمانية بالبحث العلمي في ذلك الحين لم يكن على حساب وظيفتها التعليمية، وإنما كان ينظر إلى البحث العلمي على أنه معزز ومدعم للتدريس ولا سيما على مستوى الدراسات العليا التي يحتاج طلابها إلى اكتساب خبرات ومهارات البحث العلمي المنظم وبالأخص طلاب مرحلة الدكتوراه· وهكذا استطاعت الجامعات الألمانية أن تميز نفسها خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر كنموذج فريد للجامعات التي تجمع بين البحث العلمي والدراسات العليا ولا سيما على مستوى الدكتوراه، وكان ذلك يمثل نقلة نوعية كبيرة في مسيرة التعليم الجامعي آنذاك، مما جعل الجامعات الألمانية تستقطب أعداداً كبيرة من طلاب الدراسات العليا ليس من أوروبا وحدها بل وحتى من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان· في الوقت نفسه أثار نموذج الجامعة الالمانية اعجاب وحماس أساتذة الجامعات ومسؤوليها في كثير من الأوساط الأكاديمية ولا سيما في الولايات المتحدة، ولذلك بدأت بعض الجامعات الأمريكية تركز اهتمامها على الدراسات العليا والبحث العلمي·

أخذت جامعة ييل زمام المبادرة حيث كانت أول جامعة أمريكية تمنح شهادة دكتوراه الفلسفة Ph.D. وذلك في عام 1861م، تلا ذلك جامعة بنسلفانيا بمنحها أول شهادة دكتوراه الفلسفة في عام 1871م، ثم جامعة هارفرد في عام 1872م· إلا أن تأسيس جامعة جانز هوبكنز في عام 1876م كان يمثل البداية الحقيقية الجادة للبحث العلمي في الأوساط الأكاديمية الأمريكية حيث بدأت كجامعة للدراسات العليا في المقام الأول· عين دانيال كيوت جلمان Daniel Coit Gilman في عام 1876م رئيساً لجامعة جانز هوبكنز، وكان قبل ذلك قد شغل منصب رئيس جامعة كليفورنيا لمدة ثلاث سنوات· كان دانيال جلمان من أكثر المعجبين بالجامعات الألمانية ومن أشد المتحمسين لفكرة البحث العلمي، ولذلك أصر على أن تكون جامعة جانز هوبكنز نموذجاً فريداً بين الجامعات الأمريكية كما كانت جامعة برلين بين الجامعات الألمانية· أراد جلمان أن تكون جامعة جانز هوبكنز فريدة في سمعتها ومكانتها العلمية وليس في هيكلها وأنظمتها الادارية أو مبانيها الضخمة، لذلك ركز جل اهتمامه على اختيار نخبة متميزة من أعضاء هيئة التدريس من جامعة أمريكية والمانية وبريطانية· وعندما تقاعد دانيال جلمان في عام 1901م كانت جامعة جانز هوبكنز تمثل بحق نموذجاً متميزاً لجامعة البحث العلمي والدراسات العليا حذت حذوه كثير من الجامعات الأمريكية فيما بعد· فبالاضافة إلى كونها أول جامعة في الولايات المتحدة تنشأ لغرض الدراسات العليا فقط، كانت جامعة جانز هوبكنز أول جامعة أمريكية تصدر مجلات علمية متخصصة من أجل تسهيل عملية النشر على أعضاء هيئة التدريس· وكانت مجلة الرياضيات الأمريكية American Journal of Mathmatics هي أولى تلك المجلات حيث صدر عددها الأول في عام 1877م، ثم صدرت بعد ذلك بفترة قصيرة مجلات الكيمياء والفسيولوجي والبيولوجي وعلم النفس، كما كانت مطبعة جامعة جانز هوبكنز التي أنشئت في عام 1891م أول مطبعة جامعية تُنشأ في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان الغرض الأساسي من إنشائها في البداية هي طباعة رسائل الدكتوراه التي يكتبها طلاب الدراسات العليا في الجامعة، إضافة إلى طباعة مجلات الجامعة ومؤلفات أعضاء هيئة التدريس؛ (Rudolph, 1962: 269- 275)،  (Lucas, 1994: 171-175

أخذ التركيز على البحث العلمي يزداد في الجامعات الأمريكية، وبدأ المسؤولون فيها يعطون الأولوية للبحث والنشر والتأليف كمعيار لكفاءة وجدارة أعضاء هيئة التدريس· فعندما عين ستانلي هول Stanley Hall رئيساً لجامعة كلارك عند افتتاحها في عام 1889م أكد على أن البحث العلمي وظيفة أساسية من وظائف أعضاء هيئة التدريس في الجامعة حيث هو الوسيلة المثلى للابداع المعرفي والعلمي الذي من خلاله تستطيع الجامعة أن تبني سمعتها ومكانتها في الأوساط الأكاديمية؛ (Lucas, 1996: 62-64

ولقد كان وليم ريني هاربر William Rainey Harper الذي عُين رئيساً لجامعة شيكاغو عندما افتتحت في عام 1891م أكثر حماساً وتشدداً في تركيزه على البحث العلمي حيث قال بأن البحث العلمي يجب أن يكون في المرتبة الأولى والتدريس في المرتبة الثانية في جامعة شيكاغو· ويعتبر وليم هاربر أول من وضع تصنيفاً لمراتب أعضاء هيئة التدريس العلمية في الجامعات الأمريكية مشابهاً إلى حد كبير للتصنيف المعمول به حالياً في معظم الجامعات وذلك في عام 1895م، حيث صنفها إلى فئتين أساسيتين: الفئة الدنيا وتشمل معيداً fellow، قارئاً reder، محاضراً lecturer، ومساعداً assistant· الفئة العليا وتشمل مدرساً instructor، أستاذاً مساعداً assistant professor، أستاذاً مشاركاً associate professor، أستاذاً professor، ورئيس أساتذة head professor، واشترط وليم هاربر على أعضاء هيئة التدريس في جامعة شيكاغو عند توقيع عقود التعيين أن تكون رواتبهم وترقياتهم واستمراريتهم في العمل مرتبطة بنشاطهم البحثي وانتاجيتهم العلمية؛ (Rudolph, 1962: 397-398)، (Boyer, 1990: pp. 8-9

لم تكن جامعة شيكاغو الجامعة الأمريكية الوحيدة التي جعلت الإنتاجية العلمية شرطاً أساسياً لترقيات أعضاء هيئة التدريس واستمراريتهم في العمل، ولذلك نجد أن تشارلز كوبلاند Charles Copeland الذي عُين مدرساً للغة الانجليزية في جامعة هارفرد في عام 1892م لم يُرَقَّ إلى مرتبة مساعد إلا بعد مضي ثماني عشرة سنة، مع أنه كان من أكفأ وأبرز المدرسين في الجامعة، ولكنه لم يكن من أصحاب النشاط البحثي والعلمي البارز· كما ان جامعة بنسلفانيا قد قامت في حدود عام 1898م بإشعار أعضاء هيئة التدريس فيها الذين يركزون جهودهم ونشاطهم على التدريس ويهملون البحث العلمي بأن عليهم أن يتركوا الجامعة ويبحثوا عن أعمال في جهات أخرى؛ (Rudolph, 1962: 404-405

مما سبق يتضح أن السنوات العشر الأخيرة من القرن التاسع عشر الميلادي قد شهدت اهتماماً كبيراً من المسؤولين في الجامعات الأمريكية بموضوع البحث العلمي بشكل غير مسبوق، وظهرت روح التنافس واضحة في الأوساط الأكاديمية الأمريكية أكثر من غيرها، وأخذت الجامعات الأمريكية تسعى جاهدة إلى التركيز على الدراسات العليا والبحث العلمي من أجل تحقيق نوع من التميز العلمي· ولا أدل على ذلك من أن عدد الجامعات الأمريكية التي تمنح شهادة دكتوراه الفلسفة ph.D. قد بلغ في عام 1900م خمسين جامعة وبلغ عدد شهادات الدكتوراه التي منحتها تلك الجامعات في نفس السنة 1500 شهادة؛ (Haworth, 1996: 373-376

ولكن لم يعد ينظر إلى البحث العلمي على أنه مكمل ومدعم للتدريس باعتباره الوظيفة الأساسية للجامعة، وإنما أصبح يُنظر إلى البحث العلمي على أنه وظيفة أساسية من وظائف الجامعة ترتبط بها سمعة ومكانة الجامعة العلمية وشهرتها في الأوساط الأكاديمية أكثر مما ترتبط بالتدريس· ومن هذا المنطلق بدأت الجامعات الأمريكية، ولا سيما ذات السمعة العلمية المرموقة منها، في سن الأنظمة والتشريعات واللوائح التي تربط بين الأوضاع الوظيفية لأعضاء هيئة التدريس مثل التعيين والترقيات والعلاوات وبين انتاجيتهم العلمية ونشاطاتهم البحثية· ولذلك انتشرت في الأوساط الأكاديمية عبارة publish of perish· ولا غرابة إذن عندما يصف فردريك رودولف Frederick Rudolph المطبوعات العلمية التي أصدرتها مطبعة جامعة شيكاغو في عام 1916م والتي اشتملت على 850 عنواناً من تأليف أعضاء هيئة التدريس في الجامعة بأنها كانت عبارة عن مساهمات علمية بارزة في مجال تطوير المعرفة كما انها كانت في الوقت نفسه عبارة عن جوازات سفر دخل بها مؤلفوها إلى عالم السمعة والمكانة العلمية والترقيات الوظيفية، (Rudolph, 1962: 407

 

رابعاً: العلاقة بين التدريس والبحث العلمي

 

من المسلمات التي لا خلاف عليها هو أن التدريس والبحث العلمي يمثلان أهم واجبات أعضاء هيئة التدريس في الجامعات وأكثرها إلزاماً ومتطلبات ومسؤولية، حيث من خلالهما تستطيع الجامعة أن تؤدي وظيفتها المعرفية في المجتمع· طبعاً ليس معنى هذا إنكار أهمية خدمة الجامعة والمجتمع، إلا أن هذه الوظيفة لا ترقى من حيث الأهمية والحيوية إلى مستوى أهمية التدريس والبحث العلمي· فمن خلال التدريس الفعال تستطيع الجامعة أن تؤدي وظيفتها التعليمية المتمثلة في نشر ونقل المعرفة إلى طلابها، وتزويدهم بالمعلومات والمهارات الذهنية والمهنية والقيم والاتجاهات والخبرات التي تساعدهم على بناء شخصياتهم بناء أخلاقياً وفكرياً ومعرفياً ومهنياً سليماً بحيث يصبحون قادرين على المساهمة بشكل ايجابي وفعال في عملية التنمية الشاملة للمجتمع بدلاً من أن يكونوا عبئاً عليها· ولا شك أن هذا يمثل جانباً مهماً جداً من جوانب مسؤولية الجامعة تجاه المجتمع، وبالأخص تجاه الجهات الحكومية المسؤولة عن تمويل الجامعة والانفاق عليها وكذلك تجاه أولياء الأمور والطلاب أنفسهم·

كما أنه من خلال البحث العلمي الجاد تستطيع الجامعة بحكم كونها مؤسسة علمية تضم النخبة الفكرية والعلمية في المجتمع أن تؤدي وظيفتها في مجال خلق المعرفة وتطويرها وتجديدها من خلال الاكتشافات العلمية  والإبداعات الفكرية في حقول المعرفة المختلفة، شريطة أن يتوافر في الجامعة مناخ فكري وعلمي حر بعيداً عن أي نوع من الهيمنة أو الرقابة سواء المعلنة أو الخفية· والتي تمارس بطرق وأساليب شتى من قبل بعض الأنظمة السياسية في كثير من دول العالم الثالث مما أدى إلى هجرة كثير من العقول النيرة المبدعة والكفاءات العلمية البارزة· ويستحيل على الجامعة مهما كانت امكاناتها المادية وخبراتها الإدارية أن تؤدي وظيفتها المعرفية في المجتمع بدون جهود وعطاء وتفاني أعضاء هيئة التدريس فيها، فهم ثروة الجامعة الحقيقية والقول بغير ذلك مجانب للصواب؛ "Universities are immense repositories of knowledge and expertise, primarily embedded in the resources of faculty membersس' (Bird and Allen, 1989: 82

في الوقت نفسه يمثل التدريس والبحث العلمي دورين مهنيين مختلفين في متطلباتهما وتوقعاتهما role obligations and expectations· وهذا يعني أن المتوقع من أستاذ الجامعة كمدرس يختلف عن المتوقع منه كباحث· ويؤكد هذا ما ذكره كل من شيرلي كلارك Shirley Clark وماري فوكس Mary Fox حيث قالتا بأن التدريس والبحث العلمي دوران مختلفان في التوقعات والالتزامات، ويحتاج أداء تلك الواجبات والالتزامات إلى قدر كبير من وقت وجهد أعضاء هيئة التدريس في الجامعات· (Clark, 1986: 25) (Fox, 1992: 293)· ومن نفس المنظور يؤكد كل من هري جريه Harry Gray وتشارلز هوى Charles Hoy على أن التدريس والبحث العلمي دوران مختلفان تماماً يتطلب أداؤهما قدرات ومواهب ومهارات وامكانات مختلفة، وليس بالضرورة أن كل باحث متميز هو أيضاً مدرس متميز، ولذلك فلا غرابة إذن أن يكون في الجامعة أساتذة مبدعين في التدريس أكثر من البحث العلمي وآخرون مبدعين في البحث العلمي أكثر من التدريس؛ (Gray and Hoy, 1989: 44-45

فالتدريس الجامعي الفعال ليس كما يظن البعض أنه مجرد إلقاء المحاضرات في قاعات الدراسة، بل يحتاج إلى كثير من الوقت والجهد في عملية الإعداد للمحاضرات وجمع المادة العلمية المناسبة في كمها ونوعها لمستوى الطلاب وقدراتهم، وتقديم تلك المادة العلمية للطلاب باسلوب جذاب ومشوق فيه إثارة لحماس الطلاب ودافعيتهم للتعلم، وفيه أيضاً تحد لقدراتهم العقلية بحيث ينمي لديهم القدرة على التفكير والتحليل والنقد والاستنتاج، إضافة إلى إعداد الاختبارات وتصحيحها بدقة وموضوعية، وقراءة أبحاث الطلاب وتقييمها والتعليق عليها، وكذلك إرشاد الطلاب ومحاولة مساعدتهم في حل مشاكلهم الدراسية قدر الامكان، ولا شك أن كل ذلك يتطلب من عضو هيئة التدريس قدراً كبيراً من الوقت والجهد أكثر مما قد يتصور البعض· وبالمثل فإن البحث العلمي يحتاج أيضاً من عضو هيئة التدريس أن يقضي وقتاً طويلاً في المكتبات والمعامل والمختبرات، إضافة إلى ما تحتاجه كتابة البحث من وقت وجهد وفكر، لا سيما إذا كان الباحث حريصاً على كتابة شيء ذي قيمة وأهمية من الناحية العلمية· وتكمن المشكلة الأساسية بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس لا سيما أولئك الذين لديهم أعباء تدريسية مرتفعة في القدرة على التوفيق بين متطلبات التدريس من ناحية ومتطلبات البحث العلمي من ناحية أخرى، وذلك نظراً لمحدودية الوقت والجهد اللازمين للوفاء بمستلزمات هذين الدورين المهنيين المهمين·

وهناك أيضاً إشكالية أخرى تتمثل في تركيز الجامعات في لوائحها وأنظمتها الوظيفية وبالذات أنظمة الترقيات والمكافآت على الانتاجية العلمية أكثر من التدريس· فالبحث العلمي في الوقت الحاضر أصبح يحتل مكان الصدارة في جميع الجامعات بلا استثناء· ففي الدراسة الميدانية الموسعة التي طبقت على 20 ألفاً من أعضاء هيئة التدريس في عدد كبير من الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان حول مدى اهتمام وانشغال أعضاء هيئة التدريس بالبحث العلمي كانت النسب كالتالي: %95 في الجامعات البريطانية، %94 في الجامعات السويدية، %84 في الجامعات الألمانية، %96 في الجامعات الأمريكية و%80 في الجامعات اليابانية (Jurgen and Teichler, 1997: 354)· ويؤكد هذا التوجه ما ذكره رونالد بارنت Ronald Barnett منتقداً الجامعات حيث قال بأنه من المؤسف أن البحث العلمي أصبح يحتل المقعد الأمامي front seat بينما يحتل التدريس المقعد الخلفي back seat· واعتبر بارنت ذلك ظاهرة غير صحية، ولذلك قال بأنه إذا كانت الجامعات جادة فعلاً في عملية تحسين وتطوير التعليم الجامعي فيجب أن تركز على التدريس وليس على البحث العلمي؛ (Barnett, 1992: 636

ويعزز هذا أيضاً ما توصل اليه إرك داي Eric Dey وزملاؤه في دراستهم المبنية على ثلاث دراسات مسحية موسعة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية· الدراسة الأولى أجريت في عام 1972م من قِبل American Council Education (ACE) وطبقت على 53034 عضو هيئة تدريس في 301 من مختلف الكليات والجامعات· والدراسة الثانية أجريت في عام 1989م وطبقت على 51574 عضو هيئة تدريس في 432 كلية وجامعة، والدراسة الثالثة أجريت في عام 1992م وطبقت على 43940 عضو هيئة تدريس في 344 كلية وجامعة، وقد أجريت الدراستان الأخيرتان من قِبل Higher Education Research Institute (HERI)· فقد أوضحت نتائج دراسة إرك داي Eric Dey وزملائه المبنية على تلك الدراسات المسحية بأن اهتمام أعضاء هيئة التدريس أصبح مركزاً بشكل كبير على البحث العلمي حتى في الكليات المتوسطة التي وجدت أساساً للتدريس وليس للبحث العلمي؛ (Dey et al., 1997: 319-320

وتشير الأبحاث والدراسات العلمية إلى أن هناك أسباباً كثيرة تجعل البحث العلمي يحتل مكان الصدارة في الوقت الحاضر سواء بالنسبة للجامعات أو بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس ومن تلك الأسباب:

1- ابتكار المعرفة وتطويرها: فالبحث العلمي هو العامل الأساسي في ابتكار المعرفة وتطويرها وتجديدها، وذلك من خلال الاكتشافات العلمية والإبداعات الفكرية في شتى ميادين المعرفة، وهذا يمثل وظيفة أساسية من وظائف الجامعات المعرفية في المجتمع·

2- التميز والمكانة العلمية recognition and prestige: توصف الجامعات بأنها مؤسسات ذات تنظيم هرمي معتمد أساساً على المكانة والسمعة سواء على مستوى أعضاء هيئة التدريس أو على مستوى الأقسام الأكاديمية أو على مستوى الجامعة ككل· والتنافس قائم بين الجامعات من أجل تحقيق أكبر قدر من المكانة والشهرة العلمية في الأوساط الأكاديمية سواء على المستوى القطري أو المستوى الاقليمي أو المستوى العالمي· وهذه المكانة لا يمكن أن تتأتى من خلال التدريس بأي حال من الأحوال، وإنما من خلال الابداع العلمي والمعرفي الذي هو محصلة البحث العلمي الجاد· فمكانة عضو هيئة التدريس وسمعته العلمية تعتمد على ما ينشر وينتج من أبحاث ومؤلفات علمية في مجال تخصصه، وليس على عدد الساعات التدريسية المحددة في جدوله الدراسي في القسم· وسمعة الجامعة في الأوساط العلمية وتصنيفها بين الجامعات في التخصصات المختلفة إنما يعتمد بالدرجة الأولى على حجم ونوع الانتاج العلمي لأعضاء هيئة التدريس فيها؛ (Fairweather and Rhoads, 1995: 180) (Clark, 1983: 35

3- الترقية: تعتبر الترقية الهاجس الأول لأعضاء هيئة التدريس في كل الجامعات· فمنذ تعيين عضو هيئة التدريس في الجامعة وهو يفكر في الترقية، وهذا أمر طبيعي باعتبار ان أساتذة الجامعات كغيرهم من المهنيين Professionals يطمحون دائماً إلى التقدم الوظيفي والنمو المهني لأن ذلك يوفر لهم قدراً كبيراً من الرضاء النفسي والشعور بتحقيق الذات من ناحية وشيئاً من المردود المادي من ناحية أخرى· وأساتذة الجامعات يعرفون جيداً أنه مهما كان تميزهم وإبداعهم في قاعات الدراسة، ومهما كانت مشاركاتهم ومساهماتهم في خدمة الجامعة والمجتمع، فكل ذلك لا يغني عن الانتاج العلمي شيئاً عندما يأتي الأمر لموضوع الترقية· ولكن بالرغم من إدراكهم لهذه الحقيقة، إلا أنهم يتفاوتون في انتاجيتهم العلمية كماً ونوعاً· فليس كل أعضاء هيئة التدريس في الجامعات من الباحثين المتميزين الذين لهم إسهامات بارزة في مجال البحث العلمي· ولذلك ظهر في الأوساط الأكاديمية نوع من الطبقية الأكاديمية academic stratification بين من أسماهم كل من بتريشيا جومبورت Petricia Gumport وشيلي بارك Shelley Park بالنجوم اللامعة Superstars أو بناة الشهرة Fame builders وبين من أسموهم بالأخشاب الميتة deadwood أو العقول الصدئة rusty minds أو الأساتذة الغجر gypsy scholars· هذه الطبقية الأكاديمية مبنية أولاً وأخيراً على الإنتاجية العلمية لأعضاء هيئة التدريس والتي قد يغلب عليها في كثير من الأحيان الجانب الكمي أكثر من الجانب النوعي؛ (Park, 1996: 46) (Gumport, 1991: 90

4- الدعم والتمويل المادي: يمثل البحث العلمي في الوقت الحاضر مورداً مهماً من موارد الدخل بالنسبة للجامعات المرموقة في البلدان المتقدمة، حيث تنفذ في تلك الجامعات مشاريع أبحاث ضخمة ممولة تمويلاً سخياً من جهات حكومية وغير حكومية، ولا شك ان في ذلك عائداً مادياً كبيراً على أعضاء هيئة التدريس المشاركين في تلك المشاريع البحثية وعلى الجامعات أيضاً· فعلى سبيل المثال، بلغ حجم الدعم المالي الذي حصلت عليه الجامعات الأمريكية في عام 1991 للانفاق على الأبحاث العلمية في مجالي العلوم والهندسة فقط 13.8 مليار دولار أمريكي موزعة حسب المصادر التالية:

- الحكومة الأمريكية الفيديرالية 9.65 مليار دولار·

- حكومات الولايات 1.55 مليار دولار·

- المؤسسات الصناعية 1.25 مليار دولار·

- مصادر أخرى 1.35 مليار دولار·

(Balderston, 1995: 263

5- تحسين وتطوير نوعية التدريس الجامعي: لا شك أن البحث العلمي يؤدي إلى النمو المعرفي والفكري لعضو هيئة التدريس· ومن الاعتقادات السائدة في الأوساط الأكاديمية هو أن الباحثين المتميزين أكثر جدية وتنظيماً وعطاءً وهذا بدوره يؤدي إلى تحسين مستوى أدائهم في قاعات الدراسة، وبالتالي تحسين مستوى ونوعية التحصيل العلمي لطلاب الجامعة·

6- الباحثون المتميزون من أعضاء هيئة التدريس أكثر اهتماماً وحرصاً على التميز في أدائهم أنفسهم، ولذلك هم أيضاً حريصون على التميز في أداء طلابهم مما يجعلهم يقدمون لهم خبرات ذهنية وفكرية أكثر تحدياً، ولذلك يتعلم منهم الطلاب كثيراً من المهارات العقلية المهمة مثل القدرة على التحليل والتركيب والنقد والاستنتاج؛ (Weimer, 1997: 54

ونظراً لأهمية وحيوية وظيفتي التدريس والبحث العلمي، فقد حظي موضوع العلاقة بينهما بقدر كبير من اهتمام الباحثين والكتاب المهتمين بقضايا التعليم العالي وبالذات منذ أوائل السبعينات، وقد أسفر هذا الاهتمام عن عدد كبير من الأبحاث والدراسات النظرية والميدانية والتي يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات رئيسية: دراسات وأبحاث توضح بأن العلاقة بين التدريس والبحث العلمي علاقة تعارضية سلبية· دراسات وأبحاث توضح بأن العلاقة بين التدريس والبحث العلمي علاقة تكاملية ايجابية، وهذه الأخيرة قليلة مقارنة بالنوعين الأولين· وسيقتصر هذا البحث على مراجعة عدد محدود من تلك الأبحاث والدراسات بأنواعها الثلاثة·

أولاً: دراسات توضح بأنه لا توجد علاقة بين البحث العلمي والتدريس:

1- دراسة روبرت فردريك Robert Friedrick

وستانلي ميكالاك Stanley Michalak (1983

طبقت هذه الدراسة على 125 عضو هيئة تدريس في إحدى الكليات الأمريكية لمعرفة ما إذا كانت الانتاجية العلمية العالية لعضو هيئة التدريس تؤدي إلى تحسين مستوى ونوعية أدائه التدريسي· وقد أوضحت نتائج الدراسة بأنه لا توجد علاقة بين النشاط البحثي لأستاذ الجامعة وبين فعاليته التدريسية، بل وأوضحت نتائج الدراسة بأن الباحثين النشطين أقل في معرفتهم العامة من الباحثين غير النشطين "more active researchers are seen by students as being less knowledgeableس، وهذا يعني بطلان المقولة التي ترى بأن الباحثين البارزين هم أيضاً مدرسون مبدعون في قاعات الدراسة؛ (Friedrich, and Michalak, 1983: 158-159

2- دراسة كينث فلدمان Kenneth Feldman (1987):

قام كينث فلدمان بمراجعة وتحليل نتائج 43 دراسة أجريت في بعض الكليات والجامعات الأمريكية خلال الفترة ما بين 1984-1950 حول العلاقة بين الإنتاجية العلمية لأعضاء هيئة التدريس وبين نوعية أدائهم في قاعات الدراسة· وقد توصل كينث فلدمان بناء على مراجعته وتحليله لنتائج تلك الدراسات إلى أنه لا توجد علاقة من الناحية العلمية بين إنتاجية عضو هيئة التدريس العلمية ومستوى فعاليته التدريسية في قاعات المحاضرات؛ (Feldman, 1987: 725

3- دراسة الكسندر أستن Alexander Astin ومتشل تشانج Mitchell Chang (1955):

أجرى كل من ألكسندر أستن ومتشل تشانج دراسة ميدانية موسعة شملت 212 من الكليات والجامعات الأمريكية التي تمنح درجة البكالوريوس، وذلك لمعرفة مدى توجه تلك الكليات والجامعات نحو البحث العلمي Research orientation ونحو الطلاب student orientation أي >نحو التدريس<· وقد أوضحت نتائج تلك الدراسة أن الكليات والجامعات التي توجهها نحو البحث العلمي يقل اهتمامها بجانب الطلاب، بينما الكليات والجامعات التي توجهها نحو الطلاب >نحو التدريس< يقل تركيزها على البحث العلمي· وقال الباحثان بأن الذي ينطبق على الكليات والجامعات ينطبق أيضاً على أعضاء هيئة التدريس· وفسر الباحثان هذه النتيجة بأن البحث العلمي والتدريس نشاطان مختلفان وأن العلاقة بينهما تكاد تكون معدومة؛ (Chang and Astin, 1995: 45-49

4- دراسة جان براكستون John Braxton (1996):

بناء على مراجعة 30 دراسة علمية أجريت في الولايات المتحدة خلال الفترة ما بين 1984-1962م حول طبيعة العلاقة بين التدريس والبحث العلمي في الجامعات الأمريكية· توصل جان براكستون إلى نتيجة علمية مفادها أنه لا توجد علاقة منتظمة بين أداء أستاذ الجامعة في مجال التدريس وأدائه في مجال البحث العلمي؛ (Braxton, 1996: 8

5- دراسة وليم باترك William Patrick وإليزابيث ستانلي Elzabeth Stanley (1988):

طبقت هذه الدراسة على أعضاء هيئة التدريس في 92 قسماً من أقسام الإدارة في الجامعات البريطانية، حول مؤشرات النوعية في كل من البحث العلمي والتدريس ومدى العلاقة بينهما· وكان أهم نتيجة توصل اليها الباحثان هي أنه لا توجد علاقة بين التميز في البحث والتميز في التدريس· ولذلك قال الباحثان بأن النظرة التي تقول بأن الباحثين الجيدين هم أيضاً مدرسون جيدون إنما هي أسطورة وليست حقيقة؛ Good researchers are good teachers is a myth; (Stanley, and Patrich, 1998: 35

ثانياً: دراسات توضح بأن العلاقة بين التدريس والبحث العلمي علاقة تعارضية سلبية

1- بحث ستيفن سامبل Steven Sample (1972):

ركز ستيفن سامبل في هذا البحث النظري على موضوع التعارض بين البحث العلمي والتدريس في الجامعات· وقد توصل في النهاية إلى استنتاجات كان من أهمها هو أن هناك تعارضاً واضحاً بين دور أستاذ الجامعة كمدرس وبين دوره كباحث وذلك من جانبين: الجانب الأول من ناحية الوقت، فالإنتاج العلمي الجيد يحتاج من عضو هيئة التدريس إلى قدر كبير من الوقت وهذا يتعارض مع الوفاء بواجبات ومستلزمات التدريس الجيد، ولا سيما فيما يتعلق بالتعامل مع الطلاب ومعالجة مشاكلهم الدراسية خارج أوقات المحاضرات الرسمية؛ الجانب الثاني من الناحية العلمية والمعرفية· فالبحث العلمي يجعل تركيز عضو هيئة التدريس محصوراً في حدود تخصصه الضيق، بينما التدريس الجامعي يحتاج من عضو هيئة التدريس إلى سعة في أفقه العلمي والمعرفي؛ (Sample, 1972: 18-20

2- دراسة آرنولد لنسكي Arnold Linsky وموري ستروس Murray Straus (1975):

قام أرنولد لنسكي وموري ستروس بإجراء دراسة ميدانية طبقت على 1422 عضو هيئة تدريس في 16 كلية وجامعة في الولايات المتحدة وذلك لمعرفة مدى العلاقة بين فعالية عضو هيئة التدريس في قاعات الدراسة كما تظهر من خلال تقييم الطلاب وبين إنتاجيته العلمية وأوضحت نتائج الدراسة أن محدودية الوقت والجهد اللازمين لأداء متطلبات هذين الدورين تجعل أعضاء هيئة التدريس يواجهون صعوبة كبيرة في الوفاء بواجباتهم والتزاماتهم التدريسية والبحثية بالشكل المطلوب، مما يجعل العلاقة بين التدريس والبحث العلمي علاقة سلبية حيث أن التميز في أحدهما لا بد أن يكون على حساب الآخر؛ (Linsky and Straus, 1975: 98

3- دراسة ماري فوكس Mary Fox (1992):

أجرت ماري فوكس دراسة ميدانية على 3968 عضو هيئة تدريس في أقسام الاقتصاد والعلوم السياسية وعلم النفس وعلم الاجتماع في بعض الجامعات الأمريكية من أجل التعرف على مدى التوافق أو التعارض بين وظيفتي التدريس والبحث العلمي في الجامعات· وأوضحت نتائج الدراسة ان هناك قدراً كبيراً من التعارض بين التدريس والبحث العلمي كدورين مهنيين مختلفين· وأن منشأ هذا التعارض هو عامل الاهتمام والوقت، فبقدر ما يعطي عضو هيئة التدريس من اهتمام ويستثمر من وقت وجهد في البحث والنشر والتأليف فإن ذلك يكون على حساب واجباته ومسؤولياته والتزاماته التدريسية؛ (Fox, 1992: 301

4- دراسة جيمس فيروذر James Faiweather (1993):

طبقت هذه الدراسة على أكثر من 4 آلاف من أعضاء هيئة التدريس في بعض الجامعات والكليات ذات الأربع سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لمعرفة مدى أهمية التدريس والبحث العلمي وخدمة الجامعة والمجتمع بالنسبة لتحديد رواتب أساتذة الجامعات ومكافآتهم وعلاواتهم· وكان من أهم نتائج تلك الدراسة هو أن أعضاء هيئة التدريس الذين يستثمرون قدراً أكبر من وقتهم وجهدهم في التدريس تقل انتاجيتهم العلمية وبالتالي تقل رواتبهم كثيراً عن أولئك الذين يستثمرون معظم وقتهم في الكتابة والنشر والتأليف، وذلك لأن أنظمة الرواتب والترقيات في الجامعات تعطي للانتاج العلمي وزناً أكبر بكثير من التدريس· وهذا يعني أن الوقت الذي يستثمره عضو هيئة التدريس في أحد المجالين سيكون على حساب الآخر، مما يوجد نوعاً من عدم التوافق بينهما من حيث القيام بمتطلبات ومستلزمات كل منهما بالشكل المطلوب؛ (Fairweather, 1993: 620-621

5- دراسة آلن جنكنز Alan Jenkins وزملائه 1988):

طبقت هذه الدراسة على مجموعة من طلاب البكالوريوس في تخصصات ومستويات دراسية مختلفة في جامعة Oxford Brookes University في بريطانيا، وذلك من أجل التعرف على آراء الطلاب حول مدى أهمية التدريس والبحث العلمي بالنسبة لهم· كما طلب من الطلاب أيضاً أن يحددوا أهم الخصائص التي يرون أنه لا بد من توفرها في أستاذ الجامعة الجيد وجاءت مرتبة كالتالي:

- مهارات الاتصال الجيد - good communication skills

- القدرة على إثارة حماس الطلاب - ability to involve and enthuse students

- يسر وسهولة التعامل - to be approachable

- التواجد خارج وقت المحاضرة - availability oustside class

- جدة وحداثة المعرفة العلمية - up- to- date knowledge

وقد اتضح من نتائج الدراسة ما يأتي:

1- إن فعالية وكفاءة عضو هيئة التدريس في قاعات المحاضرات أهم كثيراً بالنسبة للطلاب من أبحاثه المنشورة ومؤلفاته المطبوعة· زI feel cross when I sit in a lecture, their reserch may be great, but they canصt teachس·

2- إن انشغال عضو هيئة التدريس بالبحث العلمي يكون في الغالب على حساب واجباته التدريسية·

3- إن الانشغال بالبحث العلمي لا يترك وقتاً كافياً لمقابلة الطلاب خارج وقت المحاضرة "do not disturb; do not come in; I am busy doing researchس·

4- إن البحث العلمي يجعل عضو هيئة التدريس على اطلاع دائم وصلة وثيقة بالتطورات العلمية الحديثة في مجال تخصصه·

5- إن البحث العلمي يعزز المكانة والسمعة العلمية لعضو هيئة التدريس وللجامعة أيضاً·

وفي النهاية توصل الباحثون إلى أنه مع أن البحث العلمي يساعد على النمو المعرفي لعضو هيئة التدريس في مجال تخصصه ويعزز من مكانته وسمعته العلمية وكذلك سمعة الجامعة، إلا أنه يقلل من اهتمامه بالتدريس وبالطلاب وهذا يعني أنهما متعارضان إلى حد كبير؛ (Jenkins et al., 1988: 133-135

ثالثاً: دراسات توضح أن العلاقة بين التدريس والبحث العلمي علاقة تكاملية إيجابية:

يسود في الأوساط الأكاديمية اعتقاد بأن التدريس والبحث العلمي دوران مهنيان يكمل كل منهما الآخر· وأن أستاذ الجامعة لكي يكون مدرساً مبدعاً وفعالاً في قاعات الدراسة لا بد أن يكون في الوقت نفسه باحثاً متميزاً، لأن البحث العلمي هو الوسيلة المثلى لنمو عضو هيئة التدريس علمياً وفكرياً، وهذا بالتالي يؤثر ايجابياً على مستوى تحصيل الطلاب العلمي والمعرفي أيضاً وذلك من حيث حداثة وجدة المعلومات التي يتعلمونها في قاعات الدراسة· وإذا لم يكن لأستاذ الجامعة نشاط بحثي وإنتاج علمي واضح فإنه لن يكون على صلة وثيقة بما يستجد في حقل تخصصه من أفكار علمية جديدة، وبالتالي يضطر إلى تكرار معلوماته القديمة، وهذا ليس في مصلحة الطلاب· والواقع أن الدراسات العلمية التي تؤيد هذا الاعتقاد محدودة جداً، ومن تلك الدراسات ما يلي:

1- دراسة مايكل فيا Micheal Faia (1976):

بناء على الدراسة المسحية الموسعة التي أجريت في عام 1972م من قبل مجلس التعليم الأمريكي American Council on Education (ACE) والتي طبقت على 53034 عضو هيئة تدريس في 301 من مختلف الكليات والجامعات في الولايات المتحدة، توصل مايكل فيا Micheal Faia من خلال تحليل نتائج تلك الدراسة إلى وجود علاقة ارتباط ايجابية بين البحث العلمي والتدريس، حيث وجد بأن هناك علاقة إيجابية بين الإنتاجية العلمية لأعضاء هيئة التدريس وبين حصولهم على مكافآت تشجيعية لتميزهم في التدريس· وكانت العلاقة أكثر قوة وإيجابية في الكليات المتوسطة والجامعات الشاملة comprehensive universities منها في جامعات البحث العلمي research universities؛ (Faia, 1976: 240-241)

2- دراسة روث نيومن Ruth Neumann (1992):

قامت روث نيومن بدراسة ميدانية من خلال إجراء مقابلات مع 33 من الإداريين الأكاديميين من وكلاء جامعات وعمداء كليات ورؤساء أقسام وذلك لمعرفة مرئياتهم حول العلاقة بين التدريس والبحث العلمي· وقد أوضحت نتائج الدراسة بأن التدريس والبحث العلمي يكمل كل منهما الآخر، وأن هناك علاقة إيجابية بينهما من ناحية حداثة وجدة المعلومات التي يتعلمها الطلاب من الأساتذة الذين لديهم إنتاج علمي جيد، وكذلك من ناحية إيجاد نوع من الاتجاه الإيجابي لدى الطلاب نحو طلب العلم والمعرفة، وهذا يعني أن البحث العلمي والتدريس يثري كل منهما الآخر؛ (Neumann, 1992: 161-163

3- دراسة فردريك فولكوين Frederick Volkwein

وديفد كاربون David Carbone (1994):

طبقت هذه الدراسة على 655 طالباً من طلاب البكالوريوس في مستويات دراسية متقدمة في 27 قسماً أكاديمياً في إحدى الجامعات الأمريكية، بالاضافة إلى اجراء مقابلات شخصية مع العمداء ورؤساء الأقسام في تلك الجامعة، وكذلك الرجوع إلى ملفات أعضاء هيئة التدريس في الأقسام المعنية· وكان هدف الدراسة هو التعرف على توجه الأقسام الأكاديمية نحو التدريس والبحث العلمي، ومدى أثر ذلك التوجه على النمو العلمي والمعرفي لطلاب الدراسات الجامعية ورضاهم عن مسيرتهم الدراسية في الجامعة· وقد ذكر الباحثان أن نتائج الدراسة أعطت دليلاً علمياً غير قوي على أن البحث العلمي يعزز ويثري التدريس الجامعي· كما أنها أيضاً أعطت دليلاً علمياً أقوى على أن الانتاجية العلمية والنشاط البحثي لعضو هيئة التدريس لا يضران بفاعليته وأدائه في قاعات الدراسة؛ (Volkwein and Carbone, 1994: 162

من مراجعة الدراسات السابقة يتضح الآتي:

1- ان التدريس والبحث العلمي يمثلان دورين مهنيين مختلفين في التوقعات والالتزامات، وأن كلاً منهما يتطلب مهارات وقدرات مختلفة عن الآخر·

2- ان الاعتقاد بأن التميز في مجال البحث العلمي يعني الإبداع والفعالية في قاعات الدراسة اعتقاد لا تدعمه نتائج الأبحاث والدراسات العلمية·

3- أن الأبحاث العلمية والدراسات الأمبيريقية تشير إلى عدم وجود علاقة منتظمة بين البحث العلمي والتدريس، ولذلك ليس بالضرورة ان كل باحث متميز هو في الوقت نفسه مدرس متميز·

4- ان هناك قدراً كبيراً من التعارض بين البحث العلمي والتدريس من منطلق محدودية الوقت والجهد اللازمين للوفاء بمتطلبات ومستلزمات كل منهما، ولذلك يصبح التميز في أحدهما في الغالب على حساب الآخر·

5- قلة الأدلة العلمية التي تعزز فكرة التكامل بين التدريس والبحث العلمي·

 

الجزء الثاني من الموضوع - اضغط هنا

طباعة  

جزء 2
الجامعات: نشأتها، مفهومها، وظائفها - (2 - 2)
دراســة وصفيــة تحليليـة