رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 29 جمادي الاخر - 6 رجب 1421هـ الموافق 27 سبتمبر - 3 اكتوبر 2000
العدد 1446

بوش الابن
المال والعائلة أهم من السياسة!!

·         عندما قرر سنة 1999 دخول انتخابات الرئاسة، جمع الكثير من المال بسرعة -أكثر من 05 مليون دولار- حتى أنه كان محصناً ضد الاحتمال السياسي المعتاد، وهو أن الهزائم المبكرة في نيوهامبشاير وساوث كارولينا قد تخرجه من السباق

·         ينتمي إلى ذلك العالم القوي شبه الخفي الذي لا يكون أهم سؤال فيه هو: "ماذا تعرف؟" وإنما: "من هم أهلك؟" وفيما يتصل بأدائه هو، فهو مؤهل لأن يكون ملك بريطانيا، عن طريق قرابة أبيه للمملكة، أكثر منه لأن يكون رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية

 

لارس إيريك نيلسون

حاكم ولاية تكساس جورج ووكر بوش -المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية- هو ابن الرئيس جورج هربزت ووكر بوش، حفيد السناتور بريسكوت بوش من كونيتيكت، الذي ينتسب مباشرة للرئيس فرانكلين بيرس، وابن العم الثالث عشر لملكة بريطانيا اليزابيث· أما الأعمام وأعمام الآباء، فقد كانوا أو لايزالون أصحاب نفوذ في وول ستريت· وعندما كان جورج طفلاً، كان يمضي العطلة في مجمع للأسرة في جيب يقع شمالي بالم بيتش بولاية فلوريدا، إلى جانب عائلات تحمل أسماء ميلون ودابلداس وفورد وروزفلت وويتني وفاندربلت وهاريمان·

وتغري صيغة العائلة الساحلية في ووكرز بوينت، بالقرب من كينبونكبورت بولاية مين، على الاعتقاد بأن آل بوش يمتلكون، إضافة إلى الأملاك التقليدية، قطعة لطيفة بعض الشيء من المحيط الأطلنطي· وقائمة الأسلاف التي أوردناها ليس الغرض منها هو إعطاء خلفية من المعلومات وحسب؛ إنها في موضع القلب من حياة بوش ومنجزاته· فهو في حد ذاته لديه القليل من المنجزات، كما تخبرنا بوضوح ثلاث أو أربع سير ذاتية صدرت مؤخراً· وبعون من العائلة والأصدقاء وشبكة لا مثيل لها من المؤيدين الماليين المخلصين، عاش بوش حياة ناجحة في صناعة البترول، كما ساعد في إدارة فريق للبيسبول، وفاز بمنصب حاكم ولاية تكساس، وأصبح كذلك المنافس الرئيسي لترشيح الحزب الجمهوري لمنصب رئىس الولايات المتحدة، وهو ما لم يبذل فيه مجهوداً كبيراً·

وحياة بوش العملية التي تحظى بالاحترام تدحض الفكرة القائلة بأن الولايات المتحدة باتت نظاماً يقوم على القدرة الفردية، حيث ولدنا فيه جميعاً متساوين ثم كان الحكم علينا تبعاً لذكائنا أو مواهبنا أو قدرتنا على الإبداع أو جرأتنا· إن بوش رجل ارستقراطي· وما حققه من نجاح هو بطريقة أو بأخرى محصلة مباشرة لاسمه وعائلته، كما أنه معفى من المنافسة الطبيعية- الأكاديمية والمالية والمهنية والسياسية- التي تواجه معظم الأمريكيين وتقسمهم على درجات سلم الحياة· وهو ينتمي إلى ذلك العالم القوي شبه الخفي الذي لا يكون أهم سؤال فيه هو: "ماذا تعرف؟" وإنما "من هم أهلك؟" وفيما يتصل بأدائه هو، فهو مؤهل لأن يكون ملك بريطانيا، عن طريق قرابة أبيه للملكة، أكثر منه لأن يكون رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية·

كان بوش طالباً عادياً في المدرسة الثانوية ومع ذلك التحق بأكاديمية فيلبس باندوفر، وهي واحدة من أكثر المدارس الإعدادية تميزاً في البلاد، لأن والده دخلها قبله· وكان طالباً عادياً كذلك في أندوفر، ومع ذلك دخل الجامعة التي درس فيها أبوه، وهي ييل، وكان ذلك مرة أخرى كنوع من "الإرث"· وكان طالباً عادياً في ييل، ومع ذلك استطاع الالتحاق بكلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد· وعندما قرر الوفاء بواجب الخدمة العسكرية أثناء حرب فيتنام عن طريق الإنضمام للحرس الوطني الجوي في تكساسس، قُبل على الفور ومُنح رتبة ملازم بعد خمسة أسابيع وحسب من التدريب الأساسي·

دخل بوش صناعة البترول بما يتراوح بين 31 و02 ألف دولار من صندوق ائتمان عائلي وفشل فيها- ليقيله من عثرته المرة تلو الأخرى مستثمرون أصدقاء كانوا على استعداد لأن يخسروا المال في سبيل الارتباط باسم بوش· وقد دعي للانضمام إلى شراكة مستثمرين كانوا بحاجة إليه كواجهة لشرائهم فريق تكساس رينجرز للبيسبول· واضطر بوش لاقتراض حصته في الاستثمار· وحينذاك راقب حصته البالغة 600 ألف دولار وهي تتحول إلى 15 مليون دولار عندما أقامت مدينة ارلنجتون بتكساس استاداً جديداً للفريق بالمال العام·

ودخل بوش انتخابات الكونجرس من منطقة في غربي تكساس سنة 1978 وخسر، رغم أنه لم يكن ينقصه المال الذي وفرته له عائلته وأصدقاؤه في صناعة البترول· وعندما خاض انتخابات حاكم الولاية سنة 1994 طلب العون من دون كارتر، صاحب فريق دالاس مافريكس لكرة السلة، الذي حرر له شيكاً بمبلغ 100 ألف دولار، إحساساً منه بما هو آت· وعندما قرر سنة 1999 دخول انتخابات الرئاسة، جمع الكثير من المال بسرعة- أكثر من 50 مليون دولار- حتى أنه كان محصناً ضد الاحتمال السياسي المعتاد· وهو أن الهزائم المبكرة في نيوهامبشاير وساوث كارولينا قد تخرجه من السباق· كان لدى بوش من المال ما يكفي للبقاء بعد مؤتمر الحزب الجمهوري في فيلادلفيا، حتى وإن حدثت خسارته غير المحتملة لكل انتخاب أولي·

يبدو ان عقل بوش نفسه قد صور له أنه فائق في إنجازه، فهو يتباهى بأنه كحاكم لتكساس، وهي واحدة من أضعف الحاكميات في البلاد، يرأس الاقتصاد الحادي عشر في ترتيب أكبر اقتصادات العالم· ولا تتضمن سيرته الذاتية أي ذكر للملائكة الماليين الذين أقالوا عثراته المرة تلو الأخرى في مشروعات البترول· وكان، في روايته هو للأحداث القوة المرشدة وراء شراء فريق تكساس رينجرز، وليس الواجهة العلنية لأصحاب المال الذين آثروا البقاء وراء الكواليس وكانوا هم من أبرموا الصفقة· ويبدو أنه ليس لديه إحساس بأن الآخرين مهدوا الطريق له، ووفروا له الحماية، وأقالوا عثرته عندما كان يتعرض للفشل·

وهكذا نرى أن هذه التضاربات هي التي صنعت جورج و· بوش· دخول اندوفر وجامعة ييل بـ "الوراثة"، ومعارضة العمل الايجابي، الذي قد يزيد من أفضليات شبيهة بتلك التي جعلته مفيداً لطلبة الأقليات والمرأة· ونعرف أنه اعتبر قيود الاسعار المفروضة على الغاز الطبيعي نوعاً من الاشتراكية ذات النمط الأوروبي، ومع ذلك فقد كان على استعداد تام لاستخدام سلطة الولاية للاستيلاء على عقارات دون قيمتها السوقية لكي يشيد استاداً جديداً لفريق البيسبول الخاص به· ونحن نقابل مطالبته بمعايير فكرية عالية بين طلاب الأقليات بالملاحظة التي أبداها عقب زيارته للصين: "كانت كل دراجة بنفس الشكل"· ونقرأ عن إصراره على أهمية الإنجاز الفردي والمسؤولية الفردية- في سيرة ذاتية كتبت له·

ومع ذلك فالأمر ليس بهذه البساطة، فجورج و· بوش رجل ذكي، ويتمتع بذاكرة رائعة وجاذبية هائلة وروح دعابة· وسجله السياسي كحاكم يدعم من حين لآخر زعمه بأنه "محافظ متعاطف"، رغم تصديقه على ما يربو على مائة حكم بالإعدام· وهو داخل الحزب الجمهوري في تكساس، وخصوصاً منذ استيلاء المحافظين المسيحيين عليه، رجل معتدل· ويرى بعض زملائه من تكساس أنه ليبرالي خطير ذو صلات مريبة، من خلال والده، باللجنة الثلاثية ومجلس العلاقات الخارجية، وتنسب له مولى ايفنز، التي يمكن أن تكون شديدة الانتقاد له، اهتمامه الشديد بأرقام الإحصاءات الخاصة بطلاب الأقليات· وتسجل سيرته الذاتية أنه كحاكم ولاية ابتكر طرقاً جديدة لتنظيم منظمات الرعاية الصحية الشحيحة·

ومن المفارقات أن أياً من الكتب الأربعة التي نعرضها لم يول الاهتمام الواجب لواحدة من أدق لحظاته، عندما تصدى للحزب الجمهوري القومي ورفض مجاراة الحملة الداعية إلى منع أطفال المهاجرين غير الشرعيين من دخول المدارس العامة· وإذا كان قد نجح بسبب ميزاته الأرستقراطية، فقد أبدى من حين لآخر إحساس الارستقراطي بما تفرضه عليه النبالة من واجبات·

ولد جورج و· بوش في نيو هافين بولاية كونيتيكت في 6 يوليو سنة 1946 عندما كان والده طالباً في جامعة ييل· فقد تزوج والده ووالدته باربرا وهما لا يكادان يتجاوزان سن المراهقة في يناير 1945، بعد عودة بوش الكبير من الخدمة العسكرية كقبطان بحري في جنوب المحيط الهادي· وبعد عامين من ولادة ابنه، تخرج بوش الكبير من ييل واتجه إلى حقول البترول في تكساس في جهد متعمد للتهرب من أسلوب حياة والده، وهو وظيفة في حي المال من التاسعة إلى الخامسة ورحلة يومية من الضواحي وإليها·

أما جورج الابن فقد فعل العكس· إذ سعى بكل السبل إلى استنساخ حياة والده، حيث اتبع خطاه إلى اندوفر، وأصبح طياراً حربياً، ودخل صناعة البترول، ورشح نفسه للحصول على منصب عام· ومعروف عنه وعن أبيه تذكر الأسماء وكتابة خطابات الشكر· وفي إشارة قاسية إلى مظهره، تطلق اليزابيث ميتشل في كتابها على جورج بوش "النسخة القرد من أبيه، دون أن أقصد بذلك شراً بجورج أو بالقردة"· إلا أن الشيء نفسه يمكن أن يقال عن حياته: فنحن نجد أن مجمل حياته يسير في أثر والده سيراً حثيثاً، كما أنه يحيط به نفس الأصدقاء وفاعلو الخير، حتى أنه في بعض الأحيان يكون من الصعب الفصل بين حياتيهما المتشابكتين· غير أن حياة بوش الصغير مشوهة تشويهاً قليلاً، وهي نسخة تقل بعض الشيء في جاذبيتها عن حياة أبيه· وهناك نقطة مهمة يختلفان فيها: فبوش الكبير كانت تخيفه أمه، دوروثي، من التباهي حتى صار معروفاً عنه أنه يسقط كلمة "أنا" من كثير من الجمل التي ينطق بها، لئلا يبدو متباهياً· أما جورج الابن فينسب لنفسه كل نجاح، حتى وان كان بعيداً عنه·

لقد عاش بوش الصغير ما يعتبرها هو حياة ضواحٍ تقليدية خاصة بالطبقة الوسطى في ميدلاند بولاية تكساس، وهو الأمر الصحيح إن نحن غضضنا الطرف عن النقطة الصغيرة التي تشير إلى أنه عندما كان في العاشرة كان والده مليونيراً (وذلك في الخمسينات عندما كان كون الإنسان مليونيراً يعني أكثر بكثير مما يعنيه في الوقت الراهن)· وعندما كان في السابعة عانى من فقدانه لأخته الصغرى روبين بسبب مرض اللوكيميا· ومع أن عائلة بوش صنعت الكثير مما يفترض أنها حياة عائلية تتسم بالرضا والطمأنينة، فواقع الأمر أن بوش الكبير كان غائباً في كثير من الأحيان في مشروعاته البترولية الكثيرة أو الاستكشافات السياسية· وأصبح على سبيل المثال زعيماً لاتحاد الآباء والمعلمين· غير أنه لم يحضر قط مباريات ابنه· وإن كانت باربرا قد شهدتها بانتظام·

وبعد أن أمضى جورج الابن سنة في إحدى المدارس العليا الخاصة، أرسلوه إلى اندوفر، حيث صار بسرعة زعيماً اجتماعياً· وعلى عكس والده، الذي قاد فريق ييل إلى البطولة الإقليمية، لم يكن جورج مجيداً إلى حد كبير في مجال الرياضة· ومرة أخرى على عكس أبيه الذي فاز بمفتاح "في بيتا كابا" في بيل، كان هو طالباً غير نشيط· وقد حذره أحد مستشاري اندوفر ألا يتوقع قبوله في ييل، غير أن بوش تقدم بطلب الالتحاق وقُبل -ليصبح الجيل الثالث في عائلته الذي يلتحق بالجامعة·

وفي سنة 1964 سعى والده لأن يكون له مقعداً في مجلس الشيوخ عن تكساس باعتباره محافظاً، ولكنه هزم في ذلك المد الذي جاء بليندون جونسون نائباً للرئيس· وفي حادث شهير، يذكر جورج و· بوش التقاءه صدفة براعي كنيسة ييل وليام سالون كوفن الذي قال له: "إني أعرف والدك· وأصارحك القول بأنه هزم على يد من هو أفضل منه"· وتورد إليزابيث ميتشل هذه القصة من وجهة نظر بوش·

تزخر السيرتان اللتان كتبهما ميتشل ومينوتاليو بحكايات عن مقالب بوش في المدرسة الإعدادية والكلية ومزحاته وقفشاته وصداقاته في تلك السنوات· وليس هناك ما يمكن الكتابة عنه في تلك الفترة غير ذلك· ففي ييل كان يشعر بالضيق مما كان يبدو له غطرسة الساحل الشرقي، وهي شكوى غريبة، ربما يكون صاحبها شخصاً منح نفسه امتيازاً كبيراً وسار في خطى والده وجده إلى داخل المجتمع السري· وقد اشتكى، في سنوات لاحقة بشكل خاص، من مواقف زميليه في الدراسة نيلسون ستروب ريدج تالبوت الثالث (وهو الآن نائب وزير الخارجية ستروب تالبوت) وجاري ترود، مبدع "دونزبيري" الذي تساءل بطريقة تجرح المشاعر عن رجولة والده في مسلسل من الرسوم الهزلية·

كان بوش يكثر من الشراب، وهو الإدمان الذي لازمه حتى بلغ الأربعين· وذات مرة، وبعد أن عاد بالسيارة للبيت وهو مخمور وبصحبته شقيقه الأصغر مارفن، وكان وقتها في الخامسة عشرة، احتد عليه والده معترضاً على ذلك· وتحدى بوش والده قائلاً: "سمعت انك تبحث عني· هل تريد أن نتعارك هنا؟" ومع أن كثيراً من التكهنات راجت بشأن تعاطيه المخدرات، فإنه ما من دليل في تلك الكتب الأربعة على أنه فعل ذلك· بل إنه ليس هناك أي دليل على أن تعاطي المخدرات لقي منه استحساناً في أي وقت، أو أي مكان، أو أي موقف· ونشر "ج·ن· هاتفيلد" وهو كاتب بالقطعة، اتهاماً مثيراً في العام الماضي مؤداه أن بوش دخن الماريجوانا وشم الكوكايين عندما كان في تكساس في أوائل السبعينيات· غير أنه لم يقدم دليلاً يدعم زعمه (كما ثبت زيف ما أورده من "حقائق" يمكن التحقق من صحتها)· وقد سحبت مطبعة سانت مارتن كتاب هارتفيلد وعنوانه Fortunate Son: George W. Bush and the Making of an American President على وجه السرعة·

هناك أمور يدور حولها الجدل في حياة جورج و· بوش أكثر خطورة من تعاطي المخدرات، ليس بينها ما هو جنائي إلى حد كبير، إلا انها جميعاً تعين على الفهم· أولها يتركز حول الخدمة في الحرس القومي الجوي في تكساس· فمع أن حرب فيتنام كانت على أشدها عندما كان بوش بجامعة ييل، فهو لم يشارك في المظاهرات أو حتى المناقشات· ويقدم بوش في سيرته الذاتية تفسير "الصقور" التقليدي الذي استخدمه المحافظون الذين نجحوا في تحاشي القتال في الحرب: "إننا لم نفسر المهمة، ولم تكن لدينا استراتيجية للخروج من الحرب، ولم يكن من الواضح أننا نحارب كي نكسب الحرب"· ولو كانت تلك الشروط الثلاثة المفقودة قد تحققت، ربما افترضنا أن بوش كان يشق طريقه بصعوبة في القفار، إلى جانب بات بوكانان ونيوت جنجريش وبيل جرام ودان كويل وسائر الجيش المتباهي الذي تهرب من الخدمة في فيتنام، لأن الحرب لم تكن تخاض بما يجب من شدة·

غير أن بوش لم تكن تنقصه العاطفة السياسية خلال سنوات فيتنام المضطربة· ويورد مينوتاليو الرواية التالية عن أحد أصدقاء بوش: "بينما كان يقف بجانبه الكتف في الكتف داخل البار، أخذ بوش يتحدث بمرارة عن الطريقة التي يتم بها خنق رجال البترول في البلاد عن طريق تباينات المهلة الضريبية المقترحة في مخصصات نضوب البترول"·

وتقدم ميتشل، التي يعد كتابها الأكثر إعانة على الفهم من بين الكتب الأربعة التي تعرضها، الرواية الكاملة لقبول بوش في الحرس القومي، في وقت كانت فيه قائمة انتظار طويلة، طبقاً لما ذكره بعض أفراده القدامى· ففي الوقت الذي تخرج فيه بوش من ييل سنة 1968، كان والده عضو كونجرس عن تكساس· اتصل سيدني أدجر، صديق الأسرة القديم، ببن بارنز الذي كان وقتها نائب حاكم تكساس الديمقراطي· وفي شهادة أدلى بها بارنز سنة 1999 قال إن أدجر طلب منه أن يتوسط لمصلحة بوش الأصغر· وعلى الفور اتصل بارنز برئيس الحرس البريجادير جنرال جيمس م· روز·

واتخذ بوش وأبوه هذه الشهادة دليلاً على أن بوش نفسه لم يتوسط قط للحصول لابنه على مكان يشتهيه الجميع في الحرس· إلا أنه في المقابلة التي أجراها مع الليفتينانت كولونيل والتر ب· ستوت، قال بوش الصغير إنه كانت لديه الرغبة في الطيران "تماماً مثل والده"، الأمر الذي كان من المؤكد أنه سيستدعي السؤال "من هو والدك على وجه الدقة؟" ولا تنتهي القصة عند هذا الحد· فقد تم تكليف بوش ملازماً ثانياً في سبتمبر 1968 بعد خمسة أسابيع فقط من التدريب الأساسي، دون حتى دخول مدرسة ترشيح الضباط، وشرع على الفور في تدريب الطيارين· والغريب أن بوش في سيرته الذاتية يزيف حقيقة هذه الترقية التي اتسمت بسرعة غير عادية· فهو يقول: "أمضيت 55 أسبوعاً في خدمة عسكرية فعالة، حيث كنت أتعلم الطيران، وتخرجت في ديسمبر 1969· وعلق لي والدي جناحي الملازم الثاني، وهي لحظة شعر فيها كل منا بالفخر"· إلا أنه ليس هناك شيء اسمه "جناحا الملازم الثاني" في جيش الولايات المتحدة· فالملازمون الثانيون يحصلون على جناحين· وخلط بوش الأمرين· ونحن نعرف أنه لم يكتب هذا الكتاب بالفعل؛ ويبدو كذلك أنه لم يقرؤه·

أثبت بوش أنه طيار كفء· وتخبرنا ميتشل صراحة أنه طار من مطار إلينجتون في دوريات "مسح حدود شاطئ الخليج بحثاً عن هجمات للعدو والتحليق فوق حقول بترول تكساس لحماية معامل التكرير"·

وتتشابه حياة بوش البترولية مع حياة والده· فقد كانت خبرته في جمع المال وليس في التنقيب عن البترول· وكما هو الحال بالنسبة لوالده، الذي كان يسانده عمه هربرت ووكر، استغل جورج الابن بوش عما له، هو جوناثان بوش، لتجميع المستثمرين من أجل مشروعاته الأولى· إلا أنه على عكس والده، لم يجد جورج الابن الكثير من البترول· لا بأس؛ فقد حققت صناعة البترول المحلية الكثير من مكاسبها في السبعينيات عن طريق حفر ثغرات في قانون الضرائب وليس الحفر في الأرض· وكانت شركته الأولى، واسمها أربوستو (وهو المقابل الأسباني لبوش)، حسبما قاله مينوتاليو "شركة كسبانة كسبانة؛ فحتى وإن لم يتدفق البترول، يمكنها دائماً أن تحصل على تخفيض كبير للضرائب"·

ووافق عمه جوناثان على أن العثور بالفعل على البترول ليس هو كل ما يهم· فقد قال جوناثان بوش لمينوتاليو: "في تلك الأيام كان من الضروري أن تحفر· ولم تكن مضطراً لأن تبذل جهداً ضخماً كي تحقق نتائج طيبة، لأنك كنت تحصل على تخفيض كبير للضرائب· وكانت تلك طريقة جذابة لأن تستثمر المال وتتحاشى الضرائب"· ويتذكر سكرتير أربوستو تلك الأيام قائلاً: "لا أتذكر بالمرة قيامنا بحفر بئر وعمل أي شيء بهذا القدر من العظمة"·

ومع ذلك فقد كانت أحوال أربوستو سيئة· ثم ظهر لها أحد الملائكة· إذ اشترى فيليب أوزيلي، وهو أحد أصدقاء جيمس أ· بيكر الثالث (الذي أدار حملة جورج بوش غير الناجحة لترشيح الحزب الجمهوري له لإنتخابات الرئاسة سنة 1980) 10 بالمئة من أربوستو مقابل مليون دولار· وتقول كل من ميتشل ومولي ايفنز إنه في ذلك الوقت كانت القيمة الدفترية للشركة بكاملها 382376 دولاراً· وبذلك دفع أوزيلي مليون دولار مقابل أسهم قيمتها 38237,60 دولار· وانتهى به الأمر إلى ضياع أمواله· ورغم ضخ أموال أوزيلي وغيره في الشركة، بما في ذلك بعض المال من جدته، فقد كانت شركة بترول بوش في سبيلها للغرق· وجاء الإنقاذ مرة أخرى من فاعل خير اسمه بيل دويت الإبن، الذي دمج شركته، واسمها سبكترم 7، مع شركة بوش· وكان الحساب الختامي نتيجة لهذا الدمج هو أن بوش، الذي كان قد استثمر 102 ألف دولار، استرد 362 ألف دولار· أما مساندوه العديدون، الذين كانوا قد ساهموا بـ 4,66 مليون دولار، فحصلوا على 1,54 مليون دولار- ولكنه لم يأبه لذلك بسبب تخفيض الضرائب·

وبعد ذلك أخذت سبكترم 7 هي الأخرى تتعثر· إلا أن مخلصاً آخر، هو شركة هاركن انرجي، يأتي ليدفع لبوش 530 ألف دولار متاحة لشركة معرضة للحجز عليها· وأخيراً تغلبت هاركن هي الأخرى على الأوقات العصيبة· فقد حصلت على حق التنقيب على البترول في البحر قبالة البحرين قبيل غزو صدام حسين للكويت سنة 1990 وتهديده بالسيطرة على حقول البترول في الخليج· وفي تلك المرة نجح بوش في الخروج قبل هبوط أسعار الأسهم، تاركاً شريكه وغيره من حملة الأسهم يتحملون الخسارة عندما هبطت أسعار أسهم هاركن·

ومن الناحية العملية، تحول كل شيء لمسه بوش في صناعة البترول إلى رماد، ومع ذلك فقد كان يخرج دائماً دون أن يمسه ضر وناسياً لكل شيء، حسبما تقوله ميتشل· فهي تقول إنه "يبدو أن جورج الإبن لم يعترف في يوم من الأيام بدور من فرشوا له الطريق بالسجاد في حياته"·

حصل جورج و· على وقت مستقطع من صناعة البترول- ولكنه ظل يكسب 10 آلاف دولار شهرياً باعتباره مستشاراً غير متفرغ لهاركن- كي يساعد والده في الفوز في انتخابات الرئاسة سنة 1988· وبعد الانتخابات نسب لنفسه الفضل في فصل رئيس موظفي البيت الأبيض العنيد جون سونونو· إلا أنه حسب ما روته ميتشل، فإن هذه هي الأخرى مبالغة في دوره· فالخبر السيئ الحقيقي نقله إليه نائبه أندرو كارد، بعد محادثة أجراها كارد مع الرئيس·

عاد جورج الإبن إلى تكساس لكي يتم تجنيده شريكاً في كونسورتيوم (اتحاد شركات) يرغب في شراء فريق تكساس رينجرز للبيسبول· وحسب رواية بوش، فقد جمع هو المستثمرين بغرض شراء الفريق· إلا أن مفوض البيسبول بيتر أوبرروت ذكر أن المستثمرين- بالإضافة إليه هو نفسه ومفوض الاتحاد الأمريكي بوبي براون- وليس بوش هم من عقدوا الصفقة· وسرعان ما أصبح بوش الواجهة العلنية للفريق، حيث يجلس على مقعد في الصف الأول بجانب حفرة الرينجرز ويقوم بعمل قائد التشجيع· وكان امتلاك الرينجرز نجاحاً مالياً كبيراً بعد موافقة مدينة أرلنجتون بولاية تكساس على بناء استاد جديد بميزانية عامة وتقديمه للفريق مجاناً· وتنقل ايفنز كلام أحد النقاد يصف فيه بوش في هذا المشروع بأنه "متلق للرعاية"· وعندما باع بوش نصيبه في آخر الأمر، دخل جيبه 15 مليون دولار مقابل استثمار أساسي يزيد على 600 ألف دولار بعد ثماني سنوات وحسب·

وكان المقصود بشراء الرينجرز زيادة رؤية الناس لبوش في تكساس لكي يمكنه الدخول في السياسة، مثل والده· ودخل بوش انتخابات الكونجرس عن دائرة لوبوك ميدلاند سنة 1978 ولكنه خسر أمام كنت هانس الديمقراطي·

يرتكز زعم بوش الواهي بأن لديه مؤهلات أن يصبح رئيساً على خدمته كحاكم لتكساس، وهي وظيفة ضعيفة من الناحية الدستورية- حيث يشاركه سلطاته نائب الحاكم ورئيس البرلمان- حتى أنه من الواضح انها ليست وظيفة لكل الوقت· وطبقاً لما ذكرته ميتشل، فقد أمضى بوش الكثير من فترات بعد الظهر يلعب السوليتير على جهاز الكمبيوتر الخاص به، وبناء على ذلك فقد أمضى في عمله كحاكم ولاية وقتاً يقل عما أمضاه منافسه على ترشيح الحزب الجمهوري جون ماكين في سجون فيتنام الشمالية·

وتقدم مولي ايفنز لقطة مقربة لتعاملات بوش المالية السرية وحاكميته، وترى أنه سياسي على قدر من المهارة والقبول، أكثر بكثير مما كان عليه والده في موطنه تكساس، وهي تتحدى مزاعمه الخاصة بعمل تخفيض كبير في الضرائب العقارية وتقول: "إن مناطق المدارس العامة المحلية رفعت مصروفاتها على الفور لتعويض الواردات المفقودة"·

وليس مستغرباً بالنظر إلى خلفية بوش أن نجد أنه كان حامياً للعمل التجاري الكبير، ومدعماً للقوانين التي تجعل من الصعب مقاضاة الشركات وضد صناعات ولايته الملوثة من قوانين البيئة، وتعتبره ايفنز مذنباً تجاه متلقي الرعاية وغير عابئ بحاجات الأطفال الصحية، وهي تلخص حادثة واحدة معقدة تتعلق بالرعاية الصحية حين تقول: "بلغة صريحة غير بيروقراطية، ولأنه ينافس على منصب الرئيس، حاول جورج بوش: أولاً، حرمان 200 ألف طفل من برنامج التأمين الصحي الفيدرالي المحلي منخفض التكلفة· وثانياً: حرمان الأطفال الفقراء من تلقي الرعاية الصحية المجانية التي يقتضي القانون الفيدرالي حصولهم عليها"·

وكان الأمر الأكثر جدلاً فيما يتعلق ببوش حاكماً هو رفضه وقف تنفيذ إعدام كالافاي تاكر التي قتلت شخصين ثم اهتدت إلى المسيحية وهي في انتظار تنفيذ حكم الإعدام· وحاولت حملة عالمية شملت التماسات من البابا والقس بات روبرتسون إنقاذها من أن تكون أول امرأة ينفذ فيها حكم الإعدام في تكساس في العصر الحديث· ويقول بوش في سيرته الذاتية، إنه كان مسموحاً له، طبقاً لقانون تكساس، أن يمنحها تأجيلاً واحداً لتنفيذ الحكم مدته 30 يوماً· وقد رفض مجلس العفو في تكساس، الذي كان بإمكانه الحيلولة دون إعدامها، القيام بذلك، ولم تخفف المحكمة الحكم الصادر ضدها· ويبدو بوش وكأن القرار أزعجه· وقد عارضته إحدى بناته في ذلك· ومع أنه يتبع الكنيسة الميثودية (النظامية) من الناحية الاسمية، فقد تجاهل باستمرار معارضة كنيسته للإعدام·

إلا أن أسوأ لحظات بوش السياسية كانت بعد إعدام تاكر، عندما سخر في مقابلة أجرتها معه مجلة "توك" من التماساتها الأخيرة للإبقاء على حياتها· فقد طلب تاكر كارلسون، وهو كاتب محافظ ليس لديه أي سبب واضح للإضرار ببوش، من الحاكم أن يصف ما قالته كارلا فاي تاكر في مقابلة "من طابور الإعدام" التي أجريت في البرنامج التلفزيوني لاري كنج المذاع على الهواء·

قال كارلسون: "ان بوش كان يقلدها وهي تبكي وقد ضم شفتيه في يأس مصطنع "أرجوكم لا تقتلوني"· لقد أصبت بصدمة "فالسخرية من توسلات سجينة محكوم عليها بالإعدام نفذ فيها الحكم تبدو أمراً غريباً وقاسياً، حتى بالنسبة لشخص معاد للجريمة بشدة مثل بوش"·

ما الذي يمكن قوله دفاعاً عن حاكميته لولاية تكساس؟ لقد نظم بوش حملة لتحسين قدرة الشباب على القراءة والكتابة وبذل جهوداً جادة من أجل "مد يده"، على الأقل من الناحية البلاغية، للناخبين السود ومن أصول لاتينية، ومع أن جنوبي تكساس الذي تقطنه أعداد كبيرة من ذوي الأصول اللاتينية، يُعد واحداً من مناطق أمريكا الموبوءة بشدة، فقد فاز بأغلبية أصوات ذوي الأصول اللاتينية في إعادة انتخابه المدهش التي حصل فيها على 69 بالمائة سنة 1998، بل وحصل على 27 بالمائة من أصوات السود· إن نوعية سياسته تصلح في تكساس·

ومن بين هذه الكتب الأربعة تعتبر سيرتا مينوتاليو وميتشل ممتازتين، خصوصاً عندما نضع في حساباتنا أن الشخص الذي تتناوله يصعب أن يقدم صفحة واحدة عن حياته دون أن يضيف إليها حشواً زائداً· وتُعد سيرة بوش الذاتية، التي كتبتها كارين هيوز مديرة الاتصالات لديه، عملاً كُتب على عجل ودون اهتمام كبير، وهو زاخر بكلام ممل عن الحب والأسرة، في حين لا يعترف الكتاب أبداً بكل فاعلي الخير الذين سهلوا الأمور لبوش طوال حياته، وهي تتضمن مقتطفات كثيرة من خطبه ويتناثر فيها الثناء على أشخاص كثيرين عينهم في مناصب حكومية، ورغم ما تميز به ايفنز وميتشل ومينوتاليو من تمحيص مجرد، فإنهم كانوا أفضل من عرض سيرة بوش الذاتية في جعله يبدو مخلوقاً بشرياً·

وحسبما تشير إليه الأدلة، ليس هناك في هذه الكتب ما يؤهل بوش لأن يكون رئيساً، باستثناء قدرته على كسب الأصوات وجمع المال من المساهمين الأغنياء· إنه يتسم بالحيوية والود وهو بطبعه قائد للمشجعين· ومن المؤكد أنه ليس غبياً، ولكننا عندما نتأمل طاقته الهائلة كمنظم للحملات الانتخابية يبدو لنا كسولاً بصورة غير مبررة في الجوانب الأخرى· ومع أن والده كان مبعوثاً لدى الصين، وسفيراً لدى الأمم المتحدة، ونائباً للرئيس لمدة ثماني سنوات، ورئيساً لمدة أربع سنوات، فلا يبدو أن جورج الابن يولي اهتماماً كبيراً لجوهر مهمة والده· إنه يتعلم الآن كيف يتلو السطور التي يقدمها له فريق من مستشاري السياسة الخارجية، ورث الكثير منهم من إدارة والده التي ترى أن العودة إلى الحكم باتت قاب قوسين أو أدنى·

وبما أن بوش يفتقر إلى الخبرة السياسية القومية، فهو قد يكون تحت رحمة هؤلاء المستشارين· لقد حصل على جزء من ردوده عن طريق الحفظ والتلقين، إلا أنه في مقابلة تلفزيونية في 23 يناير الماضي وبينما كان يجيب على سيل من الأسئلة، بدا واثقاً تماماً من نفسه- وعلى قدر كبير من الاهتمام- في قضية واحدة فقط: هي الدفاع عن تخفيض ضرائب تكاليف التنقيب غير الملموسة من أجل المستثمرين في صناعة البترول·

وفيما يتعلق بقضايا أخرى، يبدو بوش أقل ثباتاً· وأثناء حملته الانتخابية في ولاية أيوا في شهر يناير الماضي قدم مقترحات لبت الكثير من مطالب الجمهوريين المحافظين دون أن يبدو أنه أيقن أنها قد تكون متناقضة· فقد هدد على سبيل المثال بـ "إزالة" أية أسلحة دمار شامل ينشرها العراق، وهو ما يرضي صقور الجمهوريين· ومع ذلك فإنه إذا كان على استعداد لاتخاذ ردود أفعال حيال تلك التهديدات بتوجيه الضربات المناسبة، فلماذا يدافع في الوقت ذاته عن الدفاع الصاروخي الخاص بحرب النجوم؟ إن توجيه الضربة المناسبة على راجمات الصواريخ قد يكون أقل تكلفة وأكثر أمناً من الدفاع الصاروخي الخاص بحرب النجوم والذي يتكلف مليارات الكثيرين من الدولارات، ومازال من الواجب إخضاعه للتجربة العملياتية· ومع ذلك فإن محافظين كثيرين يؤيدون إقامة درع مضاد للصواريخ، كان رونالد ريجان أول من نادى به بحماس يكاد يكون دينياً·

وحرص بوش كذلك عندما كان في أيوا على الظهور في المراكز الدينية التي تقدم خدمات للمجتمع· وكان الغرض من ذلك مزدوجاً: فهو أولاً يبرز تدينه في ولاية يعرف 42 في المائة من ناخبي مؤتمر الحزب الجمهوري أنفسهم على أنهم مسيحيون ولدوا من جديد، والأمر الثاني هو الترويج لجدول أعمال محافظ مناوئ للحكومة عن طريق توجيه الأموال الفيدرالية لموفري الخدمات "ذوي الأساس الديني" بدلاً من استخدام الحكومة نفسها لتقديم المساعدات·

واستخدام موفري الخدمات ذوي الأساس الديني أصبح عقيدة راسخة تحظى بالقول في الحزب الجمهوري، وقد اعتنقها بوش، رغم انها تتعارض مع تحذيراته في كلمة ألقاها في معهد مانهاتن العام الماضي قال فيها إنه ينبغي ألا يبدو الجمهوريون ضد الحكومة بصورة تلقائية· وبينما تعمل كثير من هذه المنظمات بفاعلية، فهي تتميز بأنها مقصورة على أعضائها، وهو ما قد يعود إلى أن أناساً كثيرين من أصحاب الحاجة ليسوا على استعداد للجوء إلى الكنيسة أو المعبد للحصول على المساعدات· يضاف إلى ذلك أن هذه المنظمات الدينية التي تمولها الحكومة تبدو إلى حد ما أقل خضوعاً لمحاسبة المراجعة الخارجية· كما أنه ينتشر فيها الفساد، كما توضح فضيحة كوبونات المساعدات في نيويورك·

ومن الواضح أن بوش لا يفتقر إلى الثقة في نفسه· فعندما تطلع إلى ميدان التنافس الجمهوري المحتمل لسنة 2000، رأى نائب الرئىس السابق دان كويل، وحاكم تنيسي السابق لامار الكسندر، واليزابيث دول، وستيف فوريس واستنتج استنتاجاً صحيحاً مؤداه أنه يمكنه أن يبز أياً من هؤلاء· (الواقع أن جون ماكين لم يكن اسمه معروفاً على المستوى القومي حتى وقت قريب)· وهو يجيد ترك انطباع ودي على الحشد الذي يتبعه في حملته الانتخابية، مع أنه ليس بالخطيب الجيد إلى حد كبير· وقد كان بالقرب من والده في البيت الأبيض ما يكفي من الوقت بحيث لا ترهبه جلالة الرئاسة أو نوعية الأشخاص الذين التقى بهم· لقد حفر بئره، ولأول مرة يتدفق البترول·

ولكن أبرز نقطة ضعف لدى بوش هي أنه في الوقت الذي سعى فيه للوصول إلى البيت الأبيض، فإنك كلما أطلت النظر إليه قل ما تراه فيه· إن كل إنجاز حققه، بخلاف إعادة انتخابه سنة 1998 حاكماً لولاية تكساس، يتبخر عند تمحيصه· حتى تلك المنجزات الصغيرة مثل فصله المزعوم لسونونو أو ما يتباهى به من تخفيض للضرائب في تكساس· قد لا يهم هذا· ولكنه ربما يفهم العالم الحقيقي- ذلك العالم الذي يبدو أن أهم سؤال فيه هو: "من هم أهلك؟"- وفي حياته قدم له الآخرون الكثير جداً· فلماذا لا يحدث ذلك أيضاً في الرئاسة؟ "

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الكتب وجهات نظر

** كاتب في صحيفة الديلي نيوز الأمريكية·

طباعة  

كتابٌ ولقَـاءٌ ومُلاحظة - (3 - 3)