رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 29 جمادي الاخر - 6 رجب 1421هـ الموافق 27 سبتمبر - 3 اكتوبر 2000
العدد 1446

كتابٌ ولقَـاءٌ ومُلاحظة - (3 - 3)

·         عندما وصلت في القراءة إلى الفقرة الخاصة بقراره أن يتنحى (عن أي منصب رسمي وعن أي دور سياسي) توقفت ونظرت إليه· كنت أريد فرصة للتوقف لأنني أحسست أن نبرات صوتي، وقد حاولت أن أضعها كلها في خدمة ما أقرأ، على وشك أن تتحشرج تأثراً

·         سألني ماذا أنوي أن أفعل؟· قلت: "أنا الذي يجب أن أسألك ما الذي تنوي عمله"· قال: "خطر لي أنه لمرحلة سوف أستأذن من يجيء بعدي أن يسمح لي باستعمال بيت المعمورة، هو بعيد ومنعزل هناك على شاطئ البحر· حتى تتضح الأمور"

·         وفيما بعد عرف عبدالناصر الحقيقة، وحزت في نفسه· ثم عرف كذلك وبعد فوات الوقت أن شيئا مشابها (ربما أصعب)، وقع على الجبهة الأردنية، ذلك أن الملك حسين قرر فور بدء الحرب تطبيق خطة الطوارىء التي وضعها الجنرال باجوت جلوب قائد الجيش الأردني السابق وتقضي هذه الخطة بالانسحاب العام من الضفة الغربية حال وقوع هجوم اسرائيلي عليها

·         قال جمال عبدالناصر "تحتاج الأمة إلى من يضمد جراحها حتى تتمالك نفسها بعد صدمة ما جرى· لا يفهمون (مشيرا إلى ما جرى في مكتب سامي شرف) - أولا إنني لابد من أن أتحمل مسؤوليتي، وبعدها فإن وجودي عبء على الأمة حتى في محاولة تضميد الجراح"

 

محمد حسنين هيكل **

هذا الحديث ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، يستطيع أي قارئ لها -إذا شاء- أن يربط بينها في فكره، ولعله- إذا فعل- أن يطيل النظر في المشاهد والمواقف والدلالات، وربما يتبين له أن هذه الأجزاء الثلاثة لهذا الحديث ليست بعيدة عن بعضها كما توحي مساحة الزمن، ومسافة المكان، واختلاف الناس والظروف·

الجزء الأول من هذا الحديث قراءة في كتاب لمعلم أمريكي كبير هو الدكتور "جون لوكاس" أستاذ التاريخ في جامعة فيلادلفيا، وهو مؤلف لأكثر من عشرين كتاباً أهمها "نهاية القرن العشرين"، و"نهاية العصور الحديثة"- وهذا الكتاب الجديد  يحمل عنوان "خمسة أيام في لندن- مايو 1940" (وقد صدر في نيويورك ضمن مطبوعات جامعة "بيل" العريقة في شهر نوفمبر الماضي - وبعد أن فُتحت ملفات من الحرب العالمية الثانية "شديدة الحساسية" ظلت مغلقة لمدة خمسين عاماً، خلافاً للقواعد العادية "ثلاثين عاماً")·

والغريب أن هذا الكتاب ألح عليّ وكأنه يقصد لفت انتباهي إلى قراءة واجبة، فقد وصل إليّ أكثر من مرة عارضاً نفسه: أهداني أحد الأحباب نسخة منه فور صدوره أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية (قبل سبعة أشهر) لعملية جراحية كانت ضرورية· وكان ظن صاحب الهدية -كريماً- أنني قد أقضي معه ساعات أقطع بها الملل أثناء فترة النقاهة، خصوصاً وهو يعرف اهتمامي بالحرب العالمية الثانية، وكانت لي ولجيلي جامعة كبرى تعلم فيها كثيرون من رجال السياسة والفكر والصحافة درسهم الأهم في علم الصراع· وطالعت من الكتاب صفحات، ثم أخذني ما يأخذ المرضى بعد الجراحة عادة وبطبائع الأحوال- وفاتتني فرصة قراءة الكتاب كما يستحق وحتى نهايته- لكن الكتاب لم يعتب ولم يهجر· ففي شهر أبريل الأخير (2000) وجدت نسخة ثانية منه واصلة إليّ ومعها رسالة من "إدوارد هودشكين" الذي كان رئيساً للقسم الدولي في جريدة "التايمز البريطانية" على عهد رئيس تحريرها العتيد السير "ويليام هيلي"، وفي رسالته كان "تيد" (إدوارد) يشير إلى أن هذا الكتاب ربما يعنيني بوجه خاص لأنه سمعني أتحدث أكثر من مرة إلى هيئة تحرير "التايمز" عن أيام سنة 1967 في مصر- وكان "تيد" في إحدى عبارات رسالته يقول لي: "إنك قد تجد في أيام مايو 1940 في لندن، كما يرويها جون لوكاس بأسلوبه المتميز الدقيق، ما يحمل إليك أصداء لوقائع يونيو 1967 في القاهرة كما سمعت عنها منك، ومع أن التاريخ لا يكرر نفسه فإن الأحداث أحياناً تتشابه بإملاء عناصر ثابتة تحكم سياسات كل الأمم والشعوب"·

وهكذا قرأت الكتاب الذي عرض نفسه عليّ مرتين، ثم وجدت نفسي مع شعور مؤداه "أن حكمة المقادير أعقل من أن تكون لعبة مصادفات"·

الجزء الثاني من هذا الحديث مذكرات كتبتها في حينه عن مقابلة تواصلت على مدى عشر ساعات مع جمال عبدالناصر: من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الخامسة والربع من بعد ظهر يوم الجمعة 9 يونيو سنة 1967· وكانت تلك هي المقابلة التي حملت فيها إليه مشروع خطاب التنحي الذي قدمه للأمة بعد الأحداث المروَّعة التي غطت وجه منطقة الشرق الأوسط كلها بالنار والدم من 5 يونيو سنة 1967- ولأيام عصيبة تالية!

وكانت تلك مقابلة من نوع فريد، في لحظة من التاريخ فاصلة· وفي جو من المشاعر الجياشة والمتعارضة يصعب أن يتكرر·

وكان جمال عبدالناصر قد اتصل بي في مكتبي بالأهرام في الساعة السادسة وعشر دقائق من مساء يوم الخميس 8 يونيو ينهي إليّ- من مقر القيادة العليا للقوات المسلحة- ما آلت إليه الأمور على جبهة القتال في سيناء حتى الدقائق الأخيرة، وكان تقديره أن الموقف "بالغ السوء" وانه "قرر قبول وقف إطلاق النار وطلب إلى وزير الخارجية (محمود رياض) إبلاغ سفير مصر الدائم لدى الأمم المتحدة (محمد القوني) أن يخطر مجلس الأمن بذلك"- وقال لي جمال عبدالناصر: "إنه يتحمل أمام الناس كامل المسؤولية"· وكان سؤاله بعد ذلك فيما يجب أن تكون عليه الخطوة التالية؟- وأبدى كل منا تصوره للضروري والمطلوب، ولم يظهر بيننا خلاف على أنه "وبعد كل ما جرى فليس أمامه- بعد أن يتحمل مسؤوليته أمام الناس- غير أن "يذهب"، وكان تعبيره هو عن ذلك بلفظ "أمشي"، وأضاف إليه "حتى يستطيع البلد أن يُدبر أمره- بعد الصدمة- مع قيادة أخرى"، ثم سألني جمال عبدالناصر "إذا كان بمقدوره أن يعتمد عليّ في إعداد خطاب إلى الأمة يقدمه إليها مساء غد لأنه متعب ومثقل، خصوصاً وأن أمامه إجراءات أخيرة "يقوم بها قبل سريان وقف إطلاق النار"، ثم إن هناك ترتيبات معينة "يرى أن يتفق عليها مع عبدالحكيم (المشير عبدالحكيم عامر)- وكي لا تفلت الأمور وتزداد الأوضاع سوءاً"·"·

وفي الساعة التاسعة إلا ربعاً (أي بعد قرابة ساعتين ونصف الساعة) عاد جمال عبدالناصر فاتصل بي يسألني إذا كنت فكرت فيما توافقنا عليه في المكالمة السابقة؟- وقلت ان لدي بعض التصورات أديرها في رأسي، لكني أحتاج منه إلى رد على سؤال يفرض نفسه، وهو "إلى من سوف يعهد بالسلطة "عندما يمشي"؟"- وكان رده نوعاً من صاعقة لأنه ذكر اسم السيد "شمس بدران" وزير الحربية في ذلك الوقت، وبالتأكيد فإن تكراري لاسم "شمس بدران" مرة أخرى بعده لم يحمل إليه نبرة بالاستغراب فقط، بل إنه حمل إليه (كما قال لي فيما بعد) صوتاً بالاحتجاج- وكان تعليقه وهو يتحدث همساً بصوت يكاد يغوص في بحر من الأحزان: "سوف أقول لك السبب حين أراك غداً"، وسألني: "هل تستطيع أن تجيء إليّ أول شيء في الصباح الباكر- فور أن تصحو من النوم؟"!- وأحس دون أن يرى- بظل ابتسامة كسيفة عبرت على شفتي، فاستدرك قائلاً: "أعرف أنك مثلي لن تنام الليلة"·

وبالفعل فلقد قضيت الليل كله في مكتبي بالأهرام في حماية تلك الصديقة الوفية والصلبة "نوال المحلاوي" كانت مسؤولة عن المكتب، مقيمة فيه قبل دخولي إليه وبعد خروجي منه·

وعند الفجر جاءتني "نوال" بفنجان قهوة ومعه قطعة من خبز "الكرواسان"- وشربت القهوة ولم أجد في استطاعتي مضغ شيء· وعندما جاءت الساعة السادسة والنصف من الصباح ركبت سيارتي متوجهاً إلى منشية البكري، وكانت الشوارع خالية، والصباح ندياً لم تغلبه بعد حرارة الصيف، وبدت المدينة ساكنة لا تشعر أن زلزالاً عاتياً على وشك أن يدهم حياتها في ظرف ساعات قليلة·

وخطوت من عتبة بيت جمال عبدالناصر إلى الردهة الداخلية متجهاً إلى اليسار حيث كانت غرفة المكتب، وكان جمال عبدالناصر واقفاً وراء مكتبه مرتدياً بنطلوناً رمادياً ينزل عليه من خارجه قميص أبيض، وممسكاً بسماعة تليفون يصغي إلى حديث يصله منها، وأشار إلى مقعد أمام المكتب، ولم أجلس·

ثم كان انني قضيت ذلك اليوم بطوله من صبحه إلى مساه مع جمال عبدالناصر، ولم يكن هناك غيرنا (وهذه حقيقة شهد بها الجميع لم يختلف منهم أحد)· وخرجت من المكتب مرة وعدت إليه، وكان داعي الخروج أن أسلم مشروع الخطاب للسيد "سامي شرف" سكرتير الرئىس للمعلومات ليتولى ترتيب إعداده مطبوعاً على الآلة الكاتبة·

وكان النهار طويلاً وثقيلاً وحزيناً··· وخطراً·

وفي آخره فقد كنت أريد أن أعود إلى بيتي بأسرع ما يمكن، وبين أسبابي أن أسجل وقائع ما جرى في ذلك اليوم الطويل والثقيل والحزين والخطر بينما الكلمات والحروف- والتعبيرات والإشارات- حية في الذاكرة ومتوهجة، لكني لم أستطع بسبب زحام الحوادث فيما بقي من مساء وليل وصباح يوم تالٍ· ومساء يوم السبت 9 يونيو (الساعة الحادية عشرة والنصف) كنت أشعر وكأني أكاد أسقط من الإعياء، لكني كنت واثقاً أن النوم سوف يظل مطلباً عزيز المنال إذا لم أسجل وقائع ما جرى خلال الساعات الأربع والعشرين التي مضت، وخصوصاً تلك الساعات العشر أو أكثر في مكتب جمال عبدالناصر، وهو وأنا وحيدان في المكتب ليس معنا إلا الله- شاهداً·

ولمدة تقارب الساعتين راحت تجربة الأربع والعشرين ساعة الأخيرة تذوب حبراً على ورق· وكتبت وكتبت، والسيل منهمر، والسياق متصل، والإضافات لاحقة، والاستدراكات لاهثة تحشر نفسها بين المقاطع، والوقائع الشاردة من شدة السرعة ترجع إلى حيث تجد على الصفحات بياضاً تحتله ولو على الهوامش·

وحين فرغت من الكتابة أحسست أن واحداً من همومي انزاح عن صدري- وظننت أنني الآن على استعداد لمطاوعة سلطان النوم وإغماض عيني ولو لساعة واحدة قبل أن يطلع الفجر من جديد- وهكذا كان·

وبقيت المذكرات التي كتبتها في ذلك المساء حتى عدت لمراجعتها بينما كنت أستعد لنشر الجزء الثالث من مجموعة "حرب الثلاثين سنة" وعنوانه: "1967- الانفجار" (وكنت أريده وثائقياً بالدرجة الأولى)- وهكذا اقتصرت فيه على إشارات إلى رؤوس موضوعات مما جرى في تلك الساعات العشر وأكثر في مكتب جمال عبدالناصر (في بيته) ذلك اليوم الطويل، الثقيل، الحزين، والخطر·

وبشكل ما فإن قراءة كتاب "جون لوكاس": "خمسة أيام في لندن- مايو 1940"- أعادتني مرة أخرى إلى مذكرات كتبتها عن عشر ساعات (مع جمال عبدالناصر) في القاهرة- يونيو سنة 1967·

(وكنت قد رجحت الاحتفاط بها حتى يحين أوان نشر المجموعة الكاملة لأوراقي)·

وأخيراً فإن الجزء الثالث من هذا الحديث هو خواطر ومشاعر وَرَدَت على بالي مع متابعة بعض الصحف المصرية والعربية خلال شهر يونيو الأخير- يونيو سنة 2000- ولعل متابعة هذه الصحف في هذه الفترة هي التي أغرتني بهذا الحديث، بأجزائه الثلاثة!

تلك مقدمة كانت ضرورية لشرح مسار هذا الحديث، وأظنها تعبر عن خواطري ومشاعري، ولعلها توحي بخط متصل بين الأجزاء الثلاثة- واضح أحياناً، خافت أحياناً- متقارب في بعض المواقع، متباعد في غيرها- راسماً على طول الطريق صلة من نوع ما، على نحو ما، تأخذه من أوله إلى آخره "

(ظهر فيما بعد أن التدخل الأمريكي في الحرب سنة 1967 كان أكبر وأخطر بكثير مما بدا لجمال عبدالناصر ذلك اليوم (9 يونيو 1967)· وتكشف الوثائق أن الرئيس الأمريكي "ليندون جونسون" بنفسه هو الذي أعطى الضوء الأخضر ــــ أو الضوء الأصفر ــــ كما يقول واحد من كبار مستشاريه في مجلس الأمن القومي وهو الدكتور "ويليام كوانت"·

ونعرف الآن أن التدخل الأمريكي جرى تحت إشراف "جيمس إنجلتون" رئيس العمليات في وكالة المخابرات المركزية في ذلك الوقت، وبالتنسيق مع "إيسريل هاريل" مدير الـ "موساد" الإسرائيلي·

وقد اشتملت المساعدات الأمريكية (بقرار من الرئيس الأمريكي) على شحنات من معدات الحرب الإلكترونية أدت إلى عمى راداري مصري، كما أنه كشفت لإسرائيل كل رسائل القيادة العسكرية والسياسية العربية ـ كذلك جرى على عَجَل إرسال معدات طائرات وطيارين ـ وتنسيق وتحركات للأسطول الأمريكي، ودفع حاملات طائرات إلى قرب الشواطئ الإسرائيلية لتكون قوة احتياط لحماية الأجواء الإسرائيلية في غيبة الطيران الإسرائيلي عندما يوجه جهده بالكامل إلى المطارات والقواعد العسكرية في مصر·

تضاف إلى المساعدات أيضاً معدات نووية ـ خصوصاً أجهزة تفجير ـ تضمن لإسرائيل طمأنينة أن تعرف أن هناك قنبلة نووية واحدة ـ على الأقل ـ "جاهزة في البدروم" ـ على حد التعبير الذي استعمله الجنرال "موشى ديان" في محضر رسمي لمجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر)·

جمال عبدالناصر يواصل حديثه عن الولايات المتحدة ودورها الخطر في الحرب، ودورها المهم بعدها:

"معي لا فائدة· مع غيري ربما·

موقف السوفييت سوف يكون حساساً رغم أنهم أول من يتفهم ضرورة مواصلة مساعينا السياسية مع الأمريكان· وقد نصحونا بذلك وحاولنا· حاولت، لكن سوء الظن بيني وبينهم عميق· لا أثق فيهم ولن أفعل ذلك الآن، ولن يثقوا فيّ ولن يفعلوا ذلك على آخر الزمن!"·

استطرد:

"هناك مستقبل العمل العربي· ما يمكن أن يقوم به غيرنا إذا قصرنا نحن· لو استعملنا كلمة "هزيمة" فسوف تكون تلك صدمة في غير محلها للأمة كلها ومصادرة على مستقبلها· الأمة يمكن أن تقاوم· ربما تنتبه سوريا والعراق ـ البعث في البلدين حزب واحد، وكلاهما لديه قوة ويستطيعان إقامة جبهة في الشرق تعمل في ظروف أفضل بالتنسيق مع مصر أو بدونها ـ هذا يتوقف على مَن يجيء بعدي·

(كان جمال عبدالناصر قد بعث في الصباح برسالة إلى الرئيس "الأتاسى" يرجوه فيها أن تقبل سوريا وقف إطلاق النار حفاظاً على الجيش السوري· (كان جمال عبدالناصر يتصور أن الجيش السوري مشتبك في معارك واسعة ولم تكن لديه معلومات مباشرة، ولعله تصور أن انهماك القيادة السورية في إدارة المعارك شغلها عن الاتصال بالقاهرة وإبلاغها بسير القتال على جبهتها ـ وهكذا فإن جمال عبدالناصر عندما قبل بقرار وقف إطلاق النار كان حريصاً على ألا يترك الجيش السوري وحده ـ هكذا تبدى له)·

ومن المفارقات التي تكشفها الوثائق الإسرائيلية أنه حتى فجر يوم الجمعة 9 يونيو لم يكن قد جرى على الجبهة السورية قتال حقيقي لأن إسرائيل لم يكن في تخطيطها حتى هذه الساعة احتلال الجولان (تجنباً للحرب على جبهتين ـ وربما كانت هناك أسباب أخرى)· وحين وقعت رسالة جمال عبدالناصر إلى "الأتاسي" في يد المخابرات الإسرائيلية وتم فك رموزها عرف الجنرال "موشى ديان" أن وقف إطلاق النار قريب، وكتب على هامش الرسالة بخطه عبارة ملخصها: "أشكول (يوجه الكلام إلى رئيس الوزراء)·· هذا يعطينا فرصة مأمونة، ولم أكن أتوقع أن القيادات العربية سوف تتهاوى من الصدمة إلى هذا الحد"·

وبدون أن يخطر رئيس أركان الحرب "إسحاق رابين" ـ الذي ذهب تلك الليلة لينام في بيته مطمئناً إلى أن المعركة انتهت ـ أصدر "ديان" أمراً إلى الجنرال "دافيد إليعازر" قائد الجبهة الشمالية بتنفيذ خطة طوارئ لاحتلال هضبة الجولان· وتم ذلك في ثلاث ساعات من صباح 9 يونيو· وكان أن وجه الاتحاد السوفيتي إنذاراً قوياً إلى إسرائيل، وكان الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت معنياً إلى أقصى حد بالجناح اليساري لحزب البعث السوري، يراه قوة ثورية صلبة في عقائدها، وموالية لموسكو على عكس جناح آخر في البعث السوري كان يقوده اللواء "حافظ الأسد" وهو وقتها وزير الدفاع·

وفيا بعد عرف جمال عبدالناصر الحقيقة، وحزت في نفسه·

ثم عرف كذلك وبعد فوات الوقت أن شيئاً مشابهاً (ربما أصعب) وقع على الجبهة الأردنية، ذلك أن الملك حسين قرر فور بدء الحرب تطبيق خطة الطوارئ التي وضعها الجنرال "باجوت جلوب" قائد الجيش الأردني السابق ـ وتقضي هذا الخطة بالانسحاب العام من الضفة الغربية حال وقوع هجوم إسرائيلي عليها، ومنطق الخطة أن الجيش الأردني لا ينبغي تعريضه لقوة متفوقه عليه بشدة· والقرار في حالة تقدم إسرائيل يجب أن يكون: الانسحاب، ثم استعادة الأرض فيما بعد بالسياسة الدولية ــ وكانت تلك بالضبط رواية الملك "حسين" للصحافي الأمريكي الشهير "كينيث لاف"، وقد نشرها في كتابه "حرب السويس مكررة 1956 و1967"· والمذهل أن الملك "حسين" الذي جاء إلى القاهرة يوم 30 مايو 1967، ووقع ميثاق عمل عسكري مع مصر، عاد إلى عمان، وبعد 4 ساعات بالضبط كان يحضر اجتماعا مع وزراء وجنرالات إسرائيليين، وقد حكى الملك ذلك بنفسه للدكتور "شلايم" في مقابلة مسجلة أورد "شلايم" نصها كاملاً في كتابه!!)·

واصل جمال عبدالناصر كلامه:

"السوفييت سوف يساعدون جبهة الشرق أكثر منا· هم حزب عقائدي وقد يفهمون إخواننا البعثيين أكثر مما فهمونا، وفي كل الأحوال فإن الروس سوف يرون أن ضياع العالم العربي وسقوطه في يد أمريكا عن طريق إسرائيل خطر· الروس في العالم العربي وحده تمكنوا من إثبات أنفسهم كقوة عظمى· امتلاكهم الأسلحة النووية درجة تالية، وهذه الأسلحة غير قابلة للاستعمال، لكن التواجد السياسي وما يضيفه من نفوذ هو الذي "عليه المعول"، هو ما يمكن الاعتماد عليه·

إذا قلنا "هزيمة" فإن الروس لن يعطوا مسماراً واحداً لأي طرف عربي· يكون عليهم في الغالب أن يبحثوا في صفقة قسمة مع أمركيا·

(في ذلك الموضع من حديث جمال عبدالناصر ذلك الصباح سجلت صفحة ونصف الصفحة عن تصوراته للعمل العسكري ـ لكني عندما سجلت ما قاله حسبته نوعاً من "أحلام اليقظة"، وبالفعل فإنني كتبت على هامش ما سجلته عنه عبارة "Wishful thinking أي "تفكير بالتمني"·

ذلك أن جمال عبدالناصر تحدث عن تشكيلات عائدة من سيناء إلى قرب القناة ـ جاهزة على الفور "لاستعادة صلاحيتها للقتال"·

سجلت كذلك ـ في حينه ـ ملاحظات أخرى أبداها جمال عبدالناصر:

ما الذي ستفعله إسرائيل بعد الوصول لقناة السويس؟ ـ سوف تصبح خطوطها كبيرة، وهي مضطرة لفك التعبئة سريعاً ـ وإذن كيف تتصرف؟ ــ أمامهم 3 احتمالات:

" أن يسحبوا القوات إلى المضايق، إلى خط الحدود ـ لن يفعلوا ذلك بالقطع لأنهم يريدون الضغط علينا نفسياً بوجودهم أمامنا على الشاطئ الآخر لقناة السويس·

" أن يتمركزوا على خطة المياه (مياه قناة السويس) ـ معنى هذا أنهم سوف يحسبون أنفسهم في مواقع ثابتة، وهم ليسوا مؤهلين لذلك ـ استعدادهم أكثر للقتال المتحرك!

الاحتمال الثالث مستبعد (أنت أشرت إليه قبل قليل) لا يقدرون على عبور قناة السويس إلى الغرب وإلا وقعوا في محظور حروب المدن!

بقاؤهم في مواقع ثابتة على خط الماء هو الاحتمال الأرجح، وهذا يمنحنا فرصة "لاستنزافهم"·

نحن نحتاج وقتاً بالدرجة الأولى لإعادة البناء ـ نحتاج فيه لعمل عسكري، ونحتاج أيضا لتغطية سياسية·

جنوب سيناء الجبلي يمنحنا فرصة لحرب إغارات على خطوط مواصلاتهم·

لكننا نحتاج أولاً إلى من "يلم" الجيش)·

سكت جمال عبدالناصر لحظة ثم قال: "لا أحد يستطيع أن يتنبأ من الآن كيف تسير الأمور· إذا أمكن تحقيق شيء له قيمة بالقتال، فإن السعودية قد تستعمل صلاتها مع الأمريكان للوصول إلى حلول قد يراها البعض مقبولة أو جائزة· أعرف أن "فيصل" (ملك السعودية) يكرهني، وقد حرض الأمريكا·· عليّ· هو "حُرّ"· وجد أن كل ما ننادي به مضاد لمصالح أسرته· لا يهم الان· عندما ابتعد عن الصورة سوف يرى "فيصل" أنه مطالب باستعمال نفوذه لدى الأمريكان لبلوغ حل تقبله الأمة·

طالما أنا باقٍ في الصورة فإن "فيصل" سوف يظل "قلقان" ـ سوف يعفي نفسه من أي مجهود· ابتعادي يتيح لغيري أن يتوصل معه إلى شيء، ويدعوه أمام الناس إلى حركة·

إذا قلنا "هزيمة" فإن فيصل" سوف يكون في موقف صعب· ربما يجد الأفضل أن ينجو بنفسه وأسرته من المسؤولية· لا يصح التقليل من أهمية العامل السعودي في الضغط على الأمريكان· على الأقل لا يصح أن نقفل الباب· والباب فعلاً ليس مقفولاً·

طلب أن أكمل قراءة الخطاب· لم يعترض على شيء فيه· أظنه في بعض الفقرات شرد مني إلى أفكار ربما استدعتها المناقشة حول تعبير "النكسة" وحول اسم "شمس بدران"، حتى وصلنا إلى جملة يقول نصها "إنني على استعداد لتحمل نصيبي من المسؤولية"· استوقفني· لم يعجبه تعبير "نصيبي"، ورأيه أنه يتحمل "المسؤولية ــــ كل مسؤولية ــــ في إدارة أي صراع مسؤولية سياسية· لم نختلف·

عندما وصلت في القراءة إلى الفقرة الخاصة بقراره أن يتنحى (عن أي منصب رسمي وعن أي دور سياسي) توقفت ونظرت إليه· كنت أريد فرصة للتوقف لأنني أحسست أن نبرات صوتي، وقد حاولت أن أضعها كلها في خدمة ما أقرأ، على وشك أن تتحشرج تأثراً·

كان اعتقادي من أول لحظة أن ذلك لا يصح أن يحدث· الرجل يحتاج الآن إلى أصدقاء يشجعونه على قراره الصعب، وأن يضعف أصدقاؤه أمامه فقد يؤثر ذلك عليه· تذكرت أنه لسوء الحظ ليس هناك معنا الآن أصدقاء كثيرون يستطيعون المساعدة على التماسك· هناك هو وأنا وليس معنا غير الله·

من حسن الحظ أنه كان قد انتقل إلى نقطة أخرى مترتبة على تحمله وحده للمسؤولية· قال إنه سوف يرضى بأي شيء ولن يلتمس لنفسه عُذراً، ولن يقدم دفاعاً وسوف يقبل كل شيء -قابلاً ممتثلاً حتى للمحاكمة والشنق في ميدان العتبة (لم أعرف لماذا ميدان العتبة بالذات)!

انتقل جمال عبدالناصر من هنا إلى الرجل الذي سوف يخلفه· لك حق أن مسؤولية المستقبل تقتضي رجلاً آخر غير "شمس"· "زكريا" اختيار معقول· وعندما كنت أنت تواصل القراءة كنت أفكر· وجدته على رأيك أنسب حل· هو عضو مؤسس في مجلس قيادة الثورة· وهو أقدم الأعضاء الباقين إلى الآن· وطني· عقله منظم· يستطيع أن "يلم" الناس· يستطيع أن يحوز ثقة الجيش· سمعته طيبة بين القوات·

اقترح جمال عبدالناصر أن أذهب بنص المشروع -عبر الشارع- إلى سكرتارية المعلومات، قال لي "اعط النص (لسامي شرف) حتى يكتبوه على "الماكينة"، وقل له أن يستعملوا بنطاً أكبر من العادة هذه المرة لأني متعب، كل شيء فيّ متعب بما في ذلك عيناي"·

طلب أن أترك المساحة التي تركتها لاسم من يخلفه بياضاً حتى يفكر أكثر في الأمر·

قضيت في مكتب "سامي" نصف ساعة ريثما قرأ النص بدوره، وقد انفعل بشدة وصرخ قائلاً "لا يمكن"· قلت له إن ذلك ليس وقته، وإن هذا هو الممكن الوحيد وأي شيء غيره لا يليق بالبلد ولا يليق بالرجل"·

نادى "سامي" على "عبدالرحمن" (الأستاذ عبدالرحمن سالم من موظفي الرئاسة مختص بالآلة الكاتبة وكان خبيراً في فك رموز خطي)، وانتظرت أن يقرأ عبدالرحمن نص الخطاب حتى أتأكد أنه "تعرّف" على كل كلمة· فوجئت بـ "سامي" (شرف) يهجم على "عبدالرحمن" (سالم) وينهال ضرباً عليه عندما تهيأ للجلوس أمام آلة كاتبة جيء بها من مكتبه إلى مكتب "سامي" زيادة في السرية· "سامي" يضرب "عبدالرحمن" المسكين ويقول له مهتاجاً" "يا··· (عبارة سباب) كيف تستطيع أن تكتب مثل هذا الكلام؟"- ثم عاد "سامي" يصرخ قائلاً: "حرام والله حرام"· في هذه اللحظة دق جرس التليفون الداخلي بين مكتب الرئىس وبين سكرتارية المعلومات، رفعت السماعة بنفسي· كان جمال عبدالناصر يستعجل عودتي إلى مكتبه· سمع ضجيج ما يجري حولي· قال لي "قل لسامي لا أريد الآن فلتان أعصاب"· نقلت الرسالة إلى "سامي" وتحركت نحو الباب أخرج عائداً عبر الشارع إلى مكتب الرئىس· فوجئت بـ "عبدالرحمن" يجهش بالبكاء قائلاً إن "أصابع يده لن تطاوعه أن يدق ما كتبت على الآلة الكاتبة"· لم أكن على استعداد لما هو أكثر· استدرت إلى "سامي" وقلت له: "سامي·· الرجل في محنة وليس أمامه حل آخر·· إما نسهل عليه القرار ونساعده على اجتياز المحنة، وإما أن نضغط عليه حتى ينهار، وذلك شيء لا يليق بتاريخه ولا بالمكانة التي رفعته إليها الأمة"·

عدت إلى جمال عبدالناصر· كان ما حدث في مكتب "سامي" مازال يضايقه· رأيه أن البلد والأمة يستحقان فرصة جديدة· الأمم بمواردها الإنسانية قبل مواردها الأخرى من أي نوع· وأن معرفته باتساع الموارد الإنسانية للأمة هو الذي يشجعه على قراره ويطمئنه على "بُكره" (الغد)·

قال جمال عبدالناصر: "تحتاج الأمة إلى من يضمد جراحها حتى تتمالك نفسها بعد صدمة ما جرى· لا يفهمون (مشيراً إلى ما جرى في مكتب سامي شرف)- أولاً إنني لا بد من أن أتحمل مسؤوليتي، وبعدها فإن وجودي عبء على الأمة حتى في محاولة تضميد الجراح· حقيقة لا أستطيع أن أتعامل مثلاً مع الأمريكان، وهناك ضرورة لاستمرار التعامل معهم· قلبي مليء بالمرارة منهم، وهذا شعور خطر في السياسة· لا نستطيع في السياسة أن "نحب ونكره"· المبادئ والمصالح وحدها يجب أن تحكم وليس الحب والكراهية"·

واستطرد جمال عبدالناصر، "جونسون يكرهني وقد استطاع اصطيادي، وهذا "شغله"· لا بأس· يستطيع أن يصيدني، لكن يظل وقوعي في الفخ مسؤوليتي- أما الأمة فتستطيع أن تجد مخرجاً من الفخ· وزكريا يقدر· جونسون لا يدرك أنه داخل بأمريكا في عداء مع العرب لا يعرف له نهاية· ومع ذلك، ذلك "شغله""·

كنت أنظر إليه والقرار بأن يخلفه "زكريا محيي الدين" يصدر عنه في زحام الكلام- وكانت نظرتي إليه بما معناه سؤالي عما إذا كانت تلك كلمته النهائية· قال: "نعم"· وأضاف: "وازداد اقتناعاً مع كل دقيقة"·

لم أر جمال عبدالناصر يدخن بكل هذا الإصرار على سحب أكبر كمية من الدخان إلى صدره· على أنني لاحظت أن السيجارة في يده ثابتة· وقد تراجعت نظرة حزن ملأت عينيه عندما دخلت· في عينيه الآن نظرة حزم· خطر لي أنه في حاجة الآن إلى كل أعصابه·

سألني: "متى نقول لعبدالحكيم (عامر)؟ أقدر أنه سوف يجن جنونه عندما يسمع أنني اخترت "زكريا محيي الدين"· سوف يظن أنني خدعته· وأنت تعرف أنني لم أخدعه"·

كان رأيي أن يترك عبدالحكيم ليسمع قراره مع إذاعة الخطاب· أي إخطار له قبل هذا الوقت قد يدفعه إلى عمل طائش·

قال بصوت بدا قاطعاً: "لا يستطيع أن يفعل شيئاً· الأمور تجاوزته· تجاوزتنا جميعاً"·

عاد جمال عبدالناصر يسألني:

"لا بد أن أقول لزكريا مبكراً حتى يستعد· أعرف أنه سوف يستهول ما ألقيه عليه، لكنه منضبط ولا يستطيع أن يهرب من واجب"·

سألني- أو لعله سأل نفسه:

"متى أقول له؟"

كان ردي: "بعد أن يسمعها في الخطاب، لو عرف قبلها فقد يحاول الضغط لتغير قرارك"· وافقني·

سألني ماذا أنوي أن أفعل؟ -قلت: "أنا الذي يجب أن أسألك ما الذي تنوي عمله"· قال: "خطر لي أنه لمرحلة سوف أستأذن من يجيء بعدي أن يسمح لي باستعمال بيت المعمورة، هو بعيد ومنعزل هناك على شاطئ البحر- حتى تتضح الأمور"·

استطرد: "انت كنت تقول لي دائماً إنك تتمنى أن تعيش في الاسكندرية عندما تصل إلى المعاش· سوف أسبقك أنا الآن إلى الإسكندرية"· ثم توقف لحظة واستكمل كلامه قائلاً: "حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً"!

سألني: "وأنت؟" ثم واصل السؤال: "هل يكون كثيراً عليك لو طلبت منك أن تواصل مع زكريا محيي الدين ما كنت تقوم به معي؟"·

قلت بابتسامة أظنها كانت متكلفة: "انت الآن تتدخل في عمل رجل آخر"·

قال: "إنني سوف أقابله غداً لجلسة طويلة أسلمه فيها ما عندي، واقترح عليه تشكيل حكومة طوارئ حتى يجري حساباته للموقف، لكنه سوف يحتاج إلى من يطلعه على خلفيات ودخائل الصورة ولو لفترة"·

قلت: "إنني في هذه اللحظة لا أستطيع أن أفكر في شيء· كل ما أستطيع التفكير فيه هو كيف يعبر البلد ساعات عصيبة حتى الغد· أبعد من ذلك لا أرى!"·

قال: "زكريا يستطيع أن يفعل الكثير· أولاً يستطيع تثبيت الجبهة بحيث تستطيع القوات استعادة زمامها· عسكرياً هناك احتمالات كثيرة ممكنة· هناك احتمالات سياسية معقولة لكنه لن يستطيع في رأيي أن يقترب منها إلا إذا تماسكت الجبهة العسكرية، وإلا إذا استعادت القوات ثقتها بقيادة جديدة قادرة على·····" توقف لحظة ثم استكمل: "قادرة على القيادة"·

(قال لي كلمات مؤثرة عن علاقة الصداقة الحميمة بيننا، لكنه أراد أن أعرف مشاعره قبل أن نفترق غير عارفين إذا كان مقدراً لنا أن نتقابل مرة أخرى أو أن هذه هي المقابلة الأخيرة- وتلك حكاية أخرى ليس هذا مكانها)·

زادت في كلماته نبرة الحزم القاطع· قال:

"قبل أن أذهب إلى القبة وقبل إذاعة الخطاب سوف أصدر ثلاثة قرارات:

1- أن يكون فوزي (الفريق محمد فوزي رئيس أركان حرب القوات المسلحة) مسؤولاً عن الجيش حتى يؤدي الرئىس الجديد قسمه الدستوري أمام مجلس الأمة غداً·

2- ويكون شعراوي جمعه مسؤولاً عن الأمن الداخلي حتى يتسلم الرئىس الجديد مسؤوليته"·

واستطرد: "سوف أترك لك أنت مسؤولية ثالثة· سوف يحدث "فلتان" أو محاولات "فلتان" بعد إذاعة الخطاب، وسوف أقول لفوزي وشعراوي وسامي أن يعودوا إليك في شأن أي موضوع سياسي أو إعلامي· وسوف تتعرض لضغوط كبيرة لكنني أرجوك من أجل البلد ومن أجله أن تقف وتتمسك"·

ثم عاد يقول لي: "حاول أن تتصل بزكريا بعد إلقاء الخطاب، واشرح له ما يساعده على فهم الضرورات، وإذا وجدت رد فعله رافضاً فاقنعه بتأخير إعلانه حتى ألقاه صباح غد"·

ولم يكن هناك ما أقوله· وعادت العبارات عاطفية· حزينة· لكن كلينا كان يتصرف عن فهم لمسؤوليات اللحظة، بما في ذلك خطورتها ورهبتها!

ورأيته آخر مرة يتجه إلى السلم الداخلي لبيته يصعد درجاته لكي يعد نفسه لخطابه الأخير إلى الأمة (كذلك كان تقديره وشعوره)!

وحينما عدت إلى سيارتي وجدتني أتوجه تلقائياً إلى بيتي!

كانت تلك الليلة (ليلة 10 يونيو) مليئة بالمفاجآت المدهشة للدنيا كلها·

- خرجت كتل من الناس فور انتهاء جمال عبدالناصر من إلقاء خطاب التنحي تطالبه أن يبقى مكانه وأن يواصل عمله·

- عاد هو إلى بيته وصعد إلى غرفة نومه، ثم خرج منها يقابل بعض رجاله ويطلب إليهم في حزم أن يتماسكوا كما يجب أن يتماسك الرجال (كذلك سمعت فيما بعد)·

- أكد قراراته فيما يتعلق بمسؤوليات الفريق "محمد فوزي"- بمسؤوليات السيد "شعراوي جمعة"- وكذلك فيما يتعلق بما طُلب مني القيام به·

وفي بيتي راحت التداعيات تقتحم علي عزلة ساعات تمنيت أن أجلس فيها إلى نفسي·

لكن طرق الوقائع بدا وكأنه يدق فوق رأسي:

- "زكريا محيي الدين" يطلبني على تليفون رئاسة الجمهورية يسألني مرتاعاً: "ما هذا الذي فعلتموه بي؟" قلت: "أجيء لأشرح لك"· قال: "الناس في الشوارع يهتفون ضدي ويشتموني، وأنا ذاهب إلى الرئىس في منشية البكري، ألحق بي هناك اذا استطعت لأن الناس بحر متدفق في الشوارع"·

- "شعراوي جمعة" يطلبني على نفس التليفون يريدني أن أتصل بالرئىس في غرفة نومه لأنه لم يستطع الوصول اليه، فهو (شعراوي) لم يعد قادراً على ضمان الأمن في البلد، ويخشى أن تحترق القاهرة مرة أخرى·

- "عبدالحكيم عامر" (وكنت قد سمعت من "شعراوي جمعة" أنه طلب من "محمد فائق" وزير الإعلام إذاعة بيان يعلن فيه هو الآخر تنحيه- وعندما أبلغه "محمد فائق" أن الرئيس أمر ألا تذاع كلمة قبل الرجوع إلي (إلى هيكل)- احتد عليه "عبدالحكيم"- ثم قرر أن يتصل بي· أدهشني أن جاءني صوته هادئاً· بدأ من البداية  وأبلغني برأيه في "صدور بيان يعلن للناس تنحيه"· رجوته أن يترك لي المسألة· علق بقوله: "ولكن هذا قراري ولا شأن لأحد به·· ولا حتى للرئيس"· وقلت: "إني أفهم ذلك، لكن هناك عوامل كثيرة لا بد أن تؤخذ في الاعتبار"· وقال: "اعتبار من؟" قلت: "اعتبارات البلد والناس"؟ قال: "واعتباراتي أنا·· اعتبارات دوري وتاريخي؟" ورجوته أن يعطي فرصة حتى تستقر الأمور· وقاطعني ولهجته تحتد لأول مرة "تستقر مع "زكريا"؟" ثم قال: "قل لجمال إنه لا يستطيع أن يفرض زكريا على الجيش؟" ثم استطرد: "إذن فقد كان "زكريا" في باله وهو يتفق معي على "شمس"؟" وقلت: "إنني أشهد أنه كان صادقاً فيما اتفق عليه معك، لكن الضرورات تغيرت"· ورد بعصبية: "شياله (شيء لله) من شيخ الضرورات"· ثم عاد إلى طلبه إذاعة بيان عن تنحيه، وتلقيت منه صيغة يقترحها لبيانه رغبة في تهدئته·

ما بقي بعد ذلك معروف للكافة، وهو صفحة من التاريخ لا يملك أن يسيء إليها أحد·

خرجت الجماهير في كل بلد عربي وليس في مصر وحدها تصر على مواصلة القتال- وتحت قيادة جمال عبدالناصر·

وظل ساعات لا يصدق ما جرى ويسأل نفسه في حيرة: "لماذا؟" "ليه؟"·

ثم بدأت الحقيقة تصل إليه ومغزاها أن الناس لا يعرفون أحداً غيره، وأن عليه- حتى بمسؤوليته فيما جرى- أن يجد للأزمة مخرجاً، وأن يكون المخرج مُشرفاً·

وحين رأيته صباح يوم 11 يونيو- كان منهمكاً في إجراء تغييرات وجدها ضرورية في قيادة القوات المسلحة·

وبدا الموقف العام العربي كله وكأن معجزة لمسته، وكأن الأمة تحولت خلقاً جديداً مثل طائر "العنقاء" الأسطوري (الفينكس) ولد من جديد وسط شعلة من النار وقام محلقاً من وسط الركام والرماد· كان الإنسان العربي العادي في كل بلد عربي قد أصبح صانع معجزات قرار استمرار المقاومة· وطلب إعادة تعديل الموازين، وفرض على الجميع إرادته·

وكان جمال عبدالناصر الذي رأيته صباح هذا اليوم (11 يونيو) أسداً جريحاً- لكنه أسد متحفز، تنبهت كل ملكاته وخصائصه وعضلاته، وبدت جميعها أكبر من جراحه، وبدا ماشياً على طريق واضح أمامه: إعادة بناء القوات المسلحة- حرب الاستنزاف- خطة "جرانيت" غرضها العبور برؤوس كباري من غرب القناة إلى شرقها، وكانت تلك هي الخطة التي وجدها خلفه (أنور السادات وليس زكريا محيي الدين)، ثم كان أن هذا الخلف (أنور السادات) ملك شجاعة القرار عندما جاءت اللحظة·

ولم يكن يوم 9 يونيو نهاية التاريخ لأن جماهير الأمة قررت أن تحمل المسؤولية وتقف- وتقاتل على الجسور عبوراً متجاوزاً بالسلاح إلى أوضاع جديدة"· "

الملاحظة

الهزيمة والدم والرمز!

ولقد عرضت الكتاب، وعرضت اللقاء وجاء الأوان كي أختم بالملاحظة·

ملخصها أنه لم يحدث من قبل على طول التاريخ الإنساني كما نعرفه، وعلى تنوع تجاربه كما  وصلت إلينا- أن أمة وقع حبسها (غصباً عنها أو برضاها)- في مأزق مع ذكرى يوم 5 يونيو 1967 (وقد احتفلنا به في الشهر الماضي!)·

ومن الحقائق البدهية أن "الزمان" لا يستعاد لأنه حركة لا تتوقف، على عكس "المكان" الذي هو ثابت في موضعه حتى وإن تغير مناخه!

ويترتب على ذلك أن استعادة "الزمان" يمكن أن تتم بتعويضه وليس بالعودة إليه· بمعنى أن أي خطأ أو عجز- أي نكسة أو حتى هزيمة -!- لا يمكن مواجهتها بالبقاء عند اطلالها، والبكاء على أحجارها وركامها، وإنما تكون المواجهة بالتصحيح، والتعويض، والتحقيق في فرص تالية- في زمن آخر· واعتقادي أن ذلك ما فعلته الأمة بعد أسابيع من 5 يونيو 1967 (معارك رأس العش) وبعد ذلك بحرب الاستنزاف من سنة 1968 إلى سنة 1970- وبعد ذلك بحرب أكتوبر بقدرها وجلالها·

لكنه يبدو لي أحياناً أن التوقف (أو الايقاف) عند تلك اللحظة الحزينة من "الزمان" قبل أكثر من ثلاثة وثلاثين سنة (ثلث قرن!) فيه كثير من قصد يهدف أن يفرض على الأمة تقويماً "مستجداً" تلتزم به في "الفعل"، ولا تخرج عنه حتى في الحلم"، ثم يربطها هذا الالتزام- أو الإلزام- بتقويم يسبق أي تقويم آخر، بما في ذلك التقويم الميلادي أو التقويم الهجري· وتلك ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الأمم تعطلها عند ساعة زمنية توقفت عقاربها عند لحظة معينة، ويتوقف التاريخ لأن تلك اللحظة كانت نهايته، والمطلوب أن تظل كذلك في وعيها- مرجعية يؤرخ بها- حتى وإن كانت الأمة في فعلها قد تجاوزت تلك اللحظة وواصلت صنع التاريخ بعدها!

والشاهد أن ذلك منطق غريب يصادر المستقبل قبل أن يحاسب الماضي (وربما أن ذلك هو المقصود) فإذا التزمت الأمة بتوقيت الهزيمة- نهاية لتاريخها، فمعنى ذلك أنها تتنازل عن طموحها وارادتها بسبب ضربة أو صدمة أو هزيمة أو حتى مصيبة لحقت بها قبل ثلث قرن!

هذا بينما النظر في تجارب أمم أخرى، حتى تلك التي وقعت على الأرض، تنبئ عن حقائق تختلف·

وعلى سبيل المثال فإن المانيا الامبراطورية على عهد "ويلهلم" الثاني خرجت من الحرب العالمية الأولى راكعة أمام الحلفاء، لكنها لم تلبث في ظرف عشرين سنة لا تزيد أن عادت إلى مشروعها القومي تحاول إقامة "الرايخ" (أي وحدة الأمة الألمانية على أساس الثقافة وحدها مرة ثالثة) تحت قيادة "أدولف هتلر"· وكانت هزيمة "هتلر" ساحقة سنة 1945- لكنه بعد أقل من خمسة عشر عاماً كانت ألمانيا تعود إلى تجديد مشروعها تحت قيادة "أديناور"، وإدارة "إيرهارد"، ثم جهود "شميدت" و"كول" وتحقق حلم الأمة الألمانية، وإن كان تحقيقه هذه المرة بقوة "المارك" وليس بقوة "المدفع"·

نفس الشيء تقول به تجربة اليابان التي خضعت خضوعاً كاملاً لأعدائها تحت إملاء السلاح النووي- لكنها في ظرف خمسة عشر عاماً كانت تصنع معجزتها الاقتصادية وتخرج إلى محيط جنوب شرق آسيا خروجاً أقوى مما طمحت إليه أحلامها الإمبراطورية بقيادة الماريشال "توجو"، وأساطيل الأميرال "ياماموتو"، وجيوش الجنرال "ياماشيتا"!

لكن الأمر  الأحوال العربية ظهرت على خلاف، لأن الذين طلبوا أن يكون 5 يونيو 1967 تقويماً عربياً جديداً كان لهم- ولايزال- قصد· والغالب في القصد أن تظل الأمة حبيسة للهزيمة وأسيرة لذلها حتى تقبل في أمورها الداخلية والخارجية ما هو مطلوب منها أن تقبله- دون مراجعة أو احتجاج، لأن الهزيمة تحمل معنى من معاني عبودية المهزوم للمنتصر- والعبيد لا رأي لهم، والأمر كله للجلاد والنخاس!

وإذا ادعى أحد بأن الالتزام بتقويم الهزيمة حتى الآن نوع من الحساب عن مسؤولية ما جرى يوم 5 يونيو 1967- فإن الاستمرار فيه طوال ثلث قرن يتبدى انتقاماً أكثر مما يبدو حساباً· والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: الانتقام مِن مَن؟

والأرجح أنه انتقام من الأمة في مستقبلها أكثر منه انتقاماً من رجل في تاريخه!

انتقام من أمة بحبسها في العجز أكثر منه انتقاماً من رجل تحررت بالموت روحه عائدة إلى بارئها·

لكن الغريب أن الذين يريدون- ومازالوا- أن ينتقموا من جمال عبدالناصر، سواء كان بعضهم في مصر أو بعضهم خارجها في العالم العربي، يقدمون في واقع الأمر للرجل إطراء لا يقصدونه، وهو بالتأكيد -لا هو ولا أي رجل غيره- يستحقه·

فحينما يغيب رجل عن أمته أكثر من ثلث قرن ويظل فعله في العمل العام- خيراً كان أو شراً- مؤثراً بعده وحاكماً- فذلك إطراء يحكم له بالمقدرة ويحكم على غيره بالعجز!

وحين يتوقف مشروع قومي لأمة قبل أن يحقق أهدافه تحت قيادة رجل واحد- ثم تظل الأمة بعد ذلك حبيسة الهزيمة والعجز والعبودية- ولا يخرج منها رجل واحد أو جماعة من الرجال تمسك بالمشروع القومي لهذه الأمة وتجدد رؤاه وقواه- فذلك إطراء لذلك الرجل الذي تصدى ذات يوم، حتى وإن لم ينجح· وحتى إذا كان قصور جهده عائداً إليه- دون مسؤولية عوامل خارجية كرهته لأنها كرهت أمته (وماتزال!)·

وحين يفارق الحياة رجل واحد، ثم ترضى أمته- على فرض أنها رضيت- أن تلتزم بتقويم الهزيمة وتقبل بنهاية للتاريخ- فهذا إطراء (على نحو ما) لهمة رجل واحد، والدليل أنه إذا جرى اعتماد تقويم الهزيمة في العالم العربي فإن أكثر من عشرين كياناً عربياً يقال لها إنه لم يعد أمامها غير أن تتحول إلى نوع من عشرين علبة سردين لا ينقصها غير قطرة من عصير ليمون، وقطرة زيت زيتون، ثم يتحول كل واحد منها إلى وجبة سريعة لامبراطورية عسكرية، أو امبراطورية مالية جائعة تبغي شيئاً تأكله في الطريق (وتلك إهانة للأمة- إلى جانب كونها نوعاً من الإطراء للرجل لا أظنه يطلبه أو يرضاه أو يسكت عليه حتى وهو في رحاب ربه)·

بقيت صورة تستحق من كل الناس أن يقفوا أمامها ويستقرئوا فيها ما تدل عليه!

يوم 5 يونيو سنة 2000 احتفل العرب (بعض العرب وليس كل العرب)- بالذكرى الثالثة والثلاثين ليوم 5 يونيو سنة 1967 كما تعودوا وكما عرفنا·

ويوم 6 يونيو سنة 2000 احتفلت فرنسا بالذكرى الستين ليوم 6 يونيو سنة 1940- وذلك هو اليوم الذي سقطت فيه فرنسا واستسلمت بالكامل لاحتلال الجيوش الألمانية التي دخلت منتصرة إلى باريس، ومشى فيه "هتلر" غازياً تحت قوس النصر في الشانزلزيه، ثم ذهب ووقف مصلوب القامة لا ينحني- بكبرياء النصر- أمام قبر "نابليون" في قصر "الأنفاليد"·

ويوم 6 يونيو سنة 2000 كان احتفال فرنسا بالمناسبة كريماً على الوطن ومحترماً·

كان البند الرئيسي في وقائع الاحتفال هو إعادة إذاعة البيان الذي ألقاه الجنرال "شارل ديجول" يوم 11 يونيو سنة 1940 من هيئة الاذاعة البريطانية، وكان "ديجول" وقتها لا يملك رصيداً معنوياً أو سياسياً غير أنه كان قبل شهور وكيلاً لوزارة الدفاع -لكن مطلب الحرية ناداه (وكذلك شجعه "تشرشل") على أن يذهب إلى لندن لاجئاً يعلن باسم فرنسا و"روحها العظيمة الباقية" استمرار المقاومة ضد النازي، ويؤسس في المنفى حركة يسميها "فرنسا الحرة" تواصل الحرب·

وبعد عدة أيام لم يكن "شارل ديجول" في المنفى، ولا في المقاومة، ولا في الحرب -!- وحده، وإنما انضم إليه نفر من الضباط الشبان يقودون كتائب جرى تجميع جنود لها على عجل من عسكريين كانوا في بريطانيا، أو توافدوا من المستعمرات الفرنسية، لتكون منهم تشكيلات قتال أو هياكل تشكيلات وبينهم (وبينهم الكولونيلات "لوكليرك"، و"كاترو"، و"بوفر")·

لكن ما كان أهم وأكبر وأبقى أن مجموعة من خيرة مثقفي فرنسا عرضوا أنفسهم للخطر ولحقوا بـ "ديجول" في المنفى عارفين أن واجب المثقف هو تجسيد روح الحرية· وهكذا فإن "ديجول" وجد حوله في لندن جيش فكر أقوى من كتائبه العسكرية· مجموعة رجال من عيار "فرانسوا مورياك"، و"أندريه مالرو"، و"أندريه موروا"، و"ريمون آرون"· و"بوف ميري"- وكان هؤلاء هم الذي أعطوا لبندقية "ديجول" تأثير قنبلة نووية·

وحين انتصر الحلفاء بقوة الموارد البشرية والاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي- وبوقفة "تشرشل" التاريخية الملهمة- واليائسة في بعض اللحظات- فإن فرنسا كانت حليفاً منتصراً بقوة الرمز التي أعطتها الثقافة الأصيلة للبندقية العتيقة·

وكان حلفاء فرنسا الذين حققوا النصر الفعلي بمواردها وتضحياتهم يفهمون قوة الرمز وقد قبلوا فرنسا شريكاً على قدم المساواة في صنع النصر- لم تركبهم ثارات قبلية، ولم تجرجرهم أحزاب عائدة للانتقام، ولم يشوش عليهم فكر- على فرض أنه مبرأ من الهوى- لا يعرف كيف يفرق بين الأهم والمهم، وبين الرئيسي والثانوي، ثم يدرك أن الأوطان أولى وأبقى من كل الرجال، وأن تقويم الهزيمة (أو أي تقويم غيره) لا يسري على راحل لأن الزمن بالنسبة له توقف، لكن توقيت الهزيمة مؤثر على الأحياء لأن الصراع بالنسبة لهم متواصل، والحياة جارية، والتاريخ لم يصل إلى نهايته!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

* الكتاب وجهات نظر العدد التاسع عشر - اغسطس 2000·

** كاتب صحافي.

طباعة  

بوش الابن
المال والعائلة أهم من السياسة!!