العين قبل الأذن··
نشمي مهنا
تجربة بالتأكيد ستكون فاشلة، وخسارة فادحة لن يحتملها أي شاعر مغامر، قد يدفعه حظ عاثر، أو لحظة طيش "تجريبي" الى إلقاء قصائده النثرية على منصة أمسية شعرية، أُعدت منذ أزلٍ جاهلي للشعر العمودي·· الذي زاحمه عليها الشعر الحر في العقود الأخيرة·
ماذا يمكن أن يقدّم هذا الشاعر المغامر أمام جمهور اعتاد سماع "تفاعيل" موسيقية، وعزف "أعمدة" شعرية تلجأ في أحايين كثيرة الى منبرية حادة!!
بالطبع سيضطر هذا المحبط الى لفلفة وريقاته "المتناثرة"، ليؤمّل نفسه بعرضها على "أعين" قرائه، لا على أسماعهم، بعد أن يئس من اجتذاب أي إعجاب ولا حتى انتباه، من تلك الجماهير التي يرى بها شغفا بالشعر الطافح بآلات موسيقية، ووصلات غنائية، مما أصابها "بعدوى جماعية"، أخذت تسري في أوصالها، بتموجات شعورية، تنتقل من الصفوف الأمامية إلى ما يليها من صفوف، قد لم يمكّنها البعد من سماع صدور الأبيات، واكتفت بأعجازها وقوافيها، أو تمتمات الإعجاب من جارٍ "مستمع"!
قد يبرر الشاعر المحبط هنا فشله، وما أصابه من خيبة، بمثل هذا التشخيص لحالة الجماهير الشعورية·· (ونتفق معه في ذلك)·
هل بإمكاننا أيضا أن نعلل أنفسنا - نحن المنثورين - بمقولة أدونيس - عندما رد غاضبا - "ليس لي جمهور!! ولا أريد جمهورا"!! لنعني معه - قاصدين متعمدين - أننا فعلا لا نريد جماهير·· بل نريد البديل الآخر الأفضل·· القراء!!
وهل يضع ذلك القصيدة الحديثة أمام خيارين لا بد من أولهما·· وهو الاستغناء أو بالأصح تكسير منصات المهرجانات الشعرية "الصوتية"·· وإلا فستترك قريبا لمواجهة مصيرها بالانكسار أمام ضوضائية الحشود المستمعة·
***
ينقلنا مثل هذا الحديث إلى جانب آخر يرتبط بعروة وثقى بما سبق، يتعلق بمدى إخلاص الشاعر، واعتزازه وعشقه لقصيدته، وصون معانيها من الابتذال الذي يفقدها الكثير من قيمتها الفنية والجمالية، أو أن ينساق أمام إغراء جماهيري يطالب بالمزيد من المباشرة تحت مسميات "المعايشة لمعاناة الإنسان البسيط" فرضتها حوادث وظروف مرت بالحياة العربية على مدى أكثر من قرن كالهم الوطني والاستعمار وقضايا التحرر والمعاناة المعيشية·· والفقر والأمية وغيرها·· مما لم يدع مجالا للتحلي بأثواب اللفظ وتورية المعنى أو الغموض والرمز الذي كان يسمى ترفا شعريا في حينه!!"
قد يرد هنا قارئ - سماعي بطبعه - بأن ذلك هو المحك، الذي يبلور قدرات الشاعر الفنية وشاعريته التي تستطيع أن تعقد خيطي الفني والجمالي، بالجماهيري المباشر، البعيد عن الغموض والرمز·
قلة من الشعراء هم من استطاعوا شد ومن ثم عقد هذين الخيطين·· والكثرة منهم قطع بأيديهم أحد الخيطين·· غير قاصدين!
في نهاية الأمر·· إما أن تطغى القصيدة الحديثة وتفرض حضورها "المقروء"، فتتوارى المهرجانات الشعرية بصخبها ومنصاتها ومايكروفوناتها، لتصبح أثرا من بعد عين، أو أن تظل هذه "المنبريات" بأماسيها المعتادة، فتكتفي حينها القصيدة الحديثة والنثرية بإطلالاتها الخجولة من خلال نوافذ أسطر الكتب· مفضلة هذه الإطلالة - على ضيقها وقلة عدد زوارها - على التطفل فوق منصات أمسيات جماهيرية·· تنظر لها بعيون لا مبالية، معتبرة إياها "ضيفاً ثقيلاً"·· غير مدعو بالأصل!!
Nashmi22@hotmail.com