بخلاف الدراسات التي تناولت الرؤى التاريخية والفلسفية لحياته وشعره··
تجليات باحثٍ في التجربة الشعرية والصوفية لابن الفارض
عباس يوسف الحداد
سلسلة الرابطة رابطة الأدباء الكويتيين ــــ (2000)
صدر للناقد والباحث الكويتي عباس يوسف الحداد كتابه (تجليات الأنا في شعر ابن الفارض) ضمن سلسلة إصدارات رابطة الأدباء الكويتية، الذي كان في الأساس رسالة قدمها الباحث للحصول على درجة الماجستير من قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الأداب جامعة القاهرة، نال عليها درجة الامتياز عام 1999·
بكتابه هذا، أضاف الحداد بحثاً قل أن يوجد في مكتبتنا العربية، وخصوصاً أنه يجيء في شأن أدبي يتحاشاه الباحثون لوعورة مسالكه وصعوبة القبض على الجديد فيه، أو الإلمام بأبعاده الفلسفية· سبق بعض الباحثين الحداد بدراسات تناولت التجارب الصوفية بعمومياتها أو حتى بشعر ابن الفارض وحياته، لكن ما يميز هذه الدراسة ويعطيها صفة الجدة والتفرد، هي مغايرتها لمناهج تلك الدراسات التي اكتفت بتناول شعر ابن الفارض وحياته ولم ترتكز على تحليل التجربة الشعرية الصوفية عنده، وإن تناولتها تجيء بشكل فرعي وغير رئيسي، أو عرضت لمراحل حياته، ومذهبه في الحب الإلهي من زاوية فلسفية· كما أن بعض الدراسات الأخرى تناولت الرموز والسمات الفنية في تجربة ابن الفارض في الحب والخمر وخصائصهما الوصفية·
هناك من الباحثين من قام بتطبيق النظرية النقدية الحديثة على تجربة ابن الفارض الشعرية ولم يعطها خصوصيتها·
جميع هذه الاختلافات أعطت لهذه الدراسة ما ذكرناه من تفرد وجدة تفتقدها مكتبتنا العربية·
ومن الركائز الأساسية عند الباحث في تطرقه لتجربة ابن الفارض الشعرية الصوفية الالتفات إلى الاختلاف عند الشاعر في التعامل مع بعض المفردات الصوفية باستخدامها كرؤى شعرية خاصة، فقد "انشغل الصوفية بفكرة الأنا في حديثهم عنها الغيبة والشهود والفناء والبقاء، والانفصال، والاتصال فالأنا الشعرية لديهم تنطوي على بعد صوفي معرفي، يحمل البذور الوجدانية الأولى لفلسفة الشاعر الصوفي، التي تعد الذات والوجود بمعنييه الخاص (الوجود الذاتي) والعام "الوجود المطلق"·
لكن الملمح الفارق في النص الشعري عند ابن الفارض هو التعامل المختلف مع هذه المفردات السابقة مثل الفناء ـ الاتحاد ـ الغيبة ـ الحضور ـ الانفصال ـ الاتصال، بعيداً عن كونها ثنائيات فلسفية متقابلة أو متعارضة· فقد استخدمها ابن الفارض كرؤى شعرية خاصة سعت الأنا من خلالها إلى تحويل الفكري الخالص إلى فني في تأكيد خصوصية وعي الأنا بنفسها في النص الشعري الصوفي عند ابن الفارض·
كما يقف الباحث عند تركز الخطاب الشعري في النص الفارضي حول "المتكلم" مما يدلل على أولوية "الأنا" ومركزيتها في النص بشكل لا تنفصل به عن مركزيتها في البعد الفلسفي للتجربة الصوفية التي تعتبر "الأنا" بنسبيتها مركزاً لوحدة الوجود·
ويصل الباحث إلى أن رمزية اللغة عند شعراء التصوف وعند ابن الفارض بوجه خاص، هي التي أضفت على الفكر الصوفي ضدية أُضطر إلى معايشتها واستخدامها "كقناع" يقيه مواجهة الفكر العربي التقليدي وإرهاب السلطات الفكرية التي لن تقبل منه هذا الاختلاف في الرؤية·
يتوصل الباحث من خلال استخدامات، ابن الفارض لضمائر المتكلم في أغلب نصوصه وعبر سياقات جمالية ولغوية كثيرة، إلى أن تلك الاستخدامات ما هي إلا محاولة للسعي إلى تأسيس رؤية مختلفة عن سابقيه من شعراء التصوف للأنا الشعرية التي لا تنفصل في تجلياتها عن بعدها الصوفي العميق والخاص في التجربة، تغني عن صفاتها البشرية الحسية لتتحقق في صفات أخرى مجردة (ربوبية)·
"فيما يُعد (هذا الاستخدام) تماثلاً حالياً للصفات وليس للذوات، الأمر الذي يؤكده عدم غياب الصفات البشرية تماماً عن هذه الأنا داخل النص الفارضي"·
كذلك يشير الباحث إلى أن تلك الرؤية الخاصة لها ما يماثلها على المستوى اللغوي عند ابن الفارض، فمن خلال فك الباحث لشفرات المعجم الخاص لنصوص الشاعر يتوصل على انعتاق المعاني من قيود المفردات المعجمية، وحملها كدلالات كثيفة متجددة·
تناول الباحث في دراسته تجليات الأنا في شعر ابن الفارض من خلال أربعة فصول:
الفصل الأول: "التجربة الشعرية الصوفية عند ابن الفارض": تناول مفهوم "التجربة" لغة واصطلاحاً ومراحل تطور هذا المفهوم، وارتباطه بمفاهيم أخرى كـ "العرفان" و"البرهان" وغيرهما من الرؤى الصوفية، واختلاف مظاهرها عند ابن الفارض·
الفصل الثاني: "الأنا بين الانفصال والاتصال": يتناول اصطلاحي الانفصال والاتصال باعتبارهما محورين رئيسيين للتجربة، وما يمثلانه عند ابن الفارض ومكانتهما في تجربته في الحب الإلهي·
الفصل الثالث: "الأنا في مرآة الذات":
يتناول الباحث مفهوم "الأنا" معرفياً وفلسفياً ومراحل تطوره، ثم بحثاً حول "الأنا الصوفية" وبخاصة عند ابن الفارض، وانعكاس الأنا في مرآة الذات (مرآة المعاناة ـ مرآة الإنسان الكامل)·
الفصل الرابع: "الأنا في مرآة الآخر":
يستبعد الباحث الاصطلاحات والمفاهيم الأخرى العالقة، بمفهوم "الآخر" ليصل إلى تحديده في التجربة الشعرية الصوفية ومن خلال (مرآة الحقيقة ـ مرآة المريد)·