ليلى محمد صالح
بمثل هذه الأيام وقبل عشر سنوات استشهد (قمر العارضية- مبارك النوت)
لذا نعيــد هنــا نشــر رائعــة الگاتبة والقاصة الگويتية ليلى محمد صالح
في طريقنا للاحتفال·· كان علينا أن نكون سعداء·· لكننا لا ندري لماذا كنا نفقد القدرة على الفرح·· لماذا كنا نشعر بالانقباض والاكتئاب·· وكأننا نسير في طريق لن يوصلنا أبداً لصالة الأفراح؟
السيارة تسير بموازاة الأفق البعيد·· ما بال السماء تلونت بزرقة رمادية غير عادية··؟ ما بال السحاب الأبيض المتفرق يرسم تجريداً لوجوه مركبة مخيفة··؟ ما بال القمر الشامخ غارقاً في بحر الصمت يرسل أشعته الباهتة الحزينة··؟ تذوب الأسئلة·· تتلاشى على صوت الهتاف··
صالة الاحتفال الكبيرة في منطقة "العارضية"(1) بدت مكتظة بالناس، تسبح في بحيرة الأضواء·· حولها حشد من أنواع السيارات·
يبدو الفرح وقد قضى على لهيب الأول من أغسطس·· النساء سافرات·· محجبات·· مبرقعات·· كفوفهن مخضبة بالحناء·· يعبق عطرهن الفواح·· تفوح رائحة البخور ودهن الورد من أردائهن·· تتراقص على شفاههن الدعوات للعريسين:
- اللهم بارك لهما·· وبارك عليهما·· واجمع بينهما بالخير·
ترتفع الزغاريد·· يعلو صوت الغناء·· الانغام والالحان طوفان·· الأشرطة ذات الايقاع "النقازي"(2) مطلقة من عقالها حتى تكاد تدك الصالة دكاً·
بالقرب من حلبة الرقص تنثني قريبة العروس على صديقاتها وتدعوهن للرقص وهي تقول:
- ليلة الفرح هي الليلة الشرعية للرقص والغناء·
وسط الضجيج الذي يملأ الصالة يأتي صوت من خلف الميكروفون ينبه الجالسات بقدوم العريس·· تفسح الطريق·· يدخل العريس بـ "البشت"(3) الاسود المقصب (4) يصحبه الأهل والأقارب والأصحاب، يتقدمهم حملة المباخر وماء الورد، يقابل بالتهاليل وزغاريد النساء·· والغناء على صوت "الطيران"·
عليك سعيد·· عليك سعيد ومبارك(5) ولا إله إلا الله·
بغتة·· وسط أصوات الدفوف والأنغام تهمس إحداهن بأذن الأخرى:
- ألا تلاحظين ان معظم الذين يزفون العريس من أعضاء مجلس جمعية العارضية؟
- طبعاً لأن العروس ابنة أحدهم·
تقترب منها أكثر وتوشوشها:
- ألم تعلمي بأن الذي يقف بالمنصة بجانب العريس هو مبارك رئيس الجمعية؟
تلتفت اليها:
- هل تعرفينه؟
ترد عليها وهي تشير إليه بسبابتها:
- أجل أعرفه لأن ابنته رشا في مدرستنا·· كل يوم يوصلها بنفسه، تنتهي الزفة·· يبدأ العشاء·· تتواصل أغاني الافراح·· تتعالى أنغام الطبول حتى بزوغ الفجر وطلوع الصباح·
أخت العريس تدور بين المدعوات سعيدة، يرتفع صوتها بنبرة الفرح:
- يا إلهي·· من يصدق ان الفجر يشرق ومازلنا نحظى بهذا الجو السعيد·· وبهذا الكم من الفرح، الوقت مر علينا بسرعة، بسرعة غير حقيقية، ما أن أنهت جملتها حتى سرت من جوف اللحظات السعيدة همهمات·· همسات·· اشاعات·· سرعان ما انتشرت وخلت·· كسريان النار في الهشيم، خصوصاً من الداخلين المتأخرين الذين سمعوا أصوات إطلاق المدافع وأزيز الرصاص القادم من الشمال·· اتسعت رقعة الإشاعة·· بدت ملامحها الحقيقية تتضح·· غول لعين يبتلع الوطن·
ترتفع الصرخات·· تنطلق الأصوات·· يختل العرس وينقلب إلى زلزال يختلط فيه بكاء الذعر بزغاريد النساء·
يا للفجيعة·· بلمح البصر يتحول الفرح إلى مأتم تفيض فيه ضبابية دموع الصغار والكبار· يتدافع الجميع من باب عرس الدموع، كيوم الحشر، يتراكضون وكأنهم يقذفون من عنق زجاجة وسط أحاسيس الذهول والهول والاندهاش·
يحاول مبارك أن يهدئ من روعهم، لكنه يضيق، يختنق، ترتسم على وجهه علامات المرارة والألم، لكن سرعان ما تتلبسه حال من شهامة الرجولة والنخوة والولاء، لتتغلب شجاعته ووطنيته على كل مشاعر الخوف والحزن، يسرع إلى النساء والبنات والأطفال، وجوههم الوردية تلتف بعباءة الدمع الحزين·
يطمئن عيونهم الفزعة·· وملامحهم المذعورة، يبث فيهم السكينة والأمان، يحثهم على الهرولة، يرتب عودتهم إلى بيوتهم، يطلب من بقية الرجال حمايتهم، والسير وراءهم وسط الرعب وصراخ الكبار:
- رحمتك·· رحمتك يا رب·
يسرع مهرولاً·· يلملم عائلته، خطواته المتسارعة تسابقه إلى سيارته، يدير المفتاح وينطلق، يحتار حيرة مظلمة بما يحدث على أرضه، يقف مذهولاً كنسر جريح، يضرب كفاً بكف، تحاصره الخطوب، الممرات مقفلة، الجنود مثل الغربان، سيارات عسكرية، رشاشات، دبابات، قذائف، هدير طائرات وإطلاق رصاص، لا أحد يصدق، ولكن هذا ما يراه·· ثعبان كبير ينفث زفير سمومه السوداء في ساعات الخميس الأولى، فينتشر الخوف والدمار والموت بين الناس، بعضهم تسيج بالحذر وهو يسمع المذيع ينادي بأعلى صوته:
- يا أهل الديرة(6)·· الكويت تُغتصب هبوا لنجدتها·
البعض الآخر يحاول أن يهدئ من صخب الأفكار المتقافزة أمام الخراب والحراب، آخرون مضطربون لم يصدقوا ما حدث·
يأتي صوت مبارك غاضباً ثائراً:
- يا للخزي·· العار يعربد في الهواء فوق
مجد البحر والرمل والصحراء، تفور أعماقه، يرفض الزيف الفاجر، يرفض أن يحول اللصوص الغاصبون وطنه إلى المحافظة التاسعة عشرة·
يدور يميناً·· يدور يساراً·· يلتقط اذاعة الكويت·· نداءات استغاثة، الصوت يخشخش المذيع يستنجد، يبث روح الحماس والصمود، تشويش، التشويش يختفي ينقطع الارسال·
ü ü ü
يتنادى الرجال للنضال، والدفاع عن تاريخ وهوية سور البلاد، يتدافع سليمان·· حسين·· أحمد·· جاسم·· مسرعين إلى بيت مبارك، رجل المواقف·· من أجل تدارس مستجدات الأحداث، يخبرونه برغبتهم بالتضحية بالنفس والنفيس واستعدادهم للقيام بأي عمل من أجل أن تحيا أرضهم حرة، يتدافعون يداً واحدة معلنين الصمود والعصيان يبلغهم مبارك بإحساسه بالخطر، الخطر على الوطن، وفي ساعة الشدة المظلمة هذه يحين وقت الفزعة(7) دفاعاً عن الأرض·
يلتفت اليهم: "يجب أن نتوحد بصلابة وقوة حتى تتطهر أرضنا من براثن العدو، علينا بالتماسك والتلاحم كي نستطيع أن نواجه القهر الصعب"·
سليمان: الظلم لا يدوم·
حسين: الحق لا بد أن يعود لأصحابه فما ضاع حق وراءه مطالب·
أحمد: لن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا القدر الذي حاق بنا·
جاسم: لا بد أن نقض مضجع الغزاة·
يشير مبارك اليهم بقبضته الحازمة:
- بارك الله فيكم·· الأرض محتاجه لكم·· انتم الدروع في هذه المحنة· أما أنا·· فوالله لو طلب مني أن ألقي بنفسي إلى الموت في سبيل الوطن لما ترددت·
يهز يده اليمني بقوة ويقسم مرتعداً كبركان منفجر·
- سأموت على تراب وطني الذي ولدت عليه·· سأموت بلا كفن·· جلدي كفني ولحدي·
كان قراره كحد السيف الصارم البتار، لم يأبه بالموت، لقد ضرب أروع الأمثلة في حب الوطن والذود عنه، كان مستعداً للتضحية من أجله بكل عزيز وغال دون أن يخشى في الحق لومة لائم، لكن فجيعته تتفجر بالغضب حين يرى مدينة اللؤلؤة محاصرة بالموت· الجنود المعتدون يمرحون ويسرحون على ترابها المقدس، آلياتهم العسكرية تسحق شوارعها الجميلة الوديعة· الحماس ينهش عقله·· يثور، يتحدى بشجاعة وجرأة هذا الكابوس الاسود·
يوزع الشهامة والنخوة على الجميع، يوزع التموين، يزودهم بالخبز والغاز، يبث روح الطمأنينة والقوة في نفوس المرابطين الصامدين الذين روعهم جنود الاحتلال بأسلحتهم وأفعالهم الوحشية·
كان يرسم خططه على كرة بلورية ويطلقها بينهم، يحثهم على التكاتف والتآزر والحذر من التعاون مع المعتدين، ينفذ الاضراب العام، يمد يد العون والمساندة للمقاومة الباسلة، يضع قدرته في خدمة قادتها، يدعو إلى الاعتصام على أسطح المنازل· جباه الصامدين تئن·· أصواتهم تعلو وتدوي·· الله أكبر·· الله أكبر·· الله أكبر·
مع زوجته سلمى يوزع المنشورات السرية ساعة الظهيرة، ظهيرة الشمس اللاهبة الحارقة التي تشوي الأجساد، يندفع البطل الجسور بإصرار في تحديه لظلم وجبروت الاجتياح بإرادة لا تعرف الانحناء· كان كالجمر المتقد في جذور المواجهة الدامية، يزعزع أمنهم ويخلخل خططهم· تسربت أخباره إلى مخابرات العدو
التي كانت تتابع بقلق مواقفه المعادية لها، تصدر أوامر بالقبض عليه، ينتشر الجنود للبحث عنه، يداهمونه في إدارة الجمعية، يقف وجهاً لوجه أمام الجنود المتربصين به، والذين هبطوا عليه كالقدر الصاعق·
يقترب أحدهم منه، يطيل النظر·· وبصوت قاسي النبرة:
- من أنت···؟ أنت مبارك!
السؤال المباغت··· يالقسوة السؤال··
يتكرر سعير السؤال بصلف يتلبسهم من قمة الرأس حتى أخمص القدم·· تتسع عيناه، يتصلب عنقه، تكاد تخونه اللحظات الموحشة لبكاء بحر الغوص على الدم المستباح، ينفطر قلبه لظى وهو يتذكر أحلام بناته الصاهلة كصهيل الجياد الراكضة نحو المجد، كيف تتهاوى أمامه الآن في ظلام الطغاة!
ينظر اليهم متحدياً شامخاً كالشجر الباسق·· وبصوت حاد يجيب:
- أجل أنا مبارك·
يتجمد دمه، ترتعش أطرافه، تحمر عيناه، يثقل رأسه حين يأمره الضابط صارخاً:
- أنزل علم البلاد وصورة الأمير وولي العهد، تنطلق كلماتهم كالرصاص·· أو كطعنة خنجر تنغرس في صدره·
يزهق·· يصيح غاضباً··
- لن أرفع وجه الطاغية·· لن أستبدل رموز بلدي·
يستشيط الضابط·· يجن جنونه، يلسعه الجواب كالنار، يتفجر غضبه، كأنه ضرب في صميم قلبه، يشهر رشاشه، يحدق في عينيه الثاقبتين، لقد كانت عيناه العنيدتان محمرتين، يلتفت اليه مزمجراً مهدداً:
- إذا لم تفعل ما يلزم·· فعنادك هذا سيأخذك إلى ما وراء الظلام، يشعر مبارك ان
ذاته تنفصل عن ذاته، ذات تؤثر الصمت وتداري من أجل سلامة بيته وأهله، وأخرى تختار التحدي الصعب·
كان متوتراً جداً، يعيش جنون لحظته هذه، يثور على سوء معاملتهم، وألفاظهم، يكيل لهم السباب·
يلهث الضابط يلتقط أنفاسه اللاهثة بتوحش، يعدل خوذته فوق رأسه، يستدرك متسارعاً غاضباً، صوته يأتي عنيفاً آمراً:
- يدك فوق رأسك·· يدك فوق رأسك·
يدور، يصرخ بالجنود بتوحش، وبعجالة يردد:
- اعتقلوه·· اعتقلوه·
- أمرك سيدي·
اقتادوا مبارك مكبلاً، فارساً بلا حذاء، بين ذراعيه يحتضن الوطن، وفي عينيه الأبيتين اللتين لا تنحنيان يحتضن غضب بحر اللؤلؤ والهولو واليامال(8)·· باز فذ لم تهزمه عواصف الشمال·· ولم تهزه رياح الجنوب·
ربطوا عينيه بعصابة سوداء·· أمام قلوب الناس، وعيونهم التي تعتصر حزناً وأنيناً عليه وهو ينتصب أمامهم شامخاً بصلابة الصخر الذي لا ينكسر كما النخيل السامق·
في زنزانة الاعتقال المظلمة كالقمقم·· تنتابه كوابيس مريعة مفزعة، حين يسمع من الغرف المجاورة المنقوشة بالدم، الصراخ الهستيري والأنين الخافت المتقطع من الجلسات الكهربائية الصاعقة، واصوات الضباط التي تلهب الأجساد، يلتصق بلهاث الجدار الموحش، ذراعاه معلقتان بالظلام فوق الجمر، ساقاه مخدرتان فوق دود الأرض، يشعر بثقل قاهر، تختنق شفتاه، يختنق صدره وهو يتنفس رائحة العفونة والموت·
يأكله الغضب وكأنه نمر شرس ترك أمام لحظات انتظار مجهولة يئن تحت ألم مثخن بالجراح·
لقد كانت فترة الاعتقال فترة عذاب مبرح، تجمدت فيها روحه وهو يفكر في زوايا بيته الهادئ·· يغمض عينيه على وجه رشا واخواتها، يرى زوجته الحبيبة سلمى التي قاسمته المرة
والحلوة، في ثياب السواد، متلفعة بعباءة الحزن، تصلي على سجادتها في دعاء حار، لقدومه المنتظر، يهدأ، يصمت، يطيل الصمت، لا يعلم أهو يقظ أم في حالة حلم؟ لكنه يسمع أعماقه تردد: الحرية، التراب، الموت الاصفر، الموت في سبيل الوطن، الوطن لا يموت، نموت ويحيا الوطن·
النهار يكاد ينتهي·· الثالثة عصراً، ظلام في القلب·· ظلام في الروح، يؤخذ بجروحه وكدماته مقيداً إلى منزله امام عيون بناته وزوجته وهن بعضهن ببعض ملتصقات بذعر، يحطنه بدموعهن الحارة الحارقة، يصلي العصر، نظرات بناته الكسيرة مسلطة على آثار الكي الظاهر عليه، وعلى عينيه البارزتين بصورة غير طبيعية، قلوبهن تدق، أعماقهن تردد:
- يا إلهي·· هل الذي أمامنا هو نفسه ذلك الأب الرؤوف الشجاع الذي كان دائماً يتفجر حيوية وشباباً ويملأنا بالطموح الكبير؟
بألم نازف تسقط دموعهن، عيونهن تتفحص وجهه الحنون الطيب في هذا الجو الموحش المليء بالحزن بعد الحزن·
ومن بين تلك الدقائق التي تسابق لحظات الموت، يأتي صوت الضابط كأنه زئير أسد يصرخ بالجنود:
- تفتيش·· تفتيش··
يقتحم الجنود غرف النوم دون استئذان، يتراكضون في الزوايا·· يعثرون على شريط للفيديو عن الاحتلال، ترتجف زوجته، يقف عقلها عن التفكير حين يمسك أحدهم به ملوحاً:
- عيني ماذا يحوي الشريط؟
تحاول أن تتماسك·· ترد:
- لا شيء·· مجرد صور تخص البنات·
يترك الشريط·· عيناه تنقبان هنا وهناك، يعثر على رسالة كتبتها رشا لصديقتها، فيها شتائم ضد النظام وضد وحشية أعمالهم، يجن الضابط المتجهم، يتطاير الشرر من عينيه، يصيح صارخاً:
- أين رشا؟
تقف رشا أمامهم كوردة ذابلة، كحمامة خائفة، ينخطف لونها، ترتجف تنصهر في تلك اللحظة أوراق ربيعها، يكيلون لها وللجميع الشتائم واللعنات والاهانات، عينا مبارك وأذناه إلى حبيبته رشا لا يستطيع أن يداري نار غضبه، ينزف قلبه، يثور على نذالتهم يهاجمهم، يلعنهم يسبهم لتدخلهم السافر في شؤون بيته، لكنه يتعرض للركل والرفس، يتعثر يكاد يقع، يرتطم بالجدار· الجنود الأصنام يضربونه بأعقاب البنادق، يرفع يديه الخائرتين لوداع أهل بيته، عيونهم الخائفة تتبعه، راجين الله أن يطلق سراحه، وأن يشرق النور في لجج هذا الظلام الحالك·
يقتادونه بالجيب العسكري وسط الرعب والموت وبكاء بناته الطويل المرير، تصرخ زوجته ملتاعة، صوتها المخنوق يتمزق بحرقة وألم، عيناها الهلعتان جاحظتان، شفتاها الزرقاوان متيبستان· تصيح من الأعماق، ترفع صوتها، راجية متوسلة مسترحمة:
- زوجي·· زوجي·· اتركوه اتركوه·· الله على كل ظالم·· الله على كل ظالم·
تتبعه بالبكاء·· ودموع البنات، تحشر نفسها بين الجنود، تتمسك بطرف دشداشته· تشدها اليها بقوة·
لكن الجنود الذين تفرقوا وانتشروا عند باب المنزل وفي الشارع يدفعونها بخبث ولؤم قائلين:
- القيادة تطلبه·· زوجك مطلوب للتحقيق·
ü ü ü
توالت الأيام الغادرة الغارقة في عتمة الظلام الدامس، بطيئة، ثقيلة، مُرة كالعلقم·
وفي صباح يوم كئيب حزين، تطوق مجموعات من الجنود الأوغاد الجمعية·· متجمعين حولها أمام الطابور الطويل العريض·· مغلقين مداخلها ومخارجها، ومحكمين السيطرة عليها·
يأخذون البطل، كالسبع لا يهاب، في فمه طعم تراب الفداء، وفي رأسه أغنية الموت، يضم بين ضلوعه هموم منطقته، ونكبة الوطن القهر·
يتجولون به وهو معصوب العينين، حافي القدمين، مقيد اليدين، يربطونه إلى عمود النور طليقاً في حضن السماء، كأنه يمتطي العلياء، بين دموع عشيرته مشدودي الأعصاب والأنفاس، ووجوه الجميع الذين أصابهم الهلع والفزع، الجميع يسبح بالفزع·
عيونهم وهم في رحاب الرهبة، مسمرة على طلعة الكبرياء والإباء، على وجه القمر المصلوب على مقصلة عمود النور·
أحزانهم تندلع نزيفاً وأنيناً، الكون أمامهم يصيح، يستغيث يستنجد بعيون الأمل المقتول، يقفون بين النبض والنبض، بين النزف والنزف، بين الدم والدم، متصلبين في ساحة شظايا الموت في وجوم جنائزي·
دقائق لاهبة وصمت كابوسي·· يتقدم الضابط المتجبر الجلاد، بعينيه الدقيقتين الغليظتين كوحش كاسر، ويطلق رصاصة الإعدام على المارد المقدام أمام حشود الناس، يأمر الجنود أن يمطروه بسيل من الرصاص·
يهوي القمر المشرق مبارك النوت(9)·· في عز الضحى النازف·· ملقى على تراب صباه، يقطر دمه الزاكي شموساً في عيون الوطن، يسقط بشموخ متألقاً في عرس الموت الاسود، يخر صريعاً من عليائه، مصافحاً وجه الحرية·
نجم مضيء بارق، لن يموت أبداً""
ــــــــــــــــــــــ
هوامش:
العارضية: اسم منطقة كويتية·
النقازي: الإيقاع السريع الراقص·
البشت: عباءة الرجل·
المقصب: المطرز بالزري·
عليك سعيد: أغنية للأفراح الكويتية
الديرة: العاصمة
الفزعة: وقت النجدة
الهولو واليامال: من أغاني البصر·
مبارك النوت: اسم البطل الشهيد مدير عام جمعية العارضية الذي استشهد بتاريخ 13-9-1990 م·