رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 22 - 28 جمادي الاخرة 1421 هـ الموافق 20 - 26 سبتمر 2000
العدد 1445

قضية

الحسبة·· هل لها أصل في تشريع القرآن الكريم؟

 

تواصل مجلة "أدب ونقد" ما بدأته في أعدادها الثلاثة الأخيرة، بنشر دراسات قيمة، تناقش حرية الفكر والتعبير، والقيود التي يسعى البعض لتكبيل مجتمعاتنا بها باسم الدين، ففي عددها الأخير قامت بنشر دراسة مهمة للباحث د· أحمد صبحي منصور يتساءل فيها عن نظام الحسبة، وهل لها أصل في تشريع القرآن؟ ليعيد أصل نشوء هذا النظام الى تشريعات العصر العباسي والمملوكي في القرون الوسطى والتي لم تعرفها دولة النبي أو الخلفاء الراشدين حيث كانت القاعدة المهمة ولا تزال في القرآن هي·· الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة·

يستدل د· منصور من حوادث تاريخية عدة الى أن هؤلاء المشرعين الذين استحدثوا "الحسبة" قد جعلوا من "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" غطاء تشريعيا للحسبة، بالرغم من اختلاف ملامح هذه القاعدة "الأمر بالمعروف··" عن تشريعات الحسبة الفقهية·

فالأمر بالمعروف أمر قولي والنهي عن المنكر نهي قولي، أي نصح وإرشاد باللسان، كما أن النبي نفسه أمره الله تعالى أن يتبرأ من عصيان أصحابه، إذا وقعوا في عصيانه، فجاء التشريع القرآني "فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون" لم يجئ الأمر الإلهي بالتبرؤ منهم، إنما من أعمالهم، فالبراءة من العمل السيئ ذاته لا من الشخص وبما أن عصيان النبي يوصف بالجريمة فإن الرحمة الإلهية لم تأمر أن يتهموا بالكفر، أو أن يعقد لهم النبي محاكم للتفتيش!

الأمر الثاني الذي استعرضه الباحث في تشريع قاعدة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أنها لا يقتصر تطبيقها، أو لا توكل مهام بالتطبيق على طائفة معينة تحترفها كوظيفة رسمية أو تطوعية، بل أن المجتمع كله يتواصى بالحق ويتواصى بالصبر· ليتوصل الباحث الى "إذن فإن تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في القرآن يخالف تشريع الحسبة، إذ إن حدود التدخل في حياة الآخرين لا تتعدى النصح الجميل، أما في تشريع الفقهاء فالتدخل يصل إلى درجة العقوبة بالقتل في الاتهام العقيدي أو الفكري"·

ويستطرد الباحث في عرضه لمشاهد من التاريخ النبوي تؤكد غياب مثل تلك التشريعات المستحدثة للحسبة، وتبين تسامح واتساع التعامل النبوي مع مخالفيه، من مشركين وأهل كتاب، ومنافقين··· وغيرهم· فتحت عنوان "في الجدال الفكري" يستشهد الباحث بحوادث عايشها النبي حينما كان حوله أصحاب فكر مخالف وعقائد مخالفة من المشركين والنصارى واليهود وكانوا يذهبون إليه ليجادلوه بقضايا فكرية، لم يتهم خصومه ومخالفيه بالكفر، فالجدال معهم بالتي هي أحسن، أو بالإعراض - في أشد الحالات - مع من يظلم الله تعالى ويكذب بآياته·

وتحت عنوان "الجدال مع أهل الكتاب" يستحضر الباحث الخلافات العقائدية مع أصحاب الفكر الديني المخالف، وهي أن تجادلهم بالحسنى، ما عدا الظالمين منهم، فينبغي الإعراض عنهم " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن مسلمون"·

كما يشير الكاتب الى أن الله سبحانه لم يقل له اقرأ عليهم الآيات التي تصف بالكفر من يقول بأن الله هو ثالث ثلاثة، أو بأن الله هو المسيح ابن مريم، لأن هذه الآيات كلام الله وحكمه، وهذا هو خطابه مع عبيده والذي لا يشاركه فيه أحد، أما خاتم النبيين فهو مأمور بإرجاء الحكم إلى الله تعالى حتى فيمن يجادله في طبيعة المسيح بما يخالف القرآن، ليتوصل الى أنه "لا يجوز لمؤمن أن يبيح لنفسه خصوصية في اتهام الآخرين وتكفيرهم لأن النبي عليه السلام نفسه لم يعط هذه الخصوصية"·

يتابع الباحث أمثلته "مع المحاربين" و"مع المنافقين" وتحت العنوان الأخير يضرب مثلا لكبير المنافقين "عبدالله بن أبي"، الذي كان تولى الحملة الدعائية الكاذبة في حديث الإفك وقال تعالى عنه "والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم" ومات ذلك الزعيم المنافق على فراشه، لم يتعرض لحد الردة المزعوم، ولم يعقد له النبي محكمة تفتيش، مع أن القرآن نزل يحكم بكفره، ولم يحكم النبي بالتفريق بينه وبين زوجاته، وكانت له زوجات عدة"·

وينتقل الباحث الى "الاستتابة" ويتساءل إن كانت من تشريعات القرآن؟ أو بمعنى آخر هل يجوز لبشر أن يستتيب واحدا أو مجموعة من البشر؟

ليقول إن كلمة "تاب" ومشتقاتها جاءت في القرآن الكريم 87 مرة وليس منها على الإطلاق كلمة "استتاب" أو "استتابة"، لأن التوبة علاقة خاصة بين العبد وربه جل وعلا، وليس لبشر حتى النبي أن يكون واسطة بين الله تعالى وعبده في موضوع التوبة·

يختتم الباحث د· أحمد صبحي منصور دراسته بموضوع "التفريق بين الزوجين" ليستنكر الرأي الزاعم بالتفريق بين المرتد وزوجته، بدليل أن المنافقين الذين حكم الله تعالى بكفرهم لم يحكم بالتفريق بينهم وبين أزواجهم·

وأن مفهوم "التفريق بين المرء وزوجه" قد ورد في القرآن الكريم في موضعين: الأول في تشريع الطلاق "فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف" وأن قرار التفريق راجع هنا للزوج أو للزوجين معا وليس من طرف خارجي· الثاني: في قوله تعالى "فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه" أي ما جاء في أصحاب أعمال السحر وهنا يكون التفريق من عامل خارجي·

غير ذلك لم يرد نص يشرع التفريق، بل العكس من ذلك حينما دعا القرآن المجتمع إلى أن يتدخل لإصلاح ما بين الزوجين·

وختاماً نقتطع فقرتين من الدراسة كما أوردها الكاتب في موضوع "التفريق بين الزوجين":

"·· لم يحدث بعد الإسلام أن نزل تشريع يعتبر الزيجات السابقة فاسدة لأنها تمت في مجتمع مشرك، ولكن الذي حدث أن القرآن اعتبر كل الزيجات السابقة للأحياء والأموات زيجات شرعية وافتخر العرب بحفظ أنسابهم عن طريق ذلك الزواج الذي كان قبل الإسلام، واستمر الصحابة بنفس الزواج ويحمل أولادهم نفس الأنساب، بل إن تشريعات القرآن في الزواج جاءت بتعديلات كلها في صالح المرأة، ولكن لم تتعرض لكيفية عقد الزواج، لأن الكيفية كانت ولا تزال شرعية"·

"·· لقد اعتبر القرآن زواج الابن من مطلقة أو أرملة أبيه فاحشة ومقتاً وساء سبيلا، وتلك صيغة مشددة في التحريم، كما حرم أيضا الجمع بين الأختين في الزواج، ومع ذلك فقد استثنى من التحريم تلك الحالات الفردية التي سلفت وكانت موجودة حين نزل التشريع القرآني··· والمعنى أن القرآن لم يحكم بالتفريق في تلك الحالات الفردية المعدودة، وكان يمكن التضحية بها في سبيل قانون إلهي يستمر إلى قيام الساعة، ولكن إلى هذا الحد بلغ حرص القرآن على استمرار الأسرة حتى لو كانت تخالف تشريع القرآن، فنزل التشريع الساري ولكن مع استثناء بالإبقاء على تلك الأسر القليلة العدد· وهكذا لا نجد على الاطلاق في تشريع الإسلام تفريقا بين زوجين في المجتمع المسلم المسالم الآمن"·

ويضرب أخيرا مثالاً تاريخيا حيث تذكر كتب السيرة "أن ابنين لأبي لهب كانا على وشك الزواج ببنتين للنبي، ثم تركاهما بتأثير أبي لهب وأم جميل، وتذكر السيرة أيضا أن زينب بنت النبي تزوجت من مشرك بلغ من إخلاصه لعقيدته أنه اشترك مع المشركين في موقعة بدر، ثم أسره المسلمون، وبعثت زوجته بنت النبي بعقد لتفتدي به زوجها من أبيها إلى المدينة، أي أنها بقيت مع زوجها في مكة ولم تتركه لتهاجر مع أبيها الى المدينة، مع إسلامها، ثم تركت زوجها فيما بعد، وهاجرت ثم لحق بها زوجها مؤمنا، والمستفاد من ذلك أن الزواج شريعة الله بغض النظر عن العقائد، وأنه ليس في تشريع الإسلام التفريق بين الزوجين بسبب العقيدة إلا إذا اختارا ذلك وافترقا عن بعضهما بمحض إرادتيهما"·

طباعة  

أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
قصة قصيرة
قمـــر العـارضيـة

 
كتاب
 
كم مَرَّ مِنْ مسَاء؟
 
وتد
 
أجيال