رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 22 - 28 جمادي الاخرة 1421 هـ الموافق 20 - 26 سبتمر 2000
العدد 1445

كتابٌ ولقَـاءٌ ومُلاحظة - (3 - 2)

·         هذه المرة (1967) بدأ عبدالحكيم من حيث انتهينا سنة 1956، والظروف مختلفة· مختلفة جداً لأننا هذه المرة كنا أمام جبهة واحدة في سيناء، وحينما أصدر عبدالحكيم أمر الانسحاب من سيناء (تكراراً لما جرى في السويس) كان معناه دون أن يفهم أنه بذلك يعطي للقوات الإسرائيلية ما تريده بالضبط

·         عبدالحكيم عاد إلى القاهرة كما تعرف (عاد إلى القيادة بسيارة تاكسي)، وعندما بدأ يتخذ قراراته كان قرار الانسحاب أولها· كان الشبح الذي يتصرف داخله هو ظل القائد المهزوم، يتظاهر بالقوة لكنه في داخله متردد يفتقد الثقة في نفسه

·         سألني جمال عبدالناصر لماذا اخترت تعبير "نكسة"؟ قلت "إنني توقفت كثيراً قبل أن أستقر عليها· كان أمامي أن أختار بينها وبين ثلاثة أوصاف أخرى طرحت نفسها علي أثناء كتابة نص مشروع الخطاب: كلمة "صدمة" وقد وجدتها أقل من اللازم- وكلمة "هزيمة" وقد وجدتها أسوأ من اللازم- ثم كلمة "نكسة" وقد أحسست مثلك أنني مستريح معها"

·         قاطعني جمال عبدالناصر قائلاً: "الاستسلام (يقصد استسلامه هو) غير مطروح· خسائرنا (كما يقدرها في ميدان القتال وفق آخر ما لديه من معلومات) لا تستدعي الاستسلام· تستدعي جهوداً سياسية جديدة مكثفة يقوم بها رجل آخر ليكسب وقتاً يقاتل فيه بـ "جد" أو يبحث فيه عن "حل بالسياسة" يستعد للمواجهة في يوم آخر"

 

محمد حسنين هيكل **

هذا الحديث ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، يستطيع أي قارئ لها -إذا شاء- أن يربط بينها في فكره، ولعله- إذا فعل- أن يطيل النظر في المشاهد والمواقف والدلالات، وربما يتبين له أن هذه الأجزاء الثلاثة لهذا الحديث ليست بعيدة عن بعضها كما توحي مساحة الزمن، ومسافة المكان، واختلاف الناس والظروف·

الجزء الأول من هذا الحديث قراءة في كتاب لمعلم أمريكي كبير هو الدكتور "جون لوكاس" أستاذ التاريخ في جامعة فيلادلفيا، وهو مؤلف لأكثر من عشرين كتاباً أهمها "نهاية القرن العشرين"، و"نهاية العصور الحديثة"- وهذا الكتاب الجديد  يحمل عنوان "خمسة أيام في لندن- مايو 1940" (وقد صدر في نيويورك ضمن مطبوعات جامعة "بيل" العريقة في شهر نوفمبر الماضي - وبعد أن فُتحت ملفات من الحرب العالمية الثانية "شديدة الحساسية" ظلت مغلقة لمدة خمسين عاماً، خلافاً للقواعد العادية "ثلاثين عاماً")·

والغريب أن هذا الكتاب ألح عليّ وكأنه يقصد لفت انتباهي إلى قراءة واجبة، فقد وصل إليّ أكثر من مرة عارضاً نفسه: أهداني أحد الأحباب نسخة منه فور صدوره أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية (قبل سبعة أشهر) لعملية جراحية كانت ضرورية· وكان ظن صاحب الهدية -كريماً- أنني قد أقضي معه ساعات أقطع بها الملل أثناء فترة النقاهة، خصوصاً وهو يعرف اهتمامي بالحرب العالمية الثانية، وكانت لي ولجيلي جامعة كبرى تعلم فيها كثيرون من رجال السياسة والفكر والصحافة درسهم الأهم في علم الصراع· وطالعت من الكتاب صفحات، ثم أخذني ما يأخذ المرضى بعد الجراحة عادة وبطبائع الأحوال- وفاتتني فرصة قراءة الكتاب كما يستحق وحتى نهايته- لكن الكتاب لم يعتب ولم يهجر· ففي شهر أبريل الأخير (2000) وجدت نسخة ثانية منه واصلة إليّ ومعها رسالة من "إدوارد هودشكين" الذي كان رئيساً للقسم الدولي في جريدة "التايمز البريطانية" على عهد رئيس تحريرها العتيد السير "ويليام هيلي"، وفي رسالته كان "تيد" (إدوارد) يشير إلى أن هذا الكتاب ربما يعنيني بوجه خاص لأنه سمعني أتحدث أكثر من مرة إلى هيئة تحرير "التايمز" عن أيام سنة 1967 في مصر- وكان "تيد" في إحدى عبارات رسالته يقول لي: "إنك قد تجد في أيام مايو 1940 في لندن، كما يرويها جون لوكاس بأسلوبه المتميز الدقيق، ما يحمل إليك أصداء لوقائع يونيو 1967 في القاهرة كما سمعت عنها منك، ومع أن التاريخ لا يكرر نفسه فإن الأحداث أحياناً تتشابه بإملاء عناصر ثابتة تحكم سياسات كل الأمم والشعوب"·

وهكذا قرأت الكتاب الذي عرض نفسه عليّ مرتين، ثم وجدت نفسي مع شعور مؤداه "أن حكمة المقادير أعقل من أن تكون لعبة مصادفات"·

الجزء الثاني من هذا الحديث مذكرات كتبتها في حينه عن مقابلة تواصلت على مدى عشر ساعات مع جمال عبدالناصر: من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الخامسة والربع من بعد ظهر يوم الجمعة 9 يونيو سنة 1967· وكانت تلك هي المقابلة التي حملت فيها إليه مشروع خطاب التنحي الذي قدمه للأمة بعد الأحداث المروَّعة التي غطت وجه منطقة الشرق الأوسط كلها بالنار والدم من 5 يونيو سنة 1967- ولأيام عصيبة تالية!

وكانت تلك مقابلة من نوع فريد، في لحظة من التاريخ فاصلة· وفي جو من المشاعر الجياشة والمتعارضة يصعب أن يتكرر·

وكان جمال عبدالناصر قد اتصل بي في مكتبي بالأهرام في الساعة السادسة وعشر دقائق من مساء يوم الخميس 8 يونيو ينهي إليّ- من مقر القيادة العليا للقوات المسلحة- ما آلت إليه الأمور على جبهة القتال في سيناء حتى الدقائق الأخيرة، وكان تقديره أن الموقف "بالغ السوء" وانه "قرر قبول وقف إطلاق النار وطلب إلى وزير الخارجية (محمود رياض) إبلاغ سفير مصر الدائم لدى الأمم المتحدة (محمد القوني) أن يخطر مجلس الأمن بذلك"- وقال لي جمال عبدالناصر: "إنه يتحمل أمام الناس كامل المسؤولية"· وكان سؤاله بعد ذلك فيما يجب أن تكون عليه الخطوة التالية؟- وأبدى كل منا تصوره للضروري والمطلوب، ولم يظهر بيننا خلاف على أنه "وبعد كل ما جرى فليس أمامه- بعد أن يتحمل مسؤوليته أمام الناس- غير أن "يذهب"، وكان تعبيره هو عن ذلك بلفظ "أمشي"، وأضاف إليه "حتى يستطيع البلد أن يُدبر أمره- بعد الصدمة- مع قيادة أخرى"، ثم سألني جمال عبدالناصر "إذا كان بمقدوره أن يعتمد عليّ في إعداد خطاب إلى الأمة يقدمه إليها مساء غد لأنه متعب ومثقل، خصوصاً وأن أمامه إجراءات أخيرة "يقوم بها قبل سريان وقف إطلاق النار"، ثم إن هناك ترتيبات معينة "يرى أن يتفق عليها مع عبدالحكيم (المشير عبدالحكيم عامر)- وكي لا تفلت الأمور وتزداد الأوضاع سوءاً"·"·

وفي الساعة التاسعة إلا ربعاً (أي بعد قرابة ساعتين ونصف الساعة) عاد جمال عبدالناصر فاتصل بي يسألني إذا كنت فكرت فيما توافقنا عليه في المكالمة السابقة؟- وقلت ان لدي بعض التصورات أديرها في رأسي، لكني أحتاج منه إلى رد على سؤال يفرض نفسه، وهو "إلى من سوف يعهد بالسلطة "عندما يمشي"؟"- وكان رده نوعاً من صاعقة لأنه ذكر اسم السيد "شمس بدران" وزير الحربية في ذلك الوقت، وبالتأكيد فإن تكراري لاسم "شمس بدران" مرة أخرى بعده لم يحمل إليه نبرة بالاستغراب فقط، بل إنه حمل إليه (كما قال لي فيما بعد) صوتاً بالاحتجاج- وكان تعليقه وهو يتحدث همساً بصوت يكاد يغوص في بحر من الأحزان: "سوف أقول لك السبب حين أراك غداً"، وسألني: "هل تستطيع أن تجيء إليّ أول شيء في الصباح الباكر- فور أن تصحو من النوم؟"!- وأحس دون أن يرى- بظل ابتسامة كسيفة عبرت على شفتي، فاستدرك قائلاً: "أعرف أنك مثلي لن تنام الليلة"·

وبالفعل فلقد قضيت الليل كله في مكتبي بالأهرام في حماية تلك الصديقة الوفية والصلبة "نوال المحلاوي" كانت مسؤولة عن المكتب، مقيمة فيه قبل دخولي إليه وبعد خروجي منه·

وعند الفجر جاءتني "نوال" بفنجان قهوة ومعه قطعة من خبز "الكرواسان"- وشربت القهوة ولم أجد في استطاعتي مضغ شيء· وعندما جاءت الساعة السادسة والنصف من الصباح ركبت سيارتي متوجهاً إلى منشية البكري، وكانت الشوارع خالية، والصباح ندياً لم تغلبه بعد حرارة الصيف، وبدت المدينة ساكنة لا تشعر أن زلزالاً عاتياً على وشك أن يدهم حياتها في ظرف ساعات قليلة·

وخطوت من عتبة بيت جمال عبدالناصر إلى الردهة الداخلية متجهاً إلى اليسار حيث كانت غرفة المكتب، وكان جمال عبدالناصر واقفاً وراء مكتبه مرتدياً بنطلوناً رمادياً ينزل عليه من خارجه قميص أبيض، وممسكاً بسماعة تليفون يصغي إلى حديث يصله منها، وأشار إلى مقعد أمام المكتب، ولم أجلس·

ثم كان انني قضيت ذلك اليوم بطوله من صبحه إلى مساه مع جمال عبدالناصر، ولم يكن هناك غيرنا (وهذه حقيقة شهد بها الجميع لم يختلف منهم أحد)· وخرجت من المكتب مرة وعدت إليه، وكان داعي الخروج أن أسلم مشروع الخطاب للسيد "سامي شرف" سكرتير الرئىس للمعلومات ليتولى ترتيب إعداده مطبوعاً على الآلة الكاتبة·

وكان النهار طويلاً وثقيلاً وحزيناً··· وخطراً·

وفي آخره فقد كنت أريد أن أعود إلى بيتي بأسرع ما يمكن، وبين أسبابي أن أسجل وقائع ما جرى في ذلك اليوم الطويل والثقيل والحزين والخطر بينما الكلمات والحروف- والتعبيرات والإشارات- حية في الذاكرة ومتوهجة، لكني لم أستطع بسبب زحام الحوادث فيما بقي من مساء وليل وصباح يوم تالٍ· ومساء يوم السبت 9 يونيو (الساعة الحادية عشرة والنصف) كنت أشعر وكأني أكاد أسقط من الإعياء، لكني كنت واثقاً أن النوم سوف يظل مطلباً عزيز المنال إذا لم أسجل وقائع ما جرى خلال الساعات الأربع والعشرين التي مضت، وخصوصاً تلك الساعات العشر أو أكثر في مكتب جمال عبدالناصر، وهو وأنا وحيدان في المكتب ليس معنا إلا الله- شاهداً·

ولمدة تقارب الساعتين راحت تجربة الأربع والعشرين ساعة الأخيرة تذوب حبراً على ورق· وكتبت وكتبت، والسيل منهمر، والسياق متصل، والإضافات لاحقة، والاستدراكات لاهثة تحشر نفسها بين المقاطع، والوقائع الشاردة من شدة السرعة ترجع إلى حيث تجد على الصفحات بياضاً تحتله ولو على الهوامش·

وحين فرغت من الكتابة أحسست أن واحداً من همومي انزاح عن صدري- وظننت أنني الآن على استعداد لمطاوعة سلطان النوم وإغماض عيني ولو لساعة واحدة قبل أن يطلع الفجر من جديد- وهكذا كان·

وبقيت المذكرات التي كتبتها في ذلك المساء حتى عدت لمراجعتها بينما كنت أستعد لنشر الجزء الثالث من مجموعة "حرب الثلاثين سنة" وعنوانه: "1967- الانفجار" (وكنت أريده وثائقياً بالدرجة الأولى)- وهكذا اقتصرت فيه على إشارات إلى رؤوس موضوعات مما جرى في تلك الساعات العشر وأكثر في مكتب جمال عبدالناصر (في بيته) ذلك اليوم الطويل، الثقيل، الحزين، والخطر·

وبشكل ما فإن قراءة كتاب "جون لوكاس": "خمسة أيام في لندن- مايو 1940"- أعادتني مرة أخرى إلى مذكرات كتبتها عن عشر ساعات (مع جمال عبدالناصر) في القاهرة- يونيو سنة 1967·

(وكنت قد رجحت الاحتفاط بها حتى يحين أوان نشر المجموعة الكاملة لأوراقي)·

وأخيراً فإن الجزء الثالث من هذا الحديث هو خواطر ومشاعر وَرَدَت على بالي مع متابعة بعض الصحف المصرية والعربية خلال شهر يونيو الأخير- يونيو سنة 2000- ولعل متابعة هذه الصحف في هذه الفترة هي التي أغرتني بهذا الحديث، بأجزائه الثلاثة!

تلك مقدمة كانت ضرورية لشرح مسار هذا الحديث، وأظنها تعبر عن خواطري ومشاعري، ولعلها توحي بخط متصل بين الأجزاء الثلاثة- واضح أحياناً، خافت أحياناً- متقارب في بعض المواقع، متباعد في غيرها- راسماً على طول الطريق صلة من نوع ما، على نحو ما، تأخذه من أوله إلى آخره "

 

اللقاء 10 ساعات مع عبدالناصر نهار 9 يونيو 1967

 

"" (سوف أروي هنا وقائع مقابلة مع جمال عبدالناصر امتدت على طول عشر ساعات، بدأت من الساعة السابعة (إلا خمس دقائق) صباحاً- وتواصلت إلى ما بعد ظهر يوم الجمعة 9 يونيو 1967، وكنت قد ذهبت إلى بيت جمال عبدالناصر أحمل معي مشروع خطاب التنحي الشهير، وكنا- وكما أسلفت في مقدمة هذا الحديث- قد اتفقنا على توجهه العام خلال اتصالين تليفونيين أجراهما معي من مقر قيادة القوات المسلحة في مدينة نصر مساء اليوم السابق (8 يونيو)·

وأروي وقائع هذا اللقاء الممتد -هنا- معتمداً على نص مذكرات كتبتها مساء اليوم التالي مباشرة (10 يونيو)- وأترك سياق الوقائع يعرض نفسه كما كتبته في حينه، فإذا عَنَّ لي أن أضيف ملاحظة تقتضي أهميتها قطع السياق فسوف يكون ذلك بين قوسين، وإذا طالت الإضافة فصلت الأصل عن المضاف بسطور من النقط)·

بداية المذكرات

"وجدت جمال عبدالناصر" واقفاً أمام مكتبه يتكلم في التليفون- أومأ أن أنتظر ثم أشار إلى مقعد أمام المكتب كي أجلس· لم أفعل· ابتعدت حتى يتكلم على حريته· وقفت أمام دولاب المكتبة المواجه للمكتب أحاول قراءة عناوين الكتب المرصوصة· لم أستطع التركيز على أي منها· التفت ناحية الرئيس وهو منهمك في حديثه التليفوني· أدهشني كيف بدا· إنني لم أره منذ ثلاثة أيام· وقد تحدث معي تليفونياً عدة مرات آخرها أمس، لكنه الآن اختلف كثيراً عما رأيته آخر مرة·

عشر سنوات على الأقل زادت على عمره خلال ثمان وأربعين ساعة لم أره فيها· بدا أن هم الدنيا كلها نزل فجأة على كتفيه· أشعر بأزمته وأراها بعيني·

مع من يتكلم في هذه الساعة من الصباح في هذا اليوم الكئيب؟ لا ينبغي أن أركز على الإصغاء· أصغيت· فهمت بعد عبارتين أنه يتحدث مع عبدالحكيم (عامر)· نظر إليَّ· أدرك أنني أخذت أتابع· وضع يده على بوق سماعة التليفون· وجه إليّ الكلام: "عبدالحكيم"· ثم استطرد: وصلته (عبدالحكيم عامر) معلومات بأن قوات إسرائيلية تعبر القناة الآن من الشرق إلى الغرب· قلت على الفور: مستحيل!- أشار مستفهماً· كررت ما قلته· رفع يده عن بوق التليفون وقال لعبدالحكيم: انتظر·· هيكل دخل عندي الآن ويظهر أن له رأياً؟- التفت إلي جمال عبدالناصر وسماعة التليفون لاتزال في يده وإن أبعدها ونزل بها إلى قرب سطح المكتب· سألني: لماذا "مستحيل"؟- كان ردي أن ذلك لا يمكن أن يكون معقولاً· إسرائىل بوصولها إلى الضفة الشرقية لقناة السويس حققت أكثر مما كانت تخطط له أو تحلم به· أكثر مما تحتمله الموازين الإقليمية والدولية، وأكثر مما تحتمله حقائق الواقع على الأرض· وصول القوات الإسرائيلية إلى قناة السويس بعد زحف طويل وسريع ومنهك يفرض عليها أن تنتظر (ولو لإعادة تجميع الصفوف) قبل أي حركة جديدة· أي تقدم في الغرب الآن معناه أن الجيش الإسرائيلي سوف يبدأ نوعاً جديداً من المعارك لا يريده كما أنه ليس مستعداً له· لأن أي معارك في الغرب سوف تكون معارك مدن أو قرب مدن، وسط تجمعات سكانية· نظرية الحرب الإسرائيلية لا تقبل هذا النوع من الحروب الذي يكلف أرواحاً بشرية عالية·

لخص جمال عبدالناصر لعبدالحكيم (عامر) ما سمع مني، ثم ناولني سماعة التليفون أشرح بنفسي وجهة نظري لعبدالحكيم· أعدت عليه ما قلت· قال: هذا كلام نظري فات وقته· قلت: هذا جائز لكني مازلت أعتقد بصحته، وأخشى أن المعلومات التي وصلت إليه أملتها الظروف التي أثرت على أعصاب بعض الضباط والجنود في الجبهة· لم يُرد جمال عبدالناصر على ما يظهر أن يطول الجدل·

أخذ سماعة التليفون وطلب من عبدالحكيم أن يتأكد بنفسه من قيادة القوات· سأله: أين مرتجى (اللواء عبدالمحسن مرتجى قائد القوات البرية على الجبهة)- لم أسمع رد عبدالحكيم· ختم جمال عبدالناصر بقوله: حاول!- لم أعرف ما هو المطلوب من عبدالحكيم محاولته- ربما الاتصال بمرتجى·

تحرك جمال عبدالناصر من وراء المكتب وجلس على أحد المقعدين الكبيرين (فوتيل) أمام المكتب· جلست أمامه· هز رأسه بأسى لم أر مثله منه في تعبيره عن نفسه رغم أنني رأيته من قبل في أزمات كبرى· أحسست لأول مرة أن الرجل الذي يجلس أمامي جريح· وهو ينزف دمه في هدوء مأخوذ كأنه مازال تحت نوع من الصدمة· قلت في محاولة للتخفيف عنه "إن المقادير تصيب الناس أحياناً بما لم يتحسبوا له، ولكن المهم هو كيف يتصرف الناس بعد أن تضربهم المقادير؟"- قال وهو يهز رأسه في أسى عميق مرة أخرى "ما يؤلمني أن المقادير لم تكن هي التي ضربتنا، نحن ضربنا أنفسنا"· التفت ناحية التليفون كأن الرجل الذي كان يحدثه فيه قبل دقيقتين تجسد في مكانه ومازال هناك·

قال: عبدالحكيم ضيع أعصابه تماماً· وضيع جيشه· ولا أستطيع أن ألوم أحداً لأنني المسؤول· عبدالحكيم كان يجب أن "يمشي" بعد الانفصال (مشيراً إلى انفصال سوريا عن مصر بانقلاب عسكري في دمشق- سبتمبر 1961- وكانت قيادة ذلك الانقلاب لضباط سوريين- معظمهم من مكتب نائب رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة للجمهورية العربية المتحدة: المشير عبدالحكيم عامر)·

استطرد جمال عبدالناصر: "بعد الانفصال كان عبدالحكيم يشعر في أعماقه أنه "قائد مهزوم"· أي قائد عسكري مهزوم- مهما تظاهر- يفقد الثقة في قراره· يتردد· التردد غير معاودة التفكير والتقدير· القائد العسكري الذي يفقد الثقة في قراره يتظاهر بالقوة أكثر مما يحس بها داخل نفسه· ظننت أن تجربة الانفصال سوف تفيده· أعرف الآن أنني أسأت التقدير، وتركه في موقعه زاد المشكلة ولم يحلها!"·

(تصورت قبل أن أجيء أن جمال عبدالناصر لا يريد أن يتكلم فيما جرى الآن، وكنت عزمت أن لا أثقل عليه بسؤال· بدا لي أنه يريد أن يتكلم· ربما يشعر أن الكلام يريحه· الرجل فعلاً في حاجة إلى أن ينفس عن نفسه وأن يفضي· ترددت قبل أن أوجه إليه سؤالاً· لا أريده أن يظن لحظة حتى في مثل هذا اليوم أن طبيعة الصحفي لدي تطغى على ما عداها· لم أكن أريده أن يتخيل في هذه الظروف أنه مع الصحفي· أردت لنفسي وأردت له أن يثق أنه مع الصديق وليس مع الصحفي· شعرت أن الفارق خيط رفيع: ما هو الفارق العملي بين أن يفضي إلى صديق وبين أن يتحدث إلى صحفي (هو نفسه الصديق)· أحس جمال عبدالناصر بترددي· أشعل السيجارة الثالثة التي رأيته يشعلها في أقل من ثلث ساعة قضيتها معه حتى الآن· كان يشد الأنفاس من السيجارة وكأنه يملأ بها صدره إلى الآخر، ثم ينفث الدخان وكأنه يطرده· طلب فنجانين من القهوة· راح يتكلم)·

بدأ جمال عبدالناصر قائلاً: "الكارثة أن عبدالحكيم تصرف سنة 1967 وكأننا مازلنا في سنة 1956- كأننا في السويس مرة ثانية·

هذه المرة (1967) كنا نتحرك لمساندة سوريا أمام التهديدات التي تتعرض لها من إسرائىل، وقد وصلت إلى حد تهديد ليفي أشكول (يوم 8 أبريل) بأن القوات الإسرائيلية مستعدة لاحتلال دمشق نفسها لضرب النظام في سوريا وفي عقر داره·

وكانت هناك بالفعل حشود قوات إسرائيلية على الخطوط مع سوريا· ذهب فوزي (يقصد الفريق محمد فوزي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية) إلى دمشق، وهناك وجد من يقول له إنه ليست هناك حشود· وهذا لغز لم أفهمه بعد كل ما أبلغه لنا السوفيت والسوريون، وأكدته الأخبار العلنية والتصريحات والتهديدات· عندما جاء فوزي كانت العجلة دارت"·

(نعرف الآن أنه كانت هناك بالتأكيد حشود إسرائيلية أمام سوريا، ونعرف ذلك بالوثائق الإسرائيلية وقد اعتمد عليها المؤرخ الإسرائيلي "آفي شلايم" في كتابه "الجدار الحديدي" والذي ذكر فيه (صفحة 235) أنه كانت لدى الجنرال رابين رئيس الأركان الإسرائيلي، واللواء دافيد إليعازر قائد الجبهة الشمالية- خطة لاستفزاز سوريا وشد أعصابها، وذلك بتحريك مجموعة ألوية تتحرك وتتقدم من الحدود السورية، وترفع القيادة السورية درجة استعدادها، ثم تعود الألوية وتبتعد عن الحدود، وتحتار القيادة السورية في تفسير "نوايا العدو"، وتأخذها الشكوك وتتملكها العصبية رغم أن بعض عناصر القيادة السورية- في الحزب وفي الجيش في ذلك الوقت- كانت تعرف ما هو أكثر عن مقاصد التحركات الإسرائيلية"·

وقد سمعت بنفسي من الرئيس حافظ الأسد أن حركته التصحيحية في سوريا بعد حرب 1967 كانت تستهدف بالدرجة الأولى تصفية عناصر متواطئة بالذات مع المخابرات البريطانية· كما أن هذه العناصر كانت مشاركة في سياسات تسعى إلى توريط مصر في حرب مع إسرائىل بصرف النظر عن ملاءمة الظروف!)

جمال عبدالناصر يواصل كلامه:

"في السويس (1956) كان لابد أن نسحب القوات من سيناء فور أن وصلنا الإنذار البريطاني الفرنسي بالتدخل· معنى بقاء القوات في ذلك الوقت، وبعد قرار إنجلترا وفرنسا ان تتدخلا في الحرب بالتآمر مع إسرائىل- ان القوات في سيناء سوف تصبح مقطوعة عن قواعدها في الوادي ومعزولة عن قيادتها فيه· ستكون القوات في مواجهة إسرائىل في سيناء، وينزل الانجليز والفرنسيون وراءها· وقتها- تتذكر- كان عبدالحكيم لا يريد الانسحاب من سيناء، وقد طلب إلى القوات أن تقاتل إلى آخر رجل وإلى آخر طلقة· ذهبت إلى القيادة وقلت له إن هذا جنون مطبق لأن عليك أن تأمر بسحب القوات من سيناء وتأمر بضمها إلى قوات الجيش الرئيسي· قلت له: بدل أن تترك مصر كلها مكشوفة للقوات البريطانية الفرنسية، حدد أولوياتك· الإنجليز والفرنسيون أولاً دفاعاً عن الدلتا والقاهرة· فإذا نجحت فأمر إسرائىل في سيناء بعد ذلك مقدور عليه· كان معظم أركانات حربه على ذلك الرأي· ذلك أبسط ما يقول به العلم العسكري، لكن عبدالحكيم غلب عنصر الكرامة والكبرياء- والحرب ليست كذلك· الحرب بالدرجة الأولى نفس طويل· كل معركة جزء من حرب وليست كل الحرب!

هذه المرة (1967) بدأ عبدالحكيم من حيث انتهينا سنة 1956، والظروف مختلفة، مختلفة جداً لأننا هذه المرة كنا أمام جبهة واحدة في سيناء، وحينما أصدر عبدالحكيم أمر الانسحاب من سيناء (تكراراً لما جرى في السويس) كان معناه دون أن يفهم أنه بذلك يعطي للقوات الإسرائيلية ما تريده بالضبط· في المرة الماضية كنا نريد سحب الجيش من سيناء حتى وإن لم يقاتل لأننا كنا نريده لمواجهة الإنزال البريطاني الفرنسي عندما ينفذ الانجليز والفرنسيون إنذارهم باحتلال القناة· هذه المرة كان الأمر يختلف· لماذا ينسحب الجيش من سيناء ولا يقاتل طبقاً لخططه· عبدالحكيم أصدر قراره بالانسحاب من سيناء بعد أن عرف بحجم الخسائر في ضربة الطيران صباح 5 يونيو· أحس بالانكشاف بعدها وظن ان عليه سحب القوات وهذا تصرف غريب· المرة الماضية كان هدف  الغزو قناة السويس· هذه المرة الهدف سيناء· الظروف تغيرت، ولا بد للقائد أن يتصرف بمطالب الوضع الجديد، ويحارب المعركة الدائرة أمامه اليوم، ولا يحارب المعركة التي كانت بالأمس· معركة الماضي· كذلك تقول مبادئ العلم العسكري· عبدالحكيم فوجئ بضربة الطيران الإسرائيلي· بقوة الضربة· بخسائر الضربة· وفقد أعصابه وراح يتصرف في معركة سنة 1967 بالمنطق الذي اقتضته معركة سنة 1956، وهذا أسوأ ما يتصرف به قائد عسكري، لم يخطرني عبدالحكيم بقرار الانسحاب قبل إصداره لأنه في الغالب كان "مكسوفاً من نفسه بعد ضربة الطيران" وكان يريد أن يثبت للجميع ولي أنه قادر على القرار· وهو لم يكن قادراً بعد المفاجأة، حاول أن يخفي عني حجم خسائر الضربة، وظل يراوغ ثلاث ساعات· حتى بعد ضربة الطيران الإسرائيلي كان اعتقادي واعتقاد كثيرين غيري في القيادة أن القوات في سيناء تستطيع أن تحارب معركة دفاعية كبيرة· من مواقع ثابتة وفيها كانت تستطيع تعطيل التقدم الإسرائيلي وتعطينا وقتاً لعمل سياسي واسع· لكن قرار الانسحاب زاد في انكشاف القوات المصرية، لأن الإسرائيليين لاحقوها وهي تتحرك تحت سماء مكشوفة لهم فيها السيطرة الكاملة على الجو وضعوها نفسياً بالدرجة الأولى في موقف شديد الصعوبة· سنة 1956 تركنا في سيناء ست كتائب وطلبنا منها أن تتمسك بمواقعها ثماني وأربعين ساعة حتى نغطي انسحاب مجموعة الجيش الرئيسية وراء قناة السويس· وذلك تحقق· رغم أن الجيش الإسرائيلي كله، بفرقه المدرعة وطيرانه كان يوجه كل قوته على هذه الكتائب الست· عندما عرفت (صباح 6 يونيو) بقرار الانسحاب ذهبت إلى القيادة على عكس ما كنت انتويه· يحكي لك "سعد متولي (يقصد اللواء سعد متولي، وهو قائد القوات التي قاومت في سيناء سنة 1956 حتى المدى الذي طلب منها- وقد أصبح فيما بعد قائداً للحرس الجمهوري)- في الأصل لم أكن أريد أن أظل طويلاً في القيادة حتى لا أضغط على أعصاب المسؤولين فيها· أردت أن أترك لهم حرية التصرف خصوصاً أنني كنت عندما أذهب يجيء كل اخواننا (يقصد أعضاء مجلس قيادة الثورة الباقين)- إلى هناك، ونصبح بوجودنا زحاماً حول القرار العسكري· بعد قرار عبدالحكيم بالانسحاب كان لا بد أن أذهب إلى القيادة· حاولت أن أعيد بعض القوات، خصوصاً الفرقة المدرعة الرابعة· كان الوقت قد تأخر· أمر الانسحاب مبكراً في المعركة دعا الوحدات إلى أن تتصرف كل منها وفق مطالب سلامتها، وذلك صنع فوضى استعصت على أي محاولة للسيطرة والقيادة"·

لم أكن أريد أن أقاطع جمال عبدالناصر وهو يفيض ويستفيض، لكني عند هذه النقطة من كلامه وجدت نفسي حتى بالرغم مني أتدخل بسؤال: "كيف فوجئ عبدالحكيم وقد كانت الحقيقة أمام كل الناس، وحتى على صفحات الجرائد"·

(كان ذلك صحيحاً إلى أبعد مدى، وعلى سبيل المثال فإن العناوين الرئيسية للأهرام:

" يوم الثلاثاء 30 مايو كانت على النحو التالي:

مناوشات عسكرية في البر والبحر·

صوت إطلاق النار سُمع لأول مرة منذ بدء الأزمة·

تحركات واسعة للأسطول الأمريكي السادس، والأسطول البريطاني في البحر المتوسط·

إمدادات عسكرية أمريكية لإسرائىل من القاعدة الأمريكية في ليبيا·

" ويوم الخميس 1 يونيو كانت عناوين الأهرام الرئيسية على النحو التالي:

- جونسون (الرئيس الأمريكي) يقود حملة من الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي والنفسي ضد مصر·

حاملة طائرات أميركية تصل إلى مدخل بورسعيد وتطلب عبور قناة السويس وتعبرها فعلاً عند الفجر (اليوم) لتقف في مكان ما في البر الآخر·

" ويوم الجمعة 2 يونيو كانت الصفحة الأولى في الأهرام تحمل افتتاحية تحذر ليبيا مشيرة إلى جسر جوي ينقل امدادات عسكرية من قاعدة هويلس الأمريكية إلى إسرائىل·

" وفي يوم السبت 3 يونيو كانت العناوين الرئيسية للأهرام على النحو التالي:

"انقلاب صامت في إسرائىل يأتي بوزارة حرب·

القادة العسكريون للجيش الإسرائيلي يضغطون على ليفي أشكول (رئيس الوزراء) ويأتون بوزارة حرب"·

" وفي يوم الأحد 4 يونيو كانت العناوين الرئيسية للأهرام على النحو التالي:

"العسكريون وحدهم يتكلمون الآن في إسرائىل

سكتت كل الأصوات ولم يعد في إسرائىل غير صوت المجموعة العسكرية الحاكمة

الجنرال رابين يقول في منشور للجيش: لقد أعددناكم لتقوموا بأي مهمة نكلفكم بها")·

كانت الصور ناطقة- ومع ذلك فوجئ القائد العام)·

كررت سؤالي مرة ثانية:

"كيف فوجئ عبدالحكيم؟"

وواصل جمال عبدالناصر حديثه بادئاً من حيث قاطعته بسؤال:

"السبب الوحيد المعقول الذي أجده لتفسير موقف عبدالحكيم هو أنه اعتمد أكثر مما يجب على رسالة يو ثانت (السكرتير العام للأمم المتحدة)- رسالة يو ثانت جاءتنا يوم 29 (مايو) وموضوعها اتفاق دولي على مهلة انتظار تلتزم بها كل الأطراف لفترة أسبوعين- أي انها سارية حتى 12 و13 يونيو· أنت قرأت هذه الرسالة، وأنت كتبت رداً بموافقتنا عليها أرسلناه ليوثانت"·

(كان نص رسالة السكرتير العام للأمم المتحدة إلى الرئيس جمال عبدالناصر بتاريخ 29 مايو 1967 كما يلي بالحرف:

"سيادة الرئيس

إنني أعرف من محادثاتي الأخيرة معكم ومع وزير الخارجية محمود رياض، انكم تتفهمون تماماً الدوافع التي تدعوني إلى توجيه هذا النداء الشخصي والعاجل جداً إليكم·

إنكم سوف تلاحظون أن ما أطلبه منكم ينبع فقط من رغبتي ومن مسؤوليتي العميقة التي تدعوني إلى عمل كل شيء في استطاعتي من أجل تفادي كارثة نشوب حرب جديدة في الشرق الأدنى·

وخلال زيارتي للقاهرة فإن موقفكم وسياستكم في مسألة مضايق تيران قد جرى ايضاحها لي، وأريد أن أركز على الأهمية الكبرى التي أعلقها على رد فعل إيجابي من جانبكم لمناشدتي هذه لكم، بدون تأثير ضار على موقفكم أو سياستكم·

إنني أطلب وقتاً، ولو فسحة محدودة من الوقت، لكي أستطيع أن أعطي فرصة للمشاورات وللجهود الدولية التي تحاول أن تبحث عن مخرج من الموقف الحرج الراهن··

وأريد أن ألفت انتباهكم بصفة خاصة إلى ما قلته في تقريري إلى مجلس الأمن بتاريخ 26 مايو· إنني أرى أن ايجاد مخرج سلمي من هذه الأزمة يتوقف على فسحة لالتقاط الأنفاس تسمح بتخفيف حدة التوتر من مستواه المتفجر الحالي·

وبناء على ذلك فإنني هنا أدعو جميع الأطراف المعنية إلى ممارسة أقصى ضبط النفس، وإلى تجنب أي أعمال عدائية يكون من شأنها زيادة التوتر، وهدفي من ذلك أن أعطي مجلس الأمن فرصة لعلاج المشاكل التي تنطوي عليها الأزمة، والبحث عن حلول لها·

وإني الآن أناشدك يا سيادة الرئيس، كما أناشد رئيس الوزراء أشكول، وكل الأطراف المعنية، إلى ممارسة أقصى درجات الحذر عند هذا المنعطف الخطير·

وبالذات، وبدون طلب أي تعهدات منكم، أو حتى رد، فإني أريد أن أعرب عن الأمل في أن تمتنعوا خلال مدة أسبوعين من لحظة استلامكم لهذه الرسالة- عن أي تدخل في الملاحة غير الإسرائيلية التي تطلب المرور عبر مضايق تيران·

وفي هذا الخصوص فهل لي أن أخطركم، وفي كل الأحوال، أن لدي من الأسباب ما يجعلني أفهم أنه في الظروف العادية فإنه ليس متوقعاً أن تحاول أي باخرة تحمل العلم الإسرائيلي عبور مضايق تيران خلال مدة الأسبوعين المحددين، بل إني أستطيع أن أؤكد لكم، حسب أدق المعلومات لدي، بأنه خلال السنتين والنصف الأخيرتين وفي واقع الأمر لم تقم أي باخرة ترفع العلم الإسرائيلي بالمرور في مضايق تيران·

وأستطيع أن أكرر لكم، يا سيادة الرئيس، أنني بصفة خاصة، وكذلك المجتمع الدولي كله بصفة عامة، سوف نقدر تقديراً كبيراً هذه المبادرة من جانبكم·

وأرجوكم أن تقبلوا يا سيادة الرئيس أصدق أمانيّ واحترامي الشخصي·

يو ثانت")

كان جمال عبدالناصر مازال يتكلم:

"عبدالحكيم أعطى لهذه الرسالة اهتماماً كبيراً خصوصاً عندما قابله السفير السوفيتي يوم الجمعة 2 يونيو وسلمه نص رسالة بهذا المعنى بعث بها الرئيس الأمريكي "ليندون جونسون" إلى "كوسيجين" (رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي)·

(نص هذه الرسالة من "جونسون" إلى "كوسيجين" ظهر ضمن مجموعة وثائق البيت الأبيض التي أفرج عنها بمضي المدة، ونشر سنة 1998· وكذلك فإن وثائق وزارة الخارجية الإسرائيلية التي اطلع عليها المؤرخ الإسرائيلي المعتمد "آفي شلايم" وأشار إليها في كتابه "الحائط الحديدي" الصادر سنة 1999 عن دار "نورتون" الأمريكية للنشر- تشير في صفحة 240 إلى أن "مجلس الوزراء الإسرائيلي قرر بالأغلبية وبحضور رئيس الوزراء "أشكول" في جلسته بتاريخ 28 مايو- اعتماد فترة انتظار تتراوح ما بين أسبوعين وثلاثة قبل القيام بأي عمل عسكري")·

جمال عبدالناصر مازال يتكلم:

"تتذكر يوم الجمعة الماضي (زي النهاردة) انك كنت هنا، عندما تحدثت مع ناتنج (يقصد انتوني ناتنج وزير الدولة البريطاني السابق الذي استقال من وزارة ايدن سنة 1956 احتجاجاً على مؤامرة السويس، واحترف الصحافة بعدها، وجاء لإجراء حديث تلفزيوني عن الأزمة مع جمال عبدالناصر تحدد موعده في الساعة السادسة بعد ظهر يوم الجمعة 2 يونيو)- سمعت قولي لناتنج انني أتوقع الحرب في أيام، وربما ساعات· بعدها (كما تذكر) كنت ذاهباً إلى اجتماع في القيادة، وأثناءه قلت لعبدالحكيم أمام الجميع أنني أتوقع اندلاع القتال في يومين أو ثلاثة على أقصى تقدير، أظنني حددت يوم الاثنين بالذات···

عبدالحكيم خرج معي يوصلني إلى باب القيادة، وأخذني على جنب وسألني: إذا كنت اطلعت على رسالة يوثانت (قرار تجميد الموقف لأسبوعين بقبول كل الأطراف) - وقلت له "انني اطلعت عليها"· وقال لي إن "السفير السوفييتي جاءه قبل ظهر اليوم الجمعة 2 يونيو وأبلغه بنص رسالة جونسون إلى كوسيجين، وهي متفقة بالكامل مع رسالة "يوثانت"· وقال لي عبدالحكيم: يوثانت يقول لنا إنه حصل على تعهد كل الأطراف بتجميد الموقف أسبوعين على الأقل- و"جونسون" يؤكد لـ "كوسيجين" نفس الشيء، وأنت كما سمعنا منك تقول برأي آخر· وقلت لعبدالحكيم "لا أثق كثيراً فيما يُقدم لنا من تعهدات، ولا يضيرنا أن نكون مستعدين لكل الأوقات"·

اعتقادي ان عبدالحكيم صدق هذا كله، وهذا وحده ما يفسر أمامي حقيقة أنه قرر القيام بزيارة للقوات في المواقع المتقدمة في سيناء صباح يوم الاثنين 5 يونيو· وفاجأته الضربة الجوية الإسرائيلية وهو في طائرته في سماء سيناء ومعه معظم هيئة أركان حرب وقادة الأفرع الرئيسية· هذا هو التفسير الوحيد الذي أجده مبرراً لتصرفه· هذا تصرف رجل لم يكن يتوقع الضربة في ذلك اليوم·

عبدالحكيم عاد إلى القاهرة كما تعرف (عاد إلى القيادة بسيارة تاكسي)، وعندما بدأ يتخذ قراراته كان قرار الانسحاب أولها· كان الشبح الذي يتصرف داخله هو ظل القائد المهزوم، يتظاهر بالقوة لكنه في داخله متردد يفتقد الثقة في نفسه، حاولت، والكل في القيادة حاولوا، حصر الموقف وتقليل الخسائر والمحافظة على كل ما يمكن المحافظة عليه من القوات، خصوصاً الرجال- السلاح يُعوض- الرجال لا يُعوضون· وبرغم كل شيء فإن المصيبة كبيرة· وليس في مقدوري أن ألقي المسؤولية على غيري، وهذا ما يجب أن نقوله للناس"·

وبدا وكأن جمال عبدالناصر قد تذكر الهدف الذي جمعنا هذا الصباح (كانت الساعة الآن الثامنة وعشر دقائق) وسألني: "ماذا كتبت؟ لا بد أنك وجدت صعوبة كبيرة في كتابته؟"·

وقلت: "إن معي الآن مشروعاً لا ينقصه إلا اسم من تراه قادراً على تحمل مسؤولية الرئاسة بعدك؟"

استطردت: "قلت لي أمس أنك مع عبدالحكيم اتفقتما على أن يكون شمس بدران هو الرئيس الجديد، ولابد أن أعترف لك أن ذلك "اتفاق" لم أستطع فهمه· إنني حتى لم أستطع في المشروع الذي أعددته أن أكتب اسم "شمس بدران" في موقعه من نص الخطاب ــــ لماذا "شمس بدران؟" ــــ ثم أضفت: "أي رصيد لشمس بدران عند الناس وفي مثل هذه الظروف؟"·

رد جمال عبدالناصر:

ــــ "شمس مناسب من أجل الجيش: الجيش بعد ما جرى في سيناء مجروح· ووحداته عائدة من الجبهة غاضبة، ولها الحق· والشعب هو الآخر سوف يصل إلى أقصى درجات الغضب عندما يعرف الحقيقة· والخشية أن يحدث احتكاك يعبر فيه الناس عن غضبهم، ويتصرف الجيش بجرحه، وتحدث مواجهة·· مصيبة تزيد على مصيبة"·

وقلت إنني بصراحة لم أستوعب ما يقول، وأضفت:

ــــ "شمس بدران واحد من المسؤولين عما جرى بوصفه وزيراً للحربية ــــ ثم هو من جماعة لا رصيد لها عند الناس· وإذا أصبح رئيساً للجمهورية فخشيتي أن غضب الناس سوف يزيد، وسوف يكون الصدام الذي تتحسب له بين الجيش وبين الناس حقيقة مؤكدة وليس مجرد احتمال متوقع!"

قال رداً علي:

ــــ إنني اتفقت بالأمس مع عبدالحكيم على اختيار "شمس" للأسباب التي قلتها لك"·

(كان يراودني ــــ وقتها إحساس مبهم بأني في هذه اللحظة أعبر عما هو أكثر من صديق وأكثر من صحفي· وقد استغربت من نفسي هذا الشعور المبهم، ومازلت أستغربه وأنا أكتب هذه المذكرات الآن (وأستغربه حتى هذه اللحظة بعد ثُلث قرن)·

وجدتني أقول لجمال عبدالناصر:

ــــ  "على عيني وراسي" انت وعبدالحكيم فكرتما أمس داخل غرفة مغلقة وتحت ضغوط مخيفة تحيط بهذه الغرفة المغلقة· الأمر أكبر من ذلك بكثير· هذا هو الآن مصير بلد بجيشه وشعبه"·

مضيت أقول:

ــــ "أنت قررت الاستقالة وهذا قرار سليم ــــ وذلك قرار لا بديل له، والحل بعده، وهو منطق الأشياء، أن تعود الأمور بالكامل للناس، فيكون هناك رئيس مؤقت يلم أجزاء الموقف وشظاياه· ثم يقرر الناس بعد ذلك ما يريدون في استفتاء عام على أساس جديد ودستور جديد"·

قال جمال عبدالناصر: "هل تتصور أن تداعي الحوادث سوف يترك لأحد فرصة لذلك·· لاستفتاء، ودستور؟ ــــ ما تريد أن تقوله في الواقع أن شرعية الثورة انتهت من بداية جديدة"·

قلت: "الحقيقة أن ذلك ما أردت قوله· تذكرت وأنا أكتب مشروع الخطاب مقولة "ديجول" أن "أي نظام يعجز عن حماية التراب الوطني لبلده يفقد شرعيته"·

قال: "هذا صحيح، لا نختلف عليه"·

قاطع: جمال عبدالناصر نفسه سائلاً:

ــــ"كيف تظن وقع الحقيقة على الناس عندما يعرفون·· عندما يسمعون ما سوف أقوله"· وأشار إلى ملف وضعته أمامنا على المائدة يحتوي على مشروع خطاب التنحي· وقلت: "إذا لم أكن مخطئاً فإن الناس لديهم الآن فكرة عن الحقيقة· الناس يدركون بالمشاعر أكثر مما يعرفونه بالمعلومات ــــ خصوصاً أوقات الأزمات"·

قال جمال عبدالناصر: "الصدمة سوف تكون قاسية، وهنا أهمية استيعاب الموقف بعد أن "أمشي أنا"· أحسست أن صوته أختلج بالتأثر· لقد نطق يلفظ "أمشي" مرات عدة من قبل ــــ لكنه وهو يعيد اللفظ الآن في معرض مواجهة الناس بالحقيقة وتمثل صدمة المسؤولية ــــ يزيد تأثره·

وقلت: "بالضبط· وهنا عدم اقتناعي باختيار شمس بدران"·

وأحسست أنه يريد أن يسمع عن بديل مقنع ــــ قلت: "لماذا لا يكون بعدك زكريا محيي الدين؟"

وقال مستغرباً: "زكريا محيي الدين"؟ ــــ وأضاف كأنه يصغي إلى صوت من بعيد "اشمعنى"؟

قلت: "خطر لي أنه الأقدم بين الأعضاء الباقين من مجلس الثورة، وهذا نوع من استمرار الشرعية ــــ هو أيضاً رجل عاقل"·

قال "صحيح·· لكنك لم تأخذ في حسابك موقف الجيش ولا موقف الاتحاد الاشتراكي؟"·

قلت: "الجيش يريد رجلاً يعطيه إحساساً بالاطمئنان بعد كل ما جرى"·

قال: "والاتحاد الاشتراكي؟"·

قلت: "تعرف رأيي فيه، ومازلت مقتنعاً به"·

قال وكأنه يتحدث مع نفسه: "زكريا بالفعل رجل عاقل وموزون"·

أضاف وصوته يبدو قادماً من بعيد: "زكريا أيضاً يمكن أن يكون مقبولاً عالمياً، خصوصاً في الغرب· هو يعرفهم من زمن طويل، وقد تعامل مع كثيرين هناك عن قرب بعد الثورة، ومع الأمريكان بالذات، وخصوصاً عندما كان في المخابرات·

زكريا يختلف عن غيره من القادرين على الاتصال مع الأمريكان إذا اقتضت الضرورات· هو سوف يباشرها من موقف وطني· ذلك الاتصال فيما أظن سوف يكون لازماً ــــ لكن هناك مشكلة· السوفييت"·

قلت: "إن السوفييت سوف يفهمون معنى مجيء زكريا محيي الدين أكثر مما يفهمون معنى مجيء شمس بدران"·

قال: "لاحظ أن موقف السوفييت سوف يكون مهماً لأي رئيس جديد· في هذه الأزمة حيرني موقف السوفييت· إنهم هم الذين بدأوا بتحذيرنا من الحشود الإسرائيلية ضد سوريا· لكنهم توقفوا في منتصف الأزمة ليتحولوا إلى وسطاء· أستطيع أن أتصور بعض أسبابهم· نحن لم نتعامل معهم كما تتعامل إسرائيل مع الأمريكان· نحن لم نكن نستطيع حتى إذا أردنا· إسرائيل فاعل رئيسي في خطط السياسة الأمريكية· نحن لسنا بالنسبة للسوفييت· نحن نريد أن نكون مستقلين· "تركبنا" الحساسية إذا قال لنا السوفييت "بم" (قصد بها معنى "إذا نطق السوفييت بكلمة")!

قلت: "في كل الأحوال فإن شمس بدران لا يمكن أن يكون رجل هذه الظروف؟"·

قال: "أترك لي الفرصة أفكر· لابد أن تأخذ في حسابك أنه لن يكون لدينا مصدر لتعويض الخسائر في السلاح غير "السوفييت"· لو أراد "زكريا" ــــ أو غيره ــــ أن يتفاوض مع الأمريكان ولو ليكسب وقتاً فسوف يكون في حاجة إلى سلاح· لا يستطيع أحد أن يتصرف على أي نحو بادئاً من الموقف العسكري كما هو الآن· ذلك موقف لابد من تصحيحه"·

أضاف: "أترك الآن اسم الرئيس المقترح ــــ ودعنا نقرأ مشروع الخطاب الذي أعددته، وحين نصل فيه إلى الموضع المناسب نعود إلى المناقشة بمنطق سياق الخطاب"·

أحسست أن ذلك مطمئن· على الأقل لم يصمم على "شمس بدران"· وإذن أمامنا وقت قبل الوصول إلى يقين!

طلب إليّ جمال عبدالناصر أن أقرأ نص المشروع الذي كتبته، وكنت أتحسب لذلك عارفاً من البداية أن ذلك سيحدث لداع عمليَّ يسبق غيره، فهو (جمال عبدالناصر) لا يستطيع قراءة خطي: يراه صغيراً "منمنماً" ويراه كذلك (ربما بحكم السرعة) "متآكلاً" لا تكتمل حروف كلماته·

لم أكد أقرأ ثلاثة سطور أو أربعة حتى استقوفني عند الجملة التي ورد فيها تعبير "النكسة" لأول مرة (ونصها أننا لا نستطيع أن نخفي على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الأيام الأخيرة)·

سألني جمال عبدالناصر لماذا اخترت تعبير "نكسة"؟ أضاف أنه "مستريح مع الكلمة" لكنه يريد أن يكون واثقاً من سلامة اختيارها·

قلت "إنني توقفت كثيراً قبل أن أستقر عليها· كان أمامي أن أختار بينها وبين ثلاثة أوصاف أخرى طرحت نفسها عليّ أثناء كتابة نص مشروع الخطاب: كلمة "صدمة" وقد وجدتها أقل من اللازم ـ وكلمة "هزيمة" وقد وجدتها أسوأ من اللازم ــ ثم كلمة "نكسة" وقد أحسست مثلك أنني مستريح معها"·

استطردت قائلاً أننا لو استعملنا كملة "هزيمة" فذلك سوف يكون خطراً لأسباب عدة:

ـ  كلمة "هزيمة" معناها أنه (أي جمال عبدالناصر) ـ أو من يجيء بعده ـ قرر الاستسلام كما فعلت ألمانيا وإيطاليا واليابان في الحرب العالمية الثانية·

ـ كملة "هزيمة" أيضاً تؤثر على معنويات قوات ماتزال تشكيلاتها ـ أو بعض تشكيلاتها ـ تقاتل في سيناء وعلى ضفتي قناة السويس، ولا أعرف كيف يتأتى أن نقول لهم إنها "الهزيمة" ثم نطلب منهم أن يقفوا ويعطوا أرواحهم فداءً ـ وهُم يعلمون أنه الوقت الضائع!

ـ وإذا كنا لا نريد الاستسلام فقد ترى أن تترك تقدير الموقف: "نكسة" أو "هزيمة" أو "كارثة" ـ للرجل الذي سوف يأتي بعدك ـ لابد أن تعطيه مجالاً يتحرك فيه"·

قاطعني جمال عبدالناصر قائلاً: "الاستسلام (يقصد استسلامه هو) غير مطروح· خسائرنا (كما يقدرها في ميدان القتال وفق آخر ما لديه من معلومات) لا تستدعي الاستسلام· تستدعي جهوداً سياسية جديدة مكثفة يقوم بها رجل آخر ليكسب وقتاً يقاتل فيه بـ "جد" أو يبحث فيه عن "حل بالسياسة" يستعد للمواجهة في يوم آخر"·

واصل كلامه: "أظن أنه لابد من مواصلة مع الأمريكان· أي جهد أقوم به أنا لن  يصل إلى نتيجة· وصلت معهم إلى طريق مسدود، ثم إني أرى رأي العين مشاركتهم الكاملة لإسرائيل على الأقل بوسائل المناورة السياسية· مع أن الأمر تعدى ذلك· هذه الخديعة عن فترة تجميد لأسبوعين· رسالة "جونسون" التي عرض عليّ فيها أن يبعث بنائبه "همفري" ليبحث معي الأمور في القاهرة· ترحيبه بردي عليه مقترحاً إرسال "زكريا محيي الدين" إلى واشنطن ليشرح له مواقفنا كلها· هذه الإمدادات من السلاح تحملها الطائرات من هناك ومن هنا إلى جوارنا من قاعدة "هويلس" (في ليبيا)"·

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الكتاب وجهات نظر العدد التاسع عشر - اغسطس 2000·

** كاتب صحافي·

طباعة  

كتابٌ ولقَـاءٌ ومُلاحظة - (3 - 2)