* كلمات في رثاء الفقيد
الجانب العملي في حياة الراحل "أبو أحمد"
الصدق والنزاهة والتعامل الأبوي والإنساني والحضـاري مـع الآخــرين مبـادئه الأسـاسية
· جمعة: للفقيد مواقف وأعمال برلمانية وسياسية كثيرة لا يمكن حصرها
· الأسعد: كان يحترم الجميع·· ولم يسبق أن اعترض على أي مادة تناولت نشرها
كتب سنجار محفوض:
تواصلا مع مصابنا بفقيدنا "أبو أحمد" وتخليدا لذكرى سيرته ومواقفه المبدئية والأخلاقية تجاه الكثير من القضايا الوطنية والقومية وتأكيدا على تعزيز النهج الإنساني والحضاري الذي كان يتصف به المرحوم في تعامله مع الآخرين انطلاقا من إيمانه بكرامة الإنسان وعزة نفسه ومبدأ العدل والمساواة بين كل أبناء البشر كان لـ "الطليعة" لقاء مع عدد من الزملاء ممن عملوا مع الراحل "أبو أحمد" في المجال الصحافي حيث أشاد جميعهم بالصفات الحميدة التي كان يتصف بها ــ رحمة الله عليه ـ وخصوصا انسانيته والصدق في التعامل والنزاهة والترفع عن الأشياء المنفعية غير الأخلاقية إضافة الى ما كان يتصف به المرحوم من شجاعة وصلابة في المواقف المتعلقة بقضايا وطنه وأمته· وبداية التقت "الطليعة" المسؤول عن مكتب المرحوم "أبو أحمد" في مجلس الأمة منذ عام 1996 الزميل عبد المحسن جمعة في محاولة للتعرف على الجوانب العملية من حياة الفقيد حيث قال:
" كنت أعرف الفقيد "أبو أحمد" منذ فترة طويلة كشخصية سياسية نيابية وطنية عامة منذ فترة طويلة وكذلك كناخب في الدائرة العاشرة، ولكن المعرفة الشخصية بدأت بعد التحرير على الرغم من بعض اللقاءات خلال فترة حركة دواوين الاثنين، ثم التقيت معه كصحافي بعد التحرير عدة مرات، وتكررت بعد ذلك اللقاءات معه في مكتبه في "الطليعة" الذي كان يتردد عليه الجميع لسماع وجهة نظر الفقيد في المواضيع العامة والشؤون السياسية، ثم بدأت الانخراط في لجنته الانتخابية والنشاطات الانتخابية لها، بالإضافة الى حضور ديوانيته الأسبوعية وسماع المواضيع القيمة التي كان يتحدث عنها في هذا المنتدى الأسبوعي الهام في الكويت·
" كيف تصف طبيعة العلاقة في البداية مع المرحوم المنيس؟ وكيف بدأت علاقة العمل؟
- المرحوم بو أحمد لديه شخصية اجتماعية جذابة جداً وطريقة تعامل أبوية وحكمة تعكسها خبرة السنوات الطويلة في جميع مناحي الحياة لذلك فإن العلاقة الاجتماعية أو علاقة العمل معه تجربة فريدة، ولذلك عندما طلبت أن أعمل معه بعد نجاحه في انتخابات 1996 رحب بذلك وكانت لدي تجربة عمل مع الفقيد لفترة قصيرة من خلال جريدة "الطليعة" وكذلك في اللجنة الانتخابية حيث كان مثار دهشتي واحترامي للفقيد بأنه كان يحضر اجتماعات اللجنة ويستمع لآراء الجميع حتى أصغر الأعضاء فيها سناً ثم يتخذ القرار بالأغلبية وهو يردد كلمته المأثورة "كيفكم"·
" ماذا عن تفاصيل العمل في مكتبه اليومي؟
- كان المرحوم "أبو أحمد" واضحاً دائماً ففي بداية العمل مع أي شخص كان يجتمع معه ويوضح له الواجبات المطلوبة منه، وكان لا يتدخل في التفاصيل ويترك لنا ذلك ولكنه كان يعطينا الخطوط العريضة، وأذكر أنه في بداية عمله في مجلس الأمة 1996 أحضر معه برنامجه الانتخابي وقال لي: "يا عبدالمحسن·· أريد أن أترجم هذا البرنامج ووعودي للناخبين إلى مشاريع قوانين واقتراحات وأسئلة برلمانية·· أريد أن تتم صياغة ذلك بعد دراسة نراجعها يومياً"·· وبالفعل تم ذلك وكان سامي المنيس أول من قدم قانوناً لتنظيم القوى العاملة ومكافحة البطالة وصندوق تمويل الحرف البسيطة والفنيين·· وأسئلة حول تطبيق قوانين الإسكان ورسوم الأراضي الفضاء وتنظيم مهنة الطب وحماية المستهلك وقانون الجامعة وعشرات الأعمال البرلمانية التي كان آخرها قانون المحطات الأهلية للبث التلفزيوني والإذاعي ومعهد تطوير القدرات الفنية للقوات المسلحة والاقتراح بقانون بتعديل قانون الانتخاب بما يمنح المرأة حقها في الممارسة السياسية كاملة وهو آخر اقتراح وقع عليه قبل وفاته بأسابيع قليلة·
وكان الفقيد رحمه الله يهتم بشكل خاص بشؤون المواطنين فقد كان أول من تبنى قضية خدمات جنوب السرة من كهرباء وخدمات عامة وقضية التقسيم الإداري لضواحيها وقدم أسئلة واقتراحات كثيرة أدت لحل بعض مشاكلها وتحريك تلك القضية·· وللفقيد مواقف وأعمال برلمانية وسياسية كثيرة لا يمكن حصرها في مثل هذا اللقاء وكذلك ذكريات لا يتسع المجال لذكرها جميعاً·
" كيف كان يتعامل مع صياغة الاقتراحات بقوانين والأمور البرلمانية الأخرى؟
- كانت للفقيد خبرة سياسية كبيرة وكذلك في مجالات كثيرة يعرفها الجميع، ولكنه كان يتعامل معنا بتواضع شديد فيتحدث حول الموضوع ثم يستمع لنا ويقول ابحثوا الموضوع عن طريق الدراسات المتوافرة والكتب والمعلومات في الصحافة المحلية ومستشاري المجلس وبعد ذلك يطلع على المسودة الأولية ويبدي لنا ملاحظات وكانت تتجلى لنا في تلك اللحظات خبرته الطويلة فيذكر لنا قوانين أخرى مرتبطة بالموضوع أقرت في سنوات ماضية أو مجالس سابقة ويشير إلى كتب معينة أو مراجع، وكذلك فإن الفقيد رغم خبرته الطويلة كان يحرص على التحضير والقراءة قبل كل جلسة من جلسات مجلس الأمة ولأي نشاط يشارك فيه، لذلك فقد كان جميع العاملين في مكتبه، الأخ الكبير حمد القصار ومشاري الرشيد وأسامة السمحان وعبدالرضا ميرزا، نحرص على أن نتطلع على تفاصيل أي موضوع قبل أن نقدمه له وكان لدى "أبو أحمد" حرص شديد على حضور الجلسات واجتماعات اللجان في موعدها ولم يسجل له غياباً دون عذر عنها طوال حياته البرلمانية·
" ما هي آخر المواضيع التي كان يتحدث عنها الفقيد قبل سفره ووفاته؟
- كان أبو أحمد رحمه الله قبل سفره في قمة حيويته ويتحدث عن دورة برلمانية ستكون مهمة ومليئة بالعمل وطلب منا حصر الأسئلة البرلمانية التي قدمها ولم يتلق الإجابة عنها وكذلك الاقتراحات بقوانين التي لم يبت فيها في اللجان البرلمانية، كما كان يشير إلى أن هناك ضرورة لإعطاء عدة قضايا أولوية في دور الانعقاد المقبل مثل قانون المحكمة الإدارية وقانون الصحافة وتطبيق قانون التوظيف وتعديلات الرعاية السكنية وبصورة خاصة مصير الاقتراح بقانون الأخير بشأن منح المرأة حقوقها السياسية وكذلك التطورات فيما يخص مصير الإصلاحات السياسية واحتمالات التعديل الوزاري وانتقال العمل الحكومي إلى مرحلة جديدة تتناسب مع ظروف البلاد وتحريك حالة الجمود السياسي فيها، وكان متفائلاً بإمكانية التنسيق بين القوى السياسية في مجلس الأمة رغم التنافر الذي شهده دور الانعقاد الأول للمجلس·
لقد كانت للمرحوم سامي المنيس ـ رحمه الله ـ آمال وطموحات كبيرة ولكن كان للقضاء والقدر كلمته قبل أن يكمل تحقيقها جميعاً رغم ما أنجزه منها خلال العقود الأربعة الماضية، وبصورة عامة فإن العمل مع هذا الرجل المميز تجربة فريدة حصلنا من خلالها على دروس عظيمة وذكريات لايمكن أن تمحى من الذاكرة، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وجزاه خير الجزاء على أعماله الوطنية الجليلة·
وفي لقاء مع الشاعر والكاتب الصحافي الزميل محمد الأسعد قال في مستهل حديثه لـ "الطليعة" عن البدايات الأولى لعلاقته بالفقيد "كان رحمة الله عليه يتميز بالكثير من الخصال الحميدة·
لقد تعرفت على الفقيد في بداية السبعينيات عندما توليت مهمة مسؤولية القسم الثقافي في جريدة "الطليعة" ولمدة تزيد على 15 عاما وكان الفقيد متواجداً معنا طوال هذه الفترة ويعتبرنا زملاء له في العمل كما كان ينظر الى العمل الصحافي على أنه ذات رسالة وحاملها لا بد وأن يكون مبدئياً وأخلاقياً ومن هنا يكون تعامله مع الموظفين ما دام كل منهم يؤدي رسالته، فلا بد وأن تكون المساواة والعدالة في التعامل قائمة بين الجميع·· وهكذا كان رحمة الله عليه، اضافة الى ما كان يعطيه للمحررين من حرية وهامش كبير للتعبير عما يجول بأنفسهم على الرغم من أن "الطليعة" وكما هو معلوم للجميع جريدة سياسية تتبع مجموعة أو توجهاً معيناً إنما مع ذلك لم يكن أي من القائمين عليها يلزم على أي محرر بخط "الطليعة" السياسي·· وشخصيا كانت الثقافة بالنسبة لي في "الطليعة" عالماً آخر غير السياسة والاقتصاد ولم يسبق وأن اعترض الفقيد أبو أحمد على أي مادة سبق وأن تناولت نشرها كما كان يحترم شخصي كمسؤول عن الشأن الثقافي في الجريدة وأذكر في لقاء أجريته عام 72 مع الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري وكان الحوار معه جادا، وجرى في جو من الحرية المطلقة وتحدث الفيتوري أثناء ذلك عن أشياء كثيرة لم يكن يتصور أن لدينا الإمكانية لنشرها·· وعندما تم نشر الحوار معه اعتبر في الكثير مما ذكره إساءة له وجاء للمرحوم "أبو أحمد" وشكاني إليه فكان رد "أبو أحمد" "نحن نثق بالأخ محمد وهو المسؤول عن القسم الثقافي ويعرف بهذه الأشياء المتعلقة بالشعر والثقافة أما أنا فلا أعرف بهذه الأمور ولا أقدر على الحكم بخصوص الموضوع الذي نتحدث عنه·· ولا بد من مراجعته شخصيا"·
وهنا لا بد لنا من التوقف عند هذه الخصوصيات التي يتميز بها المرحوم إذ كان يعطي المحرر وزنه وقيمته ويعبر عن ذلك في مستوى راق وحضاري في التعامل وهذا ما كان يدفع الكثيرين ممن كانوا يعملون معه للتمسك بالعمل إلى جانبه وأذكر أن أحد الزملاء "عوني صادق" كان يعمل في "الطليعة" محللاً سياسياً في السبعينيات وعندما ترك العمل في "الطليعة" لظروفها الخاصة حين أغلقت وانتقل للعمل في جريدة "الوطن" كان عوني على الرغم من وجوده في "الوطن" يعتبر أن رئيس تحريره هو المرحوم سامي المنيس وليس أي شخص آخر·· وهذا يعكس لنا طبيعة التعامل التي كان يقيمها المرحوم مع موظفيه وزملائه في العمل·
" من خلال تواصلك مع فقيدنا أبو أحمد لمدة تزيد على 15 عاما هل وجدت أن ما كان يؤمن به يترجمه عمليا وسلوكيا من خلال تعامله مع الآخرين والموقع الذي كان يشغله؟
- المرحوم "أبو أحمد" كان عنده نظرة نافذة ومبصرة وممتازة جدا في الأحداث السياسية والاقتصادية بشكل عام وما أتذكره جيدا في هذا الخصوص قبل اغتيال السادات بأسبوع كتب المرحوم أبو أحمد موضوعاً تحليلي قال فيه: "إن ورقة السادات سقطت وأن مصيره سيكون تصفويا"··· وكان ذلك فعلا وبعد أسبوع لاقى السادات مصيره التصفوي·
" كيف يمكننا أن نعزز من الخصال الحميدة التي يتمتع بها المرحوم لتبقى حية وخالدة عند الأجيال المقبلة؟
ـ النقاوة والنزاهة في التعامل لأن هذه الصفات مفقودة في مختلف الساحات الفكرية في العالم العربي·· وشخصيا كنت أرى أن المرحوم كان مثاليا في تمتعه بهذه الصفات لأنه كان يقيس الأمور بالمقياس الأخلاقي غير المنفعي وكان يقف دائما مع الحق والشيء الصحيح ويرفض الأشياء المنفعية أو البهرجة· وسبق لي أن وجهت للمرحوم قبل الغزو العراقي لأرض دولة الكويت دعوة لزيارة بغداد مع مجموعة من رؤساء تحرير الصحف الكويتية وبعد أن لبى الدعوة، وفي اليوم الثاني من وصوله الى بغداد علم المرحوم بأن هذه الدعوة الغرض منها الاحتفال بعيد ميلاد صدام فأصيب بحالة عصبية ورفض البقاء حتى دقيقة واحدة في بغداد ورجع على الفور بالطائرة في اليوم الثاني من بغداد الى الكويت· في ما الآخرون لم يقيسوا الأمور ويحسبوا القضايا بالشكل الذي كان ينظر إليه رحمة الله عليه·
" وأخيرا ماذا تقول بشكل عام عن مسيرة فقيدنا أبو أحمد؟
ـ أهم شيء بعد أن فقدنا أبا أحمد أن نقوم بدراسة تجربته السياسية والصحافية والإعلامية وأن يتولى دراسة هذه التجربة بشكل جيد زملاؤه ممن كانوا يعملون بالقرب منه لتكون هذه الدراسة منهجا يستفيد منه كل دارس لأبجدية عالم السياسية والصحافة·
***
القضايا تتعملق مع سامي المنيس
عبداللطيف الأشمر *
ما كل بعيد عن الالتقاء والمعايشة وإن كان يملأ الأسماع كرمز من رموز الديمقراطية ليس فقط في الكويت وإنما أيضا في كل المنطقة العربية - كان المرحوم سامي المنيس قلما يمكن تصوره بدون الهالة التي تحيط عادة بالرموز الكبيرة التي تنأى بنفسها عن التداول العادي·
هكذا ظل في المخيلة أكثر من عقدين من الزمن قبل أن التقي به وهو على رأس جريدة "الطليعة" التي كانت بالنسبة للصحافيين قلعة يصعب الدخول إليها···
وعندما التقيته منذ اليوم الأول من العام 1994 وحتى نهاية العام 1997 لم تتبدد تلك الهالة في أي يوم، ليس فقط لأني اتخذت قرارا بأن احتفظ بها لتكون جزءا من الصورة التي تلتقطها عيناي، بل لأنه كما أعرف كان مصرا على الاحتفاظ بها سواء عندما كان يجلس وراء مكتبه المتواضع في الجريدة أو عندما يمر ملقيا السلام على العاملين معه وليس عنده كما كان يحب أن يقول·
وعندما اقتربت أكثر·· الح علي السؤال وتجرأت أن أطرحه في لحظة صفو - هكذا كنا نتصور - ولكنها في لحظات تشكل ساعات وأياما هي في مجملها حياته العادية·
وكان السؤال·· لماذا يا أبا أحمد تحيط نفسك بهذه الهالة التي تجعل أي شخص يتردد كثيرا قبل الاقتراب منك؟ فقال رحمه الله: إنني أكثر بساطة مما تعتقد ويعتقد الكثيرون حتى في المحافل التي تفرض طقوسا رسمية مصطنعة··· ولكنها الفكرة التراكمية التي تمكن خصومي - وهم دائما أصدقائي - من تسويقها على الناس··· هكذا أرادوني أن أكون··· فهل تراني كما قالوا اقبع في برجي العاجي؟!
ويستطرد أبو أحمد قائلا: إن القضايا التي اتصدى لها ليست قضايا عادية بل هي قضايا مفصلية تطال الوطن الذي نتمنى أن نعيش فيه ضمن ثوابته·· ولهذا فإن هذه القضايا هي التي تحفر في وجهي قسمات عميقة، وتضفي على نظراتي بريقا خاطفا·· حتى تشكلت سنة بعد أخرى بهذه الصورة التي يتماهى فيها المضمون مع المظهر الذي يعطي انطباعا لأي محاور بأن هذا الشخص لا يمكن أن يهادن في الثوابت··· وأن بارعا - دون قصد - في الأخذ والرد بما يخدم القضية الأساس·
وهكذا فهمت أن هذا الرجل الصلب قرر منذ بداية حياته السياسية أن لا يتنازل مرة واحدة وإذا فرضت الظروف عليه بعض التنازل فإنه يتوقف في مكانه - أو هكذا يخيل إليك - لكن هذه الوقفة لم تكن إلا استعدادا لانطلاقة جديدة ودائما ما تكون غير متوقعة ليس بمعنى تغيير المواقف بل في تأكيد صورة الإنسان العملاق الذي تتعملق القضايا عندما يتناولها·
ولهذا فقد احترمه خصومه كما احترمه أصدقاؤه، وأصبحت خصومته محببة كما كانت صداقته·
* سكرتير تحرير مجلة "الزمن"
***
مواقف أبي أحمد حتى بعد توقف "الطليعة"
عبدالعزيز جمعة
عندما التقيت الأستاذ سامي المنيس في شهر فبراير من العام 1993 كان ملء السمع والبصر، وفارساً من فرسان البرلمان وحقوق المواطن والإنسان وكان ذلك في مبنى صحيفة "الطليعة" التي كان لي شرف العمل فيها لمدة جاوزت ست سنوات تقريباً· وبالطبع لما التقيته لم يكن غريباً عني فهو شخصية عامة بالدرجة الأولى، ولذلك شعرت بأنني أمام أخ كبير أو والد كريم، وفي الحقيقة فإن بساطته وصدقه كانا مصدر راحة واطمئنان كبيرين لي وأنا أبدأ عملاً كان جديداً عليّ إلى حد ما وكانت "الطليعة" قد استأنفت صدورها بعد الاحتلال البغيض، وكان يقوم عليها الزميلان الكريمان الأستاذ محمد مساعد الصالح والأستاذ أحمد الديين اللذان وجدت منهما كل عون·
ومرت الأيام وزادت صلتي بأبي أحمد رسوخاً وعرفته عن قرب أكثر· ولا يستطيع إنسان عرف أبا أحمد عن قرب إلا أن يعزه ويجله ويحترمه، فما بالكم والذين يسمعون باسمه ومنهجه يحترمونه كل الاحترام·
ومن المواقف التي أذكرها وتدلل على أبوته وإنسانيته الجمة أن ناداني ذات مرة ووجهه يعلوه البشر والابتسامة وقال لي: أريدك أن تكتب خبراً اجتماعياً عن الدكتور أحمد المنيس ولدي، فقد حصل على شهادة الدكتوراه في الكمبيوتر· ولما سألته إن كان بالإمكان أن نضع الخبر في مكان بارز؟ فقال لا يلزم ضع هذا الخبر مثل باقي الأخبار في صفحة المجتمع·
الموقف الثاني عندما توقفت "الطليعة" مؤقتاً لأسباب مالية، زرته في يوم قريب من يوم التوقف فنظر إليّ وقال: في وجهك شيء· فقلت لا شيء فأصر على أن وجهي يعبر عن همِّ أو قضية· وأمام الحاجة أخبرته أن أحد البنوك يطالبني بمئتين وستة وثلاثين ديناراً فوائد قرض وإلا··· فقال يعني أنت تحتاج إلى (250) ديناراً للخروج من هذه الأزمة، فقلت أطلب من أي شخص إلا "الطليعة" فأنتم متوقفون لأسباب مالية· قال مهما كان الأمر لا أستطيع أن أتركك وحدك تواجه الموقف· أرجع لي يوم الأحد لأعطيك شيكاً بالمبلغ وإلا زعلت عليك· وكان ما كان وأعطاني المبلغ·
ومما هو جدير بالذكر أن البنك عاد وألغى هذه الفائدة مدللاً على كرم وسجايا أبناء هذا البلد المضياف· ولم يرض رحمه الله باسترداد هذا المبلغ إلا بعد سنة من عودتي للعمل، وكنت كل شهر أحاول دفع قسط (50) ديناراً لكنه يرفض وأمام إصراري على الدفع قبل ولا أنسى قوله: هل أنت متأكد إنك مرتاح؟
الموقف الثالث طلبت منه إجازة لمدة (3) أيام لأحضر حفل تخرج وليد محمد في عمّان فوافق على الفور برغم حاجة العمل· فما كان مني يوم الثلاثاء إلا أن جئت أسلم عليه فقال لي لا تتأخر عن يوم الأحد فأنت تعرف ظروف العمل· وإذا كنت ستتأخر عن يوم الأحد قل لي منذ الآن حتى أتصرف· لقد كان رحمه الله حريصاً على إن تستمر "الطليعة" في الصدور المنتظم·
هناك مواقف كثيرة لا تعد لأبي أحمد ليس هنا مجال تعدادها، فلقد كان ـ يرحمه الله ـ إنساناً وسع كل البشر محبة ونذر نفسه لوطنه وأمته وشعبه مخلصاً صادقاً نظيف اليد والكلمة والقلب واللسان· ولكل العاملين في مجال الوطنية وحقوق الإنسان وحقل الصحافة·
رحم الله أبا أحمد وأسكنه عالي جنانه·