عبدالله محمد النيباري
تملكتني الدهشة عند رؤية السيد توني بلير رئيس وزراء بريطانيا يعلن أنه لن يستجيب لمطالب العمال المضربين لتخفيض الضرائب لكبح جماح أسعار النفط، وإنما الحل في رأيه الضغط (هكذا) على دول الأوبك لزيادة انتاجها وتوفير كميات كافية تؤدي إلى تخفيض الأسعار، العجيب كيف يصدر عن رئيس وزراء بريطانيا العظمى التي عرف عن زعمائها التروي والاتزان مثل هذا التصريح الاستفزازي والبعيد كل البعد عن الموضوعية والاتزان، كيف استطاع السيد بلير أن يتجاهل السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار النفط وهو ارتفاع الضرائب المفروضة على المستهلك وأعلاها ارتفاعاً في بريطانيا حيث تتجاوز %75 من السعر للمستهلك، والـ %25 الباقية مقسومة بين تكاليف النقل والتكرير وأرباح الشركات من ناحية وتكلفة النفط الخام المصدر من الدول المنتجة من ناحية أخرى بحيث لا يتجاوز نصيب هذه الدول (المنتجة) نسبة تتراوح بين %16-%14 من السعر الذي يدفعه المستهلك·
وهذا ما دعى العمال المضربين في بريطانيا المطالبة بتخفيض الضرائب كما فعل أقرانهم في فرنسا والكثير من دول غرب أوروبا·
ويلاحظ ان السيد بلير في تصريحه قال بأن أسعار النفط ارتفعت ثلاثة أضعاف متخذاً لقياسه أدنى مستوى وصلت إليه أسعار النفط عندما وصلت في 1998 إلى 10 دولارات وربما أقل، ولم يكن السيد بلير حالة استثنائية فالمطالبة بالضغط على دول الأوبك تبناها جميع زعماء الدول الغنية من السيد كلينتون إلى وزير مالية ايطاليا الذي أطلق تصريحاً استفزازياً آخر عندما قال بعد اجتماع وزراء مالية هذه الدول بأننا لن نخفض الضرائب لكي نغذي خزائن شيوخ النفط·
إن التحليل الموضوعي المسنود بالأرقام يثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن أسعار النفط الخام حتى وإن وصلت إلى 30 دولاراً للبرميل لا تعتبر مرتفعة، فقد ذكر الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم عويس أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج تاون الأمريكية بأن القيمة الحقيقية النقدية 30 دولاراً تعادل 4 أو 5 دولارات بأسعار أواسط السبعينات عندما كان مستواها نحو 10 دولارات، وكانت خطة كيسنجر تهدف إلى تخفيض السعر إلى 8 دولارات في ذلك الحين، أي أن القيمة الحقيقية للأسعار النقدية أقل من السعر المقبول للسيد كيسنجر والدول الغربية، وأقل من ذلك فإن أسعار النفط استمرت في النصف الأول من الثمانينات عند مستوى 29 دولاراً· وبعد تدهورها عام 1986، اتفقت الأوبك على تثبيتها عند 18 دولاراً للبرميل، وكان ذلك قبل 15 عاماً، وكان الهدف هو المحافظة على القيمة الحقيقية لهذا المعدل، أي بأن يتدرج في الارتفاع وفقاً لمعدلات التضخم، ولو حصل ذلك لوصلت الأسعار حالياً إلى 35 دولاراً، بينما ما حصل فعلاً طيلة الخمس عشرة سنة الماضية أن الأسعار استمرت تتذبذب عند معدل 15 دولاراً، وهو المعدل المتوسط لتلك الفترة الذي تآكلت قيمته الحقيقية، علماً بأن السعر المقبول للدول الغربية طيلة تلك الفترة يتراوح بين 25-18 دولاراً·
ولا مبرر للمخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط الحالية إلى التضخم وما يجره من مشاكل فالخبراء يقرون بأن حجم النفط وقيمته منسوبة للاقتصاد العالمي وخصوصاً الدول الغنية أقل بكثير مما كان عليه في السبعينات وان اعتماد الاقتصاد الغربي على النفط انخفض بدرجة كبيرة، فكمية النفط المطلوبة لإنتاج ما قيمته دولار واحد من الناتج القومي، إنخفض إلى النصف، وعلى سبيل المثال فقيمة الناتج القومي للولايات المتحدة كانت نحو تريليون واحد (ألف بليون) من الدولارات عام 1970، و2.7 تريليون عام 1980، و5.5 تريليون عام 1990، ووصل عام 1999 إلى 9 تريليونات بينما لم يتجاوز قيمة كل ما تنتجه دول الأوبك من نفط وبالأسعار المرتفعة حالياً 250 بليون دولار، أي أقل من خُمس قيمة واردات الولايات المتحدة البالغة 1400مليار دولار عام 1999 أو صادراتها البالغة 1200 مليار دولار وأقل من مجموع مبيعات شركتي جنرال موتورز (161 ملياراً) وشركة اكسون (100 مليار) فقط· هذه الدول التي تشتكي من ارتفاع أسعار النفط وهي الثروة الناضبة والمورد الوحيد لمعظم دول الأوبك تتمتع بمستوى دخل فردي يتجاوز 30 ألف دولار سنوياً بينما لا يتجاوز المعدل الوسطي لدخل الفرد في دول الأوبك 2000 دولار والاستثناء هو بعض الدول قليلة السكان كالكويت والإمارات·
يضاف إلى كل ذلك إقرار الكثير من الاقتصاديين أن أسباب ارتفاع الأسعار على الرغم من أنه هدف مشروع للمحافظة على القيمة الحقيقية لبرميل النفط، لا تعود فقط لنقص الإمداد، فالتقارير تشير إلى وجود وفرة في أسواق النفط خصوصاً بعد أن رفعت دول الأوبك انتاجها للمرة الثالثة هذا العام حتى وصل مستواه إلى 29 مليون برميل يومياً وهو يقترب من أعلى مستوى كان عليه في أوائل الثمانينات، ومن الأسباب الأخرى وضع مصافي النفط وقدرتها الاستيعابية، كما أن من الأسباب أيضاً تحرك القوى المسيطرة في السوق·
الخلاصة، أننا لو قسنا سعر البرميل وفقاً للأسعار السائدة في بريطانيا للمستهلك وهي 1.173 للتر لكانت قيمة البرميل 173 دولاراً بينما لا تزيد قيمته كنفط خام عن 30 دولاراً (أي نحو 16 في المئة)·
وإذا كانت دول الأوبك قد تأثرت وخضعت في الظروف الراهنة لضغوط الدول الغربية فعليها أن تضع استراتيجية للمحافظة على القيمة الحقيقية أو القوة الشرائية لبرميل النفط، وأن تتبنى الرفع المتدرج للأسعار، أما ما يقال عن تأثر الدول النامية والفقيرة من ارتفاع أسعار النفط فالمطلوب هو انعاش صندوق الأوبك للتنمية وبرنامج المساعدات الجدية لهذه الدول، حتى لا تتخذ الدول الغنية من ذلك ذريعة لتغطية مواقفها الضاغطة على دول الأوبك·