كتب محرر الشؤون الخارجية:
كل شيء على المسار الفلسطيني يوحي بأن ثمة تحضيراً لاتفاق قريب لا يتأخر عن نهاية سبتمبر المقبل، فالمنسق الأمريكي لعملية السلام دنيس روس يعود إلى إسرائيل في 20 الشهر الجاري لتتبعه وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت في نهاية الشهر نفسه، والإدارة الأمريكية الحالية تريد للمفاوضات أن تنتهي، حسب مسؤول كبير، في نهاية سبتمبر· وفي هذه الأثناء، يواصل رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات جولته في العالم ليدرك بمزيد من التحقق أن أحداً لا يريد إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة في 13 سبتمبر، فلماذا هذا الاستعجال رغم "تعويم" نتائج كامب ديفيد الأخيرة، ولماذا يوفد ايهود باراك مبعوثين عدة إلى أوروبا وآسيا ليوازنوا جولة عرفات؟
في كامب ديفيد، تلقى عرفات دعماً مصرياً وسعودياً، في موقفه الرافض لأي اتفاق لا يرقى إلى القرارين 242 و338، ثم تراجع، حتى قبل أن يبدأ جولته العربية والدولية، عن موعد إعلان الدولة المستقلة في 13 سبتمبر· وبدلاً من تحضير الساحة الفلسطينية للتمسك بحل عادل وشامل، توجه عرفات إلى الخارج، فقضى في الطائرة ما بين بعض الدول العربية وأوروبا وآسيا وقتاً أطول مما قضاه على الأرض، بل إن هذه الجولة جعلته يخرج باستنتاج مفاده الانكفاء عن موعد 13 سبتمبر·
أخيراً، بعد كل هذه الجولات التي لا تثمر غير تضامن معنوي لا يفيد لا في القدس ولا في اللاجئين ولا في الأراضي، يعود عرفات ليواجه الراعي الوحيد المقرر لعملية السلام، وسلاحه الوحيد ليس غير رغبة الإدارة الأمريكية في إبرام اتفاق وإن غير نهائي، لكن هذه الحاجة ليست ضاغطة، فهي بالنسبة إلى الرئيس بيل كلينتون معنوية أكثر منها جوهرية، لكن ماذا لو عاد تكتل الليكود إلى السلطة وتولى الجمهوريون الحكم في الولايات المتحدة؟
فما يضغط على الولايات المتحدة، أو الرئيس كلينتون تحديداً، هو أضعف بكثير مما يضغط على عرفات· وما يخيف باراك خارجياً يعد تافها بالنسبة إلى همومه في السياسة الداخلية في الوقت الحالي، لا تتمتع حكومة باراك إلا بتفويض 40 نائباً في الكنيست، في حين أن الليكود يناصره 61 نائباً يستطيعون في قرارات لاحقة إسقاط الحكومة، وما يخيف باراك أكثر هو خسارة شعبية تتجه باطراد إلى الانحدار·
وللإنقاذ طريق واحد: إما الخروج باتفاق "ينقذ" الجزء الأعظم من الأطماع الإسرائيلية في القدس وطرحه على استفتاء مصحوب بانتخابات مبكرة، أو رفض أي صيغة أدنى من مثل هذا الاتفاق والعودة إلى إسرائيل تحت لافتة "الانتصار"·
وفي تصريحه لمجلة "روز اليوسف" قال الرئيس المصري حسني مبارك: عرفات نفسه لا يجرؤ على توقيع اتفاق يتخلى فيه عن الأماكن المقدسة· لكن في التصريح نفسه قال مبارك: إن مصر لن تعترض طريق عرفات في حال تقديمه تنازلات إذا كانت تنال موافقة الشعب الفلسطيني، وعرفات نفسه لوّح بطرح أي اتفاق على استفتاء شعبي كما تنوي إسرائيل أن تفعل·
ربما كانت الإشارات المصرية متناقضة، لكن الواقع معقد فعلاً، فمن الناحية الرسمية تعتبر منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، لكن القدس تتمتع في الوقت نفسه ببعد عربي- إسلامي- مسيحي، لا يسهل انفراد الفلسطينيين في تقرير مصيرها، وهناك أكثر من ذلك، فالموقف العربي غير موحد من التسوية التي عرضتها الولايات المتحدة ومن القرارين 242 و338 تحديداً في ما يخص الأراضي الفلسطينية·
وربما يحقق عرفات في جولاته كثيراً من التعاطف الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ذلك أن القرار أميركي- إسرائيلي، أما إعادة صوغ هذا القرار فغير ممكنة حتى الآن على الصعيد الدبلوماسي· وحسب تجربة لبنان وتجربة الحفر تحت المسجد الأقصى، أيام بنيامين نتنياهو، يبقى المطلوب واحداً: تحريك الوضع الداخلي الفلسطيني بما يقنع إسرائيل أن الاستيلاء على الأراضي وتجاهل القرارات الدولية مستحيل بإطلاق، وهذه ورقة يمتنع عرفات عن استعمالها·