· استقطابات تستهدف شغل الفراغ السياسي المحتمل تتعدى الأسباب المعلنة للاستقالة والاتفاق على سحبها!
· الاستقالات الوزارية المتكررة تكشف مدى تأزم الوضع السياسي
كتب المحرر السياسي:
لم تمض سوى أربعة أيام على نشر "الطليعة" في عددها الماضي موضوعا تحت عنوان "أزمة سياسية محتدمة بين أقطاب حكومية نافذة"، حتى أعلن نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الشيخ سالم الصباح يوم الأحد الماضي تقديم استقالته، وهي الاستقالة، التي تكشف بعض جوانب تلك الأزمة، وتؤكد صحة توقعاتنا وتحذيراتنا·
السبب المباشر للاستقالة هو التجاوزات ذات الصلة بتسهيل سفر الفتاتين الإيطاليتين اللاجئتين، وذلك على أرضية الخلاف المتراكم مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد، ولكن من الواضح أن الأمر يتجاوز هذا السبب المباشر وتلك الخلافات الشخصية المتراكمة·
فهذه الاستقالة ليست أولى الاستقالات، التي شهدتها التشكيلة الوزارية الحالية، فقد سبقتها في منتصف فبراير الماضي استقالة جماعية للوزراء لم يبت في أمرها، وتلتها استقالة وزير النفط، التي أعلن عنها في جلسة مجلس الأمة أثناء مناقشة حرائق المصافي، والثالثة تمت قبل نحو أكثر من شهر عندما تقدم النائب الأول بطلب إعفائه، ورغم أن أيا من هذه الاستقالات أو طلبات الإعفاء لم تقبل ولم يتم البت فيها، إلا أن تلاحقها وتتابعها، بل وحتى تعليقها وعدم البت فيها وسحبها والتراجع عنها، يكشف مدى تأزم الوضع السياسي العام في البلاد·
فمن الواضح أن هنالك عقبات تواجه الترتيب المتخذ منذ أشهر لإدارة المسؤوليات في مجلس الوزراء وتفويض النائب الأول بعض صلاحيات الرئاسة، من الواضح أيضا أن هنالك خلافا حول حدود هذا التفويض ومدى التدخل فيه وتداخله، وكذلك عدم وضوح مسؤوليات نواب رئيس الوزراء··· وهنالك أيضا تسابق محموم لتعزيز المواقع بين بعض أطراف الأسرة الحاكمة لشغل أي فراغ يمكن أن يشغر في ظل عدم اتخاذ ترتيبات محددة لمستقبل التراتبية فيها، وهنالك تناقضات وطموحات شخصية واستقطابات تعبر عن نفسها بأشكال متفاوتة وفي مواقف مختلفة·· والأهم من ذلك كله، أن هنالك غيابا ملحوظا لدور المرجعية السياسية في التعامل مع هذه المشكلات وترددا في اتخاذ القرار، ما أدى الى ترك هذه المشكلات المعلقة تتنامى وتتفاقم لتصل الى ما وصلت إليه، والخشية أن تتخذ لها تعبيرات أشد خطورة وتعقيدا، رغم التراجع عن الاستقالة الأخيرة!
وعندما ننظر الى الأسلوب، الذي تم فيه التعامل مع مشكلة استقالة نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع والتراجع عنها، نجد أنه جرى التعامل معها كمشكلة أسرية بحتة، حيث تم تجاهل دور مجلس الوزراء كمؤسسة دستورية يفترض أن تجتمع في مثل هذه الحالات لتبحث شؤون خلافات أعضائها، وهذا ما يكشف طبيعة النظرة السائدة نحو مجلس الوزراء وكذلك تجاوز أسباب هذه الاستقالة لحدود ما يتردد عنها من ملابسات·
ورغم أنه لم يتضح ما دار في اللقاء، الذي تردد أنه عقد ظهر أمس في قصر "بيان" بين سمو الشيخ سعد العبدالله وصباح الأحمد وسالم الصباح، إلا أن بعض المراقبين السياسيين يرجحون أنه تم تداول ما هو أبعد من الموضوع المباشر للاستقالة، حيث يشير هؤلاء المراقبون الى أن المقربين من الشيخ سالم الصباح يتحدثون عن ضرورة تسوية عدد من الترتيبات المستقبلية، التي تتجاوز وضع التشكيلة الوزارية، ولكن سحب الاستقالة لا يعني الاتفاق عليها·
ولعل هذا ما يفسر تأخر إصدار بيان محدد بسحب الاستقالة أو التراجع عنها! ومن جانب آخر يتوقع بعض المراقبين السياسيين أنه حتى وإن تمت تسوية أمر الاستقالة، فإن الأسباب الحقيقية للأزمة السياسية لم تعالج، مما يفتح المجال أمام بروزها بأشكال مختلفة في أي وقت!