لا مشكلة في أن تصف الأمريكي راستي هوج بأنه مهووس بالفيتامين "سي"· فهو يتناول 14 غراماً في اليوم من هذا الفيتامين أي ما يفوق بـ 150 مرة النسبة المنصوح بها من الوكالات الحكومية الأمريكية، بل انه كان يضاعف هذا المعدل (الذي يتناوله) أربع مرات عندما كان يشعر أن المرض يدانيه·
منذ اعتماد هذا النظام الصحي قبل عشر سنين، قال هوج (46 عاماً) من أتلانتا وهو فني اتصالات إن المرض لم يصبه غير مرة واحدة، وإن ذلك عائد إلى أنه أهمل الروتين اليومي· وقال: "يطيب لي أن أقول ان تناول جرعات عالية من الفيتامين "سي" له أثر جانبي واحد·· إنه الصحة الجيدة"·
مثل كثير من المتعصبين لهذه الطريقة يعتقد هوج ان الجرعات العالية من الفيتامين "سي" يمكنها أن تكافح السرطان وأمراض القلب وأن تبطئ الشيخوخة وأن تقي من نزلات البرد (الزكام) وأن تطيل العمر بنحو 35 سنة، ومثل هذه الاعتقادات عززها حائز جائزة نوبل الكيميائي الراحل لينوس بولينغ الذي توفي عام 1994 عن عمر يناهز 93 عاماً ومازال مريدوه ينشرون بشارته·
لكن ليس عليك أن تفتح زجاجة حبوب الفيتامين "سي"· ففي الأسابيع الأخيرة، أظهرت دراسات علمية أنه بدلاً من أن يكون هذا الفيتامين ترياقاً (دواء ناجعاً) فإنه يساهم في حدوث أمراض القلب والسرطان· وفوق ذلك، أظهر تقرير حكومي أمريكي منشور في أبريل الماضي أنه في حين ينفق الأمريكيون 742 مليون دولار في السنة على حبوب الفيتامين "سي"، فإن هذا الفيتامين الاضافي (الحبوب) غير ضروري سواء كان بجرعات كبيرة أم صغيرة·
فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الناس أمثال هوج، كما بالنسبة إلى الباقين أمثالنا؟
ليس هناك شك في أن الفيتامين "سي" ضروري للحياة، لا سيما بالنسبة إلى تخليق الكولاجين وهو البروتين الذي يحقق تماسك الجسم البشري· فمع الفيتامين إي (E) والسيلينيوم يعتبر الفيتامين "سي" مادة قوية مضادة للأكسدة·
المواد المضادة للأكسدة تؤدي في الجسم دور رجال الشرطة، فهي تقبض على الجزئيات المشاكسة المسماة "الجذريات الطليقة" التي تُشكل عادة خلال عملية التمثيل (الاستقلاب) الغذائى وممكن أن تلحق أضراراً بالخلايا· وتقول احدى النظريات ان "الجذريات الطليقة" يمكن أن تفاقم أمراضاً مزمنة مثل السرطان وأمراض القلب والخرف (الزهايمر) وانه بزيادة تناولنا للمواد المضادة للأكسدة يمكننا أن نقضي على هذه المواد المؤذية·
لكن واحدة من دراستين شكلتا في هذه الفرضية نفذها كبير الأطباء لدى مركز سلون- كيتيرنغ للسرطان في مدينة نيويورك الدكتور ديفيد غولد، فقد زرع غولد وزملاؤه خلايا سرطانية بشرية في فئران التجارب ثم حقنوا هذه الفئران بفيتامين "سي" وقاسوا معدلات الفيتامين "سي" في الخلايا· وقد تبين لهم أن الخلايا السرطانية امتصت كميات كبيرة من الفيتامين "سي" بتحويلها إلى شكل يمكن امتصاصه بسهولة· وقال غولد: إن النتيجة هي أن الخلايا السرطانية قد تستعمل الفيتامين "سي" لحماية نفسها من الاشعاع والعلاج الكيميائي·
لكن الدراسة الثانية التي أجراها الدكتور جيمس دواير وهو مختص في علم الأمراض لدى جامعة جنوب كاليفورنيا فقد أحدثت ضجة أعظم· فقد أبلغ دواير إحدى جمعيات القلب الأمريكية في لقاء علمي انعقد في مارس الماضي ان الرجال الكهول الذين يتناولون 500 ميلليغرام من حبوب الفيتامين "سي" في اليوم يحدث لديهم ضيق في الشرايين السباتية التي تغذي الدماغ بالدم·
هاتان الدراستان تثيران الخوف، لكن الخبراء يحذرون من الافراط في المبالغة بهما· ففي حين يقول غولد ان مرضى السرطان لا ينبغي أن يتناولوا جرعات عالية من الفيتامين "سي"، يقول باحثون آخرون انه من المبكر جداً إعطاء مثل هذه التوصية· فليس هناك حتى الآن أي دليل علمي يثبت ان الفيتامين "سي" يحمي الخلايا السرطانية من الأدوية استناداً إلى مارك ليفين وهو خبير في الغدد الصماء وفي الفيتامين "سي" لدى المعهد الوطني للصحة· وهو قال ان الخلايا السرطانية التي اختبرها غولد كانت مأخوذة من أنسجة تمتص عادة كميات كبيرة من هذا الفيتامين·
أما بالنسبة إلى أمراض القلب فإن دواير نفسه يعتبر أن الحقائق العلمية مازالت أولية، فالدراسة لم تستغرق غير 18 شهراً ولم تشمل غير 573 رجلاً· في حين ان الدكتور روبرت جاكوب وهو باحث في الكيمياء يعمل لدى وزارة الزراعة الأمريكية يشير إلى ان دراسات سابقة أشارت إلى نقيض ذلك أي ان الفيتامين "سي" يقلل تضييق الشرايين السباتية·
في حين ليس هناك أي حكم قاطع بشأن سلامة تناول الفيتامين "سي"، توحي المراجعة الشاملة للدراسات العلمية أن تناول حبوب الفيتامين لا يوفر الحماية الصحية التي يتخيلها الناس· ويقول جاكوب في هذا الصدد "أعتقد ان البيانات تظهر أن الفيتامين "سي" مضاد قوي للأكسدة· لكنه ليس طلقة سحرية· وتناول المزيد منه لا يعني القضاء على الأمراض"·
غير أن الهيئة العلمية التي كلفها المعهد الوطني للصحة لدراسة آثار الفيتامين "سي" غيرّت التوصية الخاصة بجرعات الفيتامين فزادتها إلى 90 ميلليغرام في اليوم للرجال و70 ميلليغرام للنساء· وينبغي على المدخنين أن يتناولوا 35 ميلليغرام اضافية أخرى في اليوم·
واستناداً إلى دراسة مشهورة كتبها ليفين، من المرجح أن يكون تناول جرعة من 200 ميلليغرام في اليوم مجرد تبذير للأموال· فقد تبين لجماعته البحثية ان خلايا الجسم لا تستطيع امتصاص أكثر من 100 ميلليغرام في اليوم، وان معدل تركيز الفيتامين "سي" في الدم يتوقف عن الارتفاع عندما نصل إلى جرعة 200 ميلليغرام في اليوم· ويقول الدكتور بالتس فري مدير معهد "لينوس بولينغ" إنه بعد "حد معين يبدأ الناس في تبول معظم ما يتناولونه" من فيتامين "سي"·
ولم تجد الهيئة العلمية التي شكلها المعهد الوطني للصحة أي آثار جانبية للفيتامين "سي" لكنها نصحت بألا يتعدى المعدل الأقصى ألفي ميلليغرام في اليوم، وحذرت المصابين بالتلاسيميا (فقر الدم الوراثي) وأمراض الكلى من تناول الجرعات الكبيرة· وفي بعض الحالات، ينبغي استشارة الطبيب قبل ذلك، وتبين للهيئة ان تناول الجرعات الكبيرة لا يحمي من الزكام وإن كانت تساعد في تخفيف المعاناة·