بعد دراسة متأنية للأزمة السياسة والثقافية الأخيرة في البلاد، اتفقت منظمات حقوق الإنسان الموقعة أدناه على المبادئ والمعاني التالية:
أولاً: إدانة الحملة المحمومة التي قامت بها صحيفة "الشعب" ــــ التي كانت قد بدأتها صحيفة "الأسبوع" ــــ ضد عدد من أبرز المثقفين والمبدعين والمسؤولين الثقافيين في البلاد· وتعتبر المنظمات الموقعة هذه الحملة تهديداً خطيراً للحريات العامة ولحرية التعبير، وعملا من أعمال الإرهاب الأسود الذي لا تسوغه أية أعذار أو مبادئ أو قيم سماوية أو مدنية كانت·
وتلاحظ منظمات حقوق الإنسان أن تلك الحملة قد اتخذت أبعاداً غير مسبوقة في تاريخنا الحديث، وإن كانت تنتمي إلى بعض التقاليد السياسية النفعية التي عكفت على توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية، حتى لو أدت ممارسات بعينها إلى دفع البلاد إلى شفا كارثة حقيقية يتصدع فيها السلام الأهلي وتنهار بسببها الحريات العامة وحكم القانون·
إن تلك الممارسات يمكن أن تدخل البلاد إلى نفق مظلم من أعمال العنف والإرهاب، كانت مصر كلها تتمنى أن تنتهي تماما· إن تلك الحملة هي تجسيد نموذج لتلك التقاليد الإرهابية بشمولها على الممارسات التالية:
1 ــــ إطلاق الاتهامات بالكفر جزافاً على من تراهم الجريدة خصوما سياسيين وفكريين، وهي اتهامات ظلت تلاحق عشرات من المثقفين،وطالت كثيراً من المبدعين وحتى علماء الدين·
2 ــــ مواصلة تلك الحملة والإسراف في استخدام لغة محمومة وحافلة بالتهديد والاستقطاب والدعوة للعنف والإرهاب·
3 ــــ إطلاق حمم من الشتائم والنعوت المهينة بأكثر الألفاظ خروجاً على الآداب العامة وأكثر التعبيرات عنفاً بقصد الاغتيال المعنوي الرمزي لعدد من أهم علامات الحياة الثقافية والإبداعية في البلاد·
4 ـــ التحريض شبه الصريح على اغتيال المبدعين والمثقفين الذين استهدفتهم تلك الحملة دون وازع من أخلاق أو دين أو ضمير·
5 ــــ الدفع بصورة قصدية وواعية إلى العنف الجماعي والتلويح بإغراق البلاد في حمامات من الدم وتوظيف المشاعر الدينية العميقة لدى جميع المصريين لإحداث استقطاب شامل في المجتمع والدعوة لكراهية رموز ثقافية وإهدار حرية الضمير والاعتقاد·
ثانياً: تحميل جريدة "الشعب" على وجه الخصوص كامل المسؤولية الأدبية والأخلاقية عن التصعيد الخطير لحملة الإرهاب ضد الثقافة والمثقفين، بصورة تنبئ عن نوايا مكشوفة لدفع البلاد إلى فتنة أهلية·
ويلفت النظر في هذا الإطار:
1 ــــ توظيف مؤسسات التعليم الديني والجمعيات الدينية ــــ بل والحركات الإرهابية التي أغرقت البلاد في الدم فعلاً خلال العقد الماضي ــــ بغية تكثيف حملة التخويف والتهديد ضد المثقفين·
2 ــــ استخدام أسلوب التهديد والابتزاز ضد منظمات جماهيرية ونقابية وصحف وأحزاب أخرى بهدف إخافتها ومنعها من مناقشة الأزمة بصورة نزيهة وموضوعية·
3 ــــ الدأب على استنفار الدولة وتخويفها سواء لقمع المثقفين والمنابر الثقافية أو لدفع البلاد إلى حافة الهاوية·
ثالثا: إن القضية التي بدأت بها الحملة قد تم اصطيادها واقتناصها بصورة مصطنعة ومدبرة لإشعال أزمة سياسية ودفع البلاد إلى حافة الكارثة لتحقيق أهداف سياسية ضيقة· إن التصيد هو جوهر تلك السياسة المنهجية التي ترمي إلى إشعال نار الفتنة وإشاعة روح الرعب بين صفوف النخبة المثقفة، وهو ما يظهر في المؤشرات التالية:
1 ــــ إن جريدة "الشعب" قد دأبت على اتباع نهج التصيد والاقتناص الذي يخرج بها تماماً عن البراءة وحسن النوايا ويدمر حصاد الفكر والثقافة، كما عكفت على التفتيش في بطون الكتب الأدبية والعلمية والسياسية والتي تصدر في البلاد سواء تحت مظلة وزارة الثقافة أو غيرها، بهدف التقاط واقتناص أي جمل أو تعبيرات أو مواقف يمكن تصويرها كخروج على الدين وتوظيفها في إطلاق الاتهامات الجزافية بالكفر والإلحاد· وهو ما حول الجريدة إلى محكمة تفتيش دائمة تستعدي الجمهور ضد المثقفين، وهؤلاء الذين يشاركون في صنع السياسة الثقافية وإدارة برامج النشر، وتتغافل الجريدة عمداً ــــ في هذا السياق ــــ عما تشهد به ذات المؤشرات الموضوعية على اهتمام الدولة برعاية الشؤون الدينية والتعليم الديني·
2 ــــ تحويل خلاف عادي في النقد كان يمكن مناقشته بروية بين المختصين في مناخ من الهدوء والاعتراف المتبادل إلى قضية رأي عام تستعدي فيها جماهير لم تطلع على موضوع الخلاف ولا تملك المعارف والمهارات المتخصصة للإدلاء برأيها فيه، وذلك لممارسة العنف ضد المثقفين· إن ما جرى من تحويل الخلاف حول رواية "وليمة لأعشاب البحر" إلى حملة كاملة للإرهاب لا يمكن تفسيره إلا بوجود خطة مدبرة ومنهجية لتصعيد حملة الإرهاب الفكري، واتهام الدولة والمثقفين زوراً بإشاعة الكفر والإلحاد، بما يمهد الطريق لقبول الدعوات ــــ المبطنة أو الصريحة ــــ للاغتيال المادي والمعنوي للمثقفين والمسؤولين الثقافيين·
رابعاً: إن تلك الحملة لا تكاد تخفي أهدافها، وهي أهداف بعيدة كل البعد عن المشروعية الأخلاقية والقانونية:
1 ــــ إن الهدف الأول لهذه الحملة الظالمة هو إجبار المجتمع والنخبة المثقفة على التسليم بدور رقابي شامل لجريدة الشعب وللاتجاه السياسي الذي تعبر عنه·
2 ــــ أما الهدف الثاني فهو انتزاع صفة الحارس على الدين لصالح منظمة أو جماعة سياسية بعينها وهو ما يكرس بصورة تلقائية فكرة وجود حزب ديني على خلاف الدستور وفلسفة القانون الحديث·
3 ــــ أما الهدف الثالث فهو استئصال الدور التنويري للمثقفين عموماً، ولمؤسسات ثقافية رسمية معينة، وعلى رأسها برامج النشر التي تنتج كنوز المعرفة المصرية والعربية والأجنبية لجميع المصريين بأرخص الأثمان·
خامساً: الرفض التام للاتجاه الذي برز أخيراً بين دوائر رسمية معينة للخضوع أمام الابتزاز والإرهاب الذي قامت به جريدة "الشعب"، وهو ما وجد تعبيره في الإعلان عن سحب الرواية ـــــ حتى لو لم تكن قد سحبت ــــ ودعوة شيخ الأزهر لإصدار تقرير بشأنها على الرغم من أن قانون الأزهر يحصر دوره الرقابي في ضمان صحة طباعة المصاحف والأحاديث النبوية· فضلاً عن تقديم اثنين من المبدعين إلى محكمة أمن الدولة باعتبارهما مسؤولين عن إعادة نشر الرواية· إن هذا الخضوع للابتزاز يؤدي إلى إعادة إنتاج أشكال مختلفة من الرقابة الدينية والإدارية على الكتب والمطبوعات والمواد السمع بصرية وشتى صور الإبداع والمعرفة، في وقت تناضل فيه النخبة المثقفة لإنهاء جميع صور الرقابة السابقة واللاحقة التي تصادر حرية التعبير والإبداع·
ويسترعي الانتباه في هذا السياق الدور الذي لعبته لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب في تأجج نيران هذه الحملة الإرهابية، وخصوصاً رئيسها الذي هو أحد القيادات العليا للحزب الوطني الحاكم ورئيس جامعة الأزهر التي خرجت منها مظاهرات الطلبة ــــ والذي حرض علناً ــــ أسوة بالنازية ــــ على حرق الرواية في مكان عام! في سابقة لم يعرفها من قبل تاريخ مصر الحديث·
سادساً: التضامن العام مع الرموز الثقافية والإبداعية التي اختصتها جريدة "الشعب" بأسوأ أشكال الاستهداف، بالاغتيال المادي والمعنوي، والتأكيد على استمرار الاعتزاز بالقيمة المعنوية والرمزية العالية للكتاب والمبدعين العرب الذين وقعوا ضحية تلك الحملة الظالمة·
سابعاً: مناشدة المبدعين الابتعاد عما قد يثير شبهة المساس بالمقدسات الدينية، حتى لو مثل ذلك أحياناً تضحية بما يرونه ضرورة فنية·
ثامناً: رفض أي إجراء غير قضائي أو غير قانوني بحق جريدة "الشعب" ومسؤوليها من جانب هيئات الدولة الرسمية·
وتوضيحاً لهذه المسألة الدقيقة، فإن منظمات حقوق الإنسان ترى أن حملة الإرهاب الظالمة التي أطلقتها جريدة "الشعب" لا تحظى ــــ ولا يجب أن تحظى ــــ بحماية القانون الدولي لحقوق الإنسان، فهي لا تعد نقداً مباحاً تسري عليه الحماية القانونية لحرية التعبير، طالما أنها تشتمل في الجوهر على دعوة للعنف والاغتيال الرمزي والمعنوي والمادي واجتياح كرامة الأفراد والاعتداء على حرية الآخرين·
ولكن منظمات حقوق الإنسان الموقعة على هذا البيان تعتقد أن القانون العادي كافل تماماً لاسترداد التوازن بين الحقوق وتطبيق قواعد العدالة· إن التهديدات والدعوات التي راجت أخيراً في بعض الصحف لإغلاق جريدة "الشعب" أو حل حزب العمل أو غير ذلك من إجراءات تعسفية تهدر سلطة القضاء· وتعبر منظمات حقوق الإنسان عن قلقها من هذه الاتجاهات وتؤكد حرصها على ضمان استمرار جميع صور التعبير القانوني عن الرأي، وضرورة احترام الحق في التجمع والتنظيم السياسي وغيرها من الحقوق والحريات العامة·
تاسعاً: إن السهولة التي يتم بها استدعاء طوائف جماهيرية للتدخل بشتى صور العنف لتسوية خلافات فكرية وسياسية يجب أن تدق جرس الإنذار للكشف عن جذور العنف والهشاشة الثقافية في البلاد· وترى المنظمات الموقعة أن العلاج السليم لهذه المعضلة يتمثل في تضافر جميع الجهود لتكثيف وتحذير ثقافة المسؤولية المدنية وحقوق الإنسان، وتلفت النظر إلى أن ضيق الهامش الديمقراطي وحالة الحصار المفروضة على الحياة السياسية بشكل عام، تسهم في دفع بعض التيارات ــــ في محاولتها للتأثير على الرأي العام، وكسب دعمه ــــ إلى عدم التورع عن اللجوء إلى أية وسيلة لاختراق هذا الحصار الخانق، بما في ذلك استخدام الدين وتوظيفه والتلاعب بمشاعر المواطنين الدينية، في الوقت الذي تؤدي فيه القيود المغالى فيها على حرية الرأي والفكر والإبداع إلى ضعف حصانة المجتمع إزاء مثل هذه الهجمات الظلامية·
عاشراً: تدعو المنظمات الموقعة إلى ضرورة عقد مؤتمر عام تشارك فيه جميع القوى المثقفة المهتمة بشؤون حرية التعبير والإبداع ـــ بما في ذلك الاتجاه الإسلامي المستنير ــــ لوضع مواثيق أخلاقية وتقنيات للسلوك تضمن إنسياب الحوار الصحي في المجتمع، وترسخ الآداب المحترمة للخلاف، وتحافظ على التعددية وترعى الحريات العامة، وتراعي الارتفاع بلغة التعبير بعيداً عما يمكن أن يشكل شبهة المساس بقدسية الأديان والعقائد والرموز الدينية، وتؤمن حق البلاد في الازدهار الثقافي والحرية في جميع مجالات الإبداع·
تــوقيعــــــات
مركز هشام مبارك للقانون·
دار الخدمات النقابية والعمالية·
مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان·
مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء·
جماعة تنمية الديمقراطية (تحت التصفية)·
المنظمة المصرية لحقوق الإنسان·
مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف·