دعا معهد أبحاث أمريكي يعنى بمتابعة الأحوال السائدة في العالم الى بذل جهود على شاكلة مشروع مارشال الذي استهدف انعاش أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية - لوقف انتشار فيروس نقص المناعة ومرض الإيدز واستعادة التقدم الاقتصادي في أفريقيا·
واستند المعهد في دعوته الى عدد من الإحصاءات منها أن انتشار فيروس نقص المناعة ومرض الإيدز يعمل على خفض متوسط العمر المتوقع من 70 الى 30 عاما في جنوب أفريقيا ويغلق نحو نصف عدد المدارس في جمهورية أفريقيا الوسطى ويلحق دمارا وفوضى بالتنمية الاجتماعية في الكثير من دول القارة·
وجاء ذلك في بيان صحفي أصدره معهد ورلدواتش ونوه فيه بنجاح أوغندا والسينيغال في اتخاذ إجراءات وقائية ضد الفيروس ومرض الإيدز وأكد البيان الحاجة الى مبادرات وبرامج تعين أفريقيا على مكافحة هذا الوباء ترتكز على إدخال تغييرات في المسلك الجنسي لسكان القارة· كذلك أبرز البيان أهمية الاستثمارات الدولية كخطوة ضرورية نحو مكافحة انتشار المرض في القارة السوداء· وجاء في البيان أن مؤتمر الإيدز الدولي الذي عقد في ديربان جنوب أفريقيا يذكرنا بأن أفريقيا في طريق الفناء، فوباء فيروس نقص المناعة المنتشر في القارة يقضي على 6030 شخصا يوميا وأضاف البيان أن هذا الرقم يتزايد سنويا وأن من المتوقع أن يتضاعف خلال عقد من الزمان· وطالب المعهد في بيانه بالنظر الى العواقب الاقتصادية البعيدة الأجل لهذا الوباء، وهي العواقب المتمثلة في تدهور الإنتاج الغذائي والرعاية الصحية وتفكك النظم التربوية·
وقارن البيان بين نسبة إصابة الراشدين بالفيروس في مناطق مختلفة من العالم، فقال إنها أقل من واحد بالمئة في البلدان الصناعية، بينما تتجاوز 10 بالمئة في 16 بلدا أفريقيا وتصل الى 20 بالمئة في جنوب أفريقيا، ثم تسجل رقما قياسيا بتسوانا حيث تبلغ 36 بالمئة· ونبه المعهد الى أن البلدان الأفريقية التي تصاب نسب مرتفعة من سكانها الراشدين بالفيروس ستفقد ثلث عددهم بحلول نهاية العقد الحالي·
ومن المفارقات التي أوردها بيان المعهد ومقره العاصمة واشنطن أنه في حين تفتك الأمراض المعدية في المقام الأول عادة بالمسنين وصغار السن بسبب ضعف مناعتهم، فإن الفيروس يستهدف الراشدين وبذلك يحرم البلدان التي ينتشر فيها من أكثر القطاعات العمالية إنتاجا· كذلك ينتشر الفيروس في مراحله الأولى بسرعة قصوى بين الأفضل تعليما والأكثر قدرة على الارتقاء اجتماعيا، ومنهم الخبراء الزراعيون والمهندسون والمدرسون وغيرهم من الفئات التي يعتمد عليها النمو الاقتصادي· وأكد البيان أن انتشار الفيروس يؤثر على جميع قطاعات المجتمع والمجلات الاقتصادية· وذكر بهذا الصدد أن ما يقرب من نصف ميزانية الرعاية الصحية في زيمبابوي يوجه الى معالجة مرضى الإيدز، كما أن بعض المستشفيات في بوروندي وجنوب أفريقيا تخصص 60 بالمئة من أسرتها للمصابين به·
وتحدث البيان عن الأيتام الذين يخلفهم هذا الوباء، فقال إن عددهم يزيد بالآلاف يوميا وأن من الممكن أن يترتب على ذلك وجود 20 مليون يتيم بحلول عام 2010، الأمر الذي قد يحد من الموارد الاقتصادية للأسر في البلدان التي ينتشر فيها الوباء ويزيد من اعتماد صغار السن والمسنين على غيرهم من العناصر المنتجة التي لا تتوفر بقدر كاف بسبب الوباء· ويترتب على ذلك أن تعجز هذه البلدان عن تحقيق الادخار اللازم لتنفيذ مشاريع التنمية فيها وتتقلص الاستثمارات الخارجية اللازمة لذلك وربما تجف تماما·
إلا أن البيان لا يخلو من المعلومات الباعثة على الأمل، ومنها أن السينيغال قامت بتعبئة جهودها حتى لا تتجاوز الإصابة بالوباء المنتشر نسبة اثنين بالمئة بين الراشدين، أو أكثر قليلا من النسبة السائدة في البلدان الصناعية· وفي معرض حديثه عن أهمية العمل بمقتضى "مشروع مارشال" جديد يحول دون انتشار الوباء في الدول الأفريقية المصابة به ويستعيد تقدمها الاقتصادي، نادى البيان بضرورة اهتمام قادة هذه البلدان بالمشروع، ومن أمثلة ذلك أن أوغندا أول البلدان التي ضربها واستفحل فيها فيروس نقص المناعة ومرض الإيدز حظيت بالاهتمام الشخصي للرئيس الأوغندي يويوري موسيفيني على مدى يتجاوز السنوات العشر الماضية·
وخص بيان المعهد بالذكر فيلق السلام الأمريكي وهيئات أوروبية مماثلة، وذلك في معرض حديثه عن الجوانب التعليمية اللازمة لمكافحة المرض، مثل تزويد المدارس بمدرسين لكي تواصل القيام بمهمتها والحاجة الى إخصائيين وأخصائيات في مجال الخدمة الاجتماعية· كذلك تحدث البيان عن جوانب أوسع للانعاش الاقتصادي وفقا لمشروع مارشال، فقال إن اجتذاب مؤسسات الاستثمار الدولية للعمل في البلدان التي تعاني من الوباء يقتضي عدم اثقال كاهلها بأعباء ضريبية، كما أن التخفيف من مديونية هذه البلدان ضروري لبناء أفريقيا الجديدة الخالية من الوباء·