رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 16-22 جمادي الاولي 1421 هـ الموافق 16 - 22 اغسطس 2000
العدد 1440

تدبير السي آي إيه للانقلاب ضد مصدق 1953
مؤامرة هزت إيران

·         في كلمة ألقتها في شهر مارس، اعترفت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية بدور الانقلاب المحوري في العلاقة المضطربة مع إيران وكانت أقرب إلى الاعتذار مما كان عليه أي مسؤول أمريكي آخر من قبل

·         كان الهدف هو الإتيان إلى السلطة بحكومة تصل إلى تسوية بترولية عادلة، مما يمّكن إيران من أن تُصبح قوية اقتصادياً وقادرة على أداء التزاماتها المالية، وتتولى مطاردة الحزب الشيوعي القوي بصورة خطيرة، وخلال بضعة أيام حدد مسؤولو الوكالة ضابطاً كبيراً، هو الجنرال فيض الله زاهدي، ليكون رأس حربة الانقلاب· واقتضت خطتهم قيام الشاه بدور رئيسي

·         كانت الخطة تقتضي أن يتماسك الشاه عندما تثير وكالة الاستخبارات المركزية أعمال الشغب الشعبية، وبعد ذلك يصدر مرسومين شاهنيين بعزل الدكتور مصدق وتعيين الجنرال زاهدي رئيساً للوزراء· وجاء في التاريخ السري أن الوكالة سعت إلى "خلق ذلك الضغط على الشاه الذي يجعل توقيعه على الأوراق المطلوبة منه أيسر عليه من رفضه القيام بذلك"· وقد لجأ المسؤولون إلى شقيقته الأميرة أشرف طلباً للعون

 

جيمس رايزن**

طوال ما يقرب من خمسة عقود، كان دور أمريكا في الانقلاب العسكري الذي أطاح برئيس وزراء إيران المنتخب وأعاد الشاه للسلطة، مفقوداً بالنسبة للتاريخ، وموضع جدل شديد داخل إيران، وصمتاً مطبقاً في الولايات المتحدة· وتوالي تقاعد المشاركين أو وفاتهم، الواحد وراء الآخر، دون الكشف عن التفاصيل الأساسية، وذكرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن سجلات العملية- التي كانت أول عملية ناجحة تطيح من خلالها بحكومة أجنبية- قد أتلفت·

إلا أن نسخة من تاريخ الوكالة السري الخاص بالانقلاب ظهرت على السطح، لتكشف الأساليب الداخلية لمؤامرة أعدت المسرح للثورة الإسلامية سنة 1979، ولجيل من الكراهية المعادية لأمريكا في واحدة من أقوى دول الشرق الأوسط·

وتكشف الوثيقة التي مازالت محظورة، الدور المحوري الذي قام به مسؤولو المخابرات البريطانية في بدء الانقلاب والتخطيط له· وتبين أن واشنطن ولندن كانتا لهما مصلحة مشتركة في الحفاظ على سيطرة الغرب على البترول الإيراني·

ويذكر التاريخ السري لوكالة الاستخبارات المركزية، الذي كتبه المخطط الرئيسي للانقلاب وحصلت عليه صحيفة "نيويورك تايمز" أن نجاح العملية كان في معظمه محض صدفة· فالوثيقة تشير إلى أن الوكالة كانت تضمر ازدراء يكاد يكون تاماً للرجل الذي كانت تمكنه من السلطة، وهو الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كانت تسخر منه باعتباره جباناً متردداً· وهي تروي لأول مرة جهود الوكالة المضنية لإغراء الشاه وحثه على أن يكون له دور في الانقلاب الخاص به·

وك

انت العملية، التي حملت الاسم الكودي TP-Ajax هي خطة العمل المفصلة لسلسلة من مؤامرات وكالة الاستخبارات المركزية لتحريك الانقلابات وزعزعة الحكومات خلال فترة الحرب الباردة- بما في ذلك الانقلاب الناجح الذي رتبته الوكالة في جواتيملا سنة 1954 والتدخل الكوبي الذي كانت له نتائجه الوخيمة والمعروف باسم خليج الخنازير سنة 1961 وفي أكثر من مثال، أدت هذه العمليات إلى نفس النوع من العداوة طويلة الأمد تجاه الولايات المتحدة التي حدثت في إيران·

ويقول التاريخ إن ضباط الوكالة المنظمين لانقلاب إيران عملوا بشكل مباشر مع ضباط الجيش الموالين للشاه، واختاروا بديل رئيس الوزراء· وأرسلوا سيلاً من المبعوثين لتعزيز شجاعة الشاه، ووجهوا حملة من تفجير القنابل التي قام بها إيرانيون تظاهروا بأنهم أعضاء في الحزب الشيوعي، وزرعوا مقالات ورسوماً كاريكاتيرية في الصحف·

ولكن التاريخ السري يشير إلى أنه في الليلة التي حددت لخلع رئيس الوزراء محمد مصدق، لم يسر أي شيء تقريباً وفقاً للخطط التي وضعت بعناية بالغة· فواقع الأمر أن مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية كانوا على استعداد للفرار من إيران، عندما سيطر العديد من الضباط الإيرانيين المجندين على مظاهرة موالية للشاه في طهران واستولوا على الحكم·

ويكشف التاريخ أنه بعد يومين من الانقلاب، أدخل مسؤولو الوكالة 5 ملايين دولار لإيران لمساعدة الحكومة التي أتوا بها في تدعيم نفوذها·

وكانت الخطوط العامة للدور الأمريكي في الإنقلاب قد كشف النقاب عنها في إيران في البداية، ثم في مذكرات ضباط وكالة الاستخبارات المركزية وروايات أخرى منشورة· إلا أن الكثير من النقاط المحددة ظلت محظورة· والتاريخ السري الذي حصلت عليه "نيويورك تايمز" هو أول رواية حكومية مفصلة للانقلاب يتم نشرها·

وكانت الولايات المتحدة بطيئة في إتاحة ملفات إيران للاطلاع· وتعهد اثنان من مديري الوكالة، هما روبرت جيتس ور· جيمس وولسي، بحظر الاطلاع على السجلات الخاصة بأعمال الوكالة السرية، بما في ذلك الانقلاب· إلا أن الوكالة ذكرت منذ ثلاث سنوات أن عدداً من الوثائق ذات الصلة بالانقلاب كانت قد أتلفت في أوائل الستينات·

وذكر متحدث رسمي باسم وكالة الاستخبارات المركزية أن الوكالة أبقت على حوالي ألف صفحة من الوثائق المتصلة بالإنقلاب، إلى جانب التاريخ ورواية تاريخية كتبت في وقت لاحق· كما قال إن الأوراق التي أتلفت في أوائل الستينات كانت  نسخاً وملفات عمل·

وذكر كبير مؤرخي وزارة الخارجية أن مكتبه تلقى نسخة من التاريخ منذ سبع سنوات، إلا أنه لم يتخذ قراراً بعد بشأن رفع الحظر عنها·

وقد تلقت "نيويورك تايمز" التاريخ السري، وكذلك التقييمات العملياتية التي كتبها مخططو الانقلاب، من مسؤول سابق كان يحتفظ بنسخة منها·

والواقع ان الانقلاب كان نقطة تحول في تاريخ إيران الحديث· ومازال مصدر ضيق دائم في العلاقات بين واشنطن وطهران· فقد قوى دعائم سلطة الشاه· الذي حكم بقبضة من حديد ما يربو على 26 سنة وهو على صلة وثيقة بالولايات المتحدة· وقد خلعه سنة 1979 المتشددون الذين خرجوا في مسيرات إلى السفارة الأمريكية، وأخذوا رهائن من الديبلوماسيين، وأعلنوا أنهم كشفوا النقاب عن "عش الجواسيس" الذين كانوا يتحكمون في إيران على مر العقود·

وأيدت حكومة آية الله روح الله الخميني الهجمات الإرهابية على المصالح الأمريكية تأييدا كبيرا، بسبب التاريخ الأمريكي الطويل في دعم الشاه· وحتى في ظل حكام أكثر اعتدالا، ما زال إيرانيون كثيرون يشعرون بضيق من دور الولايات المتحدة في الانقلاب ومن دعمها للشاه·

وفي كلمة ألقتها في شهر مارس، اعترفت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية بدور الانقلاب المحوري في العلاقة المضطربة مع إيران وكانت أقرب إلى الاعتذار مما كان عليه أي مسؤول أمريكي آخر من قبل·

وقالت أولبرايت: "كانت حكومة أيزنهاور تعتقد أن أعمالها لها ما يبررها لأسباب استراتيجية· غير أن الانقلاب كان نكسة بالنسبة لتطور إيران السياسي· ومن السهل أن نرى في الوقت الراهن السبب في أن الكثير من الإيرانيين لايزالون غاضبين من هذا التدخل من جانب أمريكا في شؤونهم الداخلية"·

إن التاريخ يوضح الحسابات التي أشارت إليها مادلين أولبرايت في كلمتها· وهو يقول إن بريطانيا هي التي نسجت خيوط المؤامرة سنة 1952 وبينما رفضتها حكومة ترومان، قبلها الرئيس أيزنهاور بعد توليه منصب الرئاسة بوقت قصير سنة 1953، بسبب مخاوفه بشأن البترول والشيوعية·

الجذور

بريطانيا تحارب تأميم البترول

حقيقة الأمر أن جذور الانقلاب تعود إلى المواجهة البريطانية مع إيران، التي استعصت السيطرة عليها في ظل عقود من الهيمنة البريطانية شبه الاستعمارية·

وكان ما تصبو إليه هو حقول البترول الإيرانية· فقد احتلت بريطانيا إيران في الحرب العالمية الثانية لحماية طريق إمداد إلى حليفها الاتحاد السوفيتي، ولمنع البترول من السقوط في أيدي النازيين- حيث أقصت والد الشاه، الذي رأت أنه لا يسهل قياده، عن الحكم· واحتفظت بريطانيا بسيطرتها على بترول إيران بعد إنتهاء الحرب من خلال شركة البترول الأنجلو إيرانية·

وفي سنة 1951 صوت البرلمان الإيراني لمصلحة تأميم صناعة البترول، وانتخب أعضاء البرلمان المؤيدون للقانون المدافع الرئيسي عنه الدكتور مصدق رئيساً للوزراء·

وردت بريطانيا على ذلك بالتهديدات والعقوبات الاقتصادية· ورفض الدكتور مصدق- وهو محام تلقى تعليمه في أوروبا وكان وقتها في أوائل السبعينات من عمره ويميل إلى البكاء والجيشان العاطفي- الرجوع عن قراره· ويقول التاريخ إنه في الاجتماعات التي عُقدت في نوفمبر وديسمبر 1952، فاجأ مسؤولو الاستخبارات البريطانيون نظراءهم الأميركيين بخطة تتعلق بعملية مشتركة لخلع رئيس الوزراء المزعج·

ويشير التاريخ إلى أن الأميركيين، الذين "لم تكن لديهم نية مناقشة هذه المسألة بالمرة"، وافقوا على دراستها· إذ كانت لها جاذبيتها· وكانت معاداة الشيوعية قد بلغت حد الحمى في واشنطن، وكان المسؤولون يشعرون بالقلق من احتمال خضوع إيران لنفوذ الاتحاد السوفييتي، الذي كان له وجود تاريخي هناك·

وفي مارس 1953 دفع تطور غير متوقع بالمؤامرة إلى الأمام: فقد أورد مركز وكالة الاستخبارات المركزية في طهران أن جنرالاً إيرانياً اتصل بالسفارة الأمريكية بشأن دعم انقلاب يقوده الجيش·

لقد خدعت حكومة أيزنهاور التي بدأت الحكم حديثاً· فالائتلاف الذي انتخب الدكتور مصدق كان في سبيله للتشظي، وأصبح الحزب الشيوعي الإيراني، توده، نشطاً·

ويقول التاريخ إن الن و· دالاس مدير الاستخبارات المركزية وافق في 4 أبريل على استخدام مليون دولار أمريكي "بأية طريقة تؤدي إلى سقوط مصدق"·

ويمضي التاريخ قائلاً: "كان الهدف هو الإتيان إلى السلطة بحكومة تصل إلى تسوية بترولية عادلة، مما يمكن إيران من أن تصبح قوية اقتصادياً وقادرة على أداء التزاماتها المالية، وتتولى مطاردة الحزب الشيوعي القوي بصورة خطيرة"·

وخلال بضعة أيام حدد مسؤولو الوكالة ضابطاً كبيراً، هو الجنرال فيض الله زاهدي، ليكون رأس حربة الانقلاب· واقتضت خطتهم قيام الشاه بدور رئيسي·

وكتب المسؤولون قائلين: "كانت توليفة الشاه- جنرال زاهدي التي تدعمها الأصول المحلية لوكالة الاستخبارات المركزية ستنعم بفرصة جيدة لإقصاء مصدق، وخاصة في حالة قدرة هذه التوليفة على استمالة أكبر عدد من الحشود التي في الشوارع· وإذا رفض جزء كبير من حامية طهران تنفيذ أوامر مصدق"·

إلا أنه طبقاً لما ذكره التاريخ، فإن المخططين كانت لديهم شكوك بشأن ما إذا كان الشاه يمكنه تنفيذ هذه العملية الشجاعة أم لا·

وكانت أسرة الشاه قد استولت على عرش إيران قبل ذلك باثنتين وثلاثين سنة وحسب، عندما قاد والده القوي انقلاباً بنفسه· إلا أن مسؤولي الوكالة كتبوا أن الشاه الصغير كان "بطبعه مخلوقاً متردداً، تتملكه شكوك ومخاوف لا وجود لها"، وكثيراً ما يكون على خلاف ما مع عائلته، بمن فيهم الأميرة أشرف، "الأخت التوأم القوية المولعة بتدبير المكائد"·

وكان الشاه يعاني كذلك مما أسمته وكالة الاستخبارات المركزية "الخوف المرضي" من المؤامرات البريطانية، وهي عقبة يحتمل أن تقف في سبيل أية عملية مشتركة·

وفي مايو 1953 أرسلت الوكالة الدكتور ويلبر وهو أستاذ متخصص في العمارة الفارسية إلى قبرص لمقابلة نورمان داربيشاير، رئيس فرع إيران في الاستخبارات البريطانية، بغرض وضع الخطط الأولية للانقلاب· وكان الحد من مخاوف الشاه يأتي في مقدمة جدول أعمالهما؛ وتشير وثيقة صادرة عن هذا الاجتماع إلى أنه سيتم إقناعه بأن الولايات المتحدة وبريطانيا "تعتبران مسألة البترول أمراً ثانوياً"·

وتطرق النقاش في الاجتماع إلى موضوع شائك، وهو هوية العملاء الأساسيين داخل إيران· وذكر البريطانيون أنهم جندوا شقيقين اسم عائلتهما رشيديان· ويكشف التاريخ أن الأمريكيين لم يثقوا في البريطانيين بشأن هوية أفضل "عملاء" لهم داخل إيران·

وفي الوقت ذاته انقسم مسؤولو وكالة الاستخبارات المركزية على إذا ما كانت الخطة التي وضعت في قبرص يمكن أن تنجح أم لا· وحذر مركز طهران القيادة من أن "الشاه قد لا يتصرف بحسم ضد مصدق"، كما قال إن الجنرال زاهدي، وهو الرجل الذي أختير لقيادة الانقلاب، "بدا مفتقراً إلى الدافع والحيوية والخطط المحددة"·

ورغم تلك الشكوك، بدأ مركز الوكالة في طهران في نشر "دعاية رماية"· وتوزيع رسوم كاريكاتير معادية لمصدق في الشوارع، وزرع مقالات في غير مصلحته في الصحافة المحلية·

 

وضع الخطط محاولة إقناع شاه متردد

كانت المؤامرة قيد التنفيذ، مع أن الشاه كان محارباً متردداً ولم يكن أيزنهاور قد أعطى الموافقة النهائية·

وفي أوائل شهر يونيو، التقى مسؤولو الاستخبارات البريطانيون والأمريكيون من جديد، وكان اللقاء هذه المرة في بيروت، حيث وضعوا اللمسات الأخيرة على الاستراتيجية· وبعد ذلك بوقت قصير وصل إلى طهران رئيس قسم الشرق الأدنى وافريقيا في وكالة الاستخبارات المركزية كيرمت روزفلت، حفيد الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت، لإدارتها·

وكان الشاه يمثل مشكلة منذ البداية· فقد كانت الخطة تقتضي أن يتماسك الشاه عندما تثير وكالة الاستخبارات المركزية أعمال الشغب الشعبية· وبعد ذلك يصدر مرسومين شاهنيين بعزل الدكتور مصدق وتعيين الجنرال زاهدي رئيساً للوزراء·

وجاء في التاريخ السري أن الوكالة سعت إلى "خلق ذلك الضغط على الشاه الذي يجعل توقيعه على الأوراق المطلوبة منه أيسر عليه من رفضه القيام بذلك"· وقد لجأ المسؤولون إلى شقيقته الأميرة أشرف طلباً للعون·

وفي الحادي عشر من يوليو، وقع الرئيس أيزنهاور التوقيع النهائي بالموافقة على الخطة· وفي الوقت نفسه تقريباً، زار ضباط وكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات البريطانية الأميرة أشرف في الريفيرا الفرنسية واقنعوها بالعودة إلى إيران وإبلاغ شقيقها العمل بموجب الخطة الموضوعة·

وأثارت عودة الأميرة غير المحبوبة عاصفة من الاحتجاجات من القوى المؤيدة لمصدق· في الوقت الذي غضب فيه الشاه من عودتها دون موافقته ورفض رؤيتها في البداية· إلا أن أحد موظفي القصر- وهو عميل بريطاني آخر، طبقاً لما جاء في التاريخ السري- استطاع الوصول إلى أشرف في 29 يوليو·

ولكن التاريخ لا يكشف ما قاله الشقيقان كل منهما للآخر· إلا أن الأميرة نقلت لشقيقها خبر أن مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية أدرجوا الجنرال هـ· نورمان شوارتسكوف ضمن المشاركين في حملة الانقلاب· والجنرال شوارتسكوف، وهو والد قائد حرب الخليج، كانت قد نشأت بينه وبين الشاه صداقة قبل ذلك بعشر سنوات، أثناء قيادته للبعثة العسكرية الأمريكية في إيران، وأبلغ الوكالة "أنه كان متأكداً من الحصول على التعاون المطلوب"·

وسعى البريطانيون كذلك للسيطرة على الشاه والتأكيد له على أن عملاءهم يتحدثون باسم لندن· وفي أواخر شهر يوليو جاءه العميل البريطاني أسدالله رشيديان ودعاه لانتفاء عبارة تتم إذاعتها في أوقات محددة سلفاً ضمن برنامج هيئة الإذاعة البريطانية باللغة الفارسية- كدليل على أن رشيديان يتحدث باسم البريطانيين·

ويبدو أن تلك الممارسة لم يكن لها أثر كبير· فقد أبلغ الشاه رشيديان يومي 30 و31 يوليو أنه سمع الاذاعة ولكنه "طلب وقتاً لتقييم الموقف"·

وفي أوائل أغسطس زادت وكالة الاستخبارات المركزية من الضغط· فقد هدد العملاء الايرانيون الذين تظاهروا بأنهم شيوعيون الزعماء المسلمين بـ "عقاب شديد إن هم عارضوا مصدق"، سعياً منهم لإثارة المشاعر المعادية للشيوعية في المجتمع الديني·

وبالإضافة إلى ذلك، يشير التاريخ السري إلى أن منزل شخصية مسلمة بارزة واحدة على الأقل ألقى عليه عملاء الوكالة القنابل باعتبارهم شيوعيون· إلا أنه لم يذكر إن كان هناك من أصيب من جراء هذا الهجوم·

وكانت الوكالة في الوقت ذاته توسع حملتها الدعائية· ومنح صاحب صحيفة كبيرة قرضاً شخصياًَ قدره 45 ألف دولار "اعتقاداً بأن هذا سوف يجعل صحيفته خاضعة لأغراضنا"·

ومع ذلك ظل الشاه على ما هو عليه من عناد· وفي اجتماع عُقد في أول أغسطس مع الجنرال شوارتسكوف، رفض التوقيع على مرسومي وكالة الاستخبارات المركزية بإقالة مصدق وتعيين الجنرال زاهدي· فقد ذكر أنه يشك في تأييد الجيش له في أية مواجهة·

وتذكر الوثيقة أنه أثناء الاجتماع كان الشاه مقتنعاً بأن القصر زرعت به أجهزة تنصت، حتى أنه "سار بالجنرال إلى داخل قاعة الحفلات الكبرى، وسحب طاولة صغيرة إلى وسطها بالضبط" وصعد عليها كي يتحدث، وأصر أن يفعل الجنرال الشيء نفسه·

وكما جاء في التاريخ· فإن "هذا الاجتماع أعقبته سلسلة من الاجتماعات التقليدية، بعضها بين الشاه وروزفلت والبعض الآخر بين رشيديان والشاه، حيث مورس فيها ضغط شديد، في محاولات يائسة للتغلب على موقف ثابت يتسم بالتردد والعجز عن اتخاذ أي قرار"· وفي تلك الآونة أدرك الدكتور مصدق أن هناك مؤامرة تحاك ضده· وهنا انتقل إلى تدعيم السلطة بالدعوة إلى استفتاء قومي لحل البرلمان·

ومن الواضح أن نتيجة الاستفتاء الذي أجري في 4 أغسطس زورت لتكون في مصلحته؛ وأوردت صحيفة "نيويورك تايمز" في ذلك اليوم أن رئيس الوزراء فاز بنسبة 99.9 بالمئة من الأصوات· وكان ذلك بمثابة عون لمخططي المؤامرة، حيث أوجد "قضية يمكن مهاجمة مصدق بلا هوادة" من جانب صحافة المعارضة التي تدعمها الوكالة·

كل هذا والشاه يأبى اتخاذ أي إجراء ضد الدكتور مصدق·

وجاء في التاريخ السري أنه "في الثالث من أغسطس كانت لروزفلت جلسة طويلة وغير حاسمة مع الشاه" الذي "ذكر أنه ليس مغامراً، ومن ثم لا يسعه المخاطرة بما يخاطر به أي مغامر· وهنا أوضح روزفلت أنه ما من سبيل غير ذلك لتغيير الحكومة وأن الاختيار بات بين مصدق وقوته والشاه والجيش، الذي كان لايزال معه، ولكنه قد يفلت من يده عما قريب"·

وأبلغ روزفلت الشاه "أن الإخفاق في العمل لن يؤدي إلا إلى إيران شيوعية أو إلى كوريا ثانية"·

فما كان من الشاه الذي كانت لاتزال الشكوك تلح عليه إلا أن سأل روزفلت إن كان بإمكان الرئيس أيزنهاور إخباره بما يفعله·

ويذكر التاريخ السري أنه "بالصدفة المحضة والحظ الطيب، خرج الرئيس، أثناء كلمته التي ألقاها في مؤتمر حكام الولايات في سياتل في الرابع من أغسطس، عن النص المكتوب ليقول ما يوحي بأن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى إيران تسقط خلف الستار الحديدي"·

وبحلول العاشر من أغسطس كان الشاه قد وافق في النهاية على رؤية الجنرال زاهدي وعد د قليل من ضباط الجيش المشاركين في المؤامرة· وحينذاك أرسلت وكالة الاستخبارات المركزية رشيديان كي يقول إن روزفلت "سوف يغادر البلاد وهو في غاية الضيق ما لم يتخذ الشاه إجراء ما خلال أيام معدودات"·

وأخيراً وقع الشاه المرسومين في 31 أغسطس· وانتشر خبر اعتزامه دعم انقلاب يقوده الجيش بسرعة بين ضباط الجيش المؤيدين للجنرال زاهدي·

الانقلاب

الأيام القليلة الأولى تبدو شديدة السوء

بدأ الانقلاب في ليلة الخامس عشر من أغسطس وعرضه على الفور للخطر ضابط ثرثار في الجيش نقلت ملاحظاته لمصدق·

ويذكر التاريخ السري أن العملية "كان من المحتمل أن تنجح بالرغم من هذا الإنذار المبكر، ما لم يتسم معظم المشاركين بالرعونة وعدم القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة الحرجة"·

وعلم رئيس أركان حرب الدكتور مصدق، الجنرال تاغي رياحي، بالمؤامرة قبل ساعات من بدايتها وأرسل نائبه إلى ثكنات الحرس الإمبراطوري·

وطبقاً لما جاء في التاريخ، ألقي القبض على النائب هناك في الوقت الذي كان فيه الجنود المؤيدون للشاه يطوفون بالمدينة يقبضون على كبار المسؤولين الآخرين· وقطعت خطوط التليفون بين الجيش ومكاتب الحكومة، كما احتل السنترال·

ولكن التليفونات ظلت تعمل بطريقة غامضة، مما أعطى قوات مصدق ميزة كبيرة· كما راوغ الجنرال رياحي الوحدات المؤيدة للشاه، حيث قام بحشد تأييد القادة لرئيس الوزراء·

وألقي القبض على الجنود المؤيدين للشاه الذين أرسلوا لإلقاء القبض على الدكتور مصدق في بيته، بدلاً من أن يقبضوا هم عليه· وفر ضابط الجيش الذي يعمل مع الجنرال زاهدي عند رؤيته للدبابات والجنود الموالين للحكومة في قيادة الجيش·

ويروي التاريخ أنه في صبيحة اليوم التالي أعلنت إذاعة طهران أن الانقلاب ضد الحكومة فشل، وأن الدكتور مصدق سارع بتقوية قبضته على الجيش والمنشآت الرئيسية، وكان ضباط وكالة الاستخبارات المركزية داخل السفارة يتخبطون: ويشير التقرير إلى أنه لم يكن أمامهم "من سبيل لمعرفة ما كان يجري"·

غادر روزفلت السفارة وتعقب الجنرال زاهدي، الذي كان مختبئاً شمالي طهران· وما يدعو للاستغراب أن الجنرال لم يكن على استعداد للتخلي عن العملية، واتفق الرجلان على أنه كان لايزال بإمكان الانقلاب أن ينجح، شريطة القدرة على إقناع الشعب بأن الجنرال زاهدي هو رئيس الوزراء المشروع·

وبين التاريخ أنه في سبيل تحقيق ذلك كان على مخططي الانقلاب نشر خبر توقيع الشاه على المرسومين·

وبناء على ذلك أرسل مركز وكالة الاستخبارات المركزية في طهران رسالة إلى وكالة "أسوشيتد برس" في نيويورك مؤكداً أن "التقارير غير الرسمية تشير إلى أن قادة المخطط مسلحون بمرسومين من الشاه، أحدهما يقيل مصدق والآخر يعين الجنرال زاهدي ليحل محله"·

وأوضح التاريخ أن الوكالة وعملاءها رتبوا كذلك لذكر أمر المرسومين في بعض صحف طهران·

وسرعان ما أحبطت مبادرة الدعاية· فقد ألقي القبض على الكثير من عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الإيرانيين أو كانوا مختبئين· وفي ذلك المساء أعد عملاء الوكالة بياناً من الجنرال زاهدي كانوا يأملون في توزيعه على الشعب· إلا أنهم لم يجدوا المطبعة التي لم تكن مراقبة من قبل القوات الموالية لرئيس الوزراء·

وفي السادس عشر من أغسطس تلقت العملية ضربة مميتة· عندما علم أن الشاه قد فر إلى بغداد· وهنا أرسلت قيادة وكالة الاستخبارات المركزية برقية إلى مركز بغداد تحث فيها روزفلت، رئيس المركز، على المغادرة فوراً·

ولكن رزوفلت لم يوافق على المغادرة· حيث أصر على أنه لاتزال هناك "فرصة ضئيلة للنجاح"، لو أن الشاه أذاع بياناً من إذاعة بغداد واتخذ الجنرال زاهدي موقفاً شجاعاً·

وكانت أولى دلائل انحسار المد قد ظهرت مع التقارير التي تشير إلى أن الجنود الايرانيين فرقوا مجموعات حزب توده الشيوعي وضربوها وجعلوها تهتف بتأييدها للشاه· ويروي التاريخ أن "المركز ظل يشعر بأن المشروع لم يمت موتاً تاماً"·

وفي تلك الأثناء كان الدكتور مصدق قد أخفق في تحقيق غايته، حيث كان يلعب بين يدي وكالة الاستخبارات المركزية بحله البرلمان عقب الانقلاب·

وأخيراً أعلن الشاه في صبيحة السابع عشر من أغسطس من بغداد أنه وقع المرسومين -مع أنه كان قد تأخر في ذلك كثيراً· الأمر الذي جعل مخططي الانقلاب يخشون أن يكون الوقت قد فات·

وفي تلك اللحظة الحرجة، خفض الدكتور مصدق أعداد حرسه، فبعد أن خدعت الحكومة بمغادرة الشاه وإلقاء القبض على بعض الضباط المشاركين في الانقلاب، استدعت كل القوات التي كانت قد نشرتها حول المدينة، اعتقاداً بأن الخطر زال·

في تلك الليلة رتبت وكالة الاستخبارات المركزية تهريب الجنرال زاهدي وغيره من كبار العملاء الإيرانيين وضباط الجيش إلى داخل مجمع السفارة "في قاع السيارات وفي عربات الجيب المغلقة" من أجل عقد "مجلس للحرب"·

وهناك اتفقوا على شن هجوم مضاد في التاسع عشر من أغسطس، حيث أرسلوا رجل دين بارزاً من طهران إلى مدينة قم المقدسة ضد الشيوعية· (بعد سنوات من تلك وصفت القوى الدينية، التي كانوا يسعون لاستغلالها· الولايات المتحدة بـ "الشيطان الأكبر")·

وعن طريق أوراق سفر زورتها وكالة الاستخبارات المركزية، ذهب ضباط كبار في الجيش إلى الحاميات النائية لاقناع القادة بالانضمام إلى الانقلاب·

ومرة أخرى خيب الشاه آمال الوكالة· فقد غادر بغداد إلى روما في اليوم التالي، فيما يبدو نفياً· وأوردت الصحف المؤيدة للدكتور مصدق أن أسرة بهلوي انتهت· وعزا بيان صادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي محاولة الانقلاب إلى "مؤامرة انجلو أميركية"· وحطم المتظاهرون التماثيل الإمبراطورية- وهو نفسه ما فعلوه بعد 62 سنة أثناء الثورة الإسلامية·

ويومها أبرق مركز وكالة الاستخبارات المركزية إلى القيادة طالباً النصح بشأن "الاستمرار مع عملية TP-Ajax أو الانسحاب"·

ونعلم من التاريخ أن "القيادة أمضت يوماً يتسم بالاكتئاب واليأس· وذكرت الرسالة التي أرسلت إلى طهران ليلة الثامن عشر من أغسطس أن العملية تمت تجربتها وفشلت، وأنه في غياب التوصيات القوية، ينبغي وقف العمليات المضادة ضد مصدق"·

النجاح

مفاجأة كل من الوكالة وموسكو

في الوقت الذي كان الأمريكيون يوشكون فيه على التخلي عن العملية، حدث تغير في الحالة المزاجية في شوارع طهران·

ففي صبيحة التاسع عشر من أغسطس، نشر الكثير من صحف طهران مرسومي الشاه اللذين طال انتظارهما، وسرعان ما تجمعت الحشود المؤيدة للشاه في الشوارع·

ويذكر التاريخ السري أن الحشود "كان لا ينقصها إلا القيادة"· وهو ما قدمه عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الايرانيون· وبدون أوامر محددة، قاد صحافي من أهم عملاء الوكالة الايرانيين حشداً إلى البرلمان، محرضاً الناس على إشعال النار في مكاتب الجريدة التي يملكها وزير خارجية الدكتور مصدق· وقاد عميل إيراني آخر من عملاء الوكالة حشداً لتدمير مكاتب الصحف المؤيدة لحزب توده ونهبها·

ويذكر التاريخ أن "خبر حدوث شيء مخيف تماماً انتشر بسرعة كبيرة في أنحاء المدينة"·

وحاولت وكالة الاستخبارات المركزية استغلال الموقف، حيث أرسلت رسائل عاجلة بضرورة قيام الأخوين رشيديان واثنين من كبار العملاء الأمريكيين بـ "استمالة قوات الأمن إلى جانب المتظاهرين"·

غير أن الأوامر في تلك اللحظة كانت أسرع من أن تديرها الوكالة· فقد ظهر فجأة عقيد في الجيش الايراني كان مشاركاً في المؤامرة قبل أيام خارج البرلمان ومعه دبابة، بينما استولى أفراد الحرس الإمبراطوري، الذي كان قد حل في ذلك الوقت، على الشاحنات وساروا بها في الشوارع· ويذكر التاريخ السري أنه "بحلول الساعة العاشرة والربع كانت شاحنات محملة بأفراد الجيش المؤيدين للشاه في الميادين الرئيسية"·

وعند الظهر بدأت الحشود في تلقي التوجيه المباشر من بضعة ضباط شاركوا في المؤامرة وعدد ممن غيروا مواقفهم· وخلال ساعة سقط مكتب البرقيات المركزي، وأرسلت البرقيات إلى الأقاليم تحث على انتفاضة مؤيدة للشاه· وبعد تراشق قصير، سقطت قيادة الشرطة ووزارة الخارجية كذلك·

وظلت إذاعة طهران الهدف الأكبر الذي يسعون للاستيلاء عليه· وبما أن مصير الحكومة لم يكن معروفاً، فقد كانت الاذاعة تبث برنامجاً عن أسعار القطن· إلا أن حشداً من المدنيين وضباط الجيش ورجال الشرطة انقض عليها قبل العصر· وتحدث مؤيدو الشاه على الهواء، حيث أذاعوا خبر نجاح الانقلاب وقرأوا المرسومين الشاهنيين·

وفي السفارة، كان ضباط الوكالة يشعرون بالفخر والفرح، وأخرج روزفلت الجنرال زاهدي من مخبئه· وجاء ضابط من الجيش بدبابة وأوصله إلى محطة الاذاعة، حيث تحدث إلى الأمة·

وفي الوقت الذي جرى فيه إحضار الدكتور مصدق وغيره من مسؤولي الحكومة، وضع الضباط المؤيدون للجنرال زاهدي "المؤيدين المعروفين لـ "TP-Ajax" على رأس كل وحدات حامية طهران·

فوجئ الاتحاد السوفيتي بما جرى مفاجأة تامة· ذلك أنه حتى في الوقت الذي كانت تنهار فيه حكومة مصدق، كانت إذاعة موسكو تذيع تقريراً عن "فشل المغامرة الأميركية في ايران"·

إلا أن قيادة وكالة الاستخبارات المركزية فوجئت قدر مفاجأة موسكو، عندما وصلتها أخبار نجاح الانقلاب· إذ يشير التاريخ إلى أن الأمر "بدا وكأنه نكتة سخيفة، في ظل الاكتئاب الذي كان لايزال يخيم نتيجة لما حدث في اليوم السابق"·

وعلى مدار اليوم كانت واشنطن تتلقى معظم معلوماتها من وكالات الأنباء، حيث تلقت برقيتين فقط من المركز· ويبين التاريخ أن روزفلت أوضح فيما بعد أنه لو كان أبلغ القيادة بما يجري "لظنت لندن وواشنطن أنهم مجانين وطلبت منهم التوقف فوراً"·

ومع ذلك كانت وكالة الاستخبارات المركزية تحظى بنفوذ تام داخل الحكومة· وفي العام التالي أطاحت بحكومة جواتيمالا، وظهرت أسطورة تقول إن الوكالة يمكنها الإطاحة بأية حكومة في العالم· وأثبتت إيران أن صنع ملك من ملوك العالم الثالث أمر قد يتم بسرعة وبعنف·

وجاء في التاريخ السري لوكالة الاستخبارات المركزية عند وصف التاسع عشر من أغسطس 1953: "كان يوماً ما كان له أن ينتهي· ذلك أنه حمل في طياته ذلك الإحساس بالفرح وبالرضا وبالابتهاج، حتى أنه من المشكوك فيه أن هناك يوماً آخر يدانيه في ذلك"·

نجاح محدود

لمحاولة استغلال الصحافة الأمريكية

تشير وثائق وكالة الاستخبارات المركزية الداخلية إلى أن مسؤولي الوكالة المخططين لانقلاب سنة 1953 في إيران كانوا يأملون في زرع مقالات في الصحف الأمريكية تقول إن عودة الشاه محمد رضا بهلوي كانت نتيجة لانتفاضة داخلية ضد الحكومة ذات الاتجاه الشيوعي·

إلا أن تلك الآمال خابت إلى حد كبير· ويشير تاريخ وكالة الاستخبارات المركزية الخاص بالانقلاب أن عملاءها حققوا نجاحاً محدوداً في توجيه الصحفيين الأمريكيين، وإلى أن أياً من الأمريكيين الذين كانوا يغطون الانقلاب لم يعمل مع الوكالة·

ويبين تحليل للتغطية الصحفية أن الصحفيين الأمريكيين كانوا يبعثون ببرقيات صريحة وتقوم على الحقائق تظهر بشكل بارز دور الشيوعيين الإيرانيين في عنف الشوارع الذي أدى إلى الانقلاب· ولم ينقل المراسلون الغربيون في إيران وواشنطن قط أن بعضاً من الاضطرابات كان من إعداد عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الذين تظاهروا بأنهم شيوعيون· كما أنهم لم يبرزوا كثيراً التقارير الدقيقة المعاصرة لتلك الأحداث في الصحف الإيرانية وفي إذاعة موسكو، وكانت تؤكد قيام القوى الغربية بترتيب عودة الشاه في الخفاء·

كان ذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بثماني سنوات وحسب· مما جعل الصحفيين الأمريكيين يدركون المصلحة القومية التي حددتها ست سنوات من المواجهة بين الحلفاء والمحور، وكانت تسيطر على الصفحات الأولى من الصحف الغربية مقالات عن المواجهة الكونية الجديدة مع الاتحاد السوفيتي، وعن تفوق موسكو في صنع الأسلحة النووية، وعن مزاعم الكونجرس الخاصة بالنفوذ "الأحمر" في واشنطن·

ويذكر التقرير أنه في أحد الأمثلة كان من الواضح أن ضابطاً من ضباط الوكالة، كان يعمل صحفياً من قبل، يمكنه استغلال اتصالاته القديمة في وكالة "أسوشيتد برس" كي يضع بين برقيات الأخبار مقالاً من طهران عن المرسومين الشاهنيين اللذين كانت وكالة الاستخبارات المركزية نفسها قد كتبتهما· إلا أن الوكالة كانت تعتمد في الغالب على وسائل أقل مباشرة لاستغلال وسائل الإعلام الأمريكية·

وتشير الوثيقة إلى أن قسم إيران في وزارة الخارجية الأمريكية تمكن من وضع إحدى دراسات الوكالة على صفحات مجلة "نيوزويك"، "باستخدام القناة العادية بين ضابط القسم وأحد الصحفيين"· وكان المقال واحداً من تقارير صحفية مزروعة كثيرة، حتى أنه عندما أُعيد طبعها في طهران غذت "حرب الأعصاب" ضد رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق·

ويشير التاريخ إلى أن عملية إيران كشفت نقاط ضعف الوكالة فيما يتصل بتحريك الصحافة الأمريكية· فوكالة الاستخبارات المركزية "كانت تنقصها الاتصالات القادرة على وضع المادة بطريقة لا تجعل الناشر الأمريكي يفطن إلى مصدرها"·

ويكشف التاريخ أن أحد ضباط الوكالة، وكان يعمل تحت ستار كونه المسؤول الصحفي بالسفارة، نقل بالسيارة صحفيين أمريكيين إلى منزل خارج طهران حيث جرى إطلاعهما على مرسومي الشاه الذي يقيل أحدهما رئيس الوزراء·

وكتب كينيت لاف مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" في طهران أثناء الانقلاب عن المرسومين الشاهنيين في الصحيفة في اليوم التالي، دون أن يذكر الطريقة التي رآهما بها· كما ذكر في مقابلة أجريت معه أنه كان قد وافق على شرط مسؤول السفارة الأساسي، وهو ألا يذكر الدور الأمريكي في تنظيم الرحلة·

وأوضح لاف أنه لم يكن يعرف في ذلك الوقت أن المسؤول كان يعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية·

وبعد نجاح الانقلاب، أشار لاف باقتضاب في أحد المقالات إلى تقارير الصحافة الإيرانية الخاصة بالتورط الأمريكي، ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" كذلك مقالاً من موسكو يتضمن اتهامات سوفيتية بأن الولايات المتحدة كانت وراء الانقلاب· ولكن يبدو أنه لا "نيويورك تايمز" ولا غيرها من الهيئات الصحفية الأمريكية درست مثل تلك الاتهامات دراسة جادة·

وفي بحث كتبه لاف سنة 1960 أثناء دراسته بجامعة برينستون، أوضح أنه "كان مسؤولاً بصورة مهمة عن التعجيل بالنصر النهائي لأعوان الشاه"·

كما قال إنه عندما رأى ست دبابات تقف أمام محطة إذاعة طهران، "أبلغت قادة الدبابات أن أناساً كثيرين كانوا يُقتلون وهم يحاولون اقتحام منزل الدكتور مصدق، وأنه يمكن أن تكون لهم فائدة ما بدلاً من بقائهم بلا عمل عند محطة الاذاعة"· وأضاف قائلاً: "ساروا بمركباتهم إلى شارع كوخ ووضعوا الدبابات الثلاث عند منزل الدكتور مصدق دون أن تشتبك في قتال"·

وذكر لاف الذي ترك "نيويورك تايمز" سنة 1962 في مقابلة أجريت معه أنه حث الدبابات على الاشتباك "لأنني أردت وقف إراقة الدماء"·

ويشير لاف إلى أنه بعد أشهر عدة أبلغه روبرت دوتي- وكان وقتها مدير مكتب القاهرة ورئيسه هو- بأدلة عن تورط أمريكا في الانقلاب·

إلا أن دوتي، الذي توفي سنة 1974، لم يكتب عن هذا الموضوع· وبحلول صيف 1954، قرر لاف إبلاغ مكتب نيويورك بما يعرفه· وفي خطاب مؤرخ في 26 يوليو 1954 إلى إيمانويل فريدمان، وكان وقتها محرر الشؤون الخارجية، كتب لاف قائلاً: "الحالة الوحيدة منذ التحاقي بـ "نيويورك تايمز" التي سمحت فيها للسياسة بالتأثير على مقاربة خبرية صارمة، كانت هي عدم نقل الدور الذي قام به عملاؤنا في إقصاء مصدق"·

وذكر لاف أنه كان يأمل أن يأمره محرر الشؤون الخارجية بمتابعة الموضوع، ولكنه يقول إنه لم يتلق أي رد·

كما قال: "كنت أريد أن أدع فريدمان يعرف أنني كنت أعرف ان ثمة تورطاً أمريكياً في الانقلاب، ولكنني لم أكتب عنه· كنت أتوقع منه أن يقول: "اقفز على هذه القصة"· غير أنه لم يكن هناك أي رد"· وتوفي فريدمان سنة 1971·

مصدق·· سياسي غريب

ينجب تاريخاً غريباً

باستثناء آية الله روح الله الخميني أبى ثورة إيران، ما من زعيم ترك أثراً عليها أعمق من ذلك الذي تركه محمد مصدق· وما من حدث من أحداث القرن العشرين زاد من شك ايران في الولايات المتحدة مثل مؤامرة خلعه·

إنه محام غريب الأطوار تلقى تعليمه في أوروبا، وكان أبوه موظفاً وكانت أمه تنحدر من سلالة ملوك الفرس· وعمل الدكتور مصدق وزيراً محافظاً قبل معارضته لاعتلاء رضا شاه العرش في العشرينيات·

سجن مصدق ثم وضع قيد الإقامة الجبرية في ضيعته في قرية أحمد أباد المسورة غربي طهران· وفي نهاية الأمر اشترى القرية وكان يزرع المحاصيل وأسس مدرسة ابتدائية وبدأ مشروعاً للصحة العامة·

وعندما أجبرت بريطانيا وروسيا رضا شاه على ترك الحكم لمصلحة ابنه محمد رضا بهلوي سنة  1941، أصبح الدكتور مصدق عضواً في البرلمان· وقد امتدح كبطل بسبب خطبه النارية عن شرور السيطرة البريطانية على صناعة البترول· وفي سنة 1951، عندما صوت البرلمان لمصلحة تأميم الصناعة، عين الشاه الشاب الدكتور مصدق رئيساً للوزراء، اعترافاً منه بشعبية القوميين·

وفي ذلك المنصب أصبح أسير قوميته، وعجز عن التوصل إلى تسوية بشأن البترول· وحتى عندما تفاوض البريطانيون مع إيران، كسبوا تأييد كبرى شركات البترول لفرض مقاطعة عالمية على البترول الإيراني·

ومع ذلك أصبح الدكتور مصدق في العالم النامي رمزاً لمعاداة الإمبريالية· وقد كان يحظى بالاحترام رغم سلوكه الغريب، ومنه إدارة العمل من السرير وهو يرتدي بيجاماً صوفية رمادية اللون، وبكاؤه أمام الجماهير وعدم انقطاع شكواه من اعتلال صحته·

لقد جمع الدكتور مصدق كل خيوط السلطة في يده· وعندما رفض الشاه طلبه السيطرة على القوات المسلحة سنة 1952، استقال، ليعاد تعيينه رغم الاضطرابات الشعبية·

وحينذاك أبدى قدراً من الاستبداد، حيث تجاهل البرلمان بإجراء استفتاء قومي للحصول على موافقة بحله· وفي تلك الأثناء انزعجت الولايات المتحدة من قوة الحزب الشيوعي الإيراني الذي كان يؤيد مصدق·

وفي أغسطس 1953 أدت محاولة الشاه عزل الدكتور مصدق إلى نزول أتباعه إلى الشوارع· وهنا فر الشاه، وسط مخاوف في حكومة أيزنهاور الجديدة من احتمال اقتراب إيران أكثر مما يجب من موسكو·

ومع ذلك فإن الدكتور مصدق لم يعزز مصالح الشيوعيين، ورغم حصوله على تأييدهم· ومن المفارقات أن الحزب تخلى عنه في نهاية الأمر، حيث رأى أنه ليس ملتزماً الالتزام الواجب وأنه شديد القرب من الولايات المتحدة· وفي الوقت الذي أقصاه الانقلاب الشاهاني بعد أيام عدة من الفوضى· كان قد اكتسب عداء الكثير من ملاك الأراضي ورجال الدين والتجار·

وبعد محاكمته أمضى ثلاث سنوات في السجن وانتهى به الحال إلى الإقامة الجبرية في ضيعته، وفي مارس 1967 توفي مصدق، وكان في منتصف الثمانينات من عمره بعد أن أنهكه العلاج بالراديوم من سرطان الحنجرة·

وعندما أتت الثورة برجال الدين إلى السلطة سنة 1979، حاول القوميون المعادون للشاه إحياء ذكرى مصدق· وتم تغيير اسم طريق في طهران من طريق بهلوي إلى طريق مصدق·

إلا أن آية الله الخميني كان لا يراه داعية للإسلام، وإنما للقومية الفارسية، وكان يحسده على شعبيته، وهكذا أصبح اسم طريق مصدق هو والي أسر، نسبة إلى الإمام الغائب الذي سيظهر يوماً ما حسب اعتقاد الشيعة، وسوف يقيم المجتمع السياسي الإسلامي الكامل، ومع ذلك فإنه حتى الإمام الخميني نفسه كان حريصاً على ألا يتمادى في ذلك· فقد أصبحت القاعدة هي تجاهل الدكتور مصدق، وليس تجريحه·

وبعد عشرين سنة، أعيد تبجيل مصدق نتيجة لعودة القومية من جديد والشعور بالإحباط فيما يتصل بالتشدد الإسلامي· ويحرك مصدق الشباب الذي يهفو إلى الأبطال دون أن يعثر عليهم، سواء بين الملوك أو رجال الدين·

وفي الحملات الانتخابية المحلية في شهر فبرابر 1999 والانتخابات البرلمانية التي أجريت بعد ذلك بعام، استفادت إعلانات الإصلاحيين من وجه مصدق المستطيل الحزين· وفي كل عام منذ وفاته، يتجمع مؤيدوه في ضيعته·

ومازال ميراثه يثير قدراً كبيراً من الجدل، وفي شهر أغسطس، أقر البرلمان مشروع قانون يلغي يوم العطلة الذي يوافق يوم تأميم صناعة البترول سنة 1951، حيث أثار هذا القرار احتجاجات في الصحافة·

فقد جاء في صحيفة "خرداد" اليومية الإصلاحية: "واأسفاه! لقد تجاهل البرلمان أوضح رمز من رموز كفاح الشعب الإيراني طوال تاريخه ضد الاستعمار"·

وفي نوفمبر اضطر أعضاء البرلمان لإعادة يوم العطلة كما كان· "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الكتاب وجهات نظر، العدد السابع عشر يونيو 2000

** صحفي أمريكي

طباعة