الحد الفاصل
نشمي مهنا
معادلة صعبة تلك التي يحاول الشاعر فك رموزها، إذ كيف باستطاعته الإبحار في كتاباته الشعرية - التي لا يعرف أين ستفضي به - دون أن يرفع عينيه بعيون جماهيره، !
تشغله دائما تلك العيون الراصدة·· يتوجس منها وفيها مواطن الرضا والقبول، أو امتعاض الرفض والإعراض، والمعضلة شاخصة تكرر أمامه·· كيف ينال قبول جماهيره واستحسانهم دون أن يفرط بفنية القصيد؟!
حد فاصل رفيع·· قلة هم من ملكوا توازنهم ومشوا فوقه، إذ إن النظر - عادة - الى الهوة من علو، يربك الناظر، ويعجّل بسقوطه، فما بالك بهوتين: الأولى حنين الى جزر الجماهير الآمنة (بلا عمق مغر يدفع للمغامرة)، والثانية عمق ثلجي (بشرط الوحدة والوحشة) بعيدا عن الجماهير·
***
يقال - على سبيل المدح والثناء - إن الشاعر الفلاني يتكلم بفم الشعب، أي قريبا من نبضه وأحاسيسه وآلامه اليومية المعاشة، يحوّل صدى آهات الإنسان البسيط الى قصائد تحكي مأساته (كالندّابات)، أو تُرَبِتُ فوق كتفه!
قد يُقبل هذا المعنى المزدوج من الثناء - جوازاً - بالنسبة للشعر الشعبي، الذي لم تتبلور بعد ألوان واتجاهات المدارس الفنية فيه، لم يظهر بعد تيار شعري حداثي، وآخر رمزي، وثالث مجدد ضمن إطار القصيدة النبطية التقليدية، ورابع··
"الجميع" يكتب قصائد "سيامية" متشابهة لذا يظل الجمهور يقبل على "الجميع" لدوافع أخرى بعيدة عن تصنيفات الشعر·· قد تعود لمعارف شخصية أو قد تستهويه مواضيع قصائد الشاعر ( رغم طغيان العاطفي في الأغلب)·
قد يكون "هجر" أغراض الشعر التقليدية من مدح، ورثاء، وحكم وغزل وتشبيب بأشكاله المتعارف عليها قديما- ومنذ أمد طويل - قد يكون سببا في ارتقاء شكل ومضمون شعر الفصحى·· صفّاه من شوائب اللفظ، الى اقتناص المعنى، ورغّبه في الطرْق على أبواب ذلك المعنى بخفة، غير مباشرة (رمزية) أو العكس قد يكون صحيحاً (أي أن هذا الانقلاب في الكتابات الشعرية من المباشر "الساطع"، الى الرمزي الخافت، والحاض على إشراك القارئ في لعبة القراءة "الواعية" هو الدافع على هجر تلك الأغراض· فمن غير المعقول أن يمتدح شاعر معاصر (كادونيس) صديقا، أو حاكما (حتى وإن أراد) بقصيدة رمزية·· أو يرثي برمز!
هذا الخيار "الفصحوي" من هجرٍ لأغراض الشعر التقليدية واتخاذ "لغة" شعرية جديدة، وتفضيل الوقوع في هوة "وحشة لأعماق غامضة " دون اللجوء الى "جزر الجماهير الساكنة·· هي التي أقفلت على شاعر الفصحى وحْدته، وملأت الصالات في أمسيات الشعر الشعبي!
Nashmi22@hotmail.com