بعد عشر سنوات من غزو العراق للكويت وفرض العقوبات الدولية على بغداد، ليس هناك غير المأزق· فكما كتبت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في منبر حر نشرته صحيفة "فانينشل تايمز" "تغيرت أشياء كثيرة منذ الثاني من أغسطس لعام 1990، لكن هناك شيئا ثابتا ما زال قائما: النفاق الفظ لصدام حسين"· وبالنسبة الى أولبرايت يريد صدام حسين الذي "تتضمن لائحة ضحاياه جيرانه العرب والأكراد والشيعة العراقيين والمنشقين السياسيين ومواطنيه أنفسهم أن ينسى العالم ما فعله قبل عشر سنوات وأن يتجاهل الأعمال الإجرامية التي ارتكبها مذ ذاك· ونحن ينبغي أن نبقى مصرين على رفع الحصار الذي فرضه صدام على الشعب العراقي"· وأضافت أولبرايت أنه سيأتي حتما يوم "نستطيع فيه أن نرحب بالعراق مشاركا كاملا وشريكا في المجتمع الدولي"·
لا شيء يسمح الآن بالاعتقاد أن هذا اليوم قريب ولا حتى متوقع في المدى المتوسط بقدر ما تبقى قضية العراق مجمدة في حوار طرشان أمريكي - عراقي لا سبيل الى الخروج منه· فلا شك أن رئيس النظام لا يتردد في استعمال أي شيء بما فيه القمع الوحشي حتى يحافظ على السلطة وهو ينجح، أما الولايات المتحدة التي يستحيل أن يحصل أي جديد في مجلس الأمن من دون موافقتها فتؤكد رغبتها في إطاحة النظام لكنها لا تستطيع الاعتماد على غير العناية الإلهية·
إن ديمومة المشكلة العراقية تطرح مرة جديدة مشكلة فعالية العقوبات ونطاق وحقل تطبيقها ومدتها وآليات رفعها· ولا شيء يضمن أن يدخل العراق مرحلة جديدة من الديمقراطية والانفتاح في حال رفع العقوبات عن الواردات ذات الاستعمال المدني· لكن ما هو أكيد في المقابل هو أن العقوبات لم تفض الى سقوط النظام· فصدام حسين ما زال يرفض احترام مطالب الأمم المتحدة، في حين أنه يواصل من دون أن يرف له جفن في استغلال معاناة الشعب العراقي لأغراض دعائية· ومن ذلك، شيوع الفقر وانهيار النظام الصحي وتفكك النسيج الاجتماعي والعائلي وازدياد نسبة وفيات الأطفال·
رسميا، يطالب الرئيس العراقي برفع العقوبات لكنه لا يفصح عما يفكر فيه حقا، لأنه هو نفسه كما المحيطون به هم المستفيدون الوحيدون لما كانوا يستطيعون التصرف بكل شيء·
أما الولايات المتحدة فبرغم الضجة التي تغلف دعمها، ومعظمه إعلاني لمعارضة عراقية هي أشد انقساما من أن تستطيع التأثير في مجرى الأحداث، فليس في مستطاعها غير الاستمرار في غارات منذ عام 1998 صارت روتينية بشكل جعلها منسية هي يومية إن لم تكن مرتين في اليوم تصيب أهدافا في الشمال والجنوب لكن توقع ضحايا مدنيين أحيانا·
هذا الوضع يدفع بعض الدبلوماسيين الى اعتبار الغارات مجرد تغطية لغياب هدف واضح واستراتيجية مدروسة لدى الولايات المتحدة لما كانت هذه الأخيرة لا تعرف عما تبحث وليست لديها أي "وصفة" لا بالنسبة الى الحاضر ولا بالنسبة الى عراق ما بعد صدام·
إذا، ألم يتغير أي شيء في السنوات العشر الماضية؟ نعم تغيرت أشياء فمن الناحية الجوهرية، حدث نزع سلاح مهم بفضل أعمال اللجنة الدولية الخاصة بنزع أسلحة التدمير الشامل العراقية (انسكوم) برغم مقاومة النظام ومناوراته والاحتيالات·
لكن في هذا الموضوع، تبقى هناك مناطق رمادية يؤكدها الخبراء تتيح لواشنطن ولندن حجة للمحافظة على العقوبات· فقد انتهى وجود "انسكوم" في ديسمبر من عام 1998 قبل أن تعلن وفاتها رسميا لتحل مكانها في يناير من السنة ألفين لجنة "انموفيك" التي مهمتها التحقق من قضية الأسلحة حتى تتيح تعليق العقوبات لأسباب إنسانية مدة أربعة أشهر قابلة للتجديد إذا تعاونت بغداد مع خبراء نزع السلاح· لكن العراق يرفض التعاون· فهو لا يريد أن يخضع لإرادة وتحكيم لجنة خبراء توصي استنادا الى القرار 687 لمجلس الأمن الدولي الذي يقول برفع العقوبات ما عدا العسكرية بأن التحقق النهائي من نزع السلاح قد حصل·
في عشر سنوات، لم ترفع العقوبات، لكن اختراقات حصلت لأسباب إنسانية· فصيغة النفط مقابل الغذاء التي وافقت عليها بغداد أخيرا عام 1996 أراد منها مجلس الأمن تخفيف عبء الحياة اليومية عن العراقيين· واليوم صار العراق مخولا ببيع ما يستطيع إنتاجه من النفط بلا حد أعلى وزادت قيمة إنتاجه بعد ارتفاع الأسعار الى ما يربو على 20 مليار دولار، خصص 5,64 مليار لسد حاجات الشعب و600 مليون دولار لشراء قطع غيار لصناعة النفط·
لكن الشيء الاستثنائي الذي حصل هو النسيان الذي غرق فيه العراق فجأة، فبعدما كان الأمريكيون والبريطانيون وآخرون يعبرون عن مخاوفهم من رؤية العراق يعيد إطلاق برامج التسلح في غياب المراقبة الدولية، انخفضت حمى الخوف منذ ستة أشهر· فالولايات المتحدة التي كانت قبل أشهر عدة ترفض بشدة أي ادعاء يقول إن العراق لم يعد يهدد جيرانه، صارت تعترف الآن أنه لم يعد خطرا (من ناحية الأسلحة غير التقليدية)·
فهل ينبغي أن نرى في ذلك بوادر تغيير؟ حسب أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، لا ينبغي انتظار أي تغيير قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية "وليس هناك أي أفق حتى بعد الانتخابات"·
(لوموند)