رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 9 - 15 جمادي الاولى 1421 هـ الموافق 9 - 15 اغسطس 2000
العدد 1439

شركات الإنتاج تسعى للربح على حساب المستوى
الأغنية الكويتية··· إلى أين ؟!

·         شعراء الفصحى يجلسون وكأن الأمر لا يعنيهم

·         جيل جديد يستعد للانطلاق··· ولكن!

·         الفرق الغنائية جــــزء جــديد لمسلسـل الهبوط

·         النــص واللحـــن  يطبخان بالميكرويف

 

كتب علي حسن الفيلكاوي:

الأغنية جزء من تاريخ الإنسان

لا أود طرح هذه القضية الثقافية الفنية للمناقشة بقدر ما أود استعراضها كرغبة ملحة وأمنية قابلة للتحقق· إن الأغنية بجسدها الموسيقي هي لغة لا تحتاج الى فهمها والشعور بها إلا لأذن مرهفة وروح تواقة للطيران فوق عشب الجمال، وهي بإطارها العام مرآة لحضارة الشعوب والصلة التي لا تنفصم بالخلافات مهما بلغت حدتها، وهي اللحظة المتواصلة التي لا تتوقف أمام الحواجز والحدود، والأغنية هي جزء من تاريخ الإنسان العام والخاص ففي التاريخ العام للإنسان تتمثل الأغنية بمشاركة الشعوب أحزانهم، أفراحهم، حربهم، وسلمهم وتمتزج أيضا في نسيج حبهم وأحلامهم فهي العامل المشترك الأكثر حميمية وعفوية في معظم المناسبات والنشاطات الإنسانية، وفي التاريخ الخاص للإنسان تدخل الأغنية كجزء من الذاكرة، فاستعادة الاستماع الى أغنية ما هي في الواقع استعادة لجزء زمني محدد يستجمع به المتلقي أجزاءه المتناثرة ويمتزج فيه الوقت بالحياة والحاضر بالماضي أو المستقبل في رحلة استكشافية تبدأ من أوتار الأعماق نحو فضاء الجهات· فالاستماع الى أغنية ما هو رغبة حقيقية في الانطلاق من حدود الواقع أو هو إطلاق لكوامن الشعور من سيطرة مراكز الإدراك، وهو أيضا البحث المستمر عن عوالم أخرى وأمنيات آملة تنطلق بمستوى وعي الملتقي، وهي أخيرا تحسس نابض لمطلق لا يحس، لذلك كله كانت الأغنية وما زالت تحتل تلك المساحة الذوقية المتميزة في ذهنية الشعوب فهي نتاج إبداعي ثلاثي الأبعاد صوت، كلمة، لحن، حيث يمتزج هذا البعد الثلاثي في عطاء إنساني يمثل ذروة الشعور وغاية التواصل الإبداعي بتكاملية دقيقة متناسقة بين الأبعاد الثلاثة وفي الأغنية الحديثة يدخل البعد الرابع وهو الفيديو كليب والذي من المفترض أن يمثل الإطار المرئي ليضيف للأغنية بعدا جماليا آخر·

حضور مكثف لأغنيات مهترئة

الأغنية الكويتية الآن هي أغنية لا تعاني من أفق الانتشار بقدر ما تعاني من ومضة التفوق والتميز، ففي سيل الإنتاج الغنائي (تضرب) بلغة السوق أغنية واحدة من أغنيات الشريط الثمان غالبا وهي في أكثر الأحيان لا تكون الأجمل ما بين مجموعة الأغاني وكل ذلك يتم من أجل أن يتحقق الارتفاع في أعداد المبيعات وتدور دائرة الشهرة التي طالما كانت وقتية وفارغة، ويبدأ تحت لمعان الطلب المتواصل تصريف وتدشين الكلمات الهابطة والألحان الرديئة، مبتعدين كل البعد عن تحقيق أي هدف فني خالص يرتقي بالذوق الفني العام وكأن تحقيق الربح المادي وهو مهم أيضا لا يتم إلا بمثل تهتك تلك الأغنيات وخوائها من أي تجديد موسيقي أو مفهوم اجتماعي أو عاطفة سامية، وما الحضور المكثف لهذا التنوع من الأغنيات المهترئة إلا دليل آخر يؤكد على مدى عجز وزيف كثير من المدعين من ملحنين وشعراء ومطربين أيضا، بعد كل ذلك هل مكمن المشكلة يتركز في تدني الوعي الجماهيري؟ قد يبدو الأمر كذلك، ولكن للمشكلة أوجهاً أخرى فشركات الإنتاج تدرك أنها حين ترتقي بمستوى الأغنية فإنها ترتفع عن مستوى الوعي المتدني، وعند ذلك يحدث الانفصال بين الأغنية وجمهور المستمعين وتهبط أرقام مبيعاتها ولذلك فهي تحافظ بل تجتهد في جعل المستوى المتدني ممتلكا لسماته وتبحث عن انتهاجات جديدة أكثر هبوطا تتمثل في بعض الصرعات الشبابية ومجموعة الفرق الغنائية لتشمل هذه الرداءة قاعدة جماهيرية أكثر ونستطيع أن نتبين مدى تأثير الفرق الغنائية على قطاع كبير من الشباب، ولعل خطورتها تكمن أيضا في نجاحها للوصول الى ذهنية الطفل لتشكل هي أساس ذوقه الموسيقي، وليتواصل مسلسل الانحدار يستخدم لذلك ملحنون يطبخون اللحن بالميكرويف، وشعراء غنائيون يكتبون قصائدهم خارج منطقة الوعي والإدراك، ولا نريد أن نكشف أسماء لملحنين لا تخفى وصفاتهم على المتخصصين الموسيقيين ولا لشعراء غنائيين كل ما يمتلكون من الموهبة هو حب الظهور النرجسي، ومن المؤسف حقا استخدام البعد الرابع وهو الفيديو كليب لتطويق ما تبقى من الأغنية لتكون في النهاية ملخص الأغنية مجرد استثارة واهية لأحاسيس مزيفة في إطار ضوئي موسيقي سرعان ما ينطفئ·

التراث الغنائي

لقد شاركت مجموعة من الشعراء والأدباء مثل "أحمد العدواني، د· عبدالله العتيبي، يعقوب السبيعي، علي السبتي محمد الفايز وغيرهم" مع ملحنين نذكر منهم على سبيل المثال "أحمد باقر، غنام الديكان وعبدالرحمن البعيجان وعوض الدوخي وغيرهم" في الارتقاء بمستوى الذوق الفني ورسم وتدشين خط متميز للأغنية الكويتية انطلقت بأصوات تشبه الغيوم متواصلة المطر وامتزجت بحناجر عوض دوخي، شادي الخليج، حسين جاسم وغيرهم" وأثرت عطاءاتهم وإن جاءت بمستويات متفاوتة ورتم متنوع في الحركة الفنية الموسيقية وكانت هبتهم الأثيرة هي وضع أساسيات الأغنية الكويتية والامتداد من ذلك لخلق أجيال فنية متواصلة ترتكز على أعمال بالغة الاتقان وتراث غني متنوع ومتميز، ولكن من اللافت للانتباه أن الجيل الحالي لم ينطلق من ذلك التراث الغني ولم يستغل بشكل جدي ومبدع كل ذلك التنوع فهو يتقدم على أرض متهاوية سوف تنحدر لا بد به الى هاوية الفوضى والفراغ والذي بنهائيتهما سوف يخفت صوت الأغنية الكويتية وتتمزق أوتارها·

الوعي ما بين النص واللحن

هنالك الكثير من الإشكالات تعترض طريق الأغنية الكويتية، وترتكز أهمها بفهم شركات الإنتاج المادي والوعي المتدني لجمهور المستمعين، وهذه المشكلة الأخيرة من الصعب بمكان إيجاد الحلول لها لارتباطها بالثقافة الشخصية للمتلقي وارتباط ذهنيته بذاكرة غنائية هابطة ولعدم توفر عنصر الحرية السياسية والاجتماعية نوعا ما، ومن الممكن التخفيف من حدة المشكلة الأولى بفرض نوع من الرقابة الواعية، وبتوفر النوايا المخلصة والرغبة الصادقة لدى شركات الإنتاج من أجل خلق أغنية حقيقية، وفي الجانب الآخر من الإشكال الفني الموسيقي والذي يتمحور حول عدم توفر النص الشعري، فذلك من المؤكد أنه عذر واه وسبب من الأسباب غير المقنعة، فالنص الشعري المتميز شعبي، فصحى، هو نص متواجد ولكن جزءاً من اختفاء النص المتميز على امتداد الشريط الغنائي يكمن بقصور الوعي الثقافي لدى الملحن الموهوب والمبدع موسيقيا مما يجعله يقف على درجة من التضاد مع النص الأدبي المتميز متجاوزا لعدم قدرته على التفاعل ذلك النص، فيلجأ الملحن بالطبع الى البديل الرديء المتعارف عليه والمتكرر، وما أكثر هؤلاء البدلاء الذين تضج نصوصهم بالسخف والسذاجة لنستمع في النهاية الى كلمات ذات معان متكررة في أغان عرجاء عاجزة عن التحليق في أفق الإبداع ولذلك يتوجب على هذا الجيل الحالي من شعراء حقيقيين "شعبي، فصحى" المشاركة الفعالة من خلال توجيه وتطويع بعض نتاجهم للارتقاء بالأغنية الكويتية، وعلى الأخص شعراء الفصحى الذين يستطيعون بمشاركتهم في نتاج الأغنية ردم تلك الهوة الآخذة بالاتساع بين نصوصهم وجمهور المتلقين والمساهمة بالطبع في الارتقاء الفني للأغنية وإضافة اتجاه جديد تفتقده الأغنية الكويتية والعربية بشكل عام، وفي تطور واستشراء البعد الرابع - الفيديو كليب - والذي يسحب المجال التصوري والسمعي من إطار اللحن والكلمات تبدو الحاجة أكثر إلحاحا لمضاعفة الجهد النصي للأغنية ليفرض في النهاية تصوره الخيالي مانحا للفيديو كليب مهمته الأساسية وهي رسم إطار اللوحة الغنائية دون أن يكون الفيديو كليب هو اللوحة ذاتها·

الجيل الجديد

لعلنا لا نبالغ في تصوراتنا عن هبوط الأغنية وعلى مستوى الوطن العربي بشكل عام ففي مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون الذي اختتم فعالياته مؤخرا حجبت الجوائز الذهبية والفضية والبرونزية في أقسام الأغنية العربية "فصحى، شعبي" ومن الملفت أن لجنة التحكيم اكتفت بجائزة ذهبية واحدة فقط منحت للكويت عن أغنية الطفل "كتابي صديقي"، مما يدلل على أن الكويت تمتلك الموهبة والإمكانات لخلق أغنية راقية ومتطورة متى توفرت الجدية والاختيار الواعي للنص واختيار اللحن المتفاعل والمتجسد مع ذلك النص خصوصا في ظل توفر أصوات تزخر بطاقات تعبيرية لا محدودة مثل "عبدالله رويشد، محمد المسباح، نوال" وبوجود ملحنين حقيقيين لا تنقصهم الموهبة ولا الحرفية، نطرح كل ذلك في ظل ظهور بوادر لجيل جديد من الشباب يمتلك أدواته الصوتية، النصية واللحنية ويستمد كيانه الفني من الأجيال السابقة لذلك تبدو الحاجة الآن أشد لتطوير وتصحيح مسار الأغنية ليستطيع هذا الجيل الشاب من الانطلاق على أرضية ثابتة، ومواصلة عملية الإبداع الغنائي ومعاودة الارتقاء بالأغنية الكويتية·

طباعة  

شذرات
 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
سيف الرحبي في ألمانيا
 
ادوار حنين: آمنت بالله وبلبنان
 
وتد
 
أجيال